إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (34)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما رأى فرعون وقومه آية العصا وانهزام السحرة أمام موسى، ثم إيمانهم به، لما رأوا ذلك حملهم الكبر على مواصلة الكفر والعناد، فأصابهم الله عز وجل بجفاف وقحط السنوات لعلهم يذكرون، لكنهم لم يتذكروا فحول الله القحط والجدب إلى خصب، والبلاء إلى عافية، فلم يرجعوا، فأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ورغم كل ذلك استكبروا وكذبوا وكانوا قوماً فاسقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأعراف المكية، وهي كغيرها من السور المكية تعالج العقيدة:

    أولاً: تقرير معنى: لا إله إلا الله.

    ثانياً: تقرير معنى: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: التشريع والتقنين حق الله لا يشاركه فيه سواه.

    رابعاً: البعث الآخر والحياة الثانية وما يجري فيها ويتم، فأهل الإيمان والتقوى في دار السلام، وأهل الشرك والمعاصي في دار البوار، أعاذنا الله وإياكم منها.

    وها نحن مع هذه الآيات الأربع فلنصغ مستمعين إلى تلاوتها مرتلة مجودة، ثم نأخذ في شرحها وبيان مراد الله تعالى منها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف:130-133].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق الكريم مع موسى وملأ فرعون، تقدم أن فرعون انهزم وانكسر، وأن السحرة الذين جلبهم من أطراف البلاد آمنوا وأسلموا، فعظمت المصيبة على فرعون وملئه، والله عز وجل بعد ذلك يقول: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف:130] لما شاهدوا الآيات وعاينوها، بل ولمسوها وأبوا أن يؤمنوا، فماذا يفعل الله تعالى بهم وهو ولي المؤمنين ومدبر أمر العالم والناس أجمعين، قال: أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف:130]، فالمراد من السنين: سنين القحط والجدب، وتعرفون أن الماء هو سر الحياة وعنصرها، فأدبهم الله بسنين القحط والجدب.

    ومن هنا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة لما اشتد الصراع فقال: ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف )، يوسف الصديق أيامه جاءت فيها سنين قحط وجدب، وسنين رخاء وماء، فجاعت قريش حتى أصبحوا يغمسون الصوف في الدم ويأكلونه، استجابة الله لدعوة عبده ورسوله في قريش، إذ قال: ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ).

    هنا أخذ الله فرعون وآله، ويدخل في الآل كل كافر مواطن معه، أخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، والثمرات عامة في كل النتاج، ليس ثمار النخل والتمر فقط، كل ما ينتجونه أصيب بانتكاسة.

    قال تعالى العلة في ذلك: لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:130] ما أصابهم بالقحط والجدب ولا بنقص الثمرات إلا من أجل هذا، لم فعل الله تعالى بهم هذا وهم عبيده؟ رجاء أن يتفكروا فيعرفوا ربهم ويؤمنوا به، ويمشوا وراء رسوله موسى عليه السلام، وهذه من رحمة الله عز وجل، وإلا فلم يلاطفهم هذه الملاطفة؟ يصيبهم بالقحط والجدب لعلهم يذكرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ...)

    قال تعالى: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف:131]، هذا موقف من أسوأ المواقف لا يقفه إلا كافر بالله جاهل برحمة الله عز وجل، ومع الأسف هذا المسلك يسلكه العرب والعجم في العصور والدهور كلها، يوجد من يقول هكذا، إذا جاءت الحسنة وهي ما يحسن من مياه، من طعام، من مال، من راحة، من سعادة، من علم، إذا جاءت الحسنة يقولون: هذه لنا، ما هي من عند الله، ما هي من فضل الله، هذه بجهودنا، بعملنا، بكذا وكذا.. حتى ينكروا الله وفضله.

    وليحذر المؤمنون مثل هذا الموقف، كنت فقيراً فأغناك الله فقل: الحمد لله هذا من فضل الله، لا تقل: بجهادنا.. بعملنا.. بصبرنا.. بسهرنا الليالي الطويلة، فتصبح تلميذاً لفرعون وملئه، والذي علم فرعون هذا هو الذي يعلم الناس اليوم.

