إسلام ويب

تفسير سورة طه (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وعد الله عز وجل من آمن بالقرآن وعمل بما فيه ألا يضل في حياته، ولا يشقى في الآخرة، أما من أعرض عن القرآن فإنه يحشر يوم القيامة أعمى جزاء إعراضه وعدم نظره في القرآن، سواء كان نظراً على الحقيقة أو نظراً في آياته وأحكامه، ثم يترك في جهنم أبد الآباد كأنما نسي فيها، يتقلب في العذاب، ويقاسي صنوف الآلام، جزاء وفاقاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:123-127].

    اذكروا معاشر المستمعين والمستمعات ما علمناه بالأمس! عرفنا معرفة علمية يقينية أن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم وعلمنا كيف خلقه ونفخ فيه من روحه، وأصبح آدم الكريم على الله، أمر الملائكة أن تسجد له سجود تحية وإكرام وتعظيم، فسجد الملائكة كلهم وهم بالبلايين، وأبى إبليس أن يسجد، وعلمنا أنه لم يكن من الملائكة ولكن كان مع الملائكة يعبد الله معهم، واسمه: الحارث، ولما أبلس ويئس سماه الله إبليس. أبلسه أي: قطع الخير عنه فهو مبلس، كله شر.

    لما رفض إبليس السجود وعصى الله عز وجل وتكبر عن السجود وادعى أنه أفضل من آدم فكيف يسجد له وهو خير منه، وكان مرضه الكبر، واعلموا أنه جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح الخبر في رواية مسلم : ( إن الله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر )، وزن ذرة من كبر؛ لأن هذا القدر إذا كان موجوداً يحمله على عدم طاعة الله والسجود له.

    فلما أبلسه أخرجه من دار السلام الجنة، فانتقم عدو الله من آدم وحواء زوجه، وقد عرفتم أن حواء خلقها الله بكلمة التكوين من الضلع الأيسر من آدم عليه السلام، والله عز وجل وهو العليم الحكيم يدبر للخلق نهى آدم وحواء عن الأكل من شجرة معينة في الجنة، هذه الشجرة التي ظلها مسيرة مائة عام، قال تعالى: وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35].

    هذا قول الله تعالى: وَلا تَقْرَبَا يا آدم وحواء هذه الشجرة! فَتَكُونَا إذا قربتماها مِنَ الظَّالِمِينَ .

    إذاً: واتصل بهما إبليس من طريق الوسوسة إذ في صدورنا جهاز خاص يتلقى الوسواس من الشيطان، ولم ينجو من هذا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، محاه.. هذا الجهاز أبطله الله عز وجل.

    إذاً: فاتصل بهما وقال: هل أدلكما على شجرة الخلد من أكل منها لا يفنى أبداً، يبقى أبداً، شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120]، لا يفنى ولا يزول. فانغرت أمنا حواء فأكلت، فلما أكلت ما أصابها شيء قالت له: كل! فأكل آدم، فلما أكلا من الشجرة إذاً استوجبا النقمة فأخرجهما الله من الجنة واسمع الآية: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123]، أي: حواء وآدم، وإبليس، اهبطا آدم وحواء ، وإبليس طرد من قبل، جميعاً بعضكم لبعض عدو، ذرية آدم عدو للشيطان، وذرية الشيطان عدو لآدم وذريته، وتعرفون العدو لا يحب الخير أبداً لعدوه.

    لا تفهم أن عدواً من أعدائك يريد لك الكمال والله ما كان، ما دامت العداوة ثبتت فهو لا يريد لك الخير بحال من الأحوال، وعداوة الشيطان قررها الله وأثبتها في كتابه بعضكم لبعض عدو.

    حينئذٍ يقول تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ [طه:123]، الأصل فإن يأتكم مني هدى، يجيئكم مني هدى بطريق الكتاب والرسول، وهو تهتدون به إلى رضا الله عز وجل وطاعته وسعادة الدنيا والآخرة.

    إن جاءكم.. إن أتاكم هدى فاتبعوه ولا تتركوه حتى تسعدوا وتكملوا.

    فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ [طه:123]، هذا الذي بعثته وبينته بالكتاب والرسول فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، هذا وعد الرب.

    وخذوها أيها المؤمنون! من اتبع هدى الله المبين في الكتاب والسنة من العبادات وعلى رأسها العقيدة.. عقيدة التوحيد ثم طاعة الله والرسول فوالله ما يضل في هذه الحياة الدنيا ولا يشقى في الدار الآخرة بوعد الله الصادق.

    هكذا قال تعالى لآدم وحواء : اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه:123]، يعني: مع إبليس وذريته فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه:123]، إن يأتكم مني هدى، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123].

    عرفتم هدى الله؟ كتابه، بيان رسوله، عباداته المفروضة المبينة لنا ذلك الهدى عقيدة وقولاً وعملاً.

    الإسلام ثابت بكلمة هداية.. الإسلام هدى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123]، لا يضل في الحياة الدنيا فيفتتن ويتخبط في الضلال والباطل والخبث والشر والفساد، بل يمشي في طريق الهدى.. طريق الصفاء والطهر والكمال، وفي الآخرة لا يشقى أبداً بدخول النار.

    معنى قوله تعالى: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)

    وتأملوا هذا الخبر الإلهي! قال: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123].

    من اتبع منا هدى الله والله ما يضل أبداً ولا يصبح خرافي ولا ماجن ولا هابط ولا ساقط، فقط يتبع قال الله وقال رسوله.

    والذي ما يعرف قال الله وقال رسوله كيف يعرف الهدى؟ من أين له الهدى؟

    فلهذا يجب أن نعكف في بيوت الله ونتعلم هدى الله عز وجل، كما فعل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يجلسون ويجلس لهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.

    كيف تعلموا؟ هل تخرجوا من مدارس وكليات؟ ما عرفوها، تعلموا وهم لا يعرفون الكتاب ولا القراءة أبداً، ولكن حلق الذكر وجلوسهم فيها كما بشرنا الرسول: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله )، فيجب على المؤمنين والمؤمنات أن يجتمعوا في بيوت ربهم كل ليلة من بعد المغرب إلى العشاء طول العام.. طول الحياة، هذا نظام حياتنا، لكن العدو صرفنا وتركنا جهالاً نفسق ونفجر ونقول الباطل ونرتكب الشر والعياذ بالله.

    فكيف يأتي هدى الله؟ هل يأتيك فقط بكونك تقول: أنا مسلم؟

    والله ما يكفي لو تقولها مليون مرة!

    لا ننسى هذا الخبر العظيم فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123]، في الدار الآخرة، وحتى في الدنيا والله ما يشقى، لو يعمل من صلاة الصبح إلى صلاة العصر إلى قبل الشمس وهو يحمل الحطب والمسحاة وكذا ولسانه ذاكراً لله والله ما هو شقي، والله لسعيد!

    الشقاوة والسعادة في الروح.. في النفس وليست في اليدين والرجلين، وأهل الفسق والكفر والضلال لو ينعمون على مقاعد من الحرير فنفوسهم في كرب وهم وحزن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ...)

    ثم قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] دائماً نفسر أعرض: أعطاه العرض، عرضه. أي: ظهره، بدل ما تقبل تستدبر، أعطيته عرضك، أعرضت عنه.

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] الذي هو كتابه القرآن العظيم، إذ فيه ذكر الله، وبه يذكر الله، ومن ثم سماه ذكراً.

    وكيف أعرض عن القرآن؟ ما يقرأ، ما يسمع، ما يسأل، ما يستفهم، ما يبالي، هذا هو الإعراض، أما من يقرأ ويسأل كيف نقرأ، كيف نتعلم كذا؛ فما أعرض، أما الذي لا يقرأ ولا يسأل ولا يتعلم كذا فوالله معرض أعظم إعراض.

    القرآن نزل ليحمل الهدى للمؤمنين والمؤمنات، فلا بد من الاجتماع عليه، وقراءته وفهم معاني آياته، وتطبيق العمل به؛ حتى تكمل لنا السعادة في الدنيا والآخرة.

    أما أن نقرأ القرآن على الموتى من إندونيسيا شرقاً إلى المغرب غرباً أكثر من ستمائة سنة أو سبعمائة، والمسلمون لا يجتمعون على القرآن إلا ليلة الموت.

    إذا مررت ببيت وسمعت فيها قراءة القرآن فاعلم أن ميتاً خرج منه!

    أما أن يجتمعوا في بيوت ربهم، وفي بيوتهم وفيما ملكهم الله على آية أو آيتين، يقرأ آية، يقرءون ويتدارسون فهيهات هيهات، لا وجود لهذا.

    وقد علمتم -ولا تنسوا تلك القاعدة التي وضعوها لهم- أنهم قالوا: تفسير القرآن الكريم صوابه خطأ، إذا فسرت وأصبت فأنت مخطئ، إذ لا حق لك في تفسير كلام الله، وإن فسر وأخطأ كفر.

    كمموهم، ألجموهم، ما يتكلم أحد، لا يقول: قال الله أبداً، بل قال سيدي فلان، قال الشيخ، قال كذا، أما قال الله لا لا أبداً.

    من فعل بنا هذا؟ العدو. من هو العدو؟ الثالوث الأسود: المجوس، اليهود، النصارى.

    ، هيا نعرف هذه الحقيقة، ما زلنا سكارى، الآن نلبس أولادنا البرانيط في المسجد؛ لنكون كاليهود والنصارى ونتبجح.

    ملأنا بيوتنا بالخبث.. عاهرة تغني في بيتك والرجل جالس مع امرأته وأمه. أعوذ بالله!

    أيحدث هذا للمؤمن؟ لا يجوز أن تنظر إلى وجهها، فكيف تغني وترقص وأنت تشاهد في بيتك البيت الذي يذكر فيها الله!

    نجري وراءهم حتى نمسخ، وما أفقنا ولا انتبهنا ولا عرفنا أبداً!

    ولا تقولوا: ما للشيخ! أتكلم باسم الله وعلى علم من الله، وأقول: أتحدى من يقول: أنا أستفيد من هذا الصحن الهوائي، أو هذا الدش وهو غير التلفاز؛ ليبين لنا ماذا يستفيد! والله ولا ريال واحد! ولا ريال واحد ولا حسنة، بل أطنان السيئات.

    ماذا يستفيد؟ فقط لنكون كالنصارى متحضرين متمدنين، اليهود والنصارى في جهنم في كرب وهم وغم، يأكلون ويشربون وينكحون، والله إنهم لفي حزن، ويبحثون كيف ينفسون على أنفسهم بالعهر والباطل والمجون، وأنت قلبك مملوء بذكر الله ونوره، وإن كنت جائعاً وإن كنت عارياً، فكيف تحتاج إلى ما تلهو به وتلعب لتخفف على نفسك؟!

    وهل يخففون عن أنفسهم أصحاب التلفاز وهذه الأشياء؟ والله ما يخففون، والله ما يزدادون إلا هماً وكرباً.

    ومن أراد أن يتحداني فليقف ويقول: والله يا شيخ! من ساعة ما نستمع للتلفاز وأنا مع الله في ذكره أبكي أبكي خاشعاً. هاتوا! مستحيل!

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] كتاب الله القرآن العظيم ذي الذكر العظيم، ما إن تقرأ آية إلا ذكرت الله، ما إن تسمع آية إلا ذكرت الله.

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] ما جزاؤه؟ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] معيشة ضنك، والضنك: الضيق والشدة.

    ذكر ابن جرير أنه قد يوجد فيما يظهر لنا كافر غني وفي عيشة واسعة، لكن تعرفوا إلى حقيقة أمره، والله لفي ضيق!

    فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] وكذلك هذا يتم له في القبر.

    القبر فيه حياة أو لا؟ برزخية، فيه حياة سعادة وحياة شقاء أم لا؟ فوالله ليعيشون في شقاء إلى يوم القيامة وضيق ما نتصوره ولا ندركه، من عذاب أليم دائم متصل إلى يوم القيامة.. هذا في الدنيا والبرزخ.

    وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] يحشرون بأعينهم في أماكن وبدون أعين في أماكن، عمي صم بكم في جهنم، أعمى لا يبصر شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً)

    واسمع ما يقول: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا [طه:125].

    قَالَ رَبِّ [طه:125] يا رب! لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا [طه:125] والله لكذب، لو كان بصيراً حقيقة ما عبد غير الله، ولا ترك عبادة الله. هو يعني بصير: يبصر ويطالع الهواء والكواكب والنجوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)

    بما أجابه الرب تعالى؟ قال الله تعالى له: قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126] هكذا.. كهذا أَتَتْكَ آيَاتُنَا [طه:126] يحملها رسولنا في كتبنا ووحينا فَنَسِيتَهَا [طه:126] أي: تركتها وأعرضت عنها، ولم تلتفت إليها، لا بالإيمان بها، ولا بقراءتها والعمل بها، ولكن إعراض كامل ونسيان تام.

    هكذا أتتك آياتنا فنسيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126] تترك في عالم الشقاء.

    معاشر المستمعين والمستمعات! تعرفون عالم الشقاء كما تعرفون عالم السعادة، الجنة دار السلام.. عالم السعادة فوق، بعد سبع طباق، سماء فوق سماء، ثم السماء، سمك السماء كم؟ خمسمائة عام للطائر يطير، هذا غلظها، ما بين السماء والسماء مسافة خمسمائة عام، سبعة آلاف وخمسمائة سنة حتى تصل إلى الجنة! وبعد ذلك عالم لا نهاية له.

    وعالم الشقاء أسفل! أغمض عينيك وضع رأسك بين ركبتيك وفكر، اهبط، اهبط، اهبط، اهبط، مائة عام مائتين، إلى أين وأنت هابط؟ والله ما هي إلا الجحيم، قال تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين:1-6].

    إذاً: يقول تعالى: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا [طه:126] جاءتك آيات الله، بل العالم البشري كله أبيضه وأصفره جاءتهم آيات الله، أنزلها الله على مصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم، وحملها رجاله وأصحابه، وبلغوا بها أقصى الشرق والغرب، ويأبى الناس إلا أن يعرضوا، ويا ليتهم أعرضوا فقط، بل يعملون على إنهاء الإسلام والقضاء عليه! لا يريدون أن يسعد غيرهم، وخاصة علماؤهم فهم يعرفون فيقولون: لم ندخل النار وهم لا يدخلون؟!

    فلهذا ينشرون في ديار المسلمين الخبث بأنواعه العجب، وصنوف الباطل والشر.

    من أجل ماذا؟ كي لا يسعدوا، ولا تعجب! عرفت عدوك إبليس أم لا؟ يعمل الليل والنهار على إفساد بني آدم. يقول: كيف يصلحون؟ كيف يسعدون وأنا أشقى؟!

    الكافرون العالمون هذا وضعهم من اليهود والنصارى وغيرهم، لم يبق الإسلام ويبق المسلمون؟ لم يسعدون ونحن نشقى؟!

    هيا نعصيهم، لا نستطيع، والله نستطيع. ماذا نفعل؟ والله لا أقف أمام بنك ربوي. صعب هذا ؟ ما وقفنا، والله ما يدخل بيتي تلفاز ولا شاشة. أفي هذا صعوبة ؟ لا.

    ثالثاً: لا نجلس مجالس الباطل، ولا مجالس اللهو، ولكن نجلس مجالس الذكر وطاعة الله عز وجل، نصمت ولا ننطق إلا بالهدى، ننظر ولا ننظر إلا إلى ما فيه خير وبركة، نأكل ما أذن الله في أكله، ونتخلى عما نهى الله عن أكله، وكالأكل الشرب واللباس.. إلى غير ذلك.

    قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا [طه:126] ما معنى نسيتها؟ تركها، ما حفظها بل تركها، وتركها بمعنى: نسيها تركها تركاً وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126]: أي: تترك في جهنم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ...)

    ثم قال تعالى: وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ [طه:127] الإسراف: تقول: فلان مسرف، أسرف.

    الإسراف: كثرة الأكل، كثرة الشرب، كثرة النكاح، كثرة القول، المجاوزة للحد.

    ولكن المقصود هنا: أسرف في معاصي الله عز وجل، ما زنا في عمره مرة ولا شرب الخمر مرة، ولا خمساً، ولا كذب مرة، مسرف في الباطل والشر والفساد، تجاوز الحد!

    وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ [طه:127] شرائع وأحكام تحملها الآيات، القصص والأخبار، وصف الجنة ووصف النار، في هذه الآيات أعرض عنها، أسرف في تركها ولم يؤمن بها.

    وأخيراً: وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:127] أشد وأبقى: أدوم، لا ينتهي مثل عذاب القبر، وعذاب القبر أخف من عذاب النار، وشقاء الدنيا مهما كان فهو أخف من شقاء الآخرة، ولعذاب الآخرة والله لأشد وأبقى، وأدوم.

    والله نسأل أن يعيذنا وإياكم والمؤمنين والمؤمنات من عذاب الدار الآخرة، ومن عذاب القبر ومن ضيق الحياة الدنيا، وأن يوفقنا لطاعته، ويقودنا إلى رضاه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عداوة الشيطان للإنسان ] تقرير عداوة الشيطان للإنسان. هل بقي مؤمن سمع القرآن وعرف ولا يفهم أن الشيطان عدو للإنسان؟

    كيف تطيعون عدوكم؟ أيعقل هذا؟ تعرف عدوك ويقول لك تعال وتمشي وراءه؟!

    أسألكم بالله! هذا عدوي والسكين في يده يقول: تعال، ليذبحك وتمشي وراءه؟ لا تمشي.

    هذا عدوك قدم لك السم في كأس هل تستجيب له وتشرب؟ إذاً: ما دام عدونا فلن نستجيب له، لن نجيب دعوته، لن نمشي وراءه، بل نلعنه ونعرض عنه.

    [ ثانياً: عدة الله تعالى لمن آمن بالقرآن وعمل بما فيه ألا يضل في حياته ولا يشقى في آخرته ]. هذه عدة الله، هذا وعد الله عز وجل، والله لا يخلف وعده، وعد من آمن بالقرآن وعمل بما فيه بألا يضل في هذه الدنيا أبداً، ولا يخطئ طريق الصواب، ولا يخرج عن الحق بحال من الأحوال، ولا يشقى لا في البرزخ ولا في الدنيا ولا في الآخرة، نعم.

    [ ثالثاً: بين جزاء من أعرض عن القرآن في الدنيا والآخرة ].

    كيف يكون الإعراض عن القرآن؟ لا يسمعه، لا يستمع لأحد يقرؤه، لا يقول: عملني، لا يقرأ. هذا هو الإعراض.

    فلهذا أقول: إن أردنا أن نعود العودة الحقة فعلى المؤمنين في مساجد ربهم في بيوتهم، في القرى في الجبال في التلال، في بلاد الكفر، في بلاد الإيمان أن يلتزموا بهذا المبدأ الرباني أسوة برسول الله وأصحابه، إذا صلوا المغرب جلسوا جلوسنا هذا يتعلمون القرآن.

    والله لا طريق للنجاة إلا هذا، إذا اجتمع أهل القرية أربعين يوماً فقط بنسائهم وأطفالهم على كتاب الله لا يبقى فيهم من يفجر أو يفسق أو يظلم أو يعتدي، فكيف إذا جلسوا عاماً؟ فكيف إذا كان هذا دأبهم طول حياة؟

    لا يبقى فيهم خبث وشر وفساد وكفر، والله ما كان! وإذا لم يبق ظلم ولا خبث ولا فساد هل يحكمهم جاهل وكافر؟ والله ما كان، لن يكون حاكمهم إلا مؤمناً ربانياً، لكن عرف العدو هذا وما عرفناه نحن.

    مداخلة: [ رابعاً: ] وأخيراً [ التنديد بالإسراف في الذنوب والمعاصي مع الكفر بآيات الله، وبيان جزاء ذلك ].

    التنديد، ندد بالشيء يندد إذا قبحه وشدد فيه.

    التنديد بماذا؟ بالإسراف، فيجب ألا نسرف يا أبناء الإسلام! لا في أكلنا ولا شربنا، ولا كلامنا، ولا مشينا، حتى إذا تمشي لا تسرف، امش على قدر حاجتك، ولا في لباسنا ولا ولا..، فضلاً على أن نسرف في معاصي الله عز وجل، فلا نقرب معصية الله.