إسلام ويب

تفسير سورة الأعراف (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان قوم لوط قوماً فاسقين، وقد سبقوا الأمم إلى فاحشة عظيمة من الفواحش وهي إتيان الرجال شهوة من دون النساء، فبعث الله إليهم نبيه لوطاً عليه السلام، يدعوهم إلى إصلاح أنفسهم وترك المنكر الذي كانوا عليه، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، إلا أنهم كفروا به وأعرضوا عنه، وتآمروا بينهم على إخراجه ومن آمن معه من قريتهم، فكان جزاؤهم أن أمطر الله عليهم العذاب؛ ليكونوا عبرة للأمم بعدهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن ما زلنا مع سورة الأعراف المكية المباركة الميمونة، والمكيات يعالجن أعظم العقائد أو أعظم الأحكام أو أعظم الشرائع:

    أولاً: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بضرب الأمثلة وإيراد القصص ولفت القلوب والأبصار إلى الملكوت حتى يؤمن العبد أنه عبد وأن له سيداً هو حقاً معبوده الذي لا معبود له سواه، فيقول في صراحة: لا إله إلا الله.

    ثانياً: حسب رسولنا صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه القرآن، فكيف لا يكون رسول الله والقرآن ينزل عليه؟ فهذا الكتاب معجزته الخالدة ودليل أنه حقاً رسول الله.

    ثم التشريع بالتحليل والتحريم والإيجاب والإكراه وما إلى ذلك حق الله عز وجل، ليس لمخلوق الحق في أن يقنن أو يشرع، لماذا؟ لأن الله هو المالك والناس عبيده وهو أعلم وأحكم وأرحم، فغيره كيف يقنن وهو لا يعرف متى يموت، كيف يقنن وهو لا يعرف ما يكون ومتى يكون؟

    فالتشريع حق الله عز وجل، إذا أحل شيئاً فهو حلال وإذا حرم شيئاً فهو حرام، سواء كان معتقداً أو قولاً أو عملاً أو صفة من الصفات.

    ثم عقيدة البعث الآخر والحياة والثانية، السور المكية تعالج هذه القضايا: توحيد الله، وحق التشريع لله، ومحمد رسول الله، والبعث الآخر والجزاء حق.

    كل الصور المكية تعالج هذه القضايا، وقد علمنا أن العقيدة السليمة الصحيحة بمثابة الروح، فالذي بدونه لا حياة له، إذا خرجت الروح من الحيوان مات، فالعقيدة السليمة الصحيحة الربانية التي جاءت في القرآن وعلى لسان الرسول صلى الله عليه وسلم بمنزلة الروح، من اكتسبها وهداه الله إليها وأخذها فهو -والله- حي يسمع ويبصر ويعطي ويمنع ويأخذ ويترك ويقدر على أن يضحي بنفسه، ومن فقدها فهو ميت لا يسمع ولا يبصر، لا يعرف حلالاً ولا حراماً.

    فهذه العقيدة تعالجها السورة المكية، وها نحن الليلة مع قصة لوط عليه السلام مع قومه، وسوف نستمع إلى تلاوة الآيات ثم نأخذ في شرحها وبيان هداية الله فيها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:80-84].

    هجرة لوط عليه السلام ورسالته إلى أهل سدوم وعمورة

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [الأعراف:80] من هو لوط؟ ومن هم قومه؟ ومتى وجدوا وأين ديارهم وكيف كان مصيرهم؟

    أما لوط فهذا الاسم ليس بالعربي، هذا اسم أعجمي لأنه من ديار بابل وهم من العجم، ولوط أرسله الله عز وجل إلى قوم بين الأردن والشام، أو في مكان البحر الميت الموجود الآن.

    ولوط ابن أخي إبراهيم، إبراهيم الخليل عليه السلام لما هاجر من أرض بابل في العراق إلى أرض فلسطين خرج معه زوجته سارة وابن أخيه لوط، وأبو لوط اسمه هاران، هؤلاء الثلاثة أول من عرف الهجرة في سبيل الله عز وجل، فإبراهيم أول المهاجرين وهذه جماعته: زوجه سارة عليها السلام وابن أخيه لوط.

    ثم نبأ الله تعالى لوطاً، أي: أوحى إليه وأرسله إلى تلك الديار الخربة أهل سدوم وعمورة، مدن أهلها أكثرهم من العمالقة، فلما أتاهم وجدهم يأتون أقبح فاحشة وهي فاحشة اللواط، ويروى -ولا عجب- أن إبليس عليه لعائن الله تمثل في شاب جميل المنظر واللون والهيئة، وطلبهم إلى نفسه ليأتوا الفاحشة معه، فكانت أول فاحشة ارتكبت على سطح الأرض، وحسبنا أن يقول الله عز وجل حكاية عن نبيه لوط عليه السلام: مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80]، والله! ما عرفتها البشرية قط إلا من تلك الفتنة التي حدثت في قوم لوط.

    إذاً: فصاح فيهم لوط عليه السلام، وفي القرآن الكريم مظاهر ومعارض ومواقف وقفها عليه السلام، في كل سورة كلام، ففي سورة العنكبوت: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ [العنكبوت:29]، فقوله: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ [العنكبوت:29] للفاحشة، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ [العنكبوت:29] الطرق، كالمكَّاسين، فكل من مر ببضاعة يأخذون بضاعته، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ [العنكبوت:29] والنادي محل الانتداء والاجتماع، يفعلون الفاحشة وهم يضحكون وينظر بعضهم إلى بعض، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ [العنكبوت:29] وأنتم تنظرون.

    إنكار لوط عليه السلام على قومه فعل فاحشة اللواط

    فلوط عليه السلام وقف مواقف جاءت مفصلة في كتاب الله، أي: أنكر هذه المعصية وقبحها وشنع على أصحابها وهددهم وخوفهم بعذاب الله، واستجاب الله له وأبادهم، فأهلكوا أولاً بالحجارة من السماء. ثانياً: تحولت تلك المدن إلى بحيرة منتنة، وبقي التاريخ يثبت هذه الحقيقة إلى أن نزل القرآن الكريم، فأفصح عنها وأعرب وبينها للبشرية جمعاء؛ لأنه كلام الله عز وجل، ما هو كلام مؤرخين يزيدون أو ينقصون.

    واسمعوا هذه الآيات المجملة: قال تعالى: وَلُوطًا [الأعراف:80]، أي: وأرسلنا لوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [الأعراف:80]، في الحقيقة هو ليس منهم، هو بابلي عراقي وهم كنعانيون عمالقة، لكن بما أنه بينهم وفيهم يخاطبهم بالرفق واللين ليستجيبوا، ما قال: يا أعداء الله، قال: يا قوم. أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف:80] أي: تفعلونها. والفاحشة المراد بها هنا: اللواط.

    أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80]، وهو -الله- كذلك، ما عرفتها البشرية، ومما يؤكد لك هذا المعنى أن العرب ما عرفت فيهم هذه الفاحشة قط إلا بعد أن دخل العجم في الإسلام، وظهرت أول ما ظهرت على عهد أبي بكر في البحرين، ويدلك على شرف العرب في هذا الباب أنهم ما ينزون الحمار على الفرس قط، فلهذا لا توجد البغال في الجزيرة؛ لأن البغل نتيجة إنزاء الحمار على الفرس، فتنجب حيواناً ما هو بفرس ولا حمار، يسمى البغل، وأول بغلة دخلت الحجاز هي البغلة دلدل، أهداها المقوقس المصري مع مارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتلكها الحبيب صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد عندنا: أن المؤمنين ما يخطر ببالهم أن رجلاً ينزو على رجل أبداً، ولكن لما هبطت البشرية بلغنا أن بفرنسا نادياً يدعى بنادي اللواط، ولا عجب؛ لأن الميت يفعل ما يشاء، لا عقل له ولا بصيرة ولا نور؛ لأنه ما آمن بالله ولا عرف الله حتى يخافه ويرهبه أو يستحي منه أن يقول كلمة سوء فضلاً عن أن يفجر أو يرتكب جريمة، فالعلة هي الجهل والكفر والعياذ بالله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون)

    فماذا قال؟ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف:80]، تأتونها: تفعلونها. مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ [الأعراف:80-81]، هذا تفسير لقوله: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف:80]، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً [الأعراف:81]، أي: من أجل الشهوة، من أجل اللذة، مِنْ دُونِ النِّسَاءِ [الأعراف:81]، وتتركون نساءكم في حاجة إلى من يقضي حاجتهن في هذه الغريزة، وأنتم مقبلون على الذكور على الرجال، فهذا خطأ مزدوج، إضاعة النساء اللائي يحمل ويلدن، ومنهن توجد البشرية، تعطلونهن وتقبلون على ما لا ينتج، فبشع هذه الفعلة وقبحها لهم: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف:81]، والإسراف حرمه الله حتى في الأكل والشرب، فضلاً عن النكاح وإتيان الغريزة، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، والإسراف -معاشر الأبناء والإخوان-: مجاوزة الحد في كل شيء، فالله عز وجل أوجد النساء، وأوجد هذه الغريزة المطبوعة في النفوس لحكمة وجود البشرية، لتذكر الله وتشكره وتعبده، لم أوجد هذه الغريزة في الرجل والمرأة؟ ما علة ذلك؟ والله! إنها لمن أجل الإنتاج، إيجاد البنين والبنات وغداً هم رجال ونساء يذكرون الله ويشكرونه، فكيف نعطل هذه السنة ونقبل على باطل؟! نعاكس ما أراد الله وما شرعه، فلهذا قال: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف:81]، غارقون في الباطل والشر والفساد بلا نظام ولا حد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)

    فبم أجابوه لما واجههم بهذه المواجهة العظيمة؟ قال تعالى: وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ [الأعراف:82]، لما سمعوا الذي سمعوا ماذا قالوا؟ هل سكتوا؟ لا، بل تكلموا. بم تكلموا؟ قال: وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف:82]، أخرجوا لوطاً ومن معه من المؤمنين؛ لأنهم أناس يتطهرون، أبعدوهم من بلادكم تستريحوا، أو يفتنونكم، كل يوم يقبحون سعيكم وينددون بسلوككم.

    أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [الأعراف:82]، وهم أسرة لوط، وزوجته هالكة مع الهالكين، كانت -والعياذ بالله تعالى- تدعو إلى الفاحشة، وبالحجازية يقولون لها: جرارة، وفي المغرب يسمونها: القوادة، فكانت هذه العجوز قوادة وجرارة، تأتي بالمجرمين وتقول: هذا بيت فلان، وهذا فلان وفلان.

    قال تعالى: وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [الأعراف:82]، والمراد من القرية: سدوم وعمورة، من أعظم البلاد، وقد نبهنا دائماً إلى أن لفظ القرية في القرآن يراد به: العاصمة، الحاضرة، المدينة الكبرى، وفي اصطلاح الجغرافيين الهابطين: هي المدينة التي سكانها قليلون، فالقرية العاصمة والحاضرة.

    إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف:82]، أي: يطلبون الطهر، هذا الأسلوب يوحيه الشيطان إلى الآن، يقوله المغرضون والهابطون والمسرفون يستهزئون بأهل الطاعة والعبادة والاستقامة ويصفونهم بهذا، أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف:82].

    أقول: يسخرون من اللحية ويستهزئون بها، ويقولون: هذه لحية تيس! يسخرون من العبادة والالتزام والطاعة ويسمون ذلك تزمتاً وعدم إقبال على الدنيا، والذي يوحي بهذا هو إبليس، الذي علمهم اللواط، فهل يعجز عن أن ينفخ في كل إنسان كلمة الشر والباطل؟ هو الذي يوحي بهذا، يوجد بين المسلمين من يسخر ويستهزئ بالصالحين والصالحات، فهم قالوا: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف:82].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين)

    قال تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [الأعراف:83]، أي: الهالكين، فأنجاه الله وأهله والأسرة المؤمنة، لم يبين كم عددهم، ولكن جاء في سورة الذاريات أنهم أهل بيت واحد، في قوله تعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:31-36]، فلها يطلق لفظ المؤمن على المسلم، والمسلم على المؤمن، فما وجدنا في تلك المدينة الحاضرة العظيمة إلا بيتاً واحداً، بيت لوط ومن معه من المؤمنين.

    فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [الأعراف:83] الهالكين، لماذا؟ لأنها كانت تخدمهم، تقود لهم الرجال وتبعثهم على الفاحشة، وقد جاء وعيد الله لهذه المرأة في سورة التحريم: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10].

    فلم يشفع نوح ولا لوط في امرأته ما دامت خبيثة منتنة، وهذه الحقيقة التي شبعنا بها والحمد لله، وهي أن الله قد أصدر حكمه على الأبيض والأسود والعربي والعجمي والغني والفقير والعالم والجاهل، ألا وهي: أن من زكى نفسه فزكت وطابت وطهرت فهذا الذي ينزله الله تعالى بالملكوت الأعلى، ومن أخبثها ودساها ولوثها بأدران الذنوب والآثام فهو في الدركات السفلى مع أهل النار، ولو كان ابن نبي أو أباً لنبي، فإبراهيم عليه السلام أين والده آزر ؟ في جهنم. أين والد رسول الله؟ في جهنم، لماذا هذا؟ لأن الله قضى وحكم وأخبر بحكمه وعلمنا إياه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، كن ابن من شئت، لا قيمة للأبوة ولا للبنوة ولا للأخوة ولا للوطن، إما أن تزكي نفسك بهذه المواد التي أنزلها الله وبينها رسوله، من كلمة لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى من الطريق، فتزكو نفسك وتطيب، وإما أن تهملها وترتكب الذنوب والمعاصي فتخبث وتتدسى، فلن ينفعك شيء، ويمضي حكم الله فيك: وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10].

    ذكر لي أحد الأبناء يقول: فلان كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم حياً في اليقظة، فقلت: والله! إنه لكاذب، والله! إنه لكاذب، والله! إنه لكاذب، والذي يعتقد هذا خرج من ملة الإسلام، كذب الله ورسوله، في المنام نعم، ترى الصالحين، ترى سيد الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم، أما في اليقظة فهذه من الزنادقة والمبطلين الذين يفسدون على أمة الإسلام عقيدتهم، لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج يقظة فلم ما خرج لـفاطمة لما اختلفت مع أبي بكر ؟ لماذا ما خرج لما اختلفوا في الخلافة واضطربوا في سقيفة بني ساعدة؟ لم حين جاء الماديون إلى عثمان ما خرج الرسول وقال لهم: كيف تفعلونه؟ يا من تعتقد هذا! إنه اعتقاد باطل، وتب إلى الله عز وجل واستغفره أو تهلك مع الهالكين.

    قال تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ [الأعراف:83]، أهل الرجل: أسرته من بنين وبنات ومن معه الذين يكونون في بيت واحد، إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [الأعراف:83]، امرأة لوط عصت، فسقت، ساعدت على المنكر، أعانت على الباطل، أيدت الفاحشة إما للطمع والمادة وإما لحال من الأحوال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين)

    ثم قال تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا [الأعراف:84]، هذا إمطار، ما هو بمطر، أمطرنا إمطاراً، هذا الإمطار عبارة عن حجارة، ثم بعد ذلك خسف بهم الأرض وتحولت مدنهم إلى بحيرة منتنة هي البحر الميت الآن.

    وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانظُرْ [الأعراف:84] أيها المستمع الكريم

    أيها العاقل كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:84]، كيف كانت؟ كانت دماراً وخراباً وهلاكاً. ما سبب ذلك؟ ألأنهم بيض أو سود أو أغنياء؟ قال تعالى: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:84] إلى الآن، ما من فرد يجرم إلا وتنزل به العقوبة في الدنيا، ما من أهل إقليم أو مملكة أو بلاد يجرمون إلا وتنزل بهم نقمة الله عز وجل، فالبشرية كلها بين يدي الله عبيده وهو مالكهم، من فسق عن أمره وخرج عن طاعته وتمرد ينزل به العقوبة طال الزمان أو قصر.

    انعكاس أفعال الإجرام على قلب العبد

    ومن هو المجرم؟ الذي يفسد نفسه، أي: يجرم عليها، بمعنى: يلطخها ويعفنها وينتنها. بأية مادة؟ هل بأكل الجيفة؟ بارتكاب معاصي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    أقسم لكم بالله على أن النظرة إلى امرأة أجنبية تتعمدها وتريدها إلا وينعكس أثرها على قلبك أحببت أم كرهت، إما أن تقول: أستغفر الله وتبكي فينمحي، وإلا بقي نتناً ودخاناً، كلمة تقولها تتعدى فيها حدود الله وتتجاوز فيها ما شرع الله تريد الأذى والضرر بعباد الله، كلمة واحدة ينعكس أثرها على نفسك، فضلاً عن زنية وفضلاً عن جريمة من الجرائم، لكن من رحمة الله أن أذن لنا في التوبة، من ارتكب ذنباً فتاب ينمحي الأثر، ومع التحذير: إياك أن تبيت على ذنب، ابتليت بذنب في هذه الليلة فتب ليلتك ولا تقل: غداً أتوب أو حتى يقع كذا أو كذا، على الفور ينمحي الأثر، وإذا أنت تساهلت وواصلت الذنوب فسيأتيك يوم لن تقبل أن تتوب، وحينئذ فإذا قيل لك: اتق الله تضحك، إذا قيل لك: هذا حرام تسخر منه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا هذا فيقول: ( إن المؤمن إذا أذنب ذنباًكانت نكتة سوداء فى قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها قلبه، فإن عاد رانت حتى يغلق بها قلبه، فذاك الذي ذكر الله عز وجل فى كتابه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).

    فإذا أحاطت الذنوب بالقلب فصاحبها يسخر من الذين يعبدون الله ويستهزئ بهم، وسببه الإجرام، هو الذي أجرم على نفسه فأفرغ عليها أطنان الذنوب والآثام، فلا توبة ولا ندم ولا استغفار، مع أن المؤمن إذا وجد نفسه في قرية ما يستطيع أن يتوب فيها فيجب أن يهاجر إلى قرية أخرى، وجد نفسه في عمارة ما يستطيع أن يتقي الله فيها والله! إنه يجب أن يهاجر إلى مكان آخر، هذا الذي يريد الملكوت الأعلى ومواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! اسمعوا شرح هذه الآيات من الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذا هو القصص الرابع ] سبق ثلاثة قصص لنوح وهود وصالح، [ قصص نبي الله تعالى لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم عليه السلام، فقوله تعالى: وَلُوطًا [الأعراف:80]، أي: وأرسلنا لوطاً إلى قومه من أهل سدوم ] بالذال أو بالدال لغتان، [ ولم يكن لوط منهم؛ لأنه من أرض بابل العراق، هاجر مع عمه إبراهيم وأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وعمورة قرب بحيرة لوط بالأردن ] الآن.

    [ وقوله تعالى: إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [الأعراف:80] الذين أرسل إليهم منكراً عليهم فعلتهم المنكرة ] وهي اللواط:[ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف:80]، وهي إتيان الرجال في أدبارهم ]، الفاحشة ما هي؟ إتيان الرجال في أدبارهم، [ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80]، أي: لم يسبقكم إليها أحد من الناس قاطبة. وواصل إنكاره هذا المنكر موبخاً هؤلاء الذين هبطت أخلاقهم إلى درك لم يهبط إليه أحد غيرهم فقال: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [الأعراف:81]، وإلا فالشهوة من النساء هي المفطور عليها الإنسان والمطبوع عليها، لا أدبار الرجال، ولكنه الإجرام والتوغل في الشر والفساد والإسراف في ذلك، والإسراف صاحبه لا يقف عند حد.

    وبعد هذا الوعظ والإرشاد إلى سبيل النجاة والخروج من هذه الورطة التي وقع فيها هؤلاء القوم المسرفون ما كان ردهم عليه: إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ [الأعراف:82]، أي: لوطاً والمؤمنين معه، مِنْ قَرْيَتِكُمْ [الأعراف:82]، أي: مدينتكم سدوم، معللين الأمر بإخراجهم من البلاد بأنهم أناس يتطهرون من الخبث الذي هم منغمسون فيه، قال تعالى بعد أن بلغ الوضع هذا الحد: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ [الأعراف:83] من بناته وبعض نسائه، إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [الأعراف:83]، حيث أمرهم بالخروج من البلاد ليلاً قبل حلول العذاب بالقوم فخرجوا، وما إن غادروا المنطقة وتجاوزوها حتى جعل الله تعالى عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل فأهلكوا أجمعين ]، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74].

    [ وقوله تعالى في ختام هذا القصص: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:84]، فإنه خطاب عام لكل من يسمع هذا القصص؛ ليعتبر به حيث شاهد عاقبة المجرمين دماراً كاملاً وعذاباً أليماً ].

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين! مع هداية الآيات:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: شدة قبح جريمة اللواط ]، عرفناها من هذه الآيات، والحكم في الإسلام أن يقتل الفاعل والمفعول، حتى ولو كان بهيمة، وكيف يقتل؟ اختلف أصحاب رسول الله على عهد أبي بكر فكل أبدى رأيه، منهم من قال: يقذف من أعلى مكان إلى الأرض ثم يرجم بالحجارة. ومنهم من قال: يرجم بالحجارة. المهم أن فاعل هذه الفاحشة يقتل هو والمفعول به، والفقهاء لهم في ذلك آراء، أعدلها: إذا كان غير مكلف -طفل مع طفل- يسجن ويعذب فقط ولا يقتل.

    والشاهد عندنا فيما هدت إليه هذه الآيات: شدة قبح جريمة اللواط، ومن قبحها أنه إلى الآن لم يقع بين الحيوانات ذكر ينزو على ذكر، هل رأيتم حماراً ينزو على حمار؟ والله ما كان، أو فرساً على فرس، أو قطاً على قط؛ لأن هذا مسخ كامل فوق مستوى الحيوانات.

    [ ثانياً: أول من عرف هذه الجريمة القذرة هم قوم لوط عليه السلام.

    ثالثاً: الإسراف وعدم الاعتدال في الأقوال والأفعال يتولد عنه كل شر وفساد ]، هذه لنا، الإسراف: الإكثار، عدم المبالاة، عدم الاعتدال في القول إذا قلت، في الفعل إذا فعلت، يتولد عنه كل شر وفساد، فلهذا أنظمة الإسلام ما هي؟ ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )، أما الإسراف -أي: الإكثار من القول أو العمل- فيؤدي بصاحبه إلى أن يقع في هذه الجريمة والعياذ بالله، أي: في الشر والفساد.

    [ رابعاً: الكفر والإجرام يحل رابطة الأخوة والقرابة بين أصحابه والبراءة منه ]، وهذا هو نظام حياتنا، أخوك إذا ما استقام وبقي مصراً على الباطل على الجرائم فيجب أن تقطعه، ولن يكون لك بأخ أبداً، وكذلك زميلك وقريبك وهكذا، ما دام أنه عادى الله وحاربه في شرعه، وأنت ولي الله وعبده، فكيف ترضى بمن يحارب ربك وسيدك ومولاك؟!

    [ خامساً: من أتى هذه الفاحشة من المحصنين يرجم بالحجارة حتى الموت ]، هذا القول الوسط، يرجم بالحجارة حتى الموت، ومن كان غير محصن يجلد مائة جلدة ويغرب وينفى سنة كالزنا.

    [ من أتى هذه الفاحشة من المحصنين ] أي: البالغين المتزوجين ولو طلقوا أو مات نساؤهم، [ يرجم بالحجارة حتى الموت ] إلى أن يموت، ومن كان غير محصن فقد قلت لكم الخلاف بين الفقهاء، منهم من يقول: يعامل معاملة الزاني غير المحصن فيجلد مائة جلدة أمام الناس ويطرد من البلاد سنة كاملة يغرب، ومنهم من قال: يسجن حتى يموت وهو يعذب.

    والله تعالى أسأل أن يتوب علينا وعلى المؤمنين أجمعين، وأن يرحمنا ويرحم كل المؤمنين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.