    وقد علمنا سنة فرعون: أنه وزع عليهم الأصنام فوضعوها في بيوتهم، وقال لهم: اعبدوها وتقربوا بها إلي وأنا ربكم الأعلى، فأصبح في كل بيت صنم يعبد، والمعبود الأكبر هو فرعون الذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فمن نقل إلى المسلمين هذه السنة سوى الشيطان، فمضت على أمة الإسلام قرون وهم يعبدون القبور، هذا سيدي فلان، مولاي فلان، قبر الست فلانة، ثم العكوف والنداء والاستغاثة والذبح والنذر والحلف.. وما إلى ذلك، بحجة أنهم يتقربون بهم إلى الله، فمن سن هذه السنة؟ سنها فرعون، ومن نقلها إلينا؟ الشيطان، هذه مهمته، ليضحك على أذقان الناس، وبيننا وبين فرعون آلاف السنين، ونحن في عصر الهداية والنور والإسلام، ومع هذا عبد مع الله الأولياء من إندونيسيا إلى المغرب، ما من بلد إلا وفيه قباب تعبد، يدعونها.. يستغيثون بها.. يتعوذون بها.. ينذرون لها النذر.. يعكفون حولها.. يتمسحون بها، وهذه هي العبادة، وما فوق هذا شرك.

    إذاً: تلك سنة فرعون، والآن -كما قلت لكم- بعض الأبناء وبعض الإخوان إذا رزقه الله بعد الفقر ما ينسب هذا إلى الله، إذا صح بعد مرض يقول: الدواء والطب وكذا. ما يقول: الله، يصرف الشيطان قلبه عن ذكر الله فيخسر والعياذ بالله، فالمؤمن إذا أصابه خير قال: هذا فضل الله علي والحمد لله، وإذا أصابه ضير قال: هذا من ذنوبي وأستغفر الله، هذا هو موقف المؤمن.

    فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف:131]، إذا جاء الرخاء والماء والخيرات قالوا: هذه لنا، أي: بفضلنا.. بجهودنا.. بكذا بكذا، وإن أصابتهم سيئة مما يسوء كالمرض أو القحط يقولون: اطيرنا بموسى، موسى هو السبب ومن معه من بني إسرائيل، اطيرنا بموسى ومن معه.

    معنى قوله تعالى: (ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون)

    فرد الله تعالى عليهم هذه القولة الفاجرة الكافرة فقال: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:131].

    الله هو الذي بيده الخير والشر يغني ويفقر، يعز ويذل، يصح ويمرض، يميت ويحيي، فبيده الطائر، أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131] والمراد من الطائر: القسمة التي قسمها الله للناس، ما منا إلا وله نصيبه في هذه الحياة، ويسمى طائراً، طار له من القسمة، فقالوا: اطيرنا بموسى ومن معه.

    وهذا من أمر الجاهلية، كان أحدهم إذا أراد السفر أو أراد أن يتزوج أو يشارك في تجارة ولا يدري هل يستفيد أو لا يستفيد فماذا يصنع؟ يطير: يمشي في البر وإذا وجد الطيور واقفة يرميها بحصاة أو بعصا فتطير، فإذا طار الطائر فأخذ ذات اليمين وتيامن قالوا: هذه فيها خير، وإذا ذهب ذات الشمال تشاءموا وقالوا: لا نمشي أو لا نتزوج، فجاء الإسلام فأبطل هذه وقال: ( الطيرة شرك )، والعياذ بالله.

    وأعطانا الله بدل التطير صلاة الاستخارة، إذا أردت أن تتزوج وما تدري هل في هذا الزواج خير أو ضير، أردت أن تسافر وما تدري، أردت أن تبني، إذا أشكل عليك الأمر وأنت راغب في العمل فاطرح بين يدي الله وصل ركعتين واسأله: إن كان في هذا العمل خير فيسره لي وإلا فاصرفني عنه، ودعاء الاستخارة موجود في كتب السنة، وحين تستخير الله فالذي يقع هو الذي اختاره الله لك؛ لأنك طلبت منه أن يختاره لك لعلمه ولعدم علمك، فوضعت الأمر بين يديه فحاشاه أن يختار لك السوء أو ما يضرك، الذي اختاره لك هو الخير، أردت أن تتزوج فاستخرت، فإن لم يتحقق زواج فاعلم أن ذلك خير لك، وإن تحقق الزواج فذلك خير، وهكذا في السفر وفي كل عمل، بدل التطير الذي هو الشؤم والشرك -والعياذ بالله تعالى- صلاة الاستخارة، حتى إذا لم تحفظ الحديث فضع الأمر بين يدي ربك وقل: يا رب! خر لي فأنا ما أدري هل في سفري خير أم لا، فإن كان فيه خير فأعني عليه، وإن كان فيه شر فأبعدني عنه.

    وقال تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:131]، ما يعلمون أن الذي يختم الأرزاق ويدبر الحياة ويصح ويمرض ويعطي ويمنع هو الله، ما كانوا يعلمون، لو كانوا يعلمون هذا لما قالوا: اطيرنا بكم، ولا قالوا: هذه لنا بقدرتنا وقوتنا حصلنا عليها، لا هذه ولا تلك، ولكنهم لا يعلمون، فالجهل هو المصيبة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين)

    ثم قال تعالى عنهم: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف:132]، قالوا لمن؟ لموسى، مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ [الأعراف:132]، كالعصا أو آية اليد أو آية الجدب والقحط، هذه آيات، ولكن قالوا: مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ [الأعراف:132] ما نؤمن بك، ولا نمشي وراءك أبداً ولا نوافقك على ما تقول، وهذه كبرياء وغطرسة.

    وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا [الأعراف:132]، يكذبون، وهل سحركم بالعصا؟ هل سحركم باليد لما خرجت بيضاء كالقمر؟ أين السحر الذي تقولون؟ من هزم السحرة فتحطموا وتابوا وأسلموا؟ ولكنه العمى جعلهم يتبجحون بالكلام.

    وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف:132]، يريدون أن ييئسوا موسى، لا نتبعك ولا نمشي وراءك ولا نؤمن بك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ...)

    وهنا يغضب الرب فيقول تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ [الأعراف:133]، خمس آيات، آية بعد آية، وما بين الآية والآية أشهر أو سنين.

    أولاً: الطوفان، أغرقهم بفيضان النيل، صاحوا، كادوا يغرقون، ثم قالوا: يا موسى! ادع الله، فدعا الله فانتهى الطوفان، فعادوا إلى الشرك والكفر والباطل، فأرسل عليهم الجراد، والجراد معروف يجوز أكله وخاصة عند الحاجة، أكله النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في الجراد هل يقتل أو لا يقتل كالحيوان المنهي عن قتله؟ والصحيح أنه إذا آذى يقتل، إذا داهم مزرعتك مثلاً تحفر له في الأرض وتقتله، وإذا لم يؤذ فلا حاجة إلى قتله؛ لأنه ينتفع به ويؤكل.

    فالجراد ماذا فعل؟ أكل حتى السعف والورق ما ترك شيئاً، وشاهدنا هذا نحن وعرفناه، سعف النخل يأكله الجراد، ثم رفعه عنهم فما تابوا، فأرسل عليهم القمل، والقمل جائز أن يكون السوس في الحب وفي غيره، لكن المراد هنا -والله أعلم- القمل المعروف، القمل هذا محنته محنة، الأحداث في عصر الرخاء ما عرفوه، هنا في المسجد النبوي قبل أربعين سنة كان هناك أخ من إخواننا من المهاجرين تشاهد القمل ماشياً على خده مع وجهه كالنمل، القمل ما يسمح لك أن تنام، تحك طول الليل، فسلط الله عليهم القمل نساء ورجالاً لعلهم يذكرون، فترة من الزمن، فقالوا: يا موسى! ادع لنا، فدعا موسى فانتهى القمل وما تابوا.

