إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (42)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله عز وجل هنا أن من قوم موسى عليه السلام ليسوا كلهم يتبعون الباطل ويسارعون فيه، وإنما يوجد منهم من يؤمن بالله عز وجل ويتبع شريعته ويهدي الناس إليها، وقد صور الله حالهم حين أخذوا في اجتياز البحر أثناء فرارهم من فرعون وجنوده، وأنه سبحانه جعل لهم فيه اثني عشر طريقاً وقسم كل قبيلة منهم على طريق من الطرق، ثم لما بلغوا البر واحتاجوا إلى الماء أوحى الله إلى نبيه أن يضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشر عيناً بقدر عدد قبائلهم، رحمة من الله عز وجل بهم وإنعاماً عليهم.

    1.   

    حياة الروح بالعقيدة الإسلامية

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة.

    من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم- الثلاثاء ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم، قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا هذا الرجاء إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأعراف المكية المباركة الميمونة، أي: نزلت بمكة، والسور المكية تعالج العقيدة؛ إذ العقيدة الصحيحة بمثابة الروح للحيوان من فقدها فهو ميت، ومن رزقها فهو حي، وإن شئتم حلفت لكم بالله، فالعقيدة الإسلامية الصحيحة التي يوافق عليها القرآن ويصدق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة الروح للحياة، صاحبها حي يسمع يبصر يعطي يأخذ يستجيب للنداء؛ وذلك لكمال حياته، وفاقدها ميت يسمع (حي على الصلاة) فهل يتحرك أو يأتي؟ أهل هلال رمضان فهل ينوي الصيام ويصوم؟ حصل الجهاد في سبيل الله فهل يحمل سلاحه ويخرج؟ ميت.

    فلهذا كان للعقيدة شأنها، وأول أجزائها: الإيمان بالله رباً لا رب غيره، وإلهاً لا إله سواه، أي: لا يعبد مع الله أحد.

    ثانياً: الإيمان برسالة النبي الأمي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وتقرريها وتأكيدها، إذ من لم يؤمن به فلو صام الدهر كله ما أثيب على صومه، لو أنفق كل ما يملك ما أثيب على نفقة، لو بكى من خشية الدهر كله ما نفعه بكاء، لا بد من الإيمان الصادق الجازم بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: البعث الآخر، الدار الآخرة، يوم القيامة، وما يجري فيه أولاً من حساب دقيق، ثم الجزاء إما بالنعيم المقيم وإما بالعذاب الأليم.

    ثم قضية التشريع: ما دام لا رب إلا الله فلا يوجد من يشرع سوى الله، الخالق الرازق المحيي الميت هو الذي يدبر لعباده، هو الذي يشرع لهم العبادات؛ ليعبدوه بها تزكية لنفوسهم، أما غير الله فليس من حقه هذا أبداً، فكل مشرع لعباد الله واضع لهم عبادات فهو مفتر على الله وكذاب.

    هذه العقيدة التي تعالجها السور المكية، أما المدنيات فهن يعالجن الشرائع والأحكام والعبادات في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ...)

    والآن مع هذه الآيات الثلاث، فلنستمع إلى قراءتها مرتلة مجودة ونحن نتأمل ونتفكر ونتدبر ونسمع الشارح ماذا يقول؟ هل يوافق ما فهمناه أو يخالف، فإن وجدناه موافقاً حمدنا الله، وإن وجدناه مخالفاً سألنا الله أن يعلمنا، وأن يزيد في علمنا.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [الأعراف:158-160].

    نعمة مدارسة القرآن والوقوف على قصصه

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أية نعمة أكبر من هذه النعمة؟ عبيد الله في بيته يسمعون كلامه، يسمعون كلام الله ربهم، وقد حوى العلوم والمعارف، أسألكم بالله: هل نحن عاصرنا بني إسرائيل مع موسى؟ هل آباؤنا وأجدادنا عاصروهم؟ فكيف وصل إلينا هذا النور وهذا الفلاح؟ ورسولنا صلى الله عليه وسلم هل عاصر موسى وهارون وبني إسرائيل؟ لا والله، أما كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب؟ كيف إذاً يقص هذا القصص الحاوي للهداية الإلهية والأنوار الربانية؟ قولوا: الحمد لله .. الحمد لله!

