إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (27)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من سنة الله عز وجل في خلقه أنه يبتلي عباده بالبأساء والضراء، فإن هم تضرعوا لربهم أوشك أن يبدلهم مكان الضر الذي كانوا فيه النعمة والمعافاة، حتى يقول بعضهم إن الضر والبأساء قد أصاب من قبلنا من الآباء والأجداد، فلا يخافون من ذلك ولا يعتبرون، حتى يأخذهم الله بغتة وهم لا يشعرون، لكن لو حققوا الإيمان والتقوى فإن الله يفتح عليهم بركات السماء والأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأعراف المكية المباركة الميمونة، وهي تعالج أسمى العقيدة وأعلاها، تعالج التوحيد وتقرره، فلا يستحق أن يعبد في الكون إلا الله، وهو معنى لا إله إلا الله.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية، وأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله ونبيه.

    ثالثاً: عقيدة البعث الآخر والجزاء فيه على كسب هذه الحياة، إما في النعيم المقيم أو بالعذاب الأليم.

    رابعاً: تقرر أنه لا حق لكائن أن يشرع أو يقنن إلا الله، وذلك لعلمه وحكمته، وغيره لعجزه وجهله وضعفه، وشيء آخر: أن الله يخلق الناس ويرزقهم ويربيهم ويكملهم، وأنت تشرع لهم بأي حق؟ أعوذ بالله! ما هناك ظلم أعظم من هذا الظلم والعياذ بالله، هذه السورة كالمكيات يعالجن هذه الحقيقة.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا نستمع إليها في أدب واحترام تتلى على مسامعنا مرتلة مجودة ثم نأخذ في تدبرها وفهم معناها وما أراد الله بذلك.

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:94-96].

    عظم نعمة سماع كلام الله تعالى

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات معطوفة على ما سبقها من الآيات الحاوية لذلك القصص الذي درسناه ووقفنا على معالمه وآثاره، قصة نوح، قصة هود، قصة صالح، قصة شعيب، ووقفنا على ما أصابهم وحل بساحتهم، وعرفنا علة ذلك ألا وهي الكفر والجحود والانتكاس والانغماس في الشهوات والباطل والشر والفساد.

    وهنا أستطرد فأقول: احمدوا الله، كيف جاءنا كلام الله نسمعه ونفهم معناه؟! من نحن وما نحن لولا إفضال الله وإنعامه علينا؟ كلام الله خالقنا ورازقنا وموجد هذه الكائنات ومدبر أمرها يأتينا ونسمعه! فالحمد لله.

    بلايين البشر ما سمعوا كلام الله ولا عرفوه ولا آمنوا به، هذه نعمة أم لا؟ والله! لمن أجل النعم وأعظمها، وقد سمعتم الحديث السابق، فالآن يذكرنا الله بين الملائكة في الملكوت الأعلى، فما نحن ومن نحن حتى نذكر في ذلك الملأ العظيم لولا إفضال الله وإنعامه علينا باجتماعنا في بيته وتلاوتنا لكتابه وتدارسنا له؟! والله! لذلك خير من الدنيا وما فيها.

    اختصاص الرجال بالنبوة وكينونتها في الحواضر

    يقول جل ذكره: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ [الأعراف:94]، القرية في عرف القرآن واصطلاح السنة النبوية: المدينة الكبرى، العاصمة، الحاضرة، وليست كما هي في اصطلاح الجغرافيين الماديين اليوم، واللفظ مشتق من التقري الذي هو التجمع، تقريت الماء في الحوض: جمعته.

    وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ [الأعراف:94] من القرى، وهو العالم الإنساني في أي وقت من الأوقات، مِنْ نَبِيٍّ [الأعراف:94] والنبي يصطفيه الله ويحفظه وهو في رحم أمه حتى لا يتلوث بالأدران والأوساخ، فيطهر ويصفو ويصبح أهلاً لأن يوحي الله إليه وأن ينزل عليه ملكه ويبلغه رسالة ربه، ولا يكون إلا رجلاً، أما المرأة فلا يوحى إليها، لماذا؟ لأنها لا تبلغ دعوة الله، أما الرجل الفحل فهو الذي يخالط الرجال ويدعو إلى الله ويجاهد، فالمرأة ليست تتعلق بالوحي فلا يوحى إليها، وإن شرف الله امرأة كالعذراء مريم وهتف بها هاتف فهذا من باب التشريف فقط والإكرام لها، أما النبوة فلن تكون في غير الرجال، والعلة واضحة، فهم الذين يبلغون الدعوة ويجاهدون في نشرها، والمرأة ليست أهلاً لهذا حسب فطرتها التي فطرها الله تعالى عليها.

    وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ [الأعراف:94] من الأنبياء، أبيض أو أسود، في أي زمان في أي مكان إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا [الأعراف:94] أي: أهل تلك القرية والمدينة الكبرى، وهذه سنة أيضاً لا ننساها، ما يرسل الله رسولاً ولا ينبئ نبياً إلا في المدن والحواضر؛ لأن المدن الصغيرة تابعة للكبيرة، فما هناك حاجة إلى أن ينبأ فيها، ينبئه في العاصمة في المدينة، والأخريات تابعة لها.

    أخذ أهل القرى بالشدائد ليتضرعوا إلى ربهم

    وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا [الأعراف:94] أي: أهل تلك المدينة بِالْبَأْسَاءِ [الأعراف:94]، والبأساء: الحالة القبيحة من البؤس، الفقر، المرض، الحرب، الفناء، ما يبئسهم، وَالضَّرَّاءِ [الأعراف:94] ما يضرهم ويؤلمهم كالحروب، كالفقر، كالمرض.

    وعلل لذلك فقال: لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94] من أجل أن نعدهم للضراعة؛ لأنا نريد أن يطرحوا بين أيدينا باكين ضارعين سائلين خائفين، هذه هي العلة، وقد تكون قبل أن يرسل الرسل إليهم وبعده أو وهو معهم، لأن هذه الجملة حالية صالحة للقبل وللبعد.

    إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا [الأعراف:94] من المتكلم؟ الله، ليس إلا هو الأخاذ القوي القدير، بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ [الأعراف:94] لعلة ماذا؟ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94]، وهل الله يحب أن يتضرع إليه عبيده؟ أي نعم، والتضرع هو سؤال الله والدموع تذرف والقلب يرتجف وأنت بين يديه، هذه العبادة أشرف عبادة عرفها الناس.

    لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94] لأنهم طغوا، تكبروا، تجبروا، نسوا الله عز وجل وشغلتهم شهواتهم ودنياهم وأهواؤهم، وما بقي من يبكي بين يدي الله ولا يسأله ولا يطلب حاجة منه؛ لأنهم في غنى كامل، إذاً: فيأخذهم بالبأساء وبالضراء رجاء أن يضرعوا.

    في الحرب العالمية الأولى يذكر لنا الشيخ رشيد رضا في مناره: أنهم لما اشتد بهم الكرب وعظم البلاء والبؤس والفناء والحروب تأكلهم أصبحت الكنائس مكتظة بالنساء والرجال طول العام، وصدق الله العظيم، تضرعوا، وليس ببعيد، ومن سنيات كنا في باريس فأصاب فرنسا جدب وانقطع المطر، فطلبوا من المسلمين أن يستسقوا الله لهم، وصلينا الاستسقاء وسقاهم الله.

    إذاً: لم ما تتضرعون إلى الله ليرفع ما بنا من البلاء والشقاء والفتن؟ من صرف قلوبنا عن الله؟ هذه آية من آيات الله، أيما بلد، أيما إقليم، أيما جماعة أصابهم سراء أصابتهم ضراء فليعرفوا أن الله فعل بهم هذا ليضرعوا إليه ويطرحوا بين يديه، فيطرحون باكين سائلين ضارعين الأيام والليالي حتى يفرج الله ما بهم، أما أن ينزل البلاء، القحط، الجدب، الحرب، الفتن ونزيد في ضلالنا وطغياننا فهذا معناه الانتحار.

    اسمعوا كلام الله: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94]، والتضرع ما هو بالعنترية، انظر إلى العنز وهي ترضع ولدها أيام الولادة كيف تفعل؟ كيف يفعل الجدي؟ له نغم خاص ويرتعد، وهي تتطامن بنفسها عليه، ذلكم هو التضرع، ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف:55] ما هي بالعنترية.

    فالله تعالى يفعل ذلك لعلهم يتضرعون، والمسلمون اليوم في الشرق والغرب في بلاء ومحنة والبلاء يجتاحهم بلداً بعد بلد ولا تضرع ولا خوف ولا بكاء بين يدي الله، كأننا أموات، ونتضرع يومين أو ثلاثة بين يدي الله وما هي بضراعة كاملة، ومع ذلك يسقينا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ...)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [الأعراف:95] بعد الابتلاء الأول ما تضرعوا، ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [الأعراف:95]، مكان الجوع والفقر الغنى والترف، مكان الخوف الأمن، مكان الذل القوة والاعتزاز والعزة، إلى متى؟ إلى أن عفوا: حَتَّى عَفَوا [الأعراف:95]، أي: كثرت أموالهم ورجالهم وقواتهم وعادوا أقوى ما يكونون، حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ [الأعراف:95]، إذا وعظهم واعظ، ذكرهم مذكر ولو عجوز يقولون: مس آباءنا الضراء والسراء، أي: ما يضر وما يسر ويفرح، بمعنى: لا إله ولا كلام، القضية قضية قوة ومادة، كما هو منطق العالم اليوم.

    قد مس آباءنا من قبل السراء والضراء، والآن هذا النغم موجود، لو قلت لأهل القرية: هيا نبكي بين يدي الله، هيا نطرح بين يدي الله، يقولون: هذه هي الحياة، عام خير وعام شر، فما تخوفوننا؟ ومن أنكر هذا فلينظر ليدلنا على أهل قرية يبكون طول الليل والمحن نازلة بهم وهم يتضرعون، بل ينزل البلاء، عذاب، فقر، فتن، حروب، ولا يرجعون إلى الله.

    ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ [الأعراف:95] وضعنا الحسنة مكان السيئة، والسيئة ما يسيء، والحسنة ما يحسن ويحسِّن، حَتَّى عَفَوا [الأعراف:95] وامتلأت جيوبهم وديارهم بالمال ورجالهم بالقوة، وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ [الأعراف:95].

    هنا قال تعالى: فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف:95] بغتة يسلط عليهم قوة، بغتة خسف بهم الأرض، بطوفان مياه يغرقون، بحرب بينهم تأكل صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف:95] وعدم شعورهم لأنهم انغمسوا في الترف والمال والطعام والشراب والعزة والقوة، فمن ذكرهم يقولون: هذه هي الحياة هكذا، فما تخوفنا؟ قد مس آباءنا من قبل هذا السراء والضراء، لا تهددونا أو تمنعونا من لذائذنا وعزتنا وحياتنا الطيبة.

    فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً [الأعراف:95] فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف:95]، من القائل هذا؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، أتريد أن تعرف الله؟ هذا الذي يتكلم كيف ينطق؟ كيف ينظر بعينيه هكذا؟ كيف نستمع؟ من أين جئنا؟ من كوننا؟ لم يبق جواب إلا أن نقول: الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ...)

    ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى [الأعراف:96] وهي المدن، ما هي بالقرى الصغيرة، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى [الأعراف:96] أي: سكانها ومالكوها والذين يعيشون فيها وهم أغنياء وكبراء وأعزاء، أو لو أنهم فقراء مضطهدون معذبون، لو أنهم آمنوا واتقوا، هذا هو الشرط الإلهي، ما من أهل قرية أو إقليم أو مملكة أو سلطنة في العالم -حيث يوجد البشر بكثرة- آمنوا واتقوا إلا رزقهم الله تعالى، فلم يبق فقر، والله! لم يبق خوف، والله! لم يبق ذل، والله! لم يبق هوان، والله! لم يبق بلاء ولا نقمة أبداً، بل العز والعزة والطهر والصفاء والأمن والرخاء والكمال البشري والسعادة الدنيوية، هذا وعد الله الصادق.

    وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا [الأعراف:96] أولاً، فحققوا معنى لا إله إلا الله، لا وجود لإله يستحق أن يعبد إلا الله، ينطقون بها ويعقتدونها ويعبدون الله حق عبادته، هذا الشرط الأول: الإيمان ضد الكفر، ضد الإلحاد، ضد الاشتراكية والشيوعية، ضد الديمقراطية والأباطيل وحقوق الإنسان، وسائر هذه النغمات اليهودية في العالم.

    آمنوا بأن لا إله إلا الله، أي: لا يعبد إلا الله، ويعبدونه متضرعين إليه مطبقين شرعه، فالواجب واجب يفعلونه، والحرام حرام يتركونه، والآداب يتسابقون إليها والأخلاق يتنافسون فيها، والله لا يمسون أو يصبحون إلا وهم أكمل الخلق وأعز البشرية وأطهرها وأصفاها، أقسم بالله الذي لا إله غيره ما كان إلا هذا. ‏

    البعثة النبوية شاهد فتح الخيرات على المتقين

    هل هناك مثال لهذه الحالة؟ أي نعم، في التاريخ وإن شوه، بدلوا وغيروا وزادوا ونقصوا، لما سادوا وحكموا هنا في الشرق والغرب عبثوا بتاريخ الإسلام فلطخوه وشوهوه، وهذا كله لا يغنيهم شيئاً، لأننا عالمون.

    أقول: كيف كانت هذه الديار قبل الإسلام؟ أي: الجزيرة العربية، شرقها في أيدي المجوس ينكلون بهم ويضطهدونهم، وشمالها في أيدي الروم يعبثون ويفعلون ما شاءوا بهم، والجنوب في يد الأحباش، لا دولة ولا سلطان ولا أمة ولا كرامة، وهم يعبدون الأصنام والأحجار ويغيرون إغارات شنعاء على بعضهم، يسلبون منك كل شيء، والقوي هو الذي يأخذ ويحصل على ما يريد.

    مضوا على هذا قروناً وأراد اله عز وجل أن يري البشرية آياته فيهم، فنبأ محمداً صلى الله عليه وسلم وأرسله في مكة، في أم القرى وعاصمة العواصم، وثبت في مكة ثلاث عشرة سنة وهو يدعو هذه الأمة إلى التوحيد فقط، إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقط، ثم فرضت الصلاة في السنة العاشرة فصلى بالمسلمين ثلاث سنوات في مكة، وما عدا الصلاة فلا فريضة أخرى، ثم انتقل إلى المدينة مهاجراً ودبر الله له ذلك وهيأه، مكث عشر سنوات فقط بعد هجرته بالعد، فأصبحت هذه الديار عبارة عن جنات، والله لكانت المرأة تمشي من أقصى الجزيرة إلى أقصاها لا تخاف إلا الله، تمشي من نجد، تمشي من اليمن، تمشي من تبوك، من الشام ليس معها أحد إلا الله ولا تخاف إلا الله، ولا يؤذى أحد، أمن ما عرفته البشرية، ولا صناعات ولا أدوات، فقط إيمان حق وصدق وتقوى الرحمن عز وجل، وإن أصابتهم مجاعة أيام الحصار والحرب، لكن بعدما دخل الناس في دين الله أفواجاً كان الرسول يوزع الفضة يحثوها في حجر من يعطيه.

    وانتشر الإسلام، مضت خمس وعشرون سنة فقط وراية لا إله إلا الله في أقصى الشرق وفي أقصى الغرب وفي أقصى الشمال والجنوب، مدة ما تتهيأ لبناء مصنع فقط حتى ينتج، وانتشر الهدى والخير في البشرية، وذاقت البشرية طعم الإيمان وطعم الإسلام في كل بلد دخله الإسلام، هذه أكبر معجزة، أكبر آية على ما نقول، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] أيضاً.

    إذاً: بركات السماء قد تقول: هي الأمطار، وقل أيضاً: الإلهامات الإلهية والعلوم والمعارف التي يغدقها الله على أوليائه فيصبحون أعلم أهل الأرض وهم كذلك، وبركات الأرض من النباتات والزروع والضروع وما إلى ذلك، بركات السماء وبركات الأرض، لو أنهم آمنوا واتقوا.

    هذه الجملة انشرها في العالم من اليابان والصين إلى البرازيل والأمريكان: يا أهل البلاد! آمنوا واتقوا تتحول دياركم إلى أنوار لا ظلام فيها، إلى طهر وصفاء لا خبث ولا شر فيها، لا ظلم ولا اعتداء، كأنهم يعيشون في الجنة دار السلام.

    دولة عبد العزيز شهادة على تحقق الرخاء بالتقوى

    وآية أخرى قريبة من هذه ما تنكرونها وحاشاكم أن تنكروا: لما هبطت أمة الإسلام استولى على حكمها ونظامها الشرق والغرب، وانتهينا وعدنا أذلة منبوذين فقراء مساكين في الشرق والغرب، الممالك الهندية استولت عليها بريطانيا بواسطة تجار فقط، شمال إفريقيا عزة الإسلام أذلهم الله وسلط عليهم إيطاليا وفرنسا وأسبانيا، الشرق هذا كله داسته بريطانيا، وانسحب ذلك النور وانطفأ وعادت الجاهلية: الربا، الزنا، الخيانة، سفك الدماء، العبادة، الوثنية، يعبدون القبور والأولياء، ظلام كامل.

    وليسمح لي أهل بلدنا، فقد حدثوني أنه كان الرجل البدوي ينزع الباب ويبيعه في السوق ولا يتكلم صاحبه، يأتي اللص والمتلصص القوي فيأخذ باب المنزل ويبيعه في السوق، ولا تقل: هاه، فسوف تقتل، خوف لا حد له، وتمضي الأيام ويشاء الله عز وجل أن يقيم الحجة على البشرية كلها، فجاء الله بـعبد العزيز بن عبد الرحمن من آل سعود، كان لاجئاً في الكويت هارباً، فدخل الرياض مع مجموعة من الصالحين رباهم وزكاهم وهيأهم وأعلن عن دولة الإسلام تحت راية (لا إله إلا الله)، أي: لا يعبد تحت ظل هذه الراية إلا الله، لا عبد القادر ولا البدوي ولا الحسين ولا فاطمة . (محمد رسول الله)، أي: لا يتابع ولا يمشى وراء أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ يطهر هذه الأرض.

    وأدركنا -والحمد لله- بعض ذلك، فوالله! لقد سكنت في باب التمار بامرأتي وأولادي في بيت بلا باب، أي أمن أعظم من هذا؟ خرقة فقط على الباب، وهذا لا تعجبوا له، باعة الذهب والفضة وأصحاب الملايين يسبلون على أبوابهم خرقاً بيضاء ويذهبون إلى بيوتهم، فكيف تحقق هذا؟ هل كان عنده جنرالات الحرب، هل عنده آلات، هل عنده سحر؟ فقط غرس في نفوس المواطنين (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وأقام حدود الله عز وجل، فشاهدت هذه الديار أمناً وطهراً وصفاء -والله- ما عرفته البشرية إلا على عهد رسول الله وأصحابه والتابعين، أي: القرون الثلاثة الذهبية، لتعرفوا أنه متى آمن أهل القرية واتقوا أعطاهم الله ما وعدهم في أي مكان كانوا.

    مضي السنة الإلهية في تحقق الرخاء بشرطه

    والله! لو أن أهل قرية صغيرة يؤمنون ويتقون الله عز وجل لأصبحوا آية للعالمين في طهرهم وصفائهم وصدقهم وكمالهم، ولا يتخلف هذا أبداً، لأنه نظام سنن لا تتخلف، مثل الطعام يشبع، وهل أصبح لا يشبع؟ مضى عليه آلاف السنين وهو كذلك، والماء يروي، فهل أصبح لا يروي؟ والنار تحرق، فهل أصبحت لا تحرق فترمي نفسك فيها وهي باردة؟ والحديد يقطع، فمن جعل الحديد يقطع والنار تحرق والماء يروي والطعام يشبع؟ أمي أم أبي؟ من جعل هذا؟ أليس الله خالق الكل؟ هذه سنن لا تتبدل.

    فكذلك سنته في أنه أيما أهل قرية أو بلد آمنوا حق الإيمان واتقوا الرحمن كما ينبغي أن يتقى إلا تولاهم، فيعزهم، يطهرهم، يسعدهم في الدنيا قبل الآخرة، وبالعكس: أيما إقليم، أمة، قرية يعرضون عن إيمانهم بالله أو يؤمنون إيماناً تقليدياً لا معنى له، ولا يتقون الله بفعل الواجبات ولا بترك المحرمات إلا أذلهم الله وأصابهم بالبلاء والمحن ما نشاهد بأعيننا في العالم بأسره.

    اسمع هذا الخبر العظيم: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]، فجروا وفسقوا فأخذناهم بسبب كسبهم وما كانوا يكسبون.

    صفة الإيمان والتقوى المطلوبان لتحقق الرخاء

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! الإيمان الذي دعا تعالى إليه: أن تؤمن موقناً أن الله عز وجل خلقك ووهبك حياتك وكل ما تملك، وأنه تعالى خالق كل شيء ومالك كل شيء، وأنه السميع العليم، قل ما شئت في قعر البحر، في قعر البئر، كل كلمة يسمعها، والله! لا تخفى عليه، سرك وما تضمره في نفسك يعلمه أكثر مما تعلمه أنت، يعلم السر والنجوى، يعلم السر وأخفى، على كل شيء قدير، ما هناك شيء يعجز الجبار عز وجل، رحيم بخلقه، بالحيوانات، بالكائنات كلها، ولولا رحمته ما كانت البشرية ولا عاشت، هذا الذي يسمع ويبصر وتؤمن بأنه لا يعبد إلا هو، هذا الإيمان أضف إليه تقواه تعالى، أي: الخوف منه، والخوف منه هو الذي يحملك على أن تتقيه، فبم نتقي ربنا؟ بم نتقي خوفه وغضبه؟ نتقيه بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    يا شيخ! كيف نطيع الله والرسول؟ يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعرف أوامر الله ويعدها بأصابعه أمراً بعد أمر من الصلاة، إلى الزكاة، إلى الصيام، إلى الحج، إلى الرباط، إلى الجهاد، إلى الأمر بالمعروف، إلى النهي عن المنكر، إلى صلة الأرحام، إلى الأخوة الإيمانية، يحفظها حفظاً ويطيع الله في ذلك ويؤدي تلك الواجبات ونفسه مطمئنة وقلبه مشتاق إلى ربه، ويعرف ما حرم الله وأبغضه وكرهه إلينا وتوعدنا بالعذاب عليه ووضع له حدوداً في الدنيا تقام على صاحبها من الربا والزنا إلى الكذب، إلى الخيانة، إلى الغش، إلى الخداع، إلى المنكر، يحفظها كما هي ليتجنبها ولا يراه الله عز وجل يفعل شيئاً منها.

    ومن رحمته تعالى أن من زلت قدمه وأعماه الشيطان وغره ووقع في معصية إذا استيقظ واستفاق فقال: أتوب إلى الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وبقي يصرخ يومين أو ثلاثة ويبكي فإنه يمحى ذلك الأثر نهائياً ويبقى ذلك الصفاء.

    المساجد ساحة تحقيق التقوى

    هل تعرفون كيف يتحقق هذا؟ قد يقول قائل: يا شيخ! ما يتحقق هذا أبداً، أمة هبطت، تمزقت، تلاشت، الحروب بينها والفتن فيها فكيف يتوبون؟ كيف يعودون؟

    والجواب: والله! إن ذلك لمن السهل ومن اليسر، فقط يقولون: نريد أن نطهر ونصفو ونكمل، وحينئذ: يا أهل القرية، يا أهل قريتنا، يا أهل الأحياء في مدينتنا! أردنا أن نرجع إلى الله، فمن يوم الجمعة المقبل إذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة مساءً لا يبقى رجل ولا امرأة ولا طفل خارج المسجد، دقت الساعة فاغتسل، تطهر، البس ثيابك النظيفة، احمل أولادك على ظهرك أو على سيارتك وائت بأمك أو بزوجتك، النساء وراء الستارة في المسجد أو عند بابه إذا ضاق المسجد، والأولاد كالملائكة نصفهم للصلاة ثم للعلم، وكذلك الفحول، صلينا المغرب فجلس لنا عالم مرب يعلمنا الكتاب والحكمة نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزكي أنفسنا، يعلمنا الكتاب والحكمة ويزكينا.

    أسألكم بالله الذي لا إله إلا هو يا عقلاء: هل هذا يكلفنا مالاً؟ يكلفنا شقاء؟ يكلفنا عذاباً؟ يكلفنا ماذا؟ واعلموا أنه لو يجلس أهل القرية أو أهل الحي هذا المجلس الذي بينا أربعين يوماً فلن ترى فاحشة بينهم، ولن ترى سوءاً ولا ظلماً يصدر بينهم، فكيف إذا استمر ذلك الوضع العام والعامين والثلاثة؟ كيف يصبحون؟ كالملائكة في السماء، ومن ثَمَّ فلا خوف ولا جوع ولا عري ولا بلاء، وإذا رفعوا أيديهم إلى السماء استجاب الله، وإذا غزوا فتحوا والله ناصرهم ومؤيدهم، وتذهب مظاهر الضعف أيضاً، يصبحون أقوياء صناعاً قادرين على كل شيء، هذا هو الطريق، وكم سنة ونحن نبكي ونكتب ولا استجابة!

    واعلموا أن الأحزاب والتكتلات والحرب والتكفير والقتال -والله- لا تجلب إلا البلاء، والله! لا يحقق هدى ولا خيراً أبداً، وجربناهم، صاحوا في بلاد عدة فضربوهم وازداد البلاء وزاد الفقر والعذاب، والطريق الوحيد أن نؤمن حق الإيمان وأن نتقي الرحمن بعد علمنا بمحابه وفعلها ومكارهه وتركها، وهذا الطريق أوله هو المسجد كما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبدأ به في صدق إن كنا نريد هذا، وإذا رفض هذا من أهل القرية جماعة فأخرجوهم من القرية، اهجروهم، لا نتكلم معهم ولا نتعامل.

    بلغوا هذه الرسالة يا عباد الله يثبكم الله ويجزكم خيراً.

    1.   

    دعاء وابتهال

    معاشر المستمعين! نواصل استغاثتنا بربنا: يا حي يا قيوم، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين، لقد دعوناك واستجبت لنا فسقيت كثيراً من ديارنا، وما زلنا نحن في منطقتنا هذه في حاجة إلى غيث وإلى مطر، فاسقنا يا ربنا وعجل سقيانا، آية من آياتك وكرامة من كراماتك لعبادك المؤمنين، ربنا هذه أكف الضراعة رفعناها إليك فلا تردها خائبة يا رب العالمين، فاسقنا وأغثنا ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا وأغثنا ولا تجعلنا من القانطين، وطهر قلوبنا، وزك نفوسنا، واجمع كلمتنا على الحق، واهدنا -يا ربنا- صراطاً مستقيماً في عافية.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.