    فجاءت الضفادع، والضفادع تنزل من السماء، وكم من مرة ينزل المطر بالضفادع، الضفادع ملأت بيوتهم وأزقتهم، وتدب في أجسامهم، لا إله إلا الله! وواحد الضفادع ضفدعة، وهذه منهي عن قتلها، إذاً: صاحوا وبكوا: يا موسى! ادع ربك، فدعا موسى رفع الله عنهم الضفادع، فما تابوا.

    فأرسل عليهم الدم، ومن الجائز أن يكون رعافاً، ولكن الحقيقة أنه تحول الماء إلى دم، فحين يأخذ الفرعوني آنية الماء ليوصله إلى فمه يتحول إلى دم، حتى كانت القبطية تقول للإسرائيلية: صبي من فمك في فمي، تجعله الإسرائيلية في فمها ماء فتصبه في فم القبطية فينقلب إلى دم، ودام هذا يومين أو ثلاثة أو أسبوعاً أو أسبوعين، فصاحوا: ادع لنا ربك يا موسى. آيات عجب.

    معنى قوله تعالى: (آيات مفصلات)

    قال تعالى: آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، أي: هذه الخمس -الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم- آيات مفصلة، ما هي في يوم واحد، ما بين الآية والآية شهران أو ثلاثة أو عام؛ لأنها مهلة للتوبة والرجوع إلى الله، فحين يفزعون إلى موسى يدعو لهم، فيرفع الله عنهم، ومع هذا ما آمنوا بالله؛ لأن قضاء الله وقدره مضى بأنهم أهل النار، هذه الآيات كيف لا يؤمن من رآها؟ ولكن لما كان قضاء الله سبق أن هذه الجماعات وهذه الأمة من أهل النار فلا بد أن تستمر على العناد والكفر وتشاهد الآيات وتكفر بها حتى يمضي حكم الله وقضاؤه وقدره، فقولوا: آمنا بالله. ولا يخطر ببالك أنهم مكرهون على الكفر، لا والله، بل أحرار تماماً، باختيارهم يختارون الكفر ويقولون به ويحاربون الإيمان وأهله.

    معنى قوله تعالى: (فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين)

    قال تعالى: فَاسْتَكْبَرُوا [الأعراف:133] الاستكبار معروف، ترفعوا، أبوا أن يلينوا ويذعنوا للحق ويسلموا ويمشوا مع موسى.

    فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف:133]، ما الإجرام؟ هو إفساد النفس، وهل النفس تفسد؟ نعم، كانت طيبة طاهرة فتصبح منتنة عفنة، صب عليها الذنوب والمعاصي فأفسدها، كانت تؤمن بالله وتحبه فصب عليها ذاك الذنب فكفرت بالله وجحدته، فهم مجرمون أجرموا على أنفسهم وأجرموا على غيرهم، قتلوا ونكلوا وفعلوا الأعاجيب.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    هيا نستمع إلى شرح هذه الآيات في الكتاب لنزداد علماً وبصيرة وتأملوا.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [ ما زال السياق في قصص موسى مع آل فرعون، إنه لما شاهد فرعون وآله آية العصا وانهزام السحرة أمامهم وإيمان السحرة حملهم الكبر على مواصلة الكفر والعناد، فأصابهم الرب ] تبارك و[ تعالى بجفاف وقحط سنوات لعلهم يذكرون، ولم يذكروا فحول الله تعالى جدبهم إلى خصب، وبلاءهم إلى عافية، فلم يرجعوا وقالوا في الرخاء: هذه لنا، نحن مستحقوها وجديرون بها، وقالوا في القحط والبلاء قالوا: هذه من شؤم موسى وبني إسرائيل ]، أبوا أن يقولوا: من الله.

    [ قال تعالى: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131] ]، هو الذي يعطي الخير والشر، ويقسم ما شاء ويعطي من يشاء، [ وذلك لأنه مدبر الأمر، وخالق كل شيء، وجاعل للحسنة أسبابها وللسيئة أسبابها، ولكن أكثرهم لا يعلمون؛ فلذلك قالوا: اطيرنا بموسى ومن معه، وأصروا على الكفر، ولجوا في المكابرة والعناد، حتى قالوا لموسى: مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف:132] ].

    عجب هذا الكلام: مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف:132] لا تتعب نفسك.

    قال: [ ولو علموا ما أصروا على الكفر ]، والله العظيم! ما علموا، فهو الجهل، [ ولو علموا ما أصروا على الكفر ولما قالوا ما قالوا، فأسباب الحسنة الإيمان والتقوى، وأسباب السيئة الكفر والمعاصي، إذ المراد بالحسنة والسيئة هنا: الخير والشر.

    وهنا وبعد هذا الإصرار والعناد والمكابرة رفع موسى يديه إلى ربه يدعوه فقال: يا رب! إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا، وإن قومه قد نقضوا العهد، فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن ] يأتي [ بعدهم آية ].

    اسمعوا دعاء موسى: [ يا رب! إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى ] يعني: ظلم، [ وعتا ] تجبر وتكبر، [ وإن قومه قد نقضوا العهد، فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة، ولقومي عظة ] لبني إسرائيل يتعظون بها، [ ولمن بعدهم ] مثلنا [ آية ]، فصلى الله على موسى وسلم.

    قال: [ فاستجاب الله تعالى دعاءه ]، استجاب الله تعالى دعاء عبده موسى، [ فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فأخذهم الطوفان أولاً فكادوا يهلكون بالغرق، فجاءوا موسى وطلبوا منه أن يدعو ربه ليرفع عنهم هذا العذاب، فإن رفعه عنهم آمنوا وأرسلوا معه بني إسرائيل، فدعا ربه واستجاب الله تعالى، فأخذوا شهراً في عافية، فطلب منهم موسى ما وعدوه به فتنكروا لوعدهم وأصروا على كفرهم، فأرسل الله تعالى عليهم الجراد فأكل زروعهم وأشجارهم وثمارهم حتى ضجوا وصاحوا، وأتوا موسى وأعطوه وعودهم إن رفع الله عنهم هذا العذاب آمنوا وأرسلوا معه بني إسرائيل، فرفع الله عنهم ذلك، فلبثوا مدة آمنين من هذه العاهة، وطالبهم موسى بوعدهم فتنكروا له، وهكذا حتى تمت الآيات الخمس مفصلات ما بين كل آية وأخرى مدة تقصر وتطول، فاستكبروا عن الإيمان والطاعة وكانوا قوماً مجرمين مفسدين لا خير فيهم ولا عهد لهم ]، وسيأتي ذكر هلاكهم فيما بعد.

    هداية الآيات

    هيا نستنبط هداية هذه الآيات لنهتدي بها، نأخذ مصابيح من هذا النور العام:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: من تدبير الله تعالى أخذه عباده بالشدائد لعلهم يذكرون فيتعظون ويتوبون ].

    هذه قاعدة عامة في كل البشر، ما هي؟ من تدبير الله للخلق والعباد أخذه عباده بالشدائد، بالقحط.. الجدب.. المرض .. الغرق، لعلهم يذكرون فيتعظون ويتوبون، فإذا ما تذكروا ولا اتعظوا ولا تابوا يهلكهم مرة واحدة، من أين أخذنا هذه الهداية؟ من قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:130].

    [ ثانياً: بطلان التطير مطلقاً ].

    وقد عرفتم التطير: أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا أمراً من الأمور لا يدرون أفيه خير أو ضير يطير أحدهم طائراً أمامه وينظر، فإذا ذهب ذات اليمين تيامن وقال: فيه يمن وبركة ويمضي في عمله، وإذا طار جهة الشمال قالوا: هو شؤم، وتشاءموا وعطلوا العمل وتركوا.

