إسلام ويب

التطبيق العملي للعقيدةللشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام دين عقيدة وعمل، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وحين ترك كثير من المسلمين تطبيق العقيدة عملياً، واكتفوا بالجانب النظري حصل الانفصام والخلل، وحصلت الفرقة، وحلت المصائب، ونزلت البلايا والرزايا، ولهذا كان لزاماً على كل مسلم أن يجمع بين التطبيق النظري والتطبيق العملي، فإن هذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

    1.   

    معنى التطبيق العملي للعقيدة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. أما بعد: أيها الإخوة! أشكر للإخوة المشرفين على هذا المركز أولاً الدعوة للقاء معكم في هذه الليلة. وثانياً: للاختيار الجيد الذي اختاروه ليكون عنواناً لهذا الدرس أو هذه المحاضرة، والذي هو: (التطبيق العملي للعقيدة). أيها الإخوة! التطبيق العملي للعقيدة هو الثمرة الحقيقية لتلك الأمور التي يؤمن بها الإنسان بدأً بالإيمان بالله تبارك وتعالى وانتهاءً بالتصديق بكل ما أخبرنا به ربنا وأخبرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ فلو سأل سائل قائلاً: ما هو الهدف من هذه العقيدة؛ والتي تشمل كل ما يعتقده الإنسان، ويؤمن به مما جاءت دلائله واضحة صريحة؟ لجاء الجواب: إنه التطبيق العملي. وهذا التطبيق العملي -أيها الإخوة- يبدأ مع الإنسان في هذه الحياة الدنيا في تطبيق مقتضيات تلك العقيدة، ثم ينتهي إلى تلك النتيجة العظيمة حقاً حين يُهدى إلى طريق الجنات؛ فلأن الله هداه في الدنيا فإنه يُهدى يوم القيامة إلى طريق الجنات؛ جنات النعيم عند رب العالمين، ينعم فيها ولا يبأس أبداً، ويخلد فيها فلا يموت أبداً، ويلقى فيها من ألوان النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إذاً: هي نتيجة عملية في الدنيا ذات تطبيق عملي وذات أثر واقعي على حياة الإنسان في راحته النفسية وطمأنينته القلبية وفي معاشرته ومعاملته لجميع الناس، ثم هي أيضاً نتيجة واقعية عملية حين يلقى الإنسان ربه يوم القيامة بقلب سليم، أي: قلب مؤمن بالله سبحانه وتعالى عامل بمقتضى ذلك الإيمان.

    1.   

    ظاهرة الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي

    إن من مصائبنا نحن المسلمين -وما أكثر مصائب المسلمين اليوم- هي ذلك الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي في باب العقيدة، هذا الانفصام تجده مشاهداً على مستويات متفاوتة بين كثير من المسلمين، وهذا مما يؤُسف له؛ حيث تجد النظرية أحياناً جميلة، ممتازة، رقيقة، محبوبة .. إلى آخره، لكنك تلتفت إلى الواقع العملي فتجد الأمر مختلفاً. وهذه تعتبر من المصائب الكبرى التي إذا أصيبت بها الأمم والشعوب تحولت عقيدتها وإيمانها ودينها إلى نظريات فقط، وانقلبت حياتها العملية إلى حياة أخرى بعيدة جداً عن ذلك التطبيق العملي، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى وهو يعلم تلك العصبة المؤمنة التي نزل عليها القرآن أول مرة، ناداها تبارك وتعالى بذلك النداء الذي يحمل معاني ومعاني، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3]. وإذا كان هذا في باب القول فهو في باب الإيمان والاعتقاد من باب أولى، فإذا كنت تقول في نفسك: إنني أحب الله، وأخلص هذه المحبة لله، فلماذا عند التطبيق العملي تقدم محبة غير الله على محبة الله، وتقدم الهوى والنفس والشيطان والكسل، وتقدم أموراً تافهةً من أمور الدنيا فتحبها وتقدسها، وينشغل لها بالك ليل نهار، ولربما أخرت أو تركت طاعة لله سبحانه وتعالى من أجل ذلك الهوى وذاك الشيطان، وأنت تزعم وتقول: أنا عقيدتي صافية؛ وأنا أخلص المحبة لله سبحانه وتعالى؟! فلماذا اختلف الأمران؟! ولماذا اختلف اعتقادك النظري عن تطبيقك العملي؟! ولماذا تجاوزت التطبيق العملي في هذه المسألة؟! وهي مسألة واحدة من مسائل كثيرة من أمور الاعتقاد. وهكذا يقول الإنسان: إنني أخاف الله، وأفرده بالخوف؛ لأنه وحده هو الذي بيده الأمر كله؛ بيده الحياة والموت، وبيده الرزق، وبيده سبحانه وتعالى كل شيء، فلا أخاف إلا الله؛ لأن البشر لا يملكون من الأمر شيئاً، ثم تأتي إلى هذا الإنسان في واقعه العملي فتجده يخاف من غير الله، فيخاف من سلطان، أو يخاف من جن، أو يخاف من ساحر، أو يخاف من عدو في أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، فنأتي ونقول له: لماذا انفصل الأمران عندك؟ فإذا كنت معتقداً تلك العقيدة على وجه صافٍ صحيح مؤصل، فلماذا تخاف من غير الله تبارك وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى؟! وهكذا أيها الإخوة! إذا جئت إلى أي جانب من جوانب العقيدة فستجد أن مصيبة الأمة الإسلامية هي: أنها انفصلت عندها النظريات عن التطبيق العملي، أو بالأصح انفصل التطبيق العملي عن تلك النظريات التي يؤمنون بها ويصدقونها.

    1.   

    منهج الرسل عليهم السلام في الدعوة إلى الله عز وجل

    ومن هنا أيها الإخوة في الله! فإنني سأتحدث معكم عن جوانب من هذا الموضوع، وأقول لكم: إن ما سأتحدث عنه ما هو إلا الحلقة الأولى في هذا الموضوع الكبير؛ لأنني وجدت أنني لن أستطيع أن أوفيه حقه في جلسة واحدة؛ فسأبدأ معكم في الحلقة الأولى، ولعل الله أن يهيئ مناسبة أخرى لنكمل هذا الموضوع المهم، فأقول: أولاً: ما هو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟ إن الله تبارك وتعالى رحمة بالبشر أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام كانت منطلقاتهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وفي تربية أممهم قائمة على توازن النظرية والتطبيق، حيث يأمرونهم بالحقيقة العلمية المثبتة لوجود الله ولأحقيته بالعبادة وحده لا شريك له، ثم ينقلونهم إلى واقع عملي؛ لتخلص تلك العبادة لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، ولهذا فإن دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام تضمنت أصولاً كبرى على رأسها الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادة الله وحده لا شريك له هي أمر عملي، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لأن الإيمان بالله سبحانه وتعالى له جانبان: الجانب الأول: جانب نظري، والجانب النظري هو ما يقتضي الإيمان بالله وبوجوده وأسمائه وصفاته الذي يُسمى عند كثير من العلماء بتوحيد المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد القولي، بمعنى: أن يؤمن الإنسان ويصدق بأن الله موجود، وأنه واحد، وأنه متصف بصفات الكمال، لكن القسم الثاني من التوحيد هو توحيد العبادة، توحيد الألوهية، وهذا الجانب الثاني، وهو التطبيق العملي للجانب الأول، ولهذا نرى أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21]، فأمرهم بالعبادة، والعبادة أمر عملي، لكن عبادة لمن؟ رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً.. [البقرة:21-22] إلى آخر الآية. إذاً: الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا أول ما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتلك هي القضية الكبرى التي دعا إليها جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل رسول كان يدعو قومه يقول لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، هذه العبادة هي التطبيق العملي الواقعي الأولي لكل إنسان ينتقل من الكفر إلى الإيمان، ولهذا صار أساساً ومنطلقاً لدعوة كل رسول من الرسل عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. الأساس الثاني المرتبط بالجانب العملي في منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام هو: الامتثال لشرع الله سبحانه وتعالى، والامتثال لشرع الله تبارك وتعالى إنما هو التطبيق العملي في حياة الإنسان، وانتبهوا إلى قضية ارتباط التطبيق العملي في جانب العقيدة، فلا يأتي الإنسان ويقول: أنا أؤمن وأصدق، وفكري نظيف .. إلى آخره، نقول له: لا يكفي إيمانك وتصديقك القلبي وفكرك النظيف وفهمك، ما لم يتحول إلى واقع عملي، وهذه من القضايا الكبار في باب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فالأمر الثاني هو الامتثال لشرع الله سبحانه وتعالى، والامتثال لشرع الله في منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُني على أمور: الأمر الأول: طاعة كل رسول أرسل إلى قومه، ولهذا كان كل نبي يدعو قومه قائلاً لهم: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3]، فقوله: (اعبدوا الله واتقوه) هذه عقيدة عملية، ثم يأتي ويقول: (وأطيعون)، أي: في كل ما أمر به هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. ومن هنا -أيها الإخوة- كانت طاعة الرسول قرينة لطاعة الله تبارك وتعالى. الأمر الثاني مما يأمر به الرسول مما يتعلق بالامتثال لشرعه هو: ترك المنكرات الظاهرة والتخلي عنها، فالرسول إذا أرسله الله إلى قوم يأمرهم بعبادة الله، ويأمرهم بطاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، ثم يركز على أمر اشتهر وانتشر عند هؤلاء القوم، فيطلب منهم التخلي عنه فوراً، كما أمر شعيب عليه الصلاة والسلام قومه بألا يبخسوا المكاييل والموازين، كما حكى الله عنه أنه قال: وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ [هود:84]، لأن بخس المكاييل والموازين ونقصها عند قوم شعيب كان ظاهرة عامة، يمكن أن نسميه في مصطلحنا الحديث: قانوناً معترفاً به عندهم، أو قانوناً ملزماً يعمل به الجميع، ولا ينكره أحد، فالرسول شعيب عليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى أن يتخلوا عن هذا المنكر الظاهر، وقال لهم: يجب أن يتحول هذا إلى أن يكون بالنسبة لكم معصية، ولا يقع فيه الإنسان إلا كان مرتكباً لمعصية من المعاصي. وكذلك أيضاً لما أرسل الله تبارك وتعالى نبي الله لوطاً عليه الصلاة والسلام إلى قومه كانت تلك الفاحشة القذرة المنتنة منتشرة في أولئك القوم، فدعاهم إلى ترك هذه الفاحشة، وأمرهم بأن يعبدوا الله، وأن يطيعوه، وأمرهم بأن يتركوا هذه الفاحشة، فصارت أصلاً من أصول العقيدة؛ لأنها بالنسبة لقوم لوط تحولت إلى منهج ونظام معترف به لدى الجميع، فلوط عليه الصلاة والسلام يقول: استجيبوا واتركوها؛ بحيث تصبح بالنسبة لكم جريمة، وإذا وقعت من واحد منكم يكون مرتكباً لكبيرة من الكبائر، لكن أن تتحول عندكم إلى نظام وقانون عام فلا، فهذه الجريمة البشعة المنتشرة لا يجوز أن تبقى عندكم هكذا. ومن هنا كان منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام مبنياً على هذا. ثم -أيضاً- قام منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى الكفر بالطاغوت، وكل نبي - كما في الآية السابقة- دعا قومه إلى عبادة الله تبارك وتعالى، وأن يجتنبوا الطاغوت. وهذا الطاغوت ليس نوعاً واحداً؛ وإنما هو أنواع متعددة، ولقد أجملها بعض الأئمة رحمهم الله تعالى بأنه: كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع. من معبود: كالأصنام والسحرة والكهنة والجن وغيرهم، أو متبوع: أن يتبعها على غير منهج الله، أو مطاع: في معصية الله تبارك وتعالى تحليلاً وتحريماً وهم يعلمون، فكل من كان على مثل ذلك فهو طاغوت، فكان كل نبي يدعو قومه إلى الكفر بهذا الطاغوت، والكفر بالطاغوت يتحول إلى واقع عملي. هذه إلمامة سريعة مختصرة بمنهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، ومنها يتبين أن كل نبي لما أرسله الله إلى قومه لم يدعهم إلى نظريات فقط، وإنما دعاهم إلى إيمان ومعرفة يتبعها تطبيق عملي، ونقلة عملية ينتقل بها الفرد، وتنتقل بها الأمة بكاملها من عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من عبادة الهوى والنفس والشيطان إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ومن طاعة الكهان وطاعة الفساق وطاعة المشرعين بغير ما أنزل الله، إلى طاعة هذا النبي الكريم الذي أرسله الله سبحانه وتعالى إلى هؤلاء القوم.

    1.   

    مظاهر التطبيق العملي للعقيدة في المرحلة المكية

    ثانياً: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك. أقول: منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو خلاصة عملية تطبيقية عجيبة فريدة لتلك العقيدة، ولقد تمثل ذلك في عدد من القضايا، ومن ثمَّ فإنني أشير إلى بعض منها، فأقول: أولاً: فيما يتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم: كانت دعوته عليه الصلاة والسلام امتداداً لدعوة الأنبياء من قبله عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فمنهج الأنبياء جميعاً واحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلف منهجه عن منهج من سبقه، ولقد كان عليه الصلاة والسلام يضرب دائماً الأمثال لأصحابه مما وقع للأنبياء من قبله؛ بل ومما وقع لأتباع الأنبياء من قبله، وكل ذلك لبيان ارتباط تلك السلسلة العظيمة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي ابتدأت بآدم عليه السلام إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليهم أجمعين، وهذه السلسلة العظيمة هي سلسلة ذات منهج واحد واضح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صدق هذا. ثانياً: لدينا جوانب تفصيلية من حياة هذا النبي الكريم يمكن أن نقف عندها وقفات قد تكون أكثر تفصيلاً من وقفاتنا مع الأنبياء الآخرين الذين وردت قصصهم في كتاب الله تبارك وتعالى، أو أشارت إليها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أقول: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً في مكة في تأسيس العقيدة، ولم يكن ذلك التأسيس نظرياً، وإنما كان عملياً قام على عدد من الأسس، وانتبهوا لهذه القضية! فكثير ممن يتدارسون منهج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يقولون: الرسول مكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة، ثم انتقل إلى المدينة ليطبق الجوانب العملية والتشريعية للأمة الإسلامية، فقد يظن الظان أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان في مكة ثلاثة عشر عاماً يربي ويعلمهم نظرياً، فنقول: لا، بل تلك الفترة المكية كانت فترة تأسيس العقيدة، وكان تأسيساً نظرياً وعملياً في آنٍ واحد لتلك العصبة المؤمنة، وتعالوا نحدد بعض الملامح من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته في مكة:

