إسلام ويب

تفسير سورة طه (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله عز وجل آدم من طين، ونفخ فيه من روحه، حتى إذا ما تكامل خلقه واستوى أمر ملائكته المقربين بالسجود له، فسجد الملائكة كلهم إلا إبليس غلبه الكبر والحسد فلم يطع أمر ربه ولم يسجد لخيرة خلقه، فكان نصيب آدم أن يدخل الجنة مكرماً، وكان نصيب إبليس أن يستحق لعنة ربه ويطرد من رحمته، وبذلك قام العداء بين إبليس وبين آدم وذريته إلى يوم الدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:116-122].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هيا بنا نقضي ساعة أو ما يقارب الساعة في الملكوت الأعلى!

    كيف نصل إلى ذلك لولا فضل الله عز وجل؟

    كيف نسمع هذا الكلام ونعرفه وبيننا وبينه آلاف السنين؟!

    هذا فضل الله علينا المتجلي في الكتاب القرآن الكريم والنبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، وبعبارة أقرب: هذا الهدى سببه الإسلام الدين الحق الذي أعرضت عنه البشرية ويا ويلها.

    يقول الله عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [طه:116]، تقدم في الآيات قبل هذه قول الله: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:115]، فتاقت النفوس إلى معرفة هذه الامتحانات والاختبارات، فأفادنا الله بها مفصلة مبينة فقال عز من قائل: وَإِذْ قُلْنَا [طه:116]، أي: واذكر يا رسولنا، واذكروا أنتم أيها المؤمنون والمسلمون، اذكروا إذ قال الله: لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [طه:116]، الملائكة: جمع ملك، خلقهم الله من نور، مادة خلقهم التي تكونت منها ذواتهم هي النور، وتشاهدون نور القمر وضوء الشمس ونور الكهرباء فتعرفون النور معرفة يقينية.

    وخلق آدم من طين فكان أصل البشرية وأصل خلقتها الطين المعروف المعلوم عندنا بالضرورة.

    وخلق الجان من نار، من نار السموم، من شواظ من نار.

    فهؤلاء المخلوقات ثلاثة عوالم، عالم النور الملائكة، عالم الطين الآدميون، عالم النار الجن.

    يقول ربنا تعالى: وَإِذْ قُلْنَا [طه:116]، أي: اذكروا لما قلنا للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [طه:116].

    لما خلق الله تعالى آدم تركه أربعين سنة وهو صورة من الطين: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]، إي نعم، بعد ذلك نفخ فيه من روحه عز وجل فانتعش وحيي، وجلس قبل أن يجلس واستعجل فكان الإنسان عجولاً، وعطس فقال: الحمد لله، فألهمه الله ذلك.

    آدم علمه الله الأسماء كلها وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31]، أسماء المخلوقات، فعلمها، وعرض الله الأسماء على الملائكة فما استطاعوا.

    إذاً: فمن هنا شرف آدم وفضل وكمل وساد فأمرهم إذاً بالتحية له وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [طه:116]، وهذا يدل على فضيلة أهل العلم جعلنا الله وإياكم منهم.

    فضيلة آدم أن خلقه الله بيديه الكريمتين ونفخ فيه من روحه، وهذا كمال عظيم، وأضف إلى ذلك العلم، إذ عرض الله أسماء المخلوقات كلها عرضاً فحفظها وعرفها، وعرضها على الملائكة فعجزوا قالوا: سبحانك! قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة:33]، فأنبئهم بها.

    إذاً: شرف فمن هنا استحق أن تسجد له الملائكة، فأمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم.

    ولطيفة: اعلموا يا أبنائي وإخوتي أني والله لست بعالم وإنما متعلم مثلكم، فلهذا من أراد أن يصافحني فليصافحني أما تقبيل رأسي والله فما أنا براض عنها، والله ما أنا بأهل لذلك، وقد بينت لكم غير ما مرة، فإخواننا يقبلون رأسي، وهذا يجوز.. لا ينبغي، تكفي المصافحة.

    وإن أردت وقلت هذا شيخ من أهل العلم أتبرك بمصافحته فلا بأس، أما تقبيل الرأس فلا نسمح بهذا ولا يجوز لي، إن شاء نأخذ بهذا العهد من الليلة، كل من أراد أن يقبل نقول: لا لا يا فلان صافح يكفي.