    قال: [ بطلان التطير مطلقاً، وإنما الشؤم في المعاصي بمخالفة شرع الله، فيترتب على الفسق والعصيان البلاء والعذاب ].

    وأمة الإسلام من قرون وهي في هذا، لما أشركوا لما أعرضوا لما تفرقوا سلط عليهم الكفار فأذلوهم وأهانوهم ومزقوهم وشتتوهم، ثم رفعنا أيدينا فاستجاب لنا، والآن نحن تحت النظارة، ما بكوا في الروضة ولا اجتمعوا في مكة، ومنذ أربعين سنة كتبنا رسالة وقلنا لهم: تعالوا إلى الروضة الشريفة وبايعوا إمام المسلمين لتصبح دولتكم واحدة وأمتكم واحدة، هذه الأقاليم المتباعدة إمامها واحد وقانونها واحد، فتكونون أعز هذه الأمم وأقواها، أما حفنة من مائة وخمسين ألفاً يستقلون بدولتهم فذلك ما لا يعقل، هل تجوز هذه الدويلات؟ والله! ما تجوز، والله! حرام، ولا يصح أبداً، ومعصية وفسق وخروج عن طاعة الله عز وجل، ولا بد من نقمة الله، بالله الذي لا إله إلا هو! إنكم لتحت النظارة الإلهية، إما توبة وإما نقمة، لن تتبدل سنة الله في الخلق أبداً، لا بد أن تصاب هذه الأمة من جديد، إلا أن يتداركنا الله بالتوبة، أيما إقليم أيما أهل قرية تابوا فسيحفظهم الله ويكلؤهم، ما هو بشرط أن يكون إقليم كامل، بل قرية واحدة.

    قال: [ بطلان التطير مطلقاً، وإنما الشؤم ] أين يوجد؟ [ في المعاصي ]، وذلك [ بمخالفة شرع الله، فيترتب على الفسق والعصيان البلاء والعذاب ]، والبلاء أنواع والعذاب أنواع.

    فهل عرفتم أن المسلمين تحت نظارة الرحمن أم لا؟ فربنا بالمرصاد، أما قال هو تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، لا تفهموا أنكم مطلقون، وأنه افعلوا ما شئتم، ما أهملنا ولا أضاعنا، ولا أنزل الكتاب فينا وبعث الرسول من أجل أن نعيش على الكفر والباطل.

    [ ثالثاً: الجهل سبب الكفر والمعاصي وسوء الأخلاق وفساد الأحوال ].

    يا شيخ! الأمة الآن كلها تقرأ وتدرس فأين الجهل؟ والجواب: ما وجد فسق وفجور وإعراض عن الله إلا وسببه الجهل، وإن ادعى صاحبه العلم وقال: هو عالم، فهل عالم يفجر.. عالم يأكل الربا.. عالم يغتاب وينم.. عالم يعبد غير الله؟ والله ما كان، ولكنه الجهل.

    وقد ذكرنا مئات المرات -والله يشهد- أن طريق إذهاب وإبعاد هذا الجهل عن أمة الإسلام ما يتطلب خزائن المال والوزارات، وإنما أهل القرية والبلد الصغير يجتمعون كل ليلة في مسجدهم بعد المغرب بنسائهم وأطفالهم، النساء وراء الستارة والأطفال صفوف أمامهن والرجال أمام الكل، بعدما يصلون المغرب يدرسون آية كما ندرسها الآن نحن، إلى أن يؤذن العشاء فيصلون العشاء ويعودون إلى ديارهم، وغداً حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويعودون إلى ديارهم، وفي أربعين يوماً فقط تتغير نظرياتهم وأفكارهم، تمر سنة وتلك القرية أهلها كالملائكة لا تسمع سباً ولا شتماً ولا سوءاً ولا باطلاً؛ لأنهم عرفوا؛ إذ الفسق والفجور والكفر والشرك والباطل كلها مردها إلى الجهل.

    قد تقول: يا شيخ! تريد أن تجعلنا متأخرين؟

    والجواب: لا، فالذين مشينا وراءهم واقتدينا بهم إذا دقت الساعة السادسة في برلين أو باريس أين يذهبون؟ يقف العمل، لا مصنع ولا متجر ولا مقهى، يذهبون بأطفالهم ونسائهم جماعات جماعات إلى دور السينما إلى المراقص إلى الملاهي، أسألكم بالله: أليس كذلك؟ ونحن ما نستطيع أن نذهب ساعة أو نصف ساعة فقط إلى بيت الرب نتعلم الكتاب والحكمة، ونريد أن نسود وأن نعز، من أين يأتي هذا؟ ما هو إلا الذل والعار والفقر حتى النهاية.

    [ الجهل سبب الكفر والمعاصي وسوء الأخلاق وفساد الأحوال ]، هذا هو الجهل، وهل في المسلمين جهل؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن الله يقول في آيتين من القرآن في سورة الأنبياء وسورة النحل، يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، هذا أمر أم لا؟ فكل من لا يعلم يجب أن يسأل ليعلم، وكل من علم وسئل يجب أن يعلم، فلا يبقى الجهل، كيف يبقى؟ كل من لا يعلم يجب أن يسأل ليتعلم، يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة ألمَّ بالشريعة كلها وفهمها بسؤاله، لا يكتب ولا يقرأ ولا يعطل عمله، لكن العدو مكر بنا وأهبطنا وأصبحنا نعيش على الجهل ونور الله في أيدينا وفي قلوبنا.

    [ رابعاً: عدم إيمان آل فرعون مع توارد الآيات عليهم دال على أن إيمانهم لم يسبق به القدر ].

    هذه التي نبهنا إليها، قال: [ عدم إيمان آل فرعون ] مع كثرة الآيات وتواردها عليهم يوماً بعد عام، وعاماً بعد عام [ دال على أن إيمانهم لم يسبق به القدر ]، ما سبق بإيمانهم القدر وإلا لآمنوا، فالحجج فوق العادة والآيات عظيمة، إذاً: آمنا بالقدر.

    قال: [ كما هو دال على أن الآيات المعجزات لا تستلزم الإيمان بالضرورة ].

    نعم، فقريش طالبت المعجزة وما آمنوا، قالوا: إن كنت رسولاً فادع الله أن يفلق القمر فلقتين، وانفلق وما آمنوا وضحكوا، قالوا: سحرنا، واقرأ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1-2]، فالآيات بمعنى المعجزات لا تستلزم الإيمان، كم ممن رأى آية وما آمن، فلهذا ما هو بشرط أن يعطينا الله من الآيات حتى يؤمن الناس.

    والمراد من الآيات: الخوارق للعادة كإحياء الميت مثلاً، أو انفلاق القمر، أو نزول المطر، هذه التي لا يقدر عليها إلا الله، فالآيات المعجزات لا تستلزم الإيمان بالضرورة أبداً، قد يؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر.

    [ خامساً: التنديد بالإجرام وهو إفساد النفس بالشرك والمعاصي ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف:133]، هذا تنديد بهم، [ التنديد بالإجرام وهو إفساد النفس ] بماذا تفسد النفس؟ [ بالشرك والمعاصي ]، بالإقبال على غير الله تدعوه أو تسأله أو تحبه وتحن إليه، أو بارتكاب ما حرم الله من قول أو عمل أو اعتقاد والعياذ بالله.

    والله تعالى أسأل أن يتوب علينا، اللهم إنا نسألك لعبيدك الجزائريين أن تكشف ما بهم من غم وهم، وأن تجمع كلمتهم على تقواك ورضاك، اللهم إن ذاقوا البلاء وهم السبب فيه وهم القائمون عليه فاللهم تب عليهم، اللهم تب عليهم، وطهر بلادهم مما حل بهم، إنك ولينا ووليهم وولي المؤمنين، واحفظ كل المؤمنين يا رب العالمين.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711250640