    صراحة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد في مكة

    أولاً: دعوة الرسول في مكة قامت أول ما قامت ناصعة واضحة صريحة أمام الطواغيت: فكفار قريش عباد الأصنام والكهنة كانوا هم المسيطرين، ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته عليه الصلاة والسلام لوحده إلا أنه بدأ هذه الدعوة صريحة؛ فبدأها قائلاً لهم: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا). ومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، فهي بداية عملية للعقيدة، ولم يبدأ معهم ليقول: أيها الناس! لابد أن تعلموا أن الله هو الحي الضار النافع المحيي المميت، وإن جاءت هذه الأشياء ضمن منهج القرآن، لكن الرسول كان يصدع ويقول: أنا رسول من رب العالمين، وكان يدعو قومه أول ما يدعوهم إليه أن يقول لهم: جئتكم بأمر واحد جلل عظيم، ألا وهو أن تقولوا: لا إله إلا الله، فكان المشركون- وانتبهوا معي لهذه القضية!- يفهمون من تلك البداية وذلك المنطلق من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كانوا يفهمون منه الجانب العملي، ولو كانوا يفهمون الجانب النظري فقط لانتهت المشكلة بينهم في لحظة، ولقالوا جميعاً: كلنا نقول لا إله إلا الله، وكل منهم يسير على ما سار عليه سابقاً. ولهذا لما أمن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع في أحد الأيام مع قريش في مكة، وكانوا يتدارسون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرضوا عليه الأمور التي تعرفونها: تريد مالاً .. تريد ملكاً .. تريد كذا .. تريد كذا، والقصة مشهورة، لكن الشاهد منها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمشركين لما انتهوا من كلامهم: ما جئت أريد كذا ولا كذا ولا كذا، إنما جئتكم بكلمة واحدة، إن قلتموها دانت لكم بها العرب، وخضعت لكم بها العجم، فظن بعض المشركين أن الرسول يطلب منهم كلمة نظرية يقولونها وتنتهي المشكلة، فقال أبو جهل: يا محمد! نعطيك عشر كلمات. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: لا إله إلا الله)، فهل استجابت قريش؟ الجواب: لا. إذا:ً كان المشركون -وهم مشركون- فاهمين لمقتضى العقيدة، فرفضوها عن علم، بينما كثير من المسلمين اليوم ينطق هذه الكلمة (لا إله إلا الله)، ثم يأتي ويعبد الأصنام، ويستغيث بالقبور وهو يقول: (لا إله إلا الله)، لكن المشركين كان الواحد منهم يفهم أنه إذا قال (لا إله إلا الله)، فهي نقلة عملية في حياته، وأول ما يترك عبادة الأصنام، وطاعة الكهان والطواغيت، ويلتزم طاعة الله سبحانه وتعالى، لهذا لما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى أن تقولوا: لا إله إلا الله، قالوا جميعاً: لا. إذاً: هو بالنسبة لهم رفض عن علم، كما أنها دعوة صريحة بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم يبين فيها أن منطلق العقيدة هو منطلق عملي في حياة الإنسان.

    تأسيس توحيد المتابعة

    ثانياً: فيما يتعلق بالدعوة في مكة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وجه كل من آمن به إلى توحيد المتابعة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم: فكل من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم واستجاب له فإنه والحالة هذه يتحول إلى عبد لله مطيع للرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به. وهذا واقع عملي، حيث كان الواحد من هؤلاء يدخل في دين الإسلام لا يدخل فيه نظرياً، وإنما يدخل فيه نظرياً ويتبعه واقعاً عملياً؛ فيأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: مرني ماذا أقول. والرسول صلى الله عليه وسلم كان مستضعفاً، وكان المسلمون معه مستضعفين في مكة، فجاء واحد من أهل القبائل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، ثم قال له: ماذا تأمرني؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إننا الآن مستضعفون، فاذهب إلى قومك، فإذا رأيتني قد خرجت فائتني، وفعلاً ذهب الرجل إلى قومه مطيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية أتى إليه، فلما سلم عليه قال له: يا رسول الله! هل تعرفني؟ قال: نعم؛ أنت الذي أتيتني يوم كذا وكذا. إذاً: هذه طاعة للرسول صلى الله عليه وسلم تمثلت في توحيد المتابعة لهذا النبي الكريم، وهذا جانب عملي، بمعنى: أن الذي آمن بالله وبرسوله صارت طاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتخلى عن طاعة غير الله. ولكن تعالوا إلى واقع المسلمين اليوم؛ فأحدهم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم تجده في باب الطاعة والمتابعة يتابع غير رسول الله! وهذا خلل في التطبيق العملي، فإذا كنت تشهد أن محمداً رسول الله، وتقر لهذا النبي الكريم بأنه هو المطاع، وبأن أي عمل من الأعمال لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لله متابعاً فيه للرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا تطيع غيره؟! ولماذا تتبع غيره؟! ولماذا حياة المسلمين تحولت إلى خلل في التطبيق العملي للإسلام؟! فالخلل جاء من خلال هذا الواقع المؤسف للأمة الإسلامية، فصارت عندها نظرية قولية فقط (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فالرسول هو الذي يجب أن يطاع ويصدق، وإذا انتقلت إلى الواقع العملي تجده يقول لك: لا، بل إنك تأتي الإنسان في أمر من الأمور وتقول له: إن الرسول نهى عن ذلك، ثم تجده -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يلوي عنقه أحياناً أو يتردد أحياناً، والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله أو من الرسول بالحجاب وبالستر وبالعفاف، ثم تجد في صدرها حرجاً من أن تستجيب لله ولرسوله، فأين التطبيق العملي؟ وأين زعمي وزعمك بأننا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ربى تلك العصبة المؤمنة على طاعته عليه الصلاة والسلام.