    ووا أسفاه على إخواننا في الشرق والغرب المحرومين من هذا النور، المبعدين من هذه الهداية الإلهية، لا يعرفون عن كلام الله ولا كتابه، ولا يجتمعون عليه ولا يتدارسونه، وا حسرتاه ووا أسفاه، من حرمهم؟

    الواجب أن المسلمين في كل ديارهم في مدنهم في قراهم، في جبالهم وسهولهم إذا دقت الساعة السادسة ومالت الشمس إلى الغروب يوقفون العمل، يتوضئون ويأتون بيوت ربهم بنسائهم وأطفالهم،كل ليلة يتعلمون الكتاب والحكمة، لن تمض سنة إلا وأهل القرية علماء ربانيون، تنتهي مظاهر الظلم بكامله مظاهر الخبث بكامله، مظاهر الشر بكامله، كأنهم جسم واحد، كيف نحصل على هذا الكمال؟ لو تنفق ملء الأرض ذهباً على أن تحول أهل قرية أو مدينة إلى أن يصبحوا أولياء لله ربانيين فوالله! ما تستطيع ولن تستطيع، لو أن الحكومة تفرض على كل واحد بوليساً ويأتي به إلى المسجد فوالله! ما حصل هذا ولا ينتفعون به، ولكن مكرة العدو، مكرة الثالوث الأسود: المجوس واليهود والنصارى، نظروا فعرفوا أن هذه الأمة ما ارتفعت إلى سماء الكمال ولا سادت ولا عزت ولا طابت ولا طهرت إلا بهذا الكتاب، ثلاثة قرون لم تحلم الدنيا ولم تر عين الوجود أمة أكمل ولا أسعد ولا أطهر من تلك الأمة، بسبب ماذا؟ بالتقنيات والعلوم والسحر والمعارف؟ والله! لا سبب إلا اجتماعهم على كتاب الله عز وجل.

    عرفوا هذا فصرفوا الأمة في الشرق والغرب عرباً وعجماً، أبعدوها عن كتاب الله، وماذا يصنعون به إذاً؟ قالوا: يقرءونه على موتاهم، الميت تقرأ عليه القرآن فهل سيقوم يصلي؟ أترتعد فرائصه ويخشى الله ويبكي ويستغفر الله لذنبه؟ لم توبخه أنت بقراءة القرآن عليه؟

    تقرأ القرآن على الأحياء رجاء أن يتوبوا ويطيبوا ويطهروا، ولهذا وا أسفاه، وا حسرتاه على أمة لا إله إلا الله، ماذا فعل بها أعداء الله حتى ذلت وهانت، وعلوا عليها وتكبروا فوقها، وأهانوها وأذلوها؟

    عموم النداء للناس لإعلامهم بالرسالة

    معاشر المستمعين والمستمعات! اسمعوا هذا النداء: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف:158] قل يا رسولنا، يا محمد صلى الله عليك وسلم، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الأعراف:158] يدخل في هذا النداء الأبيض والأصفر، العربي والعجمي، والله! لا يخرج منه إنسان على وجه الأرض، كل البشرية هذا النداء لها، فليس من حق أي واحد أن يقول: محمد رسالته خاصة ونحن كانت لنا رسالات وأنبياء. فهذا عموم لرسالته لعلم الله تعالى بأنه لا يبعث بعده رسولاً، ولا ينبئ بعده نبياً، وقد علم الله أن الأرض ستكون في يوم من الأيام وكأنها مدينة واحدة، فلا حاجة إلى التعب والإعياء والرحلة، الآن القرآن يقرأ في الإذاعة يسمعه العرب والعجم في كل بيت وكل مكان، فلا حاجة إلى تعدد الأنبياء والرسل، سبحان الله! علم الله هذا قبل أن يكون، علم أن البشرية ستكون كأنها قبيلة واحدة أو أمة واحدة، فختم الرسالات بهذا النبي فلا نبي بعده ولا رسول.

    وهذا النداء دليل قاطع، ليس من حق أي واحد أن يقول: ما أرسل إلينا، لسنا مقصودين بهذا، لأن لفظة الناس يدخل فيها العرب والعجم، والذكر والأنثى، والسابقون واللاحقون وكل إنسان.

