إسلام ويب

تفسير سورة طه (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد الجدال الطويل والخصومة الشديدة التي دامت زمناً غير قصير، وأبى فرعون وقومه خلالها قبول الحق، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى أن يخرج بمن معه من بني إسرائيل مجاوزاً بهم البحر، فما كان من فرعون وجنوده إلا أن تبعوهم، فلما رأوا بني إسرائيل قد اجتازوا البحر طعموا في إدراكهم، فلما تكاملوا في وسطه غشيهم الماء فغرقوا جميعاً، وبهذا يمتن الله عز وجل على بني إسرائيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة؛ وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:77-82].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا الكلام الذي كلام من؟ كلام الله.

    فكيف يكفر بالله ويلحد؟!

    كيف يوجد ملاحدة وعلمانيون لا يؤمنون بوجود الله؟!

    هل يوجد كلام بدون متكلم؟!

    وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا [طه:77] من المخبر بهذا الخبر؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [طه:77]، عرفتم من موسى هذا؟ ابن عمران كليم الله الذي كلمه كفاحاً بدون ما واسطة، نبي ورسول بني إسرائيل.

    وقد عرفتم في كتاب الله قصة موسى من يوم ولادته إلى أن نصر الله به دينه وأولياءه.

    وقد سبق في الآيات السالفة أن مباراة تمت بين موسى وهارون عليهما السلام من جهة، وبين السحرة.. سحرة فرعون من جهة أخرى، وكانت مباراة حضرها الألوف من الناس فما بقي في الإقليم أحد إلا وحضر وشاهد، وكانت على ساحة عجيبة، وأرسل السحرة حبالهم وعصيهم، فتحولت إلى ثعابين وحيات تهتز، وأمر الله تعالى رسوله موسى أن يلقي عصاه: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه:69]، فألقاها فإذا بها لها فم دخل فيه كل ذلك الذي كانوا يشاهدونه من العصي والحبال تلقفته.

    وهنا كما أخبر تعالى غضب فرعون غضبته على السحرة؛ لأنهم انهزموا في نظره. فحكم إذاً بإعدامهم، وقال: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، وبالفعل فعل، ودخل الجنة أولئك السحر، وهذا فضل الله ورحمته، بالأمس كانوا كفرة مجرمين مشركين سحرة، فأمسوا في دار السلام مع المؤمنين سعداء، بين النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هذا فضل الله عز وجل ورحمته، وهنا غضب فرعون ودفعه رجاله. لم نسكت؟ هيا نقضي على هذا الشعب، نقضي على بني إسرائيل. نقضي على موسى؟

    وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف:127] هيا نقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، وكان الهيجان.

    ولجأ موسى إلى ربه، فأصاب فرعون بلاء لم تعرف البشرية له نظيراً: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ [الأعراف:133]، وتحولت أموالهم إلى خشب وعيدان، وما آمنوا ولا اهتدوا، فأمر الله تعالى موسى أن ينحاز مع بني إسرائيل يتهيئون للرحيل والخروج من الديار المصرية، فجعلوا بيوتهم قبلة واستقروا فيها ينتظرون أمر الله عز وجل، فأذن الله لهم بالخروج، فخرجوا، إلى أين؟ إلى البحر، وجبريل عليه السلام على فرسه يتقدمهم، وهم وراءه، فلما وصلوا إلى البحر واقترب موسى وقومه. كيف؟ أوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضرب فانفلق اثني عشر فرقة على قدر قبائل بني إسرائيل كل قبيلة تمشي وحدها في طريق، ومن عجائب فعل الله وقدرته، أنهم يشاهدون بعضهم بعضاً، كل فرقة جدار من ماء زجاج يشاهدون بعضهم بعضاً، حتى لا يخافوا وقالوا: هلك فلان وفلان.

    فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63]، في العلو. ومع هذا يرى بعضهم بعضاً كالزجاج، ولما عرف فرعون أن موسى مشى، كون جيشه المكون من مائة ألف فارس وجاء وراءهم يريد أن يردهم بقوة وأن يصرفهم عن طريقهم، فلما انفلق البحر ذلك الانفلاق العظيم ونجا بنوا إسرائيل جاء فرعون ورجاله فدخلوا البحر، والبحر أرض يابسة جافة والماء من هنا وهنا كالبنيان، فلما توغلوا في البحر عن آخرهم أطبق الله عليهم البحر فأغرقهم أجمعين، اللهم إلا ما كان من فرعون ما هلك، بقي يطفو على سطح الماء، حتى جاء إلى طرف الشاطئ ليكون آية من آيات الله، وهنا عرض عليه الإسلام ما عرض، لكن أسلم لما شاهد آثار قدرة الله، فقال عز وجل: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]. قال تعالى: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:91-92] فقط لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92].

    إذاً: وهنا قال تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ [طه:77]، والسر والسريان المشي بالليل.

    أوحى الله تعالى إلى موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً حتى لا يتفطن لهم الفراعنة ورجالهم فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ [طه:77]، اضرب لهم.. لبني إسرائيل طريقاً في البحر يَبَسًا [طه:77] جافاً تراباً!

    سبحان الله! البحر يصبح شارعاً.. تراب رمل في الأرض؟ إي نعم يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا [طه:77] من ورائك يدركونك من رجال الجيش الفرعوني ولا تخشى غرقاً أمامك.

    وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [طه:77] ماذا؟ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [طه:77]، من عباده؟ بنوا إسرائيل فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [طه:77]، وبالفعل -كما علمتم- ضرب البحر فانفلق اثني عشر فلقة، وأصبحت شوارع معبدة والأرض يابسة واجتازوا البحر، فلما جاء فرعون بجيشه ودخل وراءهم البحر لما توسطوا فيه أطبق الله عليهم البحر فأغرقهم أجمعين، وهلكوا كلهم داخل البحر، وما ظهر منهم أحد إلا فرعون طفا على سطح الماء.

    هذا معنى قول ربنا عز وجل: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [طه:77] ماذا؟ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [طه:77]، والدرك الرجال الذين يدركون من طلبوه.

    والآن البعض يسمون الشرطة بالدرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم)

    قال تعالى: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ [طه:78]، أتبعهم فرعون بجنوده.

    قالت العلماء: قدر جنوده بمائة ألف جندي. وليس بعجب!

    فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه:78]، لا نستطيع أن نتصور كيف ذلك.

    لما توغلوا في داخل البحر وهو عبارة عن طرق وشوارع والجدار كالجبل.. كالطود العظيم أطبق الله عليهم البحر فغشيهم وغطاهم ماء اليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأضل فرعون قومه وما هدى)

    ثم قال تعالى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [طه:79] إي والله، أضل فرعون قومه وما هداهم إلى الإيمان والاستقامة على منهج الحق؛ ليطهروا ويكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة.

    حملهم على الشرك والكفر والعناد والتكذيب والعياذ بالله، وسألوا غير الله وعبادة غير الله، يا ويله ويا ويلهم أضل فرعون قومه وما هداهم، فأين ذلك التعالي والتجبر والتكبر والطغيان و.. و..؟

    انتهى إلى أسوأ حال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ...)

    ثم نادى الرب تبارك وتعالى بني إسرائيل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [طه:80]، يا أبناء إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم المكنى بإسرائيل قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ [طه:80] من عدوكم؟ فرعون وجيوشه ورجاله قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ [طه:80] وأنقذناكم من فرعون وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ [طه:80].

    هنا أحداث: لما خرجوا من البحر ناجين معافين سالمين في طريقهم إلى بيت المقدس.. إلى أرض القدس.. إلى أرض المعاد -والبحر الذي الذي حصل فيه هذا الحدث هو البحر الأحمر- لما خرجوا في طريقهم مروا بقرية من قرى تلك المنطقة فوجدوا أهل القرية مشركين يعبدون أصناماً وآلهة، عبارة عن عجل بقر مصنوع يعبدونه، فلجهل بني إسرائيل؛ لأنهم عاشوا فترة من الزمن أكثر من ستمائة سنة وهم مهانون مذلون جهلاء، قالوا لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، قالوا لموسى نبيهم اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138] نعبده كما لهؤلاء القوم آلهة يعبدونها.