    موالاة المؤمنين

    ثالثاً: مما يتعلق بمنهج الدعوة في مكة موالاة المؤمنين: كل من استجاب للرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به صارت له حقوق الولاء والمحبة والنصرة العملية في حياته، ولهذا فإنني أقول: إن من أعظم جوانب التطبيق العملي في حياة الإنسان العملية في باب العقيدة هي قضية عقيدة الولاء والبراء، والرسول صلى الله عليه وسلم ربى في نفوس أصحابه أن كل من آمن فقد صار مع إخوانه لحمة واحدة، وكل من استجابوا للرسول صلى الله عليه وسلم صاروا لحمة واحدة؛ يعين بعضهم بعضاً، ويساعد بعضهم بعضاً، ويحزن بعضهم لحزن بعض، وهكذا حياة الإنسان العملية في الموالاة التي تربط المؤمن بأخيه المؤمن مهما كانت الأحوال. وتعالوا إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم، فستجدون الولاء أحياناً للقبيلة، وأحياناً للوطن، وأحياناً للمصالح المشتركة، وأحياناً لكذا وأحياناً لكذا، فأين الولاء والموالاة بين المؤمنين التي لا تجمعها إلا رابطة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، فتحب أخاك المؤمن وتعينه، وتنصره، وتؤيده؛ أين هذا أيها الإخوة؟! لقد كان هناك بون شاسع جداً بين حالنا اليوم وبين حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين رباهم الرسول في مكة. وتعالوا إلى مثال عملي لا يقدر عليه إلا الرجال: فقد كان ممن آمن في مكة بعض المستضعفين، فصار المشركون يعذبونهم، كآل ياسر، وبلال بن رباح ، وغيرهم وغيرهم من المستضعفين، فانهال عليهم الطواغيت تعذيباً، بل بأشد أنواع التعذيب، لكن هل سكت المؤمنون؟ وهل تركوا الموالاة بين المؤمنين؟ الجواب: لا؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو لا يملك من الأمر شيئاً- كان يبحث عنهم في مواطن تعذيبهم، ويأتي إليهم في الطرقات، أو في الأماكن التي يعذبون فيها، ويعلن الولاء لهم، ويقول (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة). فأخوك المؤمن الممتحن المبتلى في مشارق الأرض ومغاربها هو بحاجة إلى أن تعينه، وأن تدعو له، والله إنك إذا دعوت له وأعلنت الولاء له، يكون ذلك بلسماً شافياً على قلبه وجراحه، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إليهم ويقول: (صبراً آل ياسر!)، وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه استخدم ماله في سبيل الله وفي سبيل الموالاة بين المسلمين؛ فأتى إلى أولئك المستضعفين ليغري بهم أولئك المشركين مادياً، ويعطيهم أضعاف أثمانهم؛ ليشتري هؤلاء ويعتقهم في سبيل الله وينجيهم! أرأيتم كيف يكون الولاء بين المؤمنين؟ فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان همه في مكة الدعوة إلى الله، وكان همه في مكة مراقبة المستضعفين من المؤمنين. إذاً: تحول إلى داعية همه ليلاً ونهاراً أن يبذل وقته وماله في سبيل الله تبارك وتعالى، وهذا هو التطبيق العملي، فما قال أبو بكر لا إله إلا الله، وجلس يصلي في بيته مع أنه كان زاهداً عابداً رضي الله عنه وأرضاه، إنما تحول إلى موالاة بين المؤمنين؛ يبحث عن أي مؤمن آمن بالله وهو مستضعف، ثم يأتي إلى أولئك القوم الذين لهم سلطة عليه؛ ليشتريه بأغلى الأثمان، ويعتقه مباشرة.

    معاداة الكافرين والبراءة منهم

    الجانب الرابع من منهج دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: معاداة الكافرين والبراءة منهم ولو كانوا أقرب الناس: وهذا أيضاً منهج عملي؛ فلما آمن المسلمون واستجابوا كانوا في مكة يتعاملون مع الكفار المعاملة الضرورية، لكنهم كانوا يبغضونهم، ويعادونهم أشد العداء، ولو كانوا أقرب الناس إليهم؛ لأنهم كفار، ولهذا نجد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في مكة كانوا يتعاملون مع أقوامهم المشركين على مقتضى هذا المنهج العملي، فهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه قصته مع أمه معروفة، فهل كانت محبته لأمه وبره بها حاجزاً له عن أن يثبت على عقيدته ويستمر عليها؟ الجواب: لا والله! بل إنه رضي الله عنه وأرضاه صبر وصابر مع أن أمه اتخذت معه شتى الوسائل؛ فلا طاعة لمخلوق -ولو كان الوالدين- في معصية الخالق، ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في مكة يعلنون البراءة من المشركين؛ وذلك حينما كانوا يصرخون بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).

    نقل الدعوة خارج نطاق مكة

    ثم بعد ذلك من التطبيق العملي في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: نقل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى خارج نطاق مكة: وهذا منهج عملي واضح جداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخذ ينشر دعوته بين القبائل، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم تحرك هو نفسه عملياً لنقل الدعوة؛ فذهب إلى الطائف، وتعرفون ما جرى له عليه الصلاة والسلام في الطائف، ثم إنه أيضاً نقل الدعوة إلى المدينة النبوية؛ وذلك حينما استجاب بعض الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، ثم إرسال مصعب بن عمير وغيره من الصحابة للدعوة إلى الله تبارك وتعالى في المدينة النبوية؛ حتى انتشر الإسلام هناك، وصارت مقر هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. إذاً: الخلاصة أيها الإخوة! أن الرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيقه العملي لما كان في مكة يؤسس العقيدة لم يكن يؤسسها نظرياً، إنما كان يؤسسها عملياً، فكان يقوم بتربية النفوس بالقرآن، وبالصلاة، وبالعبادة، وبالطاعة لله ولرسوله، وبالولاء بين المؤمنين، وبالبراءة والمعاداة للكافرين، وبالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ بحيث تنقل هذه الدعوة إلى أي مكان وفي أية فرصة، هكذا كان واقع الدعوة العملي، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤسس هذه العقيدة.

    1.   

    مظاهر التطبيق العملي للعقيدة بعد الهجرة إلى المدينة

    مما يتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم: الناحية العملية بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة: فالرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة النبوية وأمر الصحابة بالهجرة، تحولت الحياة هناك إلى تطبيق عملي واقعي للعقيدة الإسلامية. أيها الإخوة في الله! إن من المهم جداً أن تعرفوا أن العقيدة والإيمان والتصديق القلبي بحاجة ماسة إلى أن تتمثل في حياة الإنسان العملية، وأن تعرفوا كيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام طبق تلك العقيدة الصافية بين المؤمنين في تلك الأماكن وفي تلك البقاع حين هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة النبوية.

    مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار

    أولاً: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: والمؤاخاة تطبيق عملي؛ فلا تظنوا أن المؤاخاة هي جوانب مناصرتك ومحبتك، بل هي جوانب رباط تربط بين المؤمنين؛ لأنهم تجمعهم العقيدة؛ ولهذا كانت الأخوة في الله من أهم الأمثلة العملية على صدقنا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وهذا يأتي من خلال الإيمان، فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن أحب لله وأبغض لله، وعادى لله، ووالى لله؛ فقد استكمل الإيمان. وهذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هي مؤاخاة إيمان، وهي تطبيق عملي لذلك الإيمان، فعليك أنت وأخوك أن تكونوا لحمة واحدة، ويداً واحدة، وعصاً واحدة على أعداء الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار تحول المؤمنون هناك إلى كونهم يداً واحدة فيما بينهم وضد أعداءهم، وانظروا إلى الأمة الإسلامية اليوم كيف أن هذه الأخوة الإيمانية تخلخلت إلا ما عصم ربي، بل أصبح بعض المؤمنين يلاقي من الإيذاء والسخرية والعداء أحياناً من إخوانه المؤمنين أكثر مما يلاقيه من غيرهم: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو يؤاخي بين المهاجرين والأنصار كان يطبق تلك العقيدة عملياً في حياة المسلمين، ونحن اليوم وفي كل وقت بحاجة إلى مثل هذه التطبيقات العملية في حياتنا؛ حتى يكون إيماننا حقاً وصدقاً، وذلك حينما نتآخى فيما بيننا، فأخوك المؤمن في الهند، في مصر، في الجزائر، في المغرب، في أوروبا، في أفريقيا، في أي مكان من الدنيا؛ تربطك به رابطة الأخوة الإيمانية، هذه الرابطة التي تجمع المسلمين جميعاً إذا تحولت إلى رابطة إيمانية حقة صار المسلمون كلهم كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. لكن -ويا للأسف- انظروا إلى أحوال المسلمين تجدوا بينهم من التباغض ومن العداء أحياناً، ومن التدابر ومن التحاسد الشيء العجيب! مع أننا تجمعنا عقيدة واحدة، فكيف يكون هذا أيها الإخوة؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يراقب الواحد الديان في أقواله وأعماله وتصرفاته؟! وأين الإيمان الذي يجعل الإنسان يحب أخاه ويحب له ما يحب لنفسه، ولا يرجو ثواباً من أحد، إنما يرجو وجه الله سبحانه وتعالى؟! هذا الإيمان هو الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه عملياً لما هاجر إلى المدينة؛ فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

    تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم العملي للجهاد في سبيل الله

    ثانياً: من الجوانب العملية بعد الهجرة النبوية الجهاد في سبيل الله: وهذا الجهاد في سبيل الله على درجات، لكن أعلاه وأعظمه أن يقدم الإنسان نفسه وروحه في سبيل الله، وهذا ما كان علماً بارزاً من الأعلام التي تدل على حياة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما فرض الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى كان الواحد منهم يعيش حياته جهاداً من أولها إلى آخرها، وهذا الجهاد هو التطبيق العملي، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من شيء إذا تخلينا عنه -وهو من الآثار العملية التطبيقية للعقيدة- فإننا سنتصف بالذل، فقال عليه الصلاة والسلام: (وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله). والجهاد في سبيل الله مثال عملي عظيم، حيث يقدم الإنسان نفسه في سبيل الله تبارك وتعالى، والدنيا لا تساوي شيئاً، والحياة كلها قصيرة ذات كدر، فمن قدم نفسه في سبيل الله تبارك وتعالى في الجهاد فقد أفلح، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين فضل المجاهدين في سبيل الله؛ لأنه فعلاً تطبيق عملي، والواحد منا ما عنده مانع أن يبذل ساعة من وقته، وما عنده مانع أن يبذل جزءاً من ماله، وما عنده مانع أن يبذل شيئاً من جهده وقدرته، لكن أن يبذل نفسه في سبيل الله فلا! ولهذا لما جاء الصحابي الذي اعترف بالزنا والصحابية التي اعترفت بالزنا أقام عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم الحد، ولما رجمت الصحابية رضي الله عنها وأرضاها سبها أحد الصحابة، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن هذه قد قدمت نفسها في سبيل الله، يعني: رضيت أن تقدمها ليقام عليها حكم الله سبحانه وتعالى، فكيف إذا قدم الإنسان نفسه وجاد بها في سبيل الله تبارك وتعالى؟! إن ذلك أعظم دليل على صدق الإيمان بالله تبارك وتعالى، ولذلك كان حديث القرآن عن المنافقين والمترددين والمشككين وغيرهم أعظم ما يتمثل في تركهم وتقاعسهم عن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، أما ذلك المقبل على الجهاد في سبيل الله مقدماً نفسه، فهذا دليل الإيمان. إذاً: الجهاد في سبيل الله تطبيق عملي عظيم جداً يدل على صدق الإيمان، ويدل على قوة الإيمان، ويدل على أن هذا الإنسان فعلاً يؤمن بالله، ويحب الله، ويحب لقاء الله، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، لهذا كان الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى علامة بارزة عملية في حياة المسلمين. والصحابي الذي كان في وسط المعركة، وليس بينه وبين الجنة إلا لحظات، هذا الصحابي الجليل يقول: (والله! إني لأجد ريح الجنة من وراء أحد)، وآخر كان معه تمرات يأكلها ليتقوى بها على المعركة، فلما بدأ يأكلها استبطأ الجنة، واستبطأ الشهادة في سبيل الله. وقال: إنها لحياة طويلة أن أعيش إلى أن أكمل أكل هذه التمرات! ثم رمى بها، واتجه إلى المعركة، فقاتل حتى قتل في سبيل الله، هذا جانب عملي في حياة المؤمنين، أما الدعاوى فقد يدعي الإنسان ويدعي ويدعي، ثم إذا طُلب منه القليل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى تكاسل! وهذا يدل على أن تلك الدعاوى غير صحيحة.

    إيجاد النموذج العملي للعقيدة

    أيضاً من الجانب العملي لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة: إيجاد النموذج العملي للعقيدة: فقد كان الواحد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم تطبيقاً عملياً لكل ما يؤمن به، حيث كان ذا طاعة تامة وامتثال مباشر، وهذه هي الحقيقة الإيمانية. فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الخمر كان بعضهم جالساً يشرب الخمر، فيأتيه الأمر من الله سبحانه وتعالى بتحريم الخمر؛ فيقلع عنه خلال لحظات. والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله تبارك وتعالى بالحجاب فتبادر بامتثال هذا الأمر الرباني، فتحتجب، وتصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة وهي محتجبة، ولقد كانت الصحابيات كأنهن الغربان حين صلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأمر بالحجاب. فالرسول كان يأمر فينفذ أمره، والرسول يقول فيُسمع ويُطاع قوله، أما نحن اليوم فمن مصيبتنا أننا نؤمن نظرياً؛ ثم إذا جئنا إلى الجوانب العملية نجد التنفيذ قليلاً أو ضعيفاً أو أحياناً لا يوجد تنفيذ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي؛ ولهذا كان كل صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تجده في معاملته وخلقه وسلوكه وأموره كلها تطبيقاً عملياً لهذه العقيدة، حتى إن الواحد منهم كان لا يكذب ولا يغدر، حتى على الكفار. فهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه لما أسر وذُهب به إلى مكة سجن، ولما حدد موعد القتل ليشهده الطغاة والكفار في مكة لتنفيذ الإعدام والقتل لهذا الصحابي الجليل سجنوه في أحد البيوت، ومع هذا فإنه رضي الله عنه وأرضاه لم يغدر، حيث إن المرأة أرسلت لـخبيب الموسى حتى ينظف نفسه؛ ليستعد للقاء الله سبحانه وتعالى والشهادة في سبيله؛ كما يستعد المحرم عندما يحرم بالحج أو العمرة؛ فإنه يتنظف ويزيل عنه شعثه وغبره وشعره الزائد استعداداً للإحرام، كذلك أيضاً فعل خبيب ؛ لأنه يعلم أن المشركين حددوا ذلك الوقت ليقتلوه، فأخذ يستعد للقاء الله سبحانه وتعالى، فطلب الموسى حتى يستحد، وحتى يهيئ نفسه؛ ليكون نظيفاً طاهراً في ثيابه وفي جسده الظاهر، كما أنه نظيف طاهر في قلبه وإيمانه رضي الله عنه. فأرسلت المرأة التي كان خبيب يسكن عندها الموسى مع طفلها، فذهب هذا الطفل ليعطيه إياه، فلما مرت عليها لحظات تذكرت أنها وقعت في ورطة، وقالت: أرسلت طفلي بالموسى لرجل ينتظر القتل بعد سويعات، فما يؤمنني لعله أن ينتقم من المشركين بأن يقتل هذا الطفل في آخر لحظة، حتى يؤدب أبا هذا الطفل وغيره ممن تعاونوا على قتله! وفعلاً ذهب الطفل وأعطى خبيباً الموسى، وبعد أن يعطيه الموسى إذا بالأم تأتي هلعة مذعورة، خوفاً على ابنها، فقال لها خبيب: (هل تخافين عليه مني؟! ما كنت لأفعل). إنه خلق الإيمان منه رضي الله عنه وأرضاه! وهكذا يتحول المؤمن في كل مكان إلى واقع وتطبيق عملي لهذه العقيدة، فلا يكذب على إخوانه المؤمنين، ولا على غيرهم، ولا يغدر حتى ولو على الكفار، إلا إذا كان وقت المعركة والحرب مع من لا ذمة له، فالحرب خدعة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن من خلق المؤمن أنه لا يستبيح أموال ولا دماء ولا أعراض الكفار إلا إذا كانوا محاربين. إذاً: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد رُبوا على أن تكون حياتهم تطبيقاً عملياً لتلك العقيدة.

    1.   

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من أمور متعلقة بالعقيدة

    وننتقل إلى الأمر الرابع المتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، ألا وهو: جوانب من التحذير حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تؤدي إلى واقع عملي فيما يتعلق بالعقيدة وأثرها، ومن ذلك ما يلي:

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن

    أولاً: حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الفتن والوقوع فيها: لأن الفتن إذا وجدت ووقعت قد تؤدي إلى الضلال والإلحاد، وهذا التحذير تحذير نظري وعملي، وهذا واضح جداً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخوض في وقت الفتن، ونهى عن القتال في وقت الفتن؛ لأن هذه الفتن تكون نظرية وعملية في حياة الناس إذا وقعت، والإنسان المؤمن هو الذي يحذرها نظرياً، ثم أيضاً يحذرها عملياً، فلا يخوض فيها، ولا يشارك فيها.

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من مشابهة الكفار

    ثانياً: التحذير من مشابهة اليهود والنصارى: وهذه مفارقة عملية لحياة المسلمين، وانتبهوا لها أيها الإخوة في الله! فقد جاء أكثر من حديث للنبي عليه الصلاة والسلام حذر فيه من مشابهة اليهود والنصارى والسير في طرقهم، بل صارت المشابهة أصلاً في التحريف، أي أنها جانب عرف عن الكفار واختصوا به، فلا يجوز للمسلمين أن يعملوا ذلك؛ لأنه والحالة هذه يؤدي إلى المشابهة، والرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر من ذلك لأن اليهود والنصارى كانوا على ضلال، ولا يزالون على ضلال إلا من هداه الله. فالرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أن يحذر المؤمنين في حياتهم العملية والواقعية نهى عن التشبه بالكفار، وهذا التشبه لو تأملتم اليوم حياة المسلمين ستجدون عجباً! ولو طبقنا هذا لوجدنا جوانب عجيبة في حياتنا يتمثل فيها ذلك، لكن الأمر وللأسف صار بالعكس؛ حيث صارت مشابهة الكفار واليهود والنصارى مسخرة لبعض المسلمين، وانظروا كيف انقلبت الموازين وانعكست في حياتنا؛ ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما حذر من مشابهة اليهود والنصارى إنما هو تحذير عملي واقعي يؤدي إلى تطبيق التميز لعقيدة المسلمين، فالمؤمن يتميز في أي مكان عن أي يهودي أو نصراني أو وثني أو كافر أو مشرك، لكن إذا رضي المسلمون تلك المشابهة، ورضوا بأن يكونوا مثلهم في أخلاقهم وسلوكهم، لم يحصل تميز المؤمن من غيره، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (اقتضاء الصراط المستقيم) أن المشابهة الشكلية تؤدي إلى المشابهة العقلية، فالإنسان إذا شارك قوماً في عاداتهم وأكلهم ولباسهم وغير ذلك، فإنه لا محالة تنتهي به الحالة إلى أنواع من المشابهات في أخلاقهم وسلوكهم وربما عقلهم، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذيراً تاماً.

    تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة القبور والبناء عليها

    أيضاً من الأمور التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها تطبيق عملي: التحذير من عبادة القبور والبناء عليها وتقديسها ونحو ذلك: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد)؛ لأن البناء على القبور وتجصيصها ونحو ذلك طريق عملي للشرك بالله سبحانه وتعالى، وينقل الإنسان نقلة خطيرة في حياته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك؛ لأجل أن تكون العقيدة صافية؛ ولأجل ألا يكون هناك بديل عن العقيدة القائمة على الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، فإذا ما عملت الأمة الإسلامية بهذا، وحذرت من ذلك، ومنعت من عبادة القبور والبناء عليها وغير ذلك؛ فإنها -والحالة هذه- تؤسس التأسيس الصحيح لبناء عقيدة سليمة.

    1.   

    وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم

    أيضاً من الأمور التي ركز عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جانب عملي: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم: ومن أعظم مقتضياتها طاعته عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ [آل عمران:31]، فاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم دليل محبة الله ودليل محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالواجب أن يقدم الإنسان محبة الرسول على النفس والولد والناس أجمعين. ومن هنا أيها الإخوة! فإن محبة الرسول لا تبقى نظرية، وإنما لها أدلتها وواقعها العملي، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما يأمر بتقديم محبته على محبة النفس وغيرها، إنما يبني عند الإنسان وفي قلب الإنسان أن تتحول حياته وأموره كلها إلى طاعة هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، والحرص على سنته، والحرص على أن يكون الإنسان ممن يُوفق للشرب من حوضه يوم العرصات، وممن يُوفق إلى أن يكون معه في الجنة، وهذه كلها لا تنال بالأماني والنظريات، وإنما تُنال بالمتابعة العملية لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. وهكذا أيها الإخوة! هناك جوانب كثيرة جداً في منهج الرسول عليه الصلاة والسلام تدل على ذلك، أكتفي بهذا فيما يتعلق بهذا الموضوع، وبقي علينا موضوعات أخرى تتعلق بالتطبيق العملي للعقيدة، ومنها منهج القرآن الكريم في ذلك، ومنهج أهل السنة والجماعة في ذلك، وقضايا أخرى أتركها لمناسبة أخرى. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا أن نوضحها بإذن الله تبارك وتعالى.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية موالاة العصاة من المسلمين

    السؤال: كيف يكون الولاء لمن كان مسلماً، ولكن عليه كثير من الذنوب والمعاصي؟ الجواب: يكون الولاء له بقدر إيمانه، والعداوة والبغضاء بقدر فسقه ومعصيته، فجميع المؤمنين المسلمين لهم الولاء، لكن الولاء والبراء أقسام: القسم الأول: ما كان منه بالنسبة للمؤمنين المتقين الأخيار؛ فهؤلاء لهم الولاء التام. القسم الثاني: الكفار على مختلف أشكالهم، هؤلاء لهم البغض التام والعداوة التامة. القسم الثالث: من كان من المؤمنين عنده معصية أو نحوها لا توصله إلى الكفر، أو بدعة لا توصله إلى الكفر؛ فنحن نحبه ونواليه بقدر إيمانه، لكن نعاديه بقدر معصيته، وتلك المعاداة لها دلائلها، منها الهجر إذا كان ينفع فيه الهجر، ومنها المناصحة المستمرة، ومناصحتك له معناها أنك تظهر له أنك تكره ما عنده من معصية، وهكذا.

    الفرق بين خوف العبادة والخوف الطبيعي

    السؤال: إذا كان هناك رجل يخاف من آخر، ولكنه يخاف من الله أكثر، فهل هذا طبق التطبيق العملي للعقيدة؟ الجواب: الخوف قسمان: خوف طبيعي، وهذا لا يدخل في موضوع الخوف المحرم؛ فكونك تخاف من أسد أو من عدو أو من نار؛ هذا خوف طبيعي لا يحاسب عليه الإنسان، والناس يتفاوتون فيه، فمنهم الشجاع ومنهم الأقل. لكن الخوف الذي هو خوف عبادة، هو الخوف من العباد فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الله هو الذي بيده الحياة والموت والرزق وغير ذلك والعباد لا يملكون من هذا شيئاً، فيجب أن تخاف من الله، وأن توحد الله سبحانه وتعالى في هذا الخوف، كما قال تعالى: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، فهذا هو الخوف الذي هو خوف عبادة. وقد يقول قائل: اضرب لي مثالاً، فأقول: لو أن إنساناً خاف من ساحر أو من أحد الأولياء في القبور؛ لأن بعض عبدة القبور يقول لك: إذا أنت سببت عباد القبور فسوف ينالك الولي أو الساحر بكذا وكذا، فهل تتخلى عن عقيدتك من أجله؟! وهل تخاف على نفسك منه؟! إنهم لا يملكون من الأمر شيئاً، فإذا أراد الله أمراً كان، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في وصيته لـابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فهذا الساحر أو الكاهن أو صاحب القبر لا يملك شيئاً، فكيف تخاف منه؟ ولهذا تجد عباد القبور يرجونه ويخافونه من دون الله، كما قال تعالى عن الذين كانوا يخافون من الجن ويتعوذون بهم: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6]، أي: تسلط الجن عليهم لأنهم خافوهم من دون الله، لكن كون الإنسان يخاف من فلان أن يضربه أو شيء من ذلك، هذا فيه جزء من الخوف الطبيعي، ولا شيء فيه إن شاء الله.

    كتب مهمة في التوحيد

    السؤال: في هذه الأيام يكثر وقت الفراغ، ويُستغل هذا الفراغ بالقراءة، ونود منك أن تنصح بكتاب في العقيدة نقرؤه في هذه العطلة؟ الجواب: الكتب تتفاوت بالنسبة لطلبة العلم، لكن أنا أنصحكم في هذه العطلة بمدارسة كتاب (التوحيد) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، و(العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية ، وأنصحكم أيضاً بقراءة كتاب (التوحيد) للشيخ صالح الفوزان، الذي هو مقرر الثانوية العامة، وطُبع مستقلاً بعنوان (كتاب التوحيد)، وكتاب التوحيد هذا كان مقرراً في الثانوية، وأظنه إلى الآن مقرراً في الثانوية العامة، وهو كتاب لطيف مختصر ممتاز فيه قضايا كثيرة مهمة، فأنصحكم بقراءة هذا الكتاب.

    جهل كثير من طلاب المدارس بالعقيدة

    السؤال: في إحدى المدارس الثانوية سأل أحد الأساتذة سؤالاً وهو: ما هو تعريف توحيد الألوهية؟ فلم يعرف أحد منهم، فسأل عن توحيد الربوبية؟ فإذا أحدهم يجيب بقوله: هي أقوال وأفعال مخصوصة تُفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم، فما تعليقكم على ذلك؟ الجواب: أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! أن يعرف توحيد الربوبية بالصلاة، فهذا التعريف هو تعريف الصلاة، فهي: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فإذا كان الفصل لم يعرف ما هو توحيد الألوهية فهذه مصيبة، وإذا كان الفصل لم يعرف أحد منهم تعريف توحيد الربوبية فهذه مصيبة، وإذا كان بعضهم عرف الربوبية بتعريف الصلاة فالمصيبة أعظم، وهذا من الجهل المركب، وهو بخلاف الجهل العادي. يعني: قد يجهل أحدنا مدينة معينة أو يجهل كتاباً، ويقول: أنا لا أدري؛ فهذا ليس فيه شيء، لكن الجهل المركب هو: أن يتراكب عليك الجهل فتظن أن هذا الشيء هو كذا وتفهمه على غير حقيقته، هذا هو الجهل المركب، يعني: قد تسأل واحداً وتقول له: ما هو هذا؟ فيقول لك: لا أدري، فهذا جهل بسيط، لكن يأتي واحد ثانٍ ويقول لعلبة المناديل: هذا ميكروفون، فهذا جهل مركب؛ لأنه لم يعرف الشيء، لكن أضاف إليه أنه عرفه على غير حقيقتة، فكون هذا الإنسان يعرف توحيد الربوبية بالصلاة هذا جهل مركب. وهذا يدل على أن واجبنا كبير بالنسبة لتربية الناس وتفهيمهم بأصول العقيدة، فهذه والله مصيبة، وقد أخبرني أحد الأساتذة وقال: دخلت في فصل الثانوية وطلبت منهم قراءة الفاتحة، فلم يحسن قراءة الفاتحة إلا واحد، فقلت: أعوذ بالله! طالب في الثانوية العامة درس الابتدائي والمتوسط قرابة العشر سنوات ولا يحفظ الفاتحة! هذه مصيبة، فالعامي كبير السن من البادية إذا التقينا به في البادية وصار يغلط في الفاتحة عذرناه، لكن الطالب الدارس ليس كذلك. إذاً: أيها الإخوة! واجب علينا جميعاً أن نعلم الناس هذه العقيدة، وأن نفهمهم إياها، وأن نبسطها لهم.

    دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة نظرية عملية

    السؤال: هل كانت الدعوة في مكة عملية ونظرية أم عملية فقط؟ الجواب: نحن قلنا إنها كانت نظرية عملية، ولم يكن الجانب العملي ينفك عن النظري، فقد كان العملي مضمناً للنظرية، ولهذا قال العلماء: توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية مستلزم لتوحيد الربوبية، فالتوحيدان -توحيد المعرفة وتوحيد العمل- متلازمان، وهكذا كان أيضاً منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته في مكة.

    أهمية الإخلاص لله في جانب التطبيق العملي للعقيدة

    السؤال: ما هي الوسائل التي تعين الشباب على تطبيق العقيدة تطبيقاً عملياً؟ الجواب: الوسائل كثيرة، لكن من أهمها: صدق التعامل مع الله سبحانه وتعالى، هذا هو الأساس الوحيد، يعني: أن الآخرين قد يعرفون عنك أو لا يعرفون؛ وقد تخطئ وقد تصيب، وقد ينتقدونك وقد يمدحونك، لكن أهم شيء أن تصدق مع الله سبحانه وتعالى، وأن تعلم أن الخلق من أولهم إلى آخرهم -وأولهم أبوك وأمك وأقرب الناس إليك- لا يستطيعون أن ينفعوك بشيء، ولا أن يضروك؛ ولا يملكون لك من الأمر شيئاً؛ بل لا يملكون لأنفسهم شيئاً. فإذا علمت ذلك وأيقنت فوجه قلبك الله إلى الحي القيوم، ولا توجهه لمخلوق، بل وجهه إلى الحي الذي لا يموت سبحانه وتعالى، كما قال جل شأنه: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58]، فإذا وجهت قلبك إلى الله سبحانه وتعالى أعطاك الله تبارك وتعالى من اليقين والعمل ما يتحول بعونه وتوفيقه إيمانك إلى واقع عملي، وهذا هو باب الإخلاص الكبير الذي يجب أن نتذكره دائماً. فعليك بالإخلاص لله وأنت تعمل، وأنت تدعو إلى الله، وأنت تزور أخاك، وأنت تقدم قليلاً من المال في سبيل الله، وأنت تبتسم في وجه أخيك، وأنت تعمل الأمور الكبيرة جداً، وتذكر أنك تعمل هذا لا لتمدح وإنما لتنال الأجر عند الله سبحانه وتعالى، ولتجده مكتوباً مسطراً في كتاب لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49]؛ ولهذا كان هذا الإخلاص هو الذي قطع قلوب العارفين؛ لأن تهيئة النفس والقلب لهذا الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة، فجاهد قلبك، وإذا ما أخلصت لله سبحانه وتعالى يوفقك الله، ويرضى عنك.

    معنى حديث: (إن الله يخرج من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله)

    السؤال: ورد في الحديث: (إن الله يخرج من النار من قال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله)، فما هو معنى الحديث؟ الجواب: ليس المقصود من قال يوماً: لا إله إلا الله وفقط، وإنما المقصود من قالها ومات عليها، وأما من قالها ثم نقضها فلا تنفعه، ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى ما يبين هذا، منها قوله عليه الصلاة والسلام: (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقوله: (من قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه دخل الجنة)، أي: ومات على ذلك، لكن من مات على الشرك فهذا مقطوع بأنه ليس له في الجنة نصيب، بل هو من المخلدين في النار، نسأل الله السلامة والعافية.

    حكم الأكل مع الكفار

    السؤال: لدي عمال وبينهم نصراني ومجوسي، فيأكلون معنا، فهل نخصص لهم أواني مخصصة أو نأكل معهم؟ الجواب: أولاً: واجبكم دعوة هؤلاء إلى الله سبحانه وتعالى، فما دام الغالبية مسلمين فالواجب دعوة هذا النصراني وهذا المجوسي، والواجب قبل ذلك على صاحب العمل ألا يستقدمهم إلى جزيرة العرب، بل الواجب على كل صاحب شركة ألا يستقدم إلا مسلمين، وعليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى في ذلك. أما بالنسبة للأكل معهم فلا بأس به، لكن على أن تظهروا لهم عزتكم بدينكم. أما هجرهم أو نحو ذلك فإنما يكون إذا كان سبباً في دعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى، فالواجب التعاون على البر والتقوى في أن يكون المؤمنون إخوة، وفي أن يكونوا من أهل البراءة من الكفار. أما بالنسبة للأواني ونحو ذلك فلا يُشترط للأكل فيها هذا، كما ذكر العلماء في باب الآنية أنه يجوز استعمالها، وبعض العلماء رأى غسلها خوفاً من أن تكون قد طُبخت فيها لحوم الخنزير أو الميتة أو غيرها، لكن إذا أُمن ذلك فلا بأس.

    استقدام عمال نصارى أسلم أكثرهم

    السؤال: عندي ثمان فيز للفلبين، فحاولت اختيار مسلم من الفلبين بنفسي ولم أستطع، فأحضرت نصارى، وبعد عدة أشهر أسلم ستة منهم وبقي اثنان ولا زلنا نحاول معهم، فما تعليقكم؟ الجواب: جزاك الله خيراً، وكان الأولى أن تكون أتيت بالمسلمين، لكن أنت -إن شاء الله- مادمت قد أتيت بكفار وعملت معهم، فنرجو -إن شاء الله- أن يكون قد كفر عن ذنبك بإسلام هؤلاء، ونسأل الله أن يهدي بقيتهم للدخول في الإسلام.

    خطأ من يقول: إن الرافضة إخواننا في الإسلام

    السؤال: لقد بلغ بعض المسلمين من ضعف العقيدة أن يعتقد أن الرافضة هم إخواننا في الإسلام، فما رأيكم؟ الجواب: هذا أمر فعلاً يدل على تخلخل الفهم الصحيح لهذه العقيدة، وإلا فمن فهم عقيدة الإسلام الصافية وفهم شيئاً من عقائد هؤلاء عرف الحقيقة، وعرف أن هؤلاء الرافضة الإثني عشرية ليسوا من الإسلام في شيء؛ بسبب عقائدهم وأصولهم الكفرية المعروفة.

    تحقيق العقيدة لا يتم إلا بالعمل

    السؤال: كيف نرد على من ادعى أن تحقيق العقيدة يكون بالقلب، ولا دخل للأعمال بذلك؟ الجواب: نقول له: أنت مخطئ؛ بل بداهة لابد من دلالة، يعني: لو جاءنا إنسان وقال: أنا مهندس، وأخذ يلقي علينا محاضرة ليثبت لنا أنه مهندس، ثم لما قلنا له: صمم هذه العمارة فقال: لا أستطيع، فسنقول له: إذاً كلامك نظري لا نقتنع به، ولا يفيدك شيئاً، وكذلك أيضاً إذا قال إنسان: أنا مؤمن بالله وأطيع الله وأطيع الرسول، فلا يقبل إلا بدليل العمل، وهذا سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في القسم الثاني فيما يتعلق بالتطبيق العملي في منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.

    الفرق بين المداهنة والمداراة

    السؤال: ما الفرق بين المداهنة والمداراة في مجال الدعوة؟ الجواب: المداهنة: أن تداهن في دينك، والمداراة: أن تداري فيما تستطيع من مالك ونحوه، فالمداهنة أن تتخلى شيئاً فشيئاً عن الدين من أجل فلان أو علان، فهذه مداهنة لا تجوز، وإذا سكت عن معصية ظاهرة فهذه مداهنة. لكن المداراة أن تداريه وتبتسم له كفاً لشره، وتبذل شيئاً من مالك لجارك أو لغيره بالإحسان أو نحو ذلك، هذا كله من باب المداراة، لكن المداهنة تكون على حساب الدين، وهذا لا يجوز. هذا باختصار شديد؛ والمسألة فيها تفصيل. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وجزاكم الله خيراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله رب العالمين.