    يا رسولنا! قل، اجهر بها وارفع صوتك، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] لا يخرج واحد ولا أمة ولا قبيلة ولا جيل، وما معنى: رسول الله؟ أرسله لماذا؟ ليأكل البقلاوة معنا، ويرقص كما نرقص ويشطح كما نشطح؟ أرسله لماذا؟ أرسله لهدايتنا إلى سبل رشدنا وكمالنا وسعادتنا، أرسله ليعمل على هدايتنا فتزكو نفوسنا وتطيب أرواحنا وتتهذب أخلاقنا، وتسموا عقولنا ونصبح حقاً بشراً كاملين أولياء لله رب العالمين، لا كعامة البشر وكلهم حيوانات، لم يختلفوا عن الحيوان إلا في النطق.

    يقول تعالى: (قل يا أيها الناس)، فقولوا: لبيك اللهم لبيك. أما نادانا؟ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] فلا تستثنى قبيلة ولا بلد ولا جيل أبداً إلى يوم القيامة، كلهم إرسل إليهم رسول الله محمد، أرسله الله إليهم، لماذا؟ ليهديهم وهم ضلال، ليطهرهم وهم أخباث، لينشر العدل بينهم وهم ظلمة ظالمون، وهكذا.. رسالته للإصلاح.

    معنى قوله تعالى: (الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت)

    ثم قال تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف:158] من الإله الذي أرسل محمداً إلى الناس جميعاً؟ الله الذي له ملك السماوات والأرض، هل هناك من يملك مع الله في السماوات شيئاً ولو كويكباً صغيراً، ولو قطرت ماء ولو قطعة سحاب، هل هناك من يملك مع الله في السماوات شيئاً؟ الجواب: لا.

    الذي له ملك السماوات وملك الأرض كذلك، ملك الأرض لمن؟ لله، بدليل أنك أنت مالك الآن سيارة، وعما قريب يقال: مات، فأين ملكك؟ والذي ملكتهم عما قريب يموتون، فأين الملك؟ ما هي إلا استعارات فقط، ما تملكه عارية فقط وتتركه، والذي يرثه يتركه، ويعود كله لله، ألا له الملك والخلق، فهل هناك من ينازع الله في هذا يقول: لا. بل لنا ملك كذا وكذا؟

    ثم قال: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [الأعراف:158] أي: لا إله إلا الله، ابحث في الشرق والغرب واطلع إلى السماء واهبط إلى الأرض وابحث، والله! لا يوجد إله حق في الملكوت الأعلى والأسفل إلا الله.

    اسمع البرهان: يُحْيِي وَيُمِيتُ [الأعراف:158]، هل هناك من يحيي ويميت غير الله؟ هل عيسى أو أمه، سيدي عبد القادر الجيلاني ، عبد الرحمن وفلان، فاطمة والحسين ، من يحيي ويميت؟ الله فقط، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [الأعراف:158] لو تجتمع البشرية كلها وقد ترقت، وصلت إلى عنان السماء في العلم، فهل تستطيع أن تحيي ميتاً؟ لو قدرت لأحيوا رئيس روسيا الذي كان يتأله، لو تجتمع البشرية كلها على إحياء ميت -وإن كان قطاً- فوالله ما تستطيع؛ لأن الله استأثر بهذا فهو الحي الذي لا يموت، هو الذي يحيي ويميت.

    والإماتة أيضاً لا تظنوها سهلة، والله! لو تجتمع البشرية على إماتة إنسان ما تم أجله فوالله ما تستطيع، ولا تقدر على إماتته، فالقدرة على الإحياء كالقدرة على الإماتة على حد سواء.

    إذاً: لمن الملك؟ لله الذي يحيي ويميت، هذا الذي ترفع إليه الأكف، يسأل ويتضرع إليه، هذا الذي يطرح بين يديه ويعفر المرء وجهه في التراب بين يديه، هذا الذي يعول عليه في كل حياته، هذا الذي يتوكل عليه، هذا الذي يحب من أجله، هذا الذي يبغض من أجله، هذا هو الله، ما هي أصنام ولا تماثيل ولا كواكب ولا نجوم ولا أحياء ولا أموات من الناس والجن، وإنما هو الله الحي الذي لا يموت، الذي يحيي من يشاء ويميت من يشاء، هذا الذي أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم، فثقوا فيمن أرسله.

    الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ [الأعراف:158] هذا وصف لله عز وجل، وإنما اعترض بكلمة (إليكم جميعاً) للضرورة الداعية إلى ذلك؛ إذ هي المقصود.

    معنى قوله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته)

    الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [الأعراف:158] وماذا بعد؟ قال: إذاً: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الأعراف:158] قولوا: آمنا بالله ورسوله. آمنا بالله ورسوله.

    فالله عرفناه أنه الذي يحيي ويميت، والرسول قال: اعرفوه بصفاته، فقال: وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ [الأعراف:158] والأمي: المنسوب إلى أمه؛ لأنه كما ولدته لا يعرف الفاء ولا القاف، لا الدال ولا الذال، أمي ما زال بحجر أمه ما عرف شيئاً، فهذا الرسول الخاتم، هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، الذي هو أشرف الأنبياء وأفضل الرسل كان أمياً، سبحان الله! كيف أراد الله أميته؟ لو كان عالماً يقرأ الكتب ويعرف ما مضى لما اتبعه الناس، ولهم أن يقولوا: هذه العلوم عرفها من قبل، لكن لتنقطع ألسنة الناس وتنتهي حججهم بأن هذا النبي لم يقرأ ولم يكتب أربعين سنة، ثم أوحي إليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، ثم يأتي في خلال ثلاث وعشرين سنة بعلوم لم تسمع الدنيا بها ولم تعرف أحوالها.

    النَّبِيِّ الأُمِّيِّ [الأعراف:158]، ومن صفاته يا من يريدون التحقق من الإيمان به: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [الأعراف:158]، والدجالون ادعوا النبوة وادعوا الربوبية، فرعون قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وما أكثر الدجالين والكذابين، فهذا الرسول النبي الأمي يؤمن بالله أولاً رباً وإلهاً لا إله غيره ولا رب سواه، ويؤمن بكلماته، وكلمات الله ما أكثرها، لكن تتناول كلمات التكوين: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، لما أراد تكوين عيسى ماذا قال له؟ قال: كن فكان، لا أب ولا مني ولا صلة، قال: كن فكان، هذه كلمات التكوين لا يملكها سواه، لا يستطيع كائن أن يقول لشيء معدوم: كن فيكون قط إلا الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    ثانياً: كلماته التشريعية التي يقنن بها ويشرع لعباده ما يحملهم على الاستقامة على منهج الحق ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة، كلمات التشريع، يحلل ويحرم، يوجب ويأمر وينهى من أجل ماذا؟ من أجل إكمال الإنسان وإسعاده فقط، الله غني عن العالمين غنىً مطلقاً ما هو بمقيد أبداً، فكونه يأمر وينهى، يبين ويشرع ويقنن من أجل ماذا؟ من أجل إسعاد عباده وإكمالهم، ليعدهم إلى السماء والملكوت الأعلى حيث الخلد والبقاء الأبدي.

    الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ [الأعراف:158]، ومن كلمات الله تعالى التنزيلية: التوراة، الإنجيل، الزبور، صحف إبراهيم.. ذلك كلماته أم لا؟ القرآن العظيم كلمات الله أم لا؟

    إذاً: الكلمات التشريعية، التنزيلية، الكونية القدرية هذه كلها كلمات يؤمن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: (واتبعوه لعلكم تهتدون)

    وهنا قال تعالى: وَاتَّبِعُوهُ [الأعراف:158] أمره أن يعلن عن عموم رسالته، وذكر الأدلة والبراهين، وأخيراً قال: وَاتَّبِعُوهُ [الأعراف:158] امشوا وراءه صلى الله عليه وسلم، والاتباع المشي وراءه أم لا؟ امشوا وراء رسول الله، ما أحله فهو الحلال، وما حرمه فهو الحرام، ما أمر به يجب أن يفعل، ما نهى عنه يجب أن يترك، ما رغب فيه يجب أن يرغب فيه، ما حذر منه يجب أن يحذر منه؛ لأنه ذو علم، وهو رسول الله قبل كل شيء، وأمرنا بأن نمشي وراءه: وَاتَّبِعُوهُ [الأعراف:158].

    ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158] هذه (لعل) هي الإعدادية، أي: إن أنتم آمنتم به واتبعتموه يعدكم ذلك للهداية إلى ماذا؟ إلى أن نعثر على البترول، لنعثر على صناعات خارقة للعادة؟ تهتدون إلى ما يكملكم ويسعدكم في الدنيا والآخرة ألا وهو صراط الله المستقيم، هذا الصراط الذي علمنا تعالى كيف نسأله إياه، فقال: احمدوني، اثنوا علي، مجدوني، تملقوني واطلبوا مني: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] يا من يقرءون الفاتحة ويقرءونها على الموتى! افهموا معناها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هذا خبر لكن حقيقة الأمر، قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، من هو؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] من هو؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] حمدناه، أثنينا عليه، مجدناه، بقي التملق إليه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين بكائن إلا بك أنت، هذا تملق أو لا؟ تزلف إلى رب السماوات والأرض والعالمين، إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5]، ويا ويل من يقول: (إياك نعبد) وإذا سقطت المسبحة من يده قال: يا رسول الله، وآخر يقول: يا سيدي عبد القادر ! وا أسفاه .. وا حسرتاه، أمة القرآن أعرضت عنه، صرفوها فأعرضت، يذكر المرء: لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله، فإذا أخذته سنة من النوم فسقطت المسبحة قال: يا رسول الله!

    يقود بي أحد المحبين السيارة، وما إن انحرفت عن الطريق حتى قال: يا رسول الله .. يا رسول الله! أين الله يا فلان؟ فهذا كذب في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5].

    فالذي يستغيث بغير الله وينادي عباد الله أن يفعلوا به ويفعلوا: أنا في حماكم، أنا في كذا.. هذا عبد غير الله، كيف يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5]؟ لا لوم؛ لأننا ما عرفنا، جهلونا، أبعدونا عن هداية الله، حصل هذا الذي حصل فنحن مظلومون في ذلك، ولكن لا ينجينا هذا من عذاب الله، لماذا؟ لأنه كما علمنا أن النفس البشرية إذا طابت، إذا طهرت، إذا زكت قبلها الله بجواره في الملكوت الأعلى، وإذا خبثت وتلوثت وتعفنت ما يقبلها، هكذا أخبرنا: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] فالإنسان العاقل البالغ هو الذي يزكي نفسه بالإيمان والعمل الصالح، أو يدسيها بالشرك والمعاصي، وهو المسئول.

    إذاً: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فلا يجوز أن يعبد مع الله كائن من كان، ولا أن يستعان بغير الله كائناً من كان، لا يطلب العون إلا منه عز وجل.

    وتريدون صورة مصغرة لطيفة من اللطائف: أبو بكر رضي الله عنه خليل رسول الله، قال فيه صلى الله عليه وسلم: ( لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً أبو بكر كان إذا ركب فرسه وسقط عصاه من يده يهبط من الفرس إلى الأرض يتناول سوط، ويستحي أن يقول: يا فلان! ناولني سوطي، حتى لا يسأل غير الله، مع أنه ما هناك مانع في هذا، بل يجوز، لكن للحفاظ على صلته بربه ما دام قادراً على فعله يهبط بنفسه ولا يفتقر إلى مخلوق يقول: ناولني سوطي، أو أصلح حذائي.

    فكل شيء تقدر عليه أنت ما تكلف غيرك به أبداً، لا تذل ولا تهون له، كن مع الله وافعل بيدك، فإن عجزت فلا بأس.

    إذاً: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158]، الذين يتبعونه بصدق بإيمان وحق يهتدون إلى أين؟ إلى سعادتهم وكمالهم، وهذه السعادة وهذا الكمال ما هي عواملها، ما أسبابها؟ سببها هذا الإسلام، هو اعتقاد وقول وعمل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)

    ثم انتقل بنا السياق إلى موضع آخر، فهذا القرآن عجب، ومن عجبه أنه ما يستمر في كلام واحد، ينتقل حتى لا تمله أيها السامع أبداً، هذه العجيبة في القرآن.

    وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى [الأعراف:159] وقد تكلم وتحدث عنهم سابقاً، وقد يفهم الناس أن اليهود والنصارى كلهم أهل باطل وشر ما وجد فيهم خير أبداً، فهذا انتزعه الله تعالى الآن من أذهاننا فقال عز من قائل: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:159] كالتعقيب لما مضى، نعم ظلموا، فجروا، عبدوا العجل وفعلوا وفعلوا، استعرض ذلك كله أمامنا، لكن مع هذا بينهم صلحاء ربانيون.

    والآن أمة الإسلام هبطت في الحضيض، ولكن بينها ربانيون صلحاء؟ والله! موجودون في كل بلد.

    وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:159] ما معنى: يهدون بالحق؟ الحق هو شريعة الله يهدون بها العباد من ضلالهم إلى أن يستقيموا ويسعدوا.

