إسلام ويب

تفسير سورة طه (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • البعث والقيامة حقيقة لا مراء فيها، فقد أثبتها الله عز وجل في كتبه المنزلة، ولما جاء المشركون يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن مصير الجبال عندما تقوم الساعة، فأوحى الله عز وجل إلى نبيه أن يخبرهم عن الجبال أنها تنسف يوم القيامة، وتبقى الأرض قاعاً ليس فيها جبلاً ولا وادياً، وعليها يحشر الناس لميقاتهم، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.

    1.   

    دأب أعداء الإسلام على صرف المسلمين عن القرآن

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:105-112].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تأملتم هذه الآيات، ولا شك أنكم علمتم ما شاء الله أن تعلموا، وسوف تزدادون إن شاء الله علماً، فهل هذا العلم يقرأ على الأموات؟

    لما نضع الميت بين أيدنا ونقرأ عليه هل يفهم؟ هل يتعظ؟ هل يقوم يصلي؟ هل يعلن عن توبته؟

    فما سر قراءة القرآن على الموتى؟

    الجواب: وقد سمعتموه وعلمتموه، لكن حولكم زوار ما سمعوا هذا، هذا من كيد ومكر ما نسميه: بالثالوث الأسود، المكون من المجوسية، واليهودية، والصليبية.

    نظروا إلى الأمة! أمة الإسلام، من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً فقالوا: كيف عزت هذه الأمة وسادت وانتشر الإسلام في العالم؟

    قالوا: سببه القرآن، إي والله إنه القرآن؛ لأن القرآن الكريم بمثابة الروح، فهل يوجد حيوان حي بدون روح؟ مستحيل، فالإنسان بالقرآن يحيا ويصبح يسمع ويبصر وينطق ويأخذ ويعطي، فعرفوا أن هذه الأمة التي كانت هابطة لاصقة بالأرض مزقها المجوس والنصارى في الشرق والغرب، قالوا: حييت فعزت وسادت بالقرآن الكريم، وكأنهم بحثوا في القرآن.

    هل يجدون آية تدل على أن القرآن روح؟ فوجدوا: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]، ما الذي أوحاه إليه؟ القرآن. فساد العرب وأعزوا بالقرآن.

    قالوا: إذاً: فهيا نصرفهم عن القرآن فيهبطون!

    ونظموا أمرهم وعملوا، فماذا يفعلون؟ قالوا: إذاً القرآن تفسيره صوابه خطأه وخطؤه كفر، ومن أراد أن يقف على هذه الحقيقة فعليه بحاشية الحطاب على خليل ، تجدون هذا القول: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر، إن فسرت آية وأصبت فأنت مذنب، إذ لا حق لك في هذا، وإن أخطأت ما أصبت تفسير الحق فأنت كافر، فكمموا أفواه المسلمين وألجموهم بلجام فما أصبح المسلم يقول: قال الله، أو يقول الله.

    إذاً: فماذا نصنع بالقرآن، وقد حرم علينا تفسيره؟

    قالوا: إذاً: نقرؤه على الموتى، فإذا مات الميت جمعوا له أهل القرآن وبمقابل، وبطعام وشراب، ويقرءون ثلاث ليال، سبع ليال، أربعين ليلة عند بغض الأغنياء.

    لعلكم تشكون في هذا؟ والله لكما تسمعون.

    جهلونا لما أبعدونا عن القرآن فجهلنا، فأصبح القرآن يقرأ على الموتى.

    ولطيفة سبق أن ذكرناها: جاء والي عام لمدينة من مدن الجزائر يقال له وهران .. جاء من فرنسا، فأخذ يتجول مع رجال أعيان البلاد فمروا بالمساجد، فوجدوا كتاتيب قرآن أطفال في أيديهم ألواح يقرءون ويكتبون، فأصدر قراره بمنعهم، قال: ما هم في حاجة.. الدولة غنية تفتح المدارس، وفتحت المدارس فلم هؤلاء يقرءون في الألواح والخشب وفي المساجد؟ الحكومة ما عندها مدارس؟!

    صدر الأمر بمنعهم، فوفق الله عز وجل مؤمناً من المؤمنين من أعيان البلاد، فقال: يا مسيو! هؤلاء يقرءون القرآن من أجل أن يقرؤه على الموتى. هذه المهمة، ماذا يفعلون يقرءون على الميت ليس إلا هذا، على الموتى فقط؟ قال: إذاً: اتركوهم يقرءون ففتحوا الكتاتيب.

    عرفتم كيد العدو؟ وما زلنا إلى الآن أيضاً ما نجتمع على آية من كتاب الله نتدارسها لا في البيت ولا في الدكان ولا في البستان فضلاً عن المسجد.

    وقد كررنا القول أيضاً، وقلنا: أيكم قال له أخوه يا فلان من فضلك أسمعني شيئاً من القرآن وطأطأ رأسه وأصغى وأخذ يسمع؟!

    هل فعلنا هذا؟

    أين جماعة جلسوا تحت ظل شجرة أو مكتبهم ثم قالوا: من يسمعنا من فضلكم شيئاً من كتاب الله، وأصغوا؟!

    اللهم إلا ما كان من العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأطال عمره وأخذ من عمري إلى عمره، فإنه إذا جلس يقول: اسمعونا شيئاً من القرآن. هذا الذي رأينا، وهيا بنا ندخل هذه الأنوار ونشاهد هذا القرآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ...)

    قول ربنا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ [طه:105]. من هؤلاء السائلون؟ إنهم الملاحدة، المشركون، البلاشفة، الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يعتقدون أن هناك وجوداً غير هذا الوجود، وحياة غير هذه الحياة، فلما دعاهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله إلى الإيمان باليوم الآخر قالوا: وهذه الجبال من يزيلها؟

    وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ [طه:105] قل لهