إسلام ويب

تفسير سورة طه (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التقى موسى عليه السلام مع سحرة فرعون ضحى يوم الزينة، وكان ذلك بحضور أعداد كبيرة من الناس، فبدأ السحرة بإلقاء ما معهم من الحبال والعصي فإذا بها حيات وثعابين، عندها ألقى موسى عليه السلام عصاه فإذا بها تلقف كل ما هنالك من السحر، فلما رأى السحرة ذلك علموا أن ما جاء به موسى ليس سحراً، وإنما هو معجزة نبوية، فخروا سجداً لله تعالى معلنين توبتهم عما اقترفوا من السحر والكفر، غير عابئين بتهديد فرعون ووعيده لهم.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة طه

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:70-76].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! مازال الحوار دائراً بين موسى وهارون من جهة، وبين فرعون وملئه من جهة أخرى، ولنستمع!

    قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67]. لما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم وتحولت تهتز كأنها ثعابين في تلك الأرض الواسعة خاف موسى بحكم بشريته فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67]، فقال له الرب تبارك وتعالى على الفور بالوحي لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:68] أي: الغالب المنتصر.

    وأمره أن يلقي بعصاه، فقال له: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ [طه:69] وهي عصاه. سأله أول يوم: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ [طه:17-18]، فقال له تعالى اليوم: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ [طه:69] أي: عصاك تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه:69]، وبسم الله ألقاها، ففتحت فاها، فغطت كل تلك حوالي عشرة آلاف عصا وحبل دخلت كاملة في جوفها، تلقفتها فدخلت فيها، ثم هشها وإذا بها عصاه كما كانت.

    تلقف ما صنعوا، ووالله لقد ألقفته، كل تلك الحبال والعصي آلاف والأمة كلها تتفرج واقفة، فتحت فاها كثعبان فدخل كل ذلك الموجود من عصي وحبال في جوفها، وعادت عصا كما كانت.

    هذه آية من آيات الله العظمى، فكيف لا يؤمنون بالله؟!

    وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ [طه:69] يا موسى تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69].

    وهذه الآية تقرر أن السحرة مهما كانوا لن يفلحوا لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأن الساحر كافر.. كل ساحر كافر، ومذهب مالك رحمه الله أن الساحر يقتل حيث بان سحره، ولا يطلب منه التوبة أبداً.

    لماذا؟ قال: لأن السحر يأتيه في الخفاء ويعمله في الظلام، فإذا قال: تبت فكيف نعرف توبته، فلهذا يقتل الساحر في شريعة الإسلام حيث ظهر سحره، ويكفه في ذلك قول الله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، فهل أفلح السحرة وكانوا عشرة آلاف أو أكثر؟ ما نجحوا، وهي إلى يوم القيامة: لا يفلح الساحر حيث جاء لأي زمان ومكان.

    أفلحوا لما تابوا. الساحر إذا تاب تاب الله عليه، ولو فعل الأعاجيب بسحره، لكن إذا لم يتب فهو من أهل النار.

    والحكم الشرعي: إذا ضبط وأنه ساحر يقتل، فإن تاب قبل أن يضبط وأن يلقى عليه تقبل توبته، أما أن نلقي القبض عليه وهو يتعاطى السحر، ويقول: تبت وأتوب فلا تقبل له توبة؛ لأن عمله خفي، لا نصدقه، لكنه لو تاب حقاً فالله عز وجل يغفر لمن تاب مهما كان ذنبه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة سجداً ...)

    قال تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا [طه:70].

    وجد موسى السحرة ساجدين، ما إن ألقى عصاه وتلقفت كل ما في الأرض من تلك العصي والحبال حتى خروا ساجدين رغم أنف فرعون.

    قهرهم غلبهم.. ما استطاعوا، شاهدوا آيات الله، فعرفوا أن موسى رسول الله، وأن يدعو إلى الحق ، فما كان منهم إلا أن خروا ساجدين لله تعالى.

    هنا يروى كما ذكر القرطبي : أن موسى لما اضطرب وخاف التفت إلى يمينه وإذا جبريل عن يمينه، فقال له: إن هؤلاء بعد العصر يدخلون الجنة كلهم.

    هؤلاء السحرة بعد صلاة العصر يدخلون الجنة، وهو كذلك، فما إن أعدموا حتى دخلوا الجنة في يومهم.

    فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا [طه:70]، ألقوا هم أنفسهم على الأرض سجداً لله رب العالمين.

    قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]، قدموا هارون على موسى الآن، حتى يعلموا أنهم آمنوا بالحق لما شاهدوه، فما هو خوف من موسى فقط، بل آمنا برب هارون وموسى، فدخلوا في الإسلام وأسلموا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ...)

    بم تحرك فرعون وماذا قال؟ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [طه:71]

    قال لهم آمَنْتُمْ لَهُ [طه:71] أي: اتبعتم موسى؟ هم قالوا: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]، فقال لهم: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه:71]؟ كأنه يملك أن يقول لهم: آمنوا فيؤمنون، أو اكفروا فيكفرون، وهذا كله تجبر وعناد وتكبر.

    قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ [طه:71]، هنا موسى عاش -كما قلنا- في مصر فترة من الزمان ببيت فرعون، فماذا قال فرعون: موسى كبيركم في السحر، وهو الذي علمكم السحر.

    وهو والله كاذب في هذا، بل فرعون هو الذي أوجد مدرسة لتعلم السحر، وهو الذي ألزمهم بأن يتعلموه.

    ويوجد في نفس الوقت في ذلك الزمان مؤمنون؛ لأن موسى بقي أربعين سنة في مصر، وهو يدعو إلى الله، قطعاً هناك من الناس من يتبعونه وخاصة من بني إسرائيل أقرب الناس إليه، فأوجد هذا الطاغية مدرسة لتعلم السحر، فلما حصل الذي حصل أعاب عليهم وقال: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه:71] لما وجدهم يؤمنون بالله ولقائه وبموسى ورسالته: إِنَّهُ [طه:71] أي: موسى لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه:71]، وهو في هذا كاذب، فموسى ما علمهم السحر ولا يعرفه، وإنما أعطاه الله تلك الآية التي ابتلعت سحر الساحرين وأبطلته.

    ثم قال: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ [طه:71] إذاً، تعهد أو توعدهم بأن يقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف، يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، يقطع الرجل اليمنى واليد اليسرى: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ [طه:71] وأرجلكم من خلاف يعني، فلا يقطع اليد والرجل متوالية، بل يقطع الرجل اليمنى واليد اليسرى، واليد اليمنى والرجل اليسرى، فهذا أبشع وأضر.

    وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، يربطهم في جذع النخل ويصلبهم عليها، وينكل بهم بأنواع العذاب.

    وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [طه:71] نحن أم رب موسى وهارون الذي آمنتم به؟

    هذه كلمة الطاغية فرعون.

    إذاً: بعد تأييد الله لرسوله موسى عليه السلام في مناظرة ومبارزة السحرة آمن السحرة وعرفوا الحق، قال تعالى: قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:68] من القائل: الله تعالى. لمن قال هذا؟ لعبده ورسوله موسى.

    وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا طه:69] من الآمر؟ الله جل جلاله.

    أمر عبده موسى أن يلقي العصا التي بيمينه، وأعلمه أنها تلقف ما صنعوا، وعلل لذلك فقال: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، هل أفلحوا؟ ما أفلحوا. ابتلعت العصا كل ما ألقوه.

    فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا [طه:70]فألقي السحرة ساجدين لما شاهدوا آيات الله آمنوا بالله رب موسى وهارون وخروا ساجدين لله.

    لا شك أنهم كانوا يعرفون السجود لله، إذ كان في البلاد مؤمنون مسلمون، لاسيما بني إسرائيل وموسى معهم ليل نهاراً، فيعرفون السجود فخروا لله ساجدين وقالوا لما سئلوا: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]، لا بفرعون ولا بسلطانه وملئه.

    وحينها قال لهم فرعون: آمَنْتُمْ لَهُ [طه:71] ما قال: آمنتم به آمَنْتُمْ لَهُ [طه:71] بمعنى: اتبعتموه؟ قبلتم ما جاء به ويدعو إليه؟

    آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه:71]. يعتقد أنه يملك أن يأذن لهم لو قال لهم: آمنوا يؤمنون في نظره، ولكن ما أذن، فكيف تؤمنون بدون إذن، وهذا شأن مواطنيه، لو قال فرعون للمواطنين: آمنوا يؤمنون، لكن ما رضي بإيمانهم فهم كافرون، فلما آمن السحرة لما شاهدوا من آيات الله وما غشيهم من أنوار الإيمان قال: كيف تؤمنون بدون إذن منا؟

    آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ [طه:71] أي: موسى لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه:71].

    وهو الله كاذب؛ لأن موسى ما كان ساحراً ولا كان يعلم السحر، وإنما معلم السحر غير موسى، وهو الذي أجبر الغلمان والأطفال على تعلم السحر في مدرسة خاصة.

    ومن هنا نقول: أول ما عرف السحر على عهده، وهو الذي أنشأ المدرسة لذلك.

    فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [طه:71] هكذا يتوعدهم وهو بالفعل فاعل فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [طه:71]. ما معنى من خلاف؟ أي: اليمنى فاليسرى، الرجل اليسرى مع اليد اليمنى، نوع من التنكيل والتعذيب.

    وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، وجذع النخلة معروف يربطه فيها ويقتله.

    وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا [طه:71] نحن أم رب موسى والله أشد عذاباً وأبقى من عذابكم، وأما عذاب فرعون فيزول في ساعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ...)

    ماذا قال السحرة رضوان الله عليهم، كيف ردوا على فرعون؟ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [طه:72] أي: لن نفضلك، لن نقدمك على ما جاءنا من البينات، قل ما شئت أن تقول، فما كنا مؤثرين لك ولا مفضلين لك عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا [طه:72] من الذين فطرهم؟ الله عز وجل، آمنوا بالله رباً خالقاً.

    لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [طه:72] على يد موسى من هذه المعجزات، والبينات التي كان يعلمهم إياها ويعلن عنها، وهي توحيد الله عز وجل، وأنه رب كل شيء وخالق كل شيء وإليه مصير كل شيء، وعليه فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ [طه:72]، افعل ما تريد أن تفعل، ما خافوا، أسلموا قلوبهم لله، فما خافت نفوسهم ولا اضطربت فقالوا له: افعل ما تريد أن تفعل إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، كل ما في الأمر تقتلنا وكلنا نموت، ولكن في الحياة الثانية ما تفعل شيئاً، وننتقل إلى دار السعادة والنعيم المقيم فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ [طه:72] ما أنت قاضي، إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ [طه:72] أي: في هذه الحياة الدنيا تقتل أو تصلب أو.. أو.. أما الدار الآخرة فلله عز وجل وتلقى جزاءك أنت والكافرون مثلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ...)

    ثم قالوا له: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا [طه:73] أي: بخالقنا ومالك أمرنا، رب موسى وهارون والعالمين: آمَنَّا بِرَبِّنَا [طه:73] من أجل ماذا؟ لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا [طه:73] جمع خطيئة. أي: ذنوبنا التي ارتكبناها، ونحن غير مؤمنين ولا مسلمين، وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [طه:73]، فهذا دليل على أنه كان يلزمهم بالسحر، بتعلمه وبتعاطيه ليجعلهم كسلاح يقاوم به الأنبياء والمرسلين والصالحين.

    إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:73] والله خير منكم ومما عندكم من دنياكم، وأبقى أيضاً عذاباً شديداً لكم خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:73].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا)

    ثم قالوا: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا [طه:74] أصبحوا علماء ربانيين، فتح الله عليهم وشرح صدورهم، دخلوا في الإيمان فأصبحوا علماء: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا [طه:74] وقد تكرر لفظ الإجرام والمجرم: الذي يجرم على نفسه بإفسادها بالظلمة.. بالنتن والعفن.. بتركه الواجبات المزكية للنفس، وبفعله المحرمات المخبثة للنفس، وكل من خبث نفسه أجرم عليها وأفسدها.

    إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا [طه:74] أي: لنفسه مخبثاً لها بالشرك والمعاصي فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74]، وجهنم طبقة من طبقات النار من أشدها، إذ النار دركات دركة تحت دركة.

    إذاً: فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74]، لا يموت فيستريح كموت الإنسان في الدنيا، ولا يحيا حياة السعادة فيحيا ويسعد بها، لا هذا ولا ذاك.

    لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74]، شقاء أبدي لا ينتهي أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يأته مؤمناً قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى)

    ثم قال تعالى حاكياً قول السحرة لما آمنوا: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى [طه:75]، وجائز هذا أن يكون من كلام الله يوجه إلى مشركي العرب في مكة، وجائز أن يكون من جملة كلام السحرة لما آمنوا وأسلموا وتواصل حديثهم في ذلك المؤتمر أو المباراة العظيمة، ليؤمن من يؤمن، وقد آمن الكثيرون من الناس.

    وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا [طه:75] غير كافر قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ [طه:75]قد عمل الصالحات المزكية للنفس وهي الواجبات التي أوجبها الله وفرضها على عباده لتزكية نفوسهم وتطهيرها فَأُوْلَئِكَ [طه:75]فأولئك السامون الأعلون لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى [طه:75]، وتعرفون الدرجات، ما بين الدرجة والدرجة في الجنة والله كما بين الأرض والسماء الدَّرَجَاتُ الْعُلى [طه:75].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ...)

    ثم قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [طه:76]، تفسير للدرجات العلى والنعيم المقيم قال: جَنَّاتُ عَدْنٍ [طه:76] أي: إقامة، جنات إقامة لا رحيل منها، ولا موت فيها أبداً.

    أهل الجنة لا يرحلون عنها ولا ينتقلون إلى أخرى، ولا يموتون بحال من الأحوال أبداً، وهذا هو الخلود الأبدي.

    وتأملوا! الذي قدر على إيجاد البشرية من آدم وأبقاهم على الأرض عشرات الآلاف السنين ولو شاء لأبقاهم أبداً، لا يعجز أن ينقلهم إلى مكان آخر ليخلدوا فيه أبداً، فوالله لا موت، أقسم بالله، لا موت بعد يوم القيامة، لا لأهل النار فيموتون ويستريحون، ولا لأهل الجنة فيحرمون النعيم بعد فترة من الزمان.

    جَنَّاتُ عَدْنٍ [طه:76] إقامة دائمة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [طه:76]، وتذكرون أننا عرفنا أنهار الجنة كما جاء ذلك في سورة محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، وهذه الأنهار تجري تحت تلك الأشجار وخلالها وبينها.

    وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:76] لا أبيض ولا أسود، لا عربي ولا عجمي، لا في الأولين ولا في الآخرين، بل جزاء مَنْ تَزَكَّى [طه:76].

    من يعقب على هذا الحكم؟ والله لا أحد.

    جزاء من تلك الجنة وذلك النعيم المقيم والحياة الأبدية الدائمة؟

    جزاء عبد فعل ماذا؟ زكى نفسه، جزاء من تزكى.

    ونظير هذا قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    ومعنى هذا معاشر المستعين والمستمعات! أننا عرفنا مصيرنا قبل أن نموت، فمن زكى نفسه بيننا فزكت وطابت وطهرت فمصيره إلى دار السلام.. إلى جنات عدن، ذات الدرجات العلى.

    ومن خبث نفسه ودساها وما زكاها فمصيره معروف.. جهنم وبئس المصير .

    1.   

    ضرورة الاهتمام بتزكية النفس

    هيا نسأل! هل النفس تزكو بمعنى تنمو؟ لا. بل بمعنى تطيب وتطهر. زكت بمعنى طابت وطهرت.

    من أخبر بهذا؟ خالق النفس والعليم بصفاتها، فهو الذي وضع لها ما تزكو عليه وما تخبث عليه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16].

    فما هي أدوات التزكية، وما هي مادة التزكية، وكيف نستعملها حتى نزكي أنفسنا؟

    هذا السؤال يجب أن يطرحه كل مؤمن أو كافر ما عرف.

    إن النجاة في زكاة النفس والخسران في تدسيتها فيجب على العاقل من الإنس والجن أن يذهب إلى العالمين والعارفين ويسألهم: بم نزكي أنفسنا وكيف نستعملها؟

    وهنا نعود إلى أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة: ( طلب العلم فريضة فرضها الله على كل مسلم ومسلمة )، أخبر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ما هو العلم هذا؟ العلم بعد معرفة الله ومعرفة محابه ومكارهه: أن نعرف كيف نطبق تلك المعارف، المحاب التي أحبها ونحبها، وكيف نترك تلك المكاره التي كرهها الله ونتخلى عنها.

    وبإيجاز: عرفتم أن مصير البشرية إما نعيم مقيم أبدي، وإما جحيم وعذاب أليم أبدي فهذا شأن البشرية في الأولين والآخرين، وعلمنا أن من زكوا أنفسهم طيبوها طهروها أصبحت كأرواح الملائكة في طهرها وصفائها، أصبحت مشرقة إشراق هذا النور فصاحب هذه النفس الزكية فما إن تؤخذ نفسه ساعة الموت إلا ويعرج بها إلى الملكوت الأعلى، ويسجل اسمها في كتاب في عليين وتعود إلى الفتنة والامتحان في القبر، ثم تعود إلى دار السلام وتبقى بها أبداً.

    وعلمنا أن النفس الخبيثة المنتنة العفنة هذه بعدما تأخذها الملائكة يعرجون بها إلى السماء، فيستأذنون فلا يؤذن لهم والله ما تدخلها أبداً، واقرءوا: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:40]، وتعود إلى فتنة القبر ثم تنزل إلى الدرجات السفلى في الكون؛ إلى سجين، فيدون اسماها في سجين، وتنزل إلى سجين.

    معشر المستمعين! لم ما ننقل هذا ونقرره؟

    هيا نزكي أنفسنا يرحمكم!

    ستقولون: يا شيخ! بم نزكيها؟

    الجواب: نزكيها بالإيمان بالله ولقائه، بالإيمان بالله ورسوله، بالإيمان بالله وشرعه، بالإيمان بكل ما أخبرنا الله عنه وأمرنا بتصديقه والإيمان به. هذه أول خطوة: إيمان لا يتزعزع القلب ولا يتحرك أبداً بل يسكن به ويطمئن، آمنا بالله، فلن نرد على الله أبداً، ما أخبر الله بشيء إلا هو كما أخبر، هذا الإيمان أولاً لأنه كما علمتم بمنزلة الروح، صاحبه حي وفاقده ميت.

    والله العظيم إن صاحب الإيمان الصحيح لحي يسمع ويبصر ويأخذ ويعطي، يقوم فيصلي ويصوم وفاقده ميت وإن أكل وشرب ونكح، لا يسمع ولا يبصر ولا يجيب، لما يوجد في هذا الإيمان من الطاقة النورانية.

    النفس تزكو بالعمل الصالح، والعمل الصالح: كل ما شرع الله لنا من العبادة نقوم بها بأيدينا، بأرجلنا، بألسنتنا، أبصارنا.. كل عبادة تعبدنا الله بها هي والله من المزكيات للنفس البشرية، من كلمة: السلام عليكم ورحمة الله، إلى أماطة الأذى من طريق المؤمنين، كلها تزكي تلك النفس البشرية وتطهرها.. نفس المؤمن والمؤمنة.

    هذه العبادات المتنوعة.. الصلاة، الصيام، الحج، العمرة، الجهاد، الرباط، فعل الخير، بر الوالدين، الإحسان.. هذه العبادات كلها أدوات تزكية، بها تزكو النفس، على شرط أن تؤديها كما بين رسول الله أداءها، وإلا ما تنفع.

    لو تقوم تصلي فتقدم الركوع على السجود لا ينفع، طول الليل وأنت تصلي، والله ما تزكو نفسك إلا إذا صليت كما صلى رسول الله وعلم رسول الله.

    معاشر المستمعين! سمعتم جزاء من تزكى من ذكر أو أنثى في الأولين أو الآخرين، زكى نفسه بمعنى طيبها وطهرها.

    بم تطيب وتطهر؟ بالماء والصابون؟ لا والله، الماء والصابون للأبدان.. للذوات، أما الروح فكيف تزكيها بالماء والصابون؟ نزكيها بالإيمان وصالح الأعمال، ونبعدها عما يدسيها ويخبثها من الشرك والذنوب والآثام، ومن زلت قدمه وارتكب خطيئة فليبادر بالتوبة، فلينظف المحل ويطهره كما كان، فلهذا لا يحل تأخير التوبة أكثر من ساعة أبداً.

    متى شعرت بالذنب فقل: أستغفر الله وأتوب إلى الله؛ لينمحي ذلك الأثر ويزول، فالتوبة تجب على الفور ولا يحل تأخيرها أبداً: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:17].

    وخلاصة ما تقرر: أن النجاة والفوز بالجنة لمن زكوا أنفسهم وطيبوها وطهروها بالإيمان وصالح الأعمال.

    وأن الخسران لمن خبثت نفسه وتدست بالشرك والمعاصي.

    وأن من تاب تاب الله عليه وطابت نفسه وطهرت، ومن أصر -والعياذ بالله- على الذنوب والآثام ولم يتب ومات فمصيره إلى جهنم وبئس المصير.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.