    وَبِهِ [الأعراف:159] أي: وبشرع الله يَعْدِلُونَ [الأعراف:159] فلا يظلمون، بل يحققون العدل بين أفرادهم وإخوانهم وأمتهم، ولا يحيفون ولا يجورون ولا يظلمون.

    هذا إخبار، اسمع الخبر: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:159] ما يهدون بالفلشفية أو بالاشتراكية أو بالباطل أو بالطرق الكاذبة، أو الدعاوى الفارغة، يهدون بماذا؟ بالحق، أما الباطل فهل يهدى به؟ كم زمروا للباطل ودعوا، فهل نجحوا وفازوا وطهروا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ...)

    ثم قال تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ [الأعراف:160] والتقطيع معروف، مزقناهم، وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا [الأعراف:160]، الأسباط: جمع سبط، والسبط في اللغة العربية: ابن البنت، ابن بنتك هو السبط، ابن ولدك ما يقال فيه: سبط، لكن يتجوز فيه ويقال: سبط لأنه من أحفادك، فالأسباط: جمع سبط، والمراد بهم أن الله قسم بني إسرائيل مع موسى وهارون إلى عشر قبائل وعشرة أسباط، كل قبيلة تنتمي إلى أبيها الأول من أولاد إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، والقبيلة في اللغة العربية تنسب إلى الأب الأول، فالأسباط في بني إسرائيل كل سبط ينسب إلى الأب الأول، كلهم يعودون إلى إبراهيم الخليل هم وأولاد إسحاق ويعقوب أسباط، وهذا التقسيم له فائدته.

    قال: وَقَطَّعْنَاهُمُ [الأعراف:160]، فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا [الأعراف:160]، السبط أو الأمة ما هم عشرة أنفار أو كذا، قبيلة كاملة فيها الآلاف.

    معنى قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر ...)

    وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [الأعراف:160].

    أولاً: لما كانوا مجتازين البحر الأحمر خارجين من مصر فلو دخلوا دفعة واحدة لأكل بعضهم بعضاً من الرعدة والخوف والزحام، إذاً: فانفلق البحر إلى اثنتي عشرة طريقاً، كل قبيلة تمشي في طريقها، لا زحام.

    مشوا مع موسى في الصحراء في ذلك التيه العظيم، والصحاري ليس فيها ماء، ما هو إلا حجر فقط يحملونه على من شاءوا، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه في الأرض وضربه موسى بعصاه فينفلق إلى اثنتي عشرة عيناً، كل قبيل كل سبط يشربون من مائها لا يتحاسدون ولا يتباغضون ولا يتزاحمون ويتعادون، وهذا تدبير الله عز وجل؛ لأنهم ما تربوا في حجور الصالحين، لا بد أن يقيهم من الفتنة وهم مع موسى وهارون.

    وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا [الأعراف:160]، أي: أمماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [الأعراف:160]، لما احتاجوا إلى الماء، أوحى الله إليه، إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ [الأعراف:160]، أي: طلبوا منه الماء، عطشوا وهم في الصحاري، أوحى الله إلى موسى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ [الأعراف:160]، فضرب فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ [الأعراف:160] فارت وطارت اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [الأعراف:160]، بنو فلان، بنو فلان، بنو فلان، بنو فلان.. كل قبيلة عرفت مشربها لا زحام ولا تضارب ولا نزاع.

    معنى قوله تعالى: (وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى ...)

    قال تعالى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ [الأعراف:160]، هذا الغمام يقيهم لفح الشمس وحرارتها، هم في الصحاري بنسائهم وأطفالهم، يرسل غماماً كالحرير أبيض ناعماً بارداً لطيفاً يظلهم من حرارة الشمس، وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [الأعراف:160]، المن: ينزل في الليل على أوراق الشجر حلوى كاملة، أحلى من الحلوى، يأخذونه، والسلوى: عبارة عن الحبارى، طير معروف يرتمي بينهم بالآلاف، لا يتعبون في صيده أبداً، يتناولونه بأيديهم، فيأكلون الحلوى واللحم، ما هناك مطاحن ولا زرع ولا شعير في الصحراء، وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [الأعراف:160]، وقلنا لهم: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [الأعراف:160]، واشكروا، لا أن تأكلوا وتكفروا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.