    إذاً: آدم عليه السلام لما شرف وفضل بالعلم قال الله للملائكة: اسجدوا له، سجود تحية وإجلال وإكبار لا سجود عبادة وذلة ومسكنة، وهذا السجود.. سجود الملائكة لآدم نظيره سجودنا نحن في صلاتنا ركعتين خلف مقام إبراهيم، من طاف بالبيت سبعة أشواط ينبغي أن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم إلا إذا تعذر، ما قدر وإلا لا بد وأن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم.

    الصلاة لمن؟ لله عز وجل، والمقام استفاد تشريفاً له وتعظيماً أن سجد الناس بين يديه، وفاز بهذا المقام لما علمتم أنه كان معولاً.. آلة لإكمال البيت في بنائه، المقام حجر كان إبراهيم عليه السلام يعلو فوقه ويواصل بناء البيت وإسماعيل يناوله الحجارة والطين، فعرف الله لهذا الحجر شرفه فجعل الصلاة التي هي أفضل عبادة تقع عنده.

    ومن هنا ينبغي أن نعترف لأهل الفضل بالفضل.. هذا مبدأ حياتنا، فالله اعترف للمقام بفضله وجعل الصلاة وراءه من أجل أنه قدم خدمة لله تعالى، إذ إبراهيم لا يستطيع أن يبني البيت من أعلاه، فلا بد أن يعلو على حجر، وهذا المقام جاء به إسماعيل من جبل أبي قبيس. والشاهد عندنا في سجود الملائكة لآدم سجود تحية وتشريف وتعظيم.

    وإبليس عليه لعنة الله سمى نفسه بالحارث فلهذا لما حملت حواء جاء فقال لها: إذا ولدتي فسميه عبد الحارث يعيش، وهي لا تعرف الحارث من هو، فقالت عبد الحارث، فنهاهم الله تعالى عن ذلك بقوله: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف:190].

    الشاهد عندنا: جاء العدو الحارث إبليس إلى حواء وقال لها: إن أردتي عبداً صالحاً فسميه عبد الحارث، فأصبح هو كالإله، والولد عبده، فلهذا لا يصح أن يسمي إلا عبد الله عبد الرحمن، أما عبد زيد، عبد عثمان، عبد الرسول فلا يصح أبداً، إذ العبودية الحقة لله تعالى.

    وهنا إبليس أبى أن يسجد بسبب الكبر الذي في نفسه، وإبليس أبلسه الله بمعنى: أيئسه من الخير ومسح الخير منه، وهو أبو الجان وكان مع الملائكة في السماء يعبد الله.

    كان إبليس أو الحارث أبو الجان يعبد الله مع الملائكة في الملكوت الأعلى، فلما شرف الله آدم وفضله عنه وقال لملائكته اسجدوا، تكبر وقال: كيف أسجد أنا خلقتني من نار وهو خلقته من طين؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى)

    ثم قال تعالى: فَقُلْنَا يَا آدَمُ [طه:117] من القائل؟ الله عز وجل.

    فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا [طه:117]، يشير إلى من؟ إلى إبليس إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [طه:117]. من هي زوجه؟ حواء ، حواء بنت من هذه؟ من أمها؟ من أبوها؟

    هذه خلقها الله من ضلع آدم الأيسر بكلمة كوني فكانت، فلهذا يا أهل العلم نقول: هناك من لا أب ولا أم لهم في الخلق وهم: آدم والله لا أب له ولا أم. وهناك من له أب ولا أم له حواء، وهناك من له أم ولا أب له ألا وهو عيسى روح الله.

    إذاً: فَقُلْنَا يَا آدَمُ [طه:117]، تشريف عظيم! الله ينادي آدم. وأنتم شرفكم، وقلنا لكم: الآن يذكركم في الملكوت الأعلى، فقولوا: الحمد لله!

    يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ [طه:117]، والزوجة والزوج بمعنى واحد لكن الغالب أنا نقول: الزوج للذكر، والزوجة للأنثى، ويصح الزوج وكلهما يقال له زوج، إذا تزوجت أصبح لك زوج وأصبحت أنت زوج، والمراد بها: حواء.

    فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ [طه:117]. ما الجنة يرحمكم الله؟ دار السلام، دار الأبرار، دار المتقين.

    صفوها لنا! كتاب الله يكفينا، وصفها بأعظم صفاتها وسبق أن ارتادها رائد لم تعرف البشرية رائداً مثله قط ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ومن ثم عرج به إلى الملكوت الأعلى فتجاوز السبع السموات وانتهى إلى جنة عدن إلى سدرة المنتهى وتجاوزها وناده ربه وكلمه كفاحاً وفرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس.

    لما ارتاد بعض الأمريكان أو الروس القمر صفقت الدنيا وخاصة إذاعات العرب، ونحن نقول: يا جماعة اتقوا الله لا تتمدحوا بأمجاد غيركم!

    لو كنتم عقلاء لا تتمدحون بأمجادهم! وأخذوا يتخبطون، لا إله إلا الله، وشاء الله أن يكذبهم الطائر نفسه والمرتاد قال: والله كذبة ما طلعنا القمر ولا رأيناه!

    ونحن قلنا: محمداً ارتاد الملكوت الأعلى الجنة فلم لا تؤمنون؟ لم لا تجلون؟ لم لا تعظمون؟

    لم هذا الكافر المشرك قلتم: طلع القمر؟!

    فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ [طه:117]، دار السلام، وسميت جنة؛ لاجتنان الأشجار وتغطية كل من دخل فيها، أشجار الكرنب أشجار العنب أشجار النخل أشجار.. قل ما شئت.

    وقوله: فَتَشْقَى [طه:117]، نعم إذا خرج من الجنة لا بد وأن ينزل إلى الأرض، لا بد وأن يحرث، لا بد وأن يحطب، لا بد وأن يزرع، لا بد وأن يطحن حتى يأكل، وهذا الشقى بعينه.

    لكن لو بقي في الجنة لا يشقى، لا يحرث ولا يزرع ولا يحصد ولا يطبخ، كل شيء موجود، فقط اشتهي شيء فيحضر، فيقول: الحمد لله، يقول سبحان الله ويحضر؛ لأن نعيم الجنة عرفناه في ثلاث كلمات، إذا أنت اشتهيت ورغبت في أكل.. في شرب كما بدا لك فقل سبحانك اللهم، وإذا أكلت وشبعت فلا تقول: يا خدم! خذوا أبعدوا عني هذه الصحاف! لا لا بل قل فقط: الحمد لله رب العالمين! للآية الكريمة: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10].

    دَعْوَاهُمْ فِيهَا [يونس:10]، أي: طلبهم فيها، ما يأكلون ويشربون ويلبسون؟ما هو؟

    سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [يونس:10]، يحضر كلما طلبوا وأرادوا وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا [يونس:10]، ما هي؟ سَلامٌ [يونس:10].

    وآخر دعواهم أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]، أبشروا يا أهل التوحيد!

    عرفتم لماذا يشقى؟ لو هبط من الجنة كيف يشقى؟ كيف يحصل على طعامه؟ يحرث ويزرع ويحصد ويتاجر ويتقلب في الدنيا حتى يأكل كما تشاهدون أنفسكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى)

    ثم قال تعالى له: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى [طه:118]، إن لك يا آدم! أن لا تجوع في الجنة أبداً ولا تعرى.

    أهل الجنة يعرون؟ لا يعرون. من ينزع ثيابهم؟ في الجنة لا يجوع ساكنها ولا يعرى، والعري معروف الجسم بدون غطاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى)

    وَأَنَّكَ [طه:119]، أيضاً، لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى [طه:119]، ( لا تظمأ ): لا تعطش، الظمأ: شدة العطش.

    وَلا تَضْحَى [طه:119]، لا تخرج أبداً في القيلولة وشدة الضحى أبداً، ما فيها شمس تحرق.

    تعرفون الضحى؟ من الساعة الحادية عشرة وما فوق. كيف الحال؟ في الجنة ليس فيه هذا أبداً.

    وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى [طه:119]، أي: لا تجد نفسك في حر الشمس في وقت الضحى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)

    قال تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ [طه:120]، هذا بعد أن طرد من الجنة وأبلس وأخرج.

    فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ [طه:120]، ارتبك الناس فقالوا: كيف ذلك وهو خارج الجنة؟

    قال بعضهم: رجع في حية، بعضهم: رجع في كذا، يتخبطون ولهم الحق، ما عرفوا، أما الآن فنحن لسنا في نزاع أبداً، الجوال في جيبك المرأة تتلكم وهو في الصين. ما عندكم هذا؟ الجوال في جيب المرأة وإن كنا نهينا المرأة أن تفعل هذا. يعني: في جيب الرجل في المدينة يتكلم مع آخر في أمريكا.

    إذاً: فمن هنا لا عجب أن يتصل إبليس بآدم، الاتصال موجود بالقلب والقلب والروح، ولهذا سماه وسوسة، صوت خفي.

    ماذا قال له؟ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120]، كنصيحة عجيبة هذه يقدمها!

    تسمح لي أدلك وأرشدك وأبين لك شجرة الخلد إذا أكلت منها لن تموت وتخلد أبداً، وملك لا يفنى ولا يزول.

    بمعنى: إذا أكلت من هذه الشجرة تبقى في الجنة، والجنة لا تفنى ولا تبيد ولا تزول، وأنت الآن في نعيم عظيم يا آدم تخاف أن ل عنك هذا النعيم، فأنا أدلك على شجرة إذا أكلت منها شيئاً تخلد ولا تبلى.

    هذه خدعة؛ لأنه كان سبب طرده فهو يريد أن ينتقم، إبليس طرد من الجنة وأبلس من الخير كله بسبب آدم، وإن كان سبب طرده كبره -والعياذ بالله- فأراد أن ينتقم من آدم وذريته وهو الآن يسوق بني آدم بالبلايين إلى جهنم، كل بائع للربا والزنا والقمار والفجور والكذب والخيانة كلها أصابع إبليس وهي التي تبني وتضع وتقدم حتى يهلك البشر كلهم.

    إلى الآن كل من لم يصل والله لإبليس الذي جعله لا يصلي!

    كل من يشرب المحرمات والله لإبليس هو الذي زينها له.

    لماذا؟ قال: كيف أدخل النار وآدم يدخل الجنة وذريته؟ إذاً لأعملن على إفسادهم.

    أما قاسم الله وحلف بين يديه: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40]؟ اللهم اجعلنا منهم.

    قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] أي: لا يزول ولا يفنى. قال: طبعاً دلني، استجاب؛ لضعفه؛ لأنه بشر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ...)

    إذاً: فَأَكَلا مِنْهَا [طه:121]، أول من بدأ بالأكل حواء ، وإلى الآن المرأة هي التي تغرر بالزوج.

    هي التي أكلت أولاً وقالت: ما أصابني شيء كل أنت، فأكل آدم.

    إذاً: على الفور بدت لهما سوآتهما، ذاك اللباس الحرير ذاك النور، كانوا يعيشون في نور لا يرى منهم شيء أبداً أنوار كاملة، فلما أكلا من الشجرة التي حرمها الله عليهما وحذرهما منهما فقال وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف:19]، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [طه:121]، أي: عورتهما. والسوءة: العورة، ما يستاء الإنسان لرؤيتها، انكشفت عورتهما.

    قال تعالى: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [طه:121]، الجنة أشجار كلها فكيف لا يكون فيها ورق؟ كيف يبسطان الورق على فرجيهما.. على بدنهما؟ يبسطان الورق بأي واسطة حتى يسهل عليه، ما استطاع أن ينظر إلى امرأته أو تنظر إليه، استحيا ولهذا الحياء من الإيمان، والحياء في الحقيقة فطري عند أهل الفطرة السليمة.

    ما إن بدت سوآتهما حتى أخذا يخصفان عليها من ورق الجنة، قال تعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121]، غوى: فسد، أكل من الشجرة التي نهاه الله أن يأكل منها فغوى.

    وهكذا كل من يعصي الله فيما حرمه عليه فقد غوى، الأكل من الشجرة هذه معصية واحدة، وبالتضليل، ومع هذا قال تعالى: فَغَوَى [طه:121]، فسد بأكله من الشجرة.

    إذاً: لا ينبغي له القيام في الجنة اهبط، لست بأهل الآن لها، وهكذا يكون أحدنا من أولياء الله وصالح عباده فلما يفجر ويفسق ويستمر على الفجور يخرج من دائرة الإيمان والصالحين وأولياء الله ويصبح من أولياء الشيطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى)

    قال تعالى: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ [طه:122]، أي: اختاره واصطفاه فَتَابَ عَلَيْهِ [طه:122]، أولاً ثم هدى.

    كم ذنباً أذنبه آدم؟ ذنباً واحداً، والله ذنباً واحداً.

    ونحن كم ذنباً أذنبنا؟ لله يعلم فكم من ذنوب، ومع هذا يجب أن لا نذنب وكل من أذنب يجب أن يتوب ويتوب الله عليه، فالتوبة تجب على الفور لا تأخرها ساعة ولا نصف ساعة، إذا زلت القدم وسقطت في الذنب فبادر بالتوبة: أستغفر الله وأتوب إليه، وابك وتضرع بين يدي الله يتوب الله عليك ويهديك كما تاب على آدم وهداه.

    ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:122] فآدم نبي الأنبياء.. سيد الأنبياء عليهم السلام.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    هذه الآيات فتأملوها! وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:116-117].

    لطيفة: لما ما قال فتشقيان؟ قالت العلماء: لأن مئونة الزوجة على الزوج، هو الذي يحرث ويزرع ويبيع ويشتري وهي تأكل. ما قال فتشقيان، بل قال: فتشقى أنت.

    الآن اشتغلت وأصبح الزوج مسكيناً في بيته، والله بعض الأزواج ذلوا وهانوا وخاصة موظفة بدرجة عالية وبناتها يخدمنها وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم: ( وتلد الأمة ربتها ).

    لم نقول هذا؟ أقوله وقلناه من خمسين أربعين سنة: لا ينبغي أن نعلم بناتنا تعليم وظائف، بناتنا يتعلمن في الابتدائي ست سنين فإذا عرفن الله ورسوله وعرفن ما يحب الله ورسوله وعرفن كيف يعبدن الله، وكيف يؤدين الواجبات مع أولادهن.. مع آبائهن.. مع أمهاتهن.. مع أزواجهن فيكفي، وما زاد على الابتدائي خطأ محض، وقد قلنا هذا وكتبناه يوم ما بدأت جريدة البلاد والمدينة، البنت السعودية تعيش في ديجورة من الظلام لم ما نفتح لها مدارس ابتدائية وفتحوها فكتبنا رسالة موجودة إلى الآن من خمسة وأربعين سنة تقريباً وقلت: والله لئن فتحت الابتدائيات ليطالبون بالثانويات والله إذا فتحت الثانويات ليطالبونا بالجامعة، وإن فتحت الجامعة والله ليطالبون بالوظيفة، وتم هذا كله

    والحمد لله وما زلت ما مت، كل هذا تم، وسوف يندمون، قلنا لهم: بنتك من فاطمة الزهراء جدتها إلى أمها كم جدة خمسمائة سنة ما توظفت واحدة مع رجال ولا أخذت وظيفة، وهذه فقط تقول الآن: مستقبلي يا بابا!

    إن شاء الله والحمد لله تسع بنات والله ما أخذت واحدة أكثر من الابتدائية، أقسم بالله.

    هل أصابهن شيء؟ من الآن إن شاء الله بناتك احفظهن في البيت، في الابتدائي لا بأس أن يتعلمن القراءة والكتابة ويتعلمن الوضوء والصلاة كما هو معروف وتبقى في البيت مع أمها تساعدها على عملها، أما ترقيها وتوظفها فقد ذهبت بكل نورها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير النبوة المحمدية ]. والله إن محمداً لرسول الله، والله إنه لرسول الله. فهذا الكلام كلام من؟ كلام الله. على من نزل؟ على محمد. إذاً: فمحمد رسول الله

    مداخلة: [تقرير النبوة المحمدية وذلك بذكر مثل هذا القصص الذي لا يعلم إلاّ بالوحي الإلهي ].

    [ ثانياً: تقرير عداوة إبليس لبني آدم ]. هو كان عدو لآدم أولاً ثم أصبح عدواً لذرية آدم، عدواً لك ولزوجك ولذريتك.

    إذا كان لك عدو من الناس فاسألك بالله أن تطيعه فيما يأمرك وينهاك والله ما تطيع، تخاف أن يدلك على الباطل.

    إذاً: فكل من زين له الشيطان معصية يجب أن لا يطيعه بل يلعنه ويرفضه ولا يقبل دعوته.

    [ ثالثاً: بيان أن الجنة لا نصب فيها ولا تعب وإنما ذلك في الأرض ]. نعم. الجنة ما فيها نصب ولا تعب وإنما هذا في الأرض النصب والتعب.

    [ رابعاً: التحذير من أخطار الاستجابة لوسوسة إبليس فإنها تُرْدى صاحبها ]. إياك يا عبد الله أن تستجيب له فإنه يرديك ويهلكك، كلما وسوس لك باطل انفخ عن يسارك وانفث ثلاث مرات وقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم تخلص على الفور.

    [ خامساً: ضعف المرأة وقلة عزمها فقد أكلت قبل آدم فسهلت عليه المعصية ].

    ضعف المرأة وعجزها معلوم، فهي التي أكلت قبل آدم فأوقعته في الإثم.

    المرأة ضعيفة فلهذا لا يعول عليها، لا يسند إليها مهمة أبداً، لا في البيت ولا في السوق ولا في ... والآن جعلوها قاضية وموظفة ورئيسة و.. و.. لأنهم ما آمنوا بالله ولا بكتابه ولا عرفوا الله ولا رسوله.

    [ سادساً: كون المرأة تابعة للرجل وليس لها أن تستقل بحال من الأحوال ] . المرأة تابعة للرجل ولا تستقل أبداً عنه بحال من الأحوال، إن كانت تحت زوج فتحت زوج، تحت أب تحت أب، تحت إخوة تحت إخوة، وهم يعملون وهي تحتهم لا تستقل في حياتها.

    [ سابعاً: حرمة كشف العورات ووجوب سترها ]. ما هي العورات يرحمكم الله؟

    العورة بالنسبة للفحل الرجل عورته عورتان مغلظة ومخففة، المغلظة: السوءتان: الفرج، القبل والدبر، والمخففة: ما بين الركبة والسرة، فيجب على المؤمن أن يستر جسمه ما بين سرته وركبتيه. هذه عورة الرجل.

    وأما المرأة فعورتها كل ما فيها ما عدا وجهها وكفيها، وهذا إذا كانت في بيتها ومع أقاربها ومحارمها، أما مع الفحول فلا تبدي شيئاً من جسمها، إلا في حالات الضرورة كالمرض وما إلى ذلك.

    والمرأة في بيتها جسمها كما قلنا المفروض أن يكون مستوراً لكن لو كشفت عن عنقها عن عضديها عن بعض ساقيها فلا حرج

    [ ثامناً:] وأخيراً [ إثبات نبوة آدم وتوبة الله عليه وقبولها منه وهدايته إلى العمل بمحابه وترك مكارهه ]. الحمد لله.

    1.   

    دعاء

    معاشر الأبناء والإخوان! كم واحد جاء يقول: ادع الله لي أنا مريض، أنا في المستشفى، ولدي كذا، وهي ليلة مباركة، فارفعوا أكفكم إلى الله واسألوه أن يشفي هؤلاء المرضى، فأنا أدعو وأنتم أمنوا.

    يا حي يا قيوم! يا بديع السموات والأرض! يا مالك الملك! يا ذا الجلال والإكرام! يا من أرسل محمداً بشيراً ونذيراً! يا من خلق آدم ونفخ فيه من روحه! يا رب العالمين! يا ولي المؤمنين! يا متولي الصالحين! هذا أكفنا قد رفعناها إليك سائلين ضارعين نسألك أن تكشف ضر هؤلاء المرضى.

    اللهم اكشف ضرهم، اللهم اكشف ضرهم واشفهم يا رب العالمين! واكشف ضر كل مؤمن ومؤمنة واشف كل مؤمن ومؤمنة فينا وفي مستشفياتنا وفي بيوتنا؛ إنك ولينا ولا ولي لنا سواك!

    اللهم إنه لا يكشف الضر إلا أنت فاكشف ضرنا وضر المؤمنين والمؤمنات يا رب العالمين وتوفنا وأنت راضٍ عنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.