إسلام ويب

تفسير سورة طه (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن سنة الله عز وجل الجارية في المعرضين المكذبين أن يمد لهم ويستدرجهم، وقد أخبر عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه لولا ما سبق في كتابه من إمهال قومه رغم كفرهم رجاء أن يؤمنوا آخر الأمر لكان وقع عليهم العذاب، ثم أمر الله نبيه بالصبر عليهم وعلى ما يقولونه في حقه من الكذب والافتراء، وأن يستعين على ذلك بالصبر والصلاة، ويكتفي بأمر أهله ومن آمن معه بإقامة شعائر الدين الحنيف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى * وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى * وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:128-132].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ [طه:128].

    أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [طه:128] أي: لأهل مكة.. لكفار قريش، لكفار العرب، للكفار عامة.

    كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [طه:128] أي: من أهل القرون: عاد وثمود، ومدين وصالح، والمؤتفكات، وما إلى ذلك.

    فلو فكروا.. لو كان لهم عقول سليمة صحيحة لعرفوا أنهم كالأمم السابقة، أهلكها الله لما أبت أن تستجيب لدعوته، وكذبت رسله وحاربتهم، ولو فكر أهل مكة والقرشيون هذا التفكير لنجوا، ولكن مع الأسف لا عقول لهم.

    أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [طه:128] ويبين لهم الطريق طريق النجاة فعلنا بالأمم السابقة كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ [طه:128] في طريقهم إلى الشام.. إلى مصر ويشاهدون آثارهم، وفي الجنوب جنوب اليمن عاد، ثم ما في هذا من الآيات والله لآيات أوضح من الشمس والقمر، ولكن لأولي العقول.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [طه:128] بينات واضحات تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق، وأنه لا سعادة ولا كمال إلا بالعمل بما شرع الله من أقوال واعتقاد وأعمال ولكن لِأُوْلِي النُّهَى [طه:128] أي: لأصحاب العقول.

    إذا وقفت على مدائن صالح وشاهدت تلك المدن الخربة تقول: أين أهلها؟ أين سكانها؟ كيف أهلكهم الله؟ ولماذا أهلكهم؟

    الجواب: لأنهم كفروا وعصوا وفسقوا وعقروا الناقة وفعلوا الأعاجيب بصالح عليه السلام؛ فأهلكهم الله.

    والمؤتفكات.. مدين وما إلى ذلك، ولكن يقول تعالى: إن في هذا الذي سمعتموه لآيات واضحة لأولي النهى.

    والنهى: جمع نهية، وهو العقل. أي: لأولي العقول، صاحب العقل يفكر ويهديه عقله ويبين له الطريق.

    يعصمه فيصرفه عن الباطل والشر، والذي لا عقل له كالأحمق والمجنون لا يجد شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى)

    ثم قال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:129].

    وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [طه:129] يا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لكان عذابهم لازماً؛ لشدة كفرهم وطغيانهم وظلمهم.

    لولا كلمة سبقت وهي أن الله ما كتب أن يهلكهم، بل كتب أن يؤخرهم ليؤمنوا ويسلموا.

    وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:129] في كتاب المقادير لكان عذابهم لازماً، لا ينفك بسبب كفرهم وعنادهم، ولكن هذا ما قضاه الله ولا قدره في كتاب المقادير؛ فلهذا يؤخرون، يموت من يموت ويدخلون الإسلام! كما تم ذلك.

    إذاً: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [طه:128] أي: يبين لهم الطريق كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ [طه:128] والمراد من القرون: أهل القرون، والقرون: جمع قرن مائة سنة، سكان تلك البلاد.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [طه:128] علامات واضحة ولكن لمن؟ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:128] لأولي العقول والبصائر.

    ثم قال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:129] لكان عذابهم لازماً، يبيدهم كما أباد عاد وثمود، ولكن سبق بقضاء الله وقدره أنهم لا يبيدهم بالعذاب؛ لما يعلم ما يحدث بعد ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ...)

    ثم قال تعالى: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه:130].

    فَاصْبِرْ [طه:130] يا رسولنا! صلى الله عليه وسلم فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [طه:130].

    ماذا يقولون؟ قالوا: محمد ساحر. وآخر قال: مجنون. قالوا: كاذب. قالوا: مفتر. قالوا.. قالوا.. قالوا، فهل فيكم من يطيق هذا الكلام في نفسه؟

    أنت فقط لو يقال لك: ساحر هل ترضى؟ مجنون؟ كذاب؟ وكل هذا قالوه في محمد صلى الله عليه وسلم، فأمر الله تعالى رسوله أن يصبر: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ [طه:130] إلى آخر ما ذكر.

    يعني: يستعين على الصبر بعبادة الله وذكره، فعبادة الله وذكره عون كبير للمبتلى، فيجد صبراً في ذلك فيطيق أن يتحمل الأذى ممن آذاه.

    فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130] وهنا صلاة الصبح وصلاة العصر، صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، صلاة العصر قبل غروبها، هنا وقتان: أول النهار وآخر النهار. بهذا يستطيع أن يصبر.

    ثانياً: وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ [طه:130] آناء الليل: العتمة، من المغرب إلى قبل الفجر.

    الآناء: الوقت المعروف بعتمة الليل وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ [طه:130] أي: ساعات الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه:130].

    وفي هذا: أن آناء الليل صلاة المغرب وصلاة العشاء.

    وقوله: أطراف النهار: أي: صلاة الظهر؛ لأن طرف النهار أوله وآخره.. طرفان، فالظهر في طرفي النهار، نصف الوقت قبل الظهر ونصف بعده، فكانت الآية تحوي أوقات الصلوات الخمس، ويوجد غيرها من الآيات يدل على أوقات الصلوات الخمس، وهذه الآية ظاهرة.

    إذاً: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [طه:130] والمصلي يسبح: سبحان ربي العظيم ثلاثاً أو خمساً، أو سبعاً في كل ركعة، سبحان ربي الأعلى ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً في كل سجدة يسبح!

    وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130] صلاة الصبح وصلاة العصر؛ ولهذا صلاة الصبح وصلاة العصر لهما شأنهما، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: ( من صلى البردين دخل الجنة ).

    من صلى البردين. أي: صلاة الصبح؛ لأنها في البرد، وصلاة العصر في البرد آخر النهار ( من صلى البردين دخل الجنة ).

    وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ [طه:130] أي: ومن ساعات الليل فَسَبِّحْ [طه:130] كذلك، وهو المغرب والعشاء وَأَطْرَافَ النَّهَارِ [طه:130] الظهر لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه:130] بما يعطيك ربك، وما يعزك وما يكرمك؛ لتتهيأ لرضا الله عز وجل.

    هذا عزائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته، إذا ضاقت بك البلاد وأوذيت فاصبر واستعن على الصبر بالصلاة بالليل والنهار والذكر والتسبيح كما أرشد الله رسوله إلى ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ...)

    ثم قال تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه:131].

    نهى الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينظر في دنياهم.

    مر يوماً بإبل لبني المصطلق على مداركها، فلف عمامة هكذا ولم ينظر، تقنع ولم ينظر إليها امتثالاً لأمر الله: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [طه:131] ما تنظر إلى ما أعطاهم الله.

    والآن إذ شاهدت عمارة عالية لا تقف ولا تنظر، إذا شاهدت سيارة من سيارات أبو خمسمائة ألف غمض عينيك.

    اسلك مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا تمرض وتهلك، فالله أرشد الرسول لهذا حتى لا يعاني ولا يتعب من الآلام النفسية.

    ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به رجالاً منهم ونساء أيضاً زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا [طه:131] سميت هذه الزخارف زهرة؛ لأن الزهرة تذبل بسرعة وتفنى.

    هذه الأموال وهذه العجائب كلها زهرة، والزهرة تبقى ساعات وتيبس، زهرة الحياة الدنيا، فأقول لكم -وأنا أعمل بما أقول- إذا شاهدت عمارة ضخمة والله لا نتمناها ولا نرجو أن نعطاها، ولا نريدها، فاصرف هكذا، شاهدت سيارة قالوا: هذه بمائتين ألف، أو خمسمائة ألف كذا ما تنظر إليها، ما تلتفت إليها، زيدوا أشياء أخرى معي.

    قال: بستان.. حديقة.. مزرعة كذلك الو رأسك ولا تلتفت إليها، وسبح بحمد ربك، هذا إرشاد الله لرسوله والمؤمنين: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه:131] لنفتنهم في هذا الذي أعطيناهم، فالذين أوتوا منا الأموال مفتونون، فلا تعجب لذلك!

    كان عروة بن الزبير رضي الله عنه وخالته عائشة رضي الله عنها إذا شاهد من هذا النوع عند السلاطين والملوك والأغنياء يغمض عينيه ويبعد ويقول: الله أكبر! لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [طه:131] وبهذا يصبح إخواننا الأغنياء آمنين لا نحسدهم ولا نغبط حالهم، ولا نريد أن نكون منهم، أرحناهم وأرحنا أنفسنا، وليس كلما تمر بعمارة.. كل ترى سيارة تتمناها .. قلبك يحترق، لا لا لا! اسلك مسلك رسول الله الذي اختاره الله له، اسمع ما يقوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131] رزق ربك الذي يرزقك خير وأبقى من هذا، فهذا يفنى، وأما الدار الآخرة فلا تفنى، الجنة خير من الدنيا فالدنيا فانية، مات فلان.. انتهت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ...)

    ومن توجيهات الله لرسوله والمؤمنين، يقول تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] والأهل: الزوجة، والولد، والأقرباء، والرسول هذه الأمة كلها أهله: ( آل محمد كل تقي ).

    وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ [طه:132] فكان صلى الله عليه وسلم يقول لـفاطمة : صلي يا فاطمة ! يوقظها لصلاة الصبح، وكان عمر يدخل على أهله ويوقظهم وهو يتلو هذه الآية ويرددها: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] وإذا كانت الزوجة أو الولد لا يقوم فصب الماء على وجهه، وليس برميل ماء أو جالون بل رش عليه الماء، والله لسنة هذه.

    إذا ما استيقظ ناديته: إبراهيم ! اسمع قم صل فقال: ما أقدر، فخذ الماء ورش على وجهه يقوم؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ [طه:132] تحمل. الصبر ما هو هين، تكلف الصبر.

    لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا [طه:132] لا نطلب منك أن ترزقنا يا رسولنا! ولكن نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ [طه:132] العاقبة الحسنة، العاقبة في الدنيا وفي الآخرة لأهل التقوى، والله العظيم! العاقبة الحسنة في الدنيا والعاقبة الحسنة في الآخرة بالجنة لمن؟ لأهل التقوى.

    من هم أهل التقوى؟ بنو هاشم؟ بنو فلان؟ من هم؟

    المؤمنون بصدق، المتقون لربهم، الذين لا يخرجون عن طاعته إذا قال: قولوا قالوا، وإذا قال: اسكتوا سكتوا، كلوا أكلوا، اشربوا شربوا، لا تأكل لا تشرب، لا يأكل ولا يشرب!

    ومعنى هذا: أوامر الله في كتابه وعلى لسان رسوله يفعلونها بعشق وحب وقرب من الله، والمنهيات والمحرمات كذلك يبتعدون عنها ويتركونها بغضاً لها وطاعة لله عز وجل، هؤلاء هم أهل التقوى.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [طه:128] من هؤلاء؟ أهل مكة كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [طه:128] أي: من أهل القرون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ [طه:128] في طريقهم في الأسفار إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:128] سلوا الله أن يرزقنا عقولاً صحيحة سليمة معافاة؛ لأن العقل قوة باطنية تعقل صاحبها عن الوقوع في المهالك.

    وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [طه:129] يا رسولنا! لَكَانَ لِزَامًا [طه:129] وأصل الكلام: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان العذاب لزاماً، فيه تقديم وتأخير؛ لأجل هذا السجع؛ لأن مسمى، النهى كالسجع، وكله جمال فوق الكمال، والأصل: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان عذابهم لازماً لا محالة لكن قضى الله بعدمه.

    فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [طه:130] نصبر نحن أم لا نصبر؟ هذا يقول: دجال، هذا كاذب، هذا مفتري، هذا مبتدع، هذا كذا، وهابي، طحان كما يقولون.

    اصبر يا عبد الله! فقد صبر من هو أعظم منك، قالوا: ساحر، شاعر، كذاب، فتان.. إلى غير ذلك.

    فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130] وقتان هنا أم لا؟ الصبح والعصر.

    وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ [طه:130] أي: ساعات الليل فَسَبِّحْ [طه:130] المغرب والعشاء وَأَطْرَافَ النَّهَارِ [طه:130] الظهر. الصلوات الخمس وقيام الليل داخل في آناء الليل.. ساعات الليل، على الأقل صل أربع ركعات بعد صلاة العشاء وأوتر، فليس في ذلك كلفة، صل العشاء وأربع ركعات وأوتر كل ليلة، صل الشفع والوتر مجموعها: سبع ركعات، وتكون بذلك قد قمت الليل والحمد لله.

    وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه:131] والعياذ بالله! وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131] من متاعب الدنيا وضلالها.

    وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    الآن مع هداية الآيات فتأملوها ففيها العلم الواسع.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير مبدأ: العاقل من اعتبر بغيره ]. أول ما في الآيات من هداية: تقرير مبدأ: العاقل من اعتبر بغيره.

    العاقل الذي يعتبر بغيره، والذي يرى الناس يتخبطون في الفتن، دماء تسيل وما يعتبر ليس بعاقل أبداً.

    لماذا؟ لأن الله قال لهم: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ [طه:128].

    لم لا يتوبون قبل أن يهلكوا كما هلك الأولون؟

    العاقل منا من اعتبر بغيره! رأى شخصاً هلك في الأموال فيتخلى عنها!

    رأى شخصاً أصيب بالتخمة فلا يأكل كثيراً. وهكذا يعتبر بغيره.

    [ ثانياً: بيان فضيلة العقل وشرف صاحبه وانتفاعه به ].

    بيان فضيلة العقل وشرف صاحبه وانتفاعه به، فمن أكبر النعم: العقل، أكبر من السمع والبصر واللسان واليد والرجل، فالذي أعطاه الله عقلاً يجب أن يحمد الله تعالى على ذلك، ولينتفع بهذا العقل. أي: يعقل نفسه دون مساخط الله!

    إذا نفسه زينت له أن يترك واجباً أو فريضة يعقل نفسه ولا يفعل ذلك!

    دعته إلى أن يعصي بفعل محرم يعقل عقله ويثبته في مكانه ولا يفعل المعصية.

    [ ثالثاً: وجوب الصبر على دعوة الله والاستعانة على ذلك بالصلاة ].

    وجوب الصبر على دعوة الله، والاستعانة على ذلك بالصلاة.

    وجوب الصبر على ماذا؟ على دعوة الله وعلى عبادة الله مطلقاً، ومنها الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك والاستعانة بالصلاة، فالصلاة من أكبر المعينات للعبد، إذا أقامها طابت نفسه وطهرت، وبعد ذلك لا يرضى بالخبث ولا يقع فيه.

    [ رابعاً: بيان أوقات الصلوات الخمس والحصول على رضا النفس بثوابها ].

    بيان أوقات الصلوات الخمس في الآية كما قدمنا: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ [طه:130] أي: ساعة الليل فَسَبِّحْ [طه:130] صلاة المغرب والعشاء وقيام الليل.

    لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه:130] أي: تحصل على ما يرضيك من رضا الله عز وجل وإكرامه لك وإنعامه عليك، فيعطيك ما ترضى به: الجنة دار السلام.

    [ خامساً: وجوب عدم تعلق النفس بما عند أهل الكفر من مال ومتاع؛ لأنهم ممتحنون به ].

    وجوب عدم تعلق النفس بما عند أهل الكفر والفسق والفجور من مال ومتاع، وقد بينا لكم حتى العمارات، والسيارات، اصرف نفسك عن هذا. لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [طه:131] أي: رجالاً ونساء.

    [ سادساً: وجوب الرضا بما قسم الله للعبد من رزق؛ انتظاراً لرزق الآخرة الخالد الباقي ].

    وجوب رضا العبد بما قسم الله له من رزق قل أو كثر، ولينتظر ما أعده الله لأوليائه يوم القيامة أو بعد موتهم في دار السلام.

    [ سابعاً: وجوب الأمر بالصلاة بين الأهل والأولاد والمسلمين والصبر على ذلك ].

    وجوب الأمر بالصلاة في الأهل والمسلمين كما قدمنا وبخاصة الأسرة، زوجتك أولادك والدك أمك، إذا دخل وقت الصلاة يجب أن تأمر، صلوا.. وصلوا.. صلوا كما كان رسول الله وأصحابه يفعلون، أما أن تترك أولادك نائمين.. زوجتك أو أمك وتخرج تصلي وتعود وهم لا يصلون، فهذا لا يحل أبداً، أولاً: أيقظهم قوموا صلوا.

    قال المؤلف غفر الله له ولنا ولوالدينا أجمعين عند قول الله سبحانه وتعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] : [ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وجميع أمته تابعة له في ذلك، فكل مؤمن يجب عليه أن يقيم الصلاة، وأن يأمر أهله بذلك وأن يصبر. روي أنه لما نزلت هذه الآية كان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى بنته فاطمة كل صباح وقت الصلاة، وكان عمر رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية.

    وكان عروة بن الزبير إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [طه:131] ].

    الشيخ: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [طه:131] يعني: يتمثل بها، ولا تمدن عينيك. أنا قلت لكم: هذه العمارات الشاهقة وهذه السيارات الباهرة لا تمد عينك لها، أغمض عينيك، واصبر.

    [ ثامناً: فضل التقوى وكرامة أصحابها وفوزهم بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة ]. اللهم اجعلنا من أهل تقواك يا رب العالمين!

    [ تاسعاً: ] وأخيراً [ إقام الصلاة بين أفراد الأسرة المسلمة ييسر الله تعالى به أسباب الرزق وتوسعته عليهم ].

    إقام الصلاة في الأسرة والمحافظة عليها من أسباب تيسير الرزق وتسهيله، والله عز وجل يرزقهم.