    إذاً: لما طالبوا هذا الطلب نبههم إلى خطرهم وعرفهم بما هم عليه من ضلال، ولكن قال لأخيه هارون تولى القوم بعدي وأنا أذهب إلى ربي إلى جبل الطور لأناجي الله وآتي بالدستور لنحكمهم به، فقبل موسى هارون للولاية والخلافة، وتركه مع بني إسرائيل وذهب إلى جبل الطور، إذ قال تعالى: وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ [طه:80]، الآن امشوا كلهم، لكن موسى استعجل وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف:142]، ولما وصل موسى إلى جبل الطور من جهة يمينه هو جبل ما له يمين ولا يسار، لكن يمين موسى، ثم ناداه ربه وناجاه، وأعطاه التوراة، هذا القانون الذي يريد أن يحكم به الشعب الجديد؛ شعب بني إسرائيل، وهنا لما عصوا هارون عليه السلام وعبدوا العجل الذي صنعه السامري ، وعكفوا حوله، رجع موسى غضبان أسفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [طه:86]، وهناك آيات كثيرة هذا الباب.

    هنا ما كان من موسى إلا أن قتل السامري وكسر الصليب أو ذاك العجل، ولكن عاقبهم الله عز وجل، لما قال لهم موسى هيا نمشي لقتال العمالقة في أرض القدس وإخراجهم من أرض القدس، ونقيم دولتنا هناك فقالوا: ما نستطيع، ما نقدر على هذا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

    ماذا يفعل موسى؟ إذاً: عاقبهم الله عز وجل بالتيهان.. تاهوا أربعين سنة في تلك الصحراء، يرحلون يمشون أربع ساعات خمس ساعات وينزلون ويجدون أنفسهم حيث نزلوا، يبيتون ويخرجون من الغد ويمشون ويجدون أنفسهم حيثما كانوا.

    أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [المائدة:26] وفي هذه الحال من أين يأكلون وماذا يشربون؟

    فمن الله عليهم بمنته العظيمة: المن والسلوى، طير من أجمل الطيور يأتي بين أيديهم يذبحونه ويأكلونه.

    والسلوى كالعسل كالفقاع في الأرض يأكلون منه. هذا ما أشار إليه تعالى هنا بقوله: وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:57]، أربعين سنة.

    وتوفي موسى وتوفي هارون عليهما السلام، وتولى الخلافة يوشع بن نون تلميذ موسى، وجاء جيل جديد غير الأول، ودخل بهم على القدس وانتصر ونصره الله وأقام دولة بني إسرائيل.. هذا معنى قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [طه:80].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا ...)

    ثم قال تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [طه:81]. والطيبات معاشر المستمعين والمستمعات! الحلال، والحرام ليس بطيب أبداً.

    كلمة الطيب في القرآن بمعنى الحلال، وبمعنى غير المستقذر الذي فيه قذارة ونجس.

    مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا [طه:81] في ذلك الأكل، لا تسرفوا فيه ولا تتجاوزوا الحد. لم؟ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه:81]. وهكذا إذا أعرضت الأمة عن ربها وذكره والتفت إلى غيره وعصته وفجرت وخرجت عن طاعته أغضبته، فيغضب فإذا غضب انتقم.

    هذه سنة الله في الخليقة كلها.. في البشرية كلها كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه:81].

    وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه:81] وقراءة نافع (ومن يحلُل). هوى إلى جهنم.

    تذكرون قول الله تعالى: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا [المدثر:17]، وأن الصعود جبل في النار، يصعده أهل النار أربعين سنة وهم طالعون ثم يسقطون. قالوا: والهوى أيضاً قصراً في جهنم، يهوون منه ويسقطون أربعين سنة.. مسافة أربعين عاماً.

    وإن قلنا: هوى بمعنى هلك وخسر في النار وهو كذلك، وهذا حكم عام وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي [طه:81] ويصبح مغضوباً عليه مني فقد خسر وهوى وهلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى)

    ثم قال تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ [طه:82]. هذه صفة من صفاته تعالى، واسم من أسمائه: الغفار.

    أي: كثير المغفرة لكل ذنب. هذا وصف الله بالغفار، فما من عبد يشرك.. يكفر.. يفجر.. يفعل ما يفعل الشياطين ثم يتوب إلا تاب الله عليه وغفر له.

    ومن أصر على الذنب ولم يتب فمصيره معلوم: نفس خبيثة لا تتلاءم معها إلا النار.

    كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ [طه:81-82] أولاً من الشرك والكفر والمعاصي والذنوب.

    وَآمَنَ [طه:82] حق الإيمان وصدق التصديق الكامل.

    وَعَمِلَ صَالِحًا [طه:82] أي: أدى الفرائض والواجبات التي شرعها الله لعباده؛ لتزكية أنفسهم وتطهير أرواحهم.

    وَعَمِلَ صَالِحًا [طه:82] وقد عرفنا العمل الصالح وأنه ما شرعه الله عبادة لعباده من الجهاد والرباط إلى الصلاة والصيام، إلى الذكر والتسبيح إلى إزالة الأذى من الطريق، كل ما شرع الله من أنواع العبادات القولية أو الفعلية هو عمل صالح، من فعله إيماناً واحتساباً كما شرعه الله زكى نفسه وطيبها وطهرها، ومن لم يعمله لن تزكو نفسه ولن تطيب؛ لأن العمل الصالح أداة التزكية، كالماء والصابون للجسم والثوب، فالعمل الصالح يزكي النفس ويطهرها كما يطهر الماء الثوب والبدن.

    وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] ما ضل بعد ذلك، فقد يكون كافراً مشركاً فاسقاً فيتوب ويؤمن ويستقيم ويعبد الله عشر سنين ثلاثين سنة، ثم ينتكس ويرجع فيهلك أيضاً.

    ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] على المنهج ماشياً حتى الموت.

    إذاً: تعهد الله تعالى لعباده أنه يغفر ذنوبهم إن هم تابوا ورجعوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ولو فعلوا ما فعلوا من الجرائم، لكن لابد وأن تستمر التوبة إلى نهاية الحياة.. إلى الموت، وتلك هي الهداية: ثم اهتدى ما خرج أبداً عن طريق الله، ما عاد إلى الشرك والذنوب والمعاصي. هذا معنى قول الله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، تاب من الشرك والكفر، وآمن حق الإيمان وعمل الصالحات، ثم ما تركها ولا تخلى عنها حتى توفاه الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب!

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    إنه بعد الجدال الطويل والخصومة الشديدة التي دامت زمناً غير قصير، وأبى فيها فرعون وقومه قبول الحق والإذعان له؛ أوحى تعالى إلى موسى عليه السلام بما أخبر به في قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [طه:77] وبأي شيء أوحى إليه؟ بالسري ببني إسرائيل، وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [طه:77]، وقوله: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [طه:77]، أي: اجعل لهم طريقاً في وسط البحر، وذلك حاصل بعد ضربه البحر بالعصا، فانفلق البحر فرقتين والطريق وسطه يابساً لا ماء فيه، حتى اجتاز بنوا إسرائيل البحر، ولما تابعهم فرعون ودخل البحر بجنوده أطبق الله تعالى عليهم البحر فأغرقهم أجمعين؛ بعد أن نجى موسى وبني إسرائيل، وهو معنى قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ [طه:78] أي: من ماء البحر مَا غَشِيَهُمْ [طه:78] أي: الشيء العظيم من مياه البحر.

    وقوله تعالى لموسى: لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [طه:77] أي: لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى غرقاً في البحر.

    وقوله تعالى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [طه:79] إخبار منه تعالى أن فرعون أضل أتباعه؛ حيث حرمهم من الإيمان بالحق واتباع طريقه، ودعاهم إلى الكفر بالحق وتجنب طريقه، فاتبعوه على ذلك فضلوا وما اهتدوا، وكان يزعم أنه ما يهديهم إلا سبيل الرشاد وكذب.

    وقوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ [طه:80] أي: فرعون، وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ [طه:80] أي: مع نبينا موسى لإنزال التوارة لهدايتكم وحكمهم بشرائعها، وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [البقرة:57] غذاء لكم في التيه: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [طه:81] أي: قلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم من حلال الطعام والشراب، وَلا تَطْغَوْا فِيهِ [طه:81] بترك الحلال إلى الحرام، وبالإسراف في تناوله، وعدم شكر الله تعالى عليه، وقوله تعالى: فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه:81] أي: إن أنتم طغيتم فيه.

    وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي [طه:81]، أي: ومن يجب عليه غضبي، فَقَدْ هَوَى [طه:81]، أي: في قعر جهنم وهلك.

    وقوله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، يعدهم تعالى بأن يغفر لمن تاب منهم ومن غيرهم فآمن وعمل صالحاً، أي: أدى الفرائض واجتناب المناهي، ثم استمر على ذلك ملازماً له حتى مات ]. اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير النبوة المحمدية، إذ مثل هذا القصص لا يقصه إلا بوحي إليه، إذ لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق الوحي الإلهي ].

    أول هداية من هداية الآيات: أن هذه الآيات تقرر والله إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والله إنه لنبي الله ورسوله.

    كيف يأتيه هذا الكلام ولا يكون نبياً؟ وقد عرفتم أنت السور المكيات كلها تقرر هذه الحقيقة.. إثبات النبوة المحمدية.

    [ ثانياً: آية انفلاق البحر ووجود طريق يابس فيه لبني إسرائيل حتى اجتازوه دالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته ].

    قطعاً، انفلاق البحر فيصبح شوارع وطرق لولا وجود الله.. لولا قدرة الله.. لولا علم الله كيف يتم هذا؟

    لا إله إلا الله. فكيف يكفر بالله أو يعبد معه سواه وهو صاحب هذا القدرة العظيمة؟!

    [ ثالثاً: تذكير اليهود المعاصرين للدعوة الإسلامية بإنعام الله تعالى على سلفهم، لعلهم يشكرون فيتوبون فيسلمون ].

    في الآيات تذكير لليهود.. بني إسرائيل على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه النعم الإلهية التي أنعم الله بها على آبائهم وأجدادهم؛ لعلهم يسلمون ويدخلون في الإسلام.

    [ رابعاً: تحريم الإسراف والظلم، وكفر النعم ]. تحريم الإسراف في الأكل، في الشرب، في الكلام، في النكاح في كل شيء.

    الإسراف: مجاوزة الحد، فلابد من الاعتدال والقصد حتى في الكلام، والإسراف ممنوع، لكن في الأكل والشرب بصورة خاصة وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31].

    أيضاً: الظلم محرم على الإطلاق، فإن الله حرم الظلم وفي الحديث: ( الظلم ظلمات يوم القيامة )، فلا يحل لمؤمن أن يضع شيئاً في غير موضعه، فالظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن وضع شيئاً في غير موضعه فقد ظلم.

    الآن لو تنام في الشارع وتعترض الطريق فقد نمت في مكان لا يحل لك وظلمت.

    مثلاً: تقول كلمة لمؤمن تؤذيه فقد ظلمته. فالظلم وضع الشيء في غير موضعه والظلم حرام أبداً. نسأل الله العافية.

    أيضاً: كفر النعم بعدم شكرها. وهذه أكثر الأمة واقعة فيها. يجب إذا أكلنا أن نقول: الحمد لله. إذا شربنا، إذا ركبنا، إذا لبسنا، إذا تكلمنا، إذا مشينا دائماً نقول: الحمد لله.

    كيف نأكل؟ كيف نشرب؟ كيف نلبس؟ كيف نركب؟ كيف نسكن؟ كيف كيف..؟ يعيش إنسان طول النهار ما يعرف الحمد لله ولا هذا فضل الله والعياذ بالله تعالى، مع أن علة وجودنا: أن نشكر الله عز وجل ونذكره.

    إذاً: فعلينا دائماً أن نردد كلمة: الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.. لا تفارق ألسنتا، وكذا الشكر لله.

    [ خامساً:] وأخيراً [ الغضب صفة لله تعالى كما يليق ذلك بجلاله وكماله لا كصفات المحدثين ].

    الله يغضب وغضبه مستحيل أن يكون كغضب العباد والمخلوقات، بل غضبه يليق بجلاله وكماله.

    ومن غضب الله عليه أهلكه، نعوذ بالله تعالى من غضبه، ويقول في سورة الفاتحة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، وهم الذين عرفوا الطريق وتنكروا له! عرفوا الحق وبعدوا عنه! عرفوا الإيمان والإسلام وكفروا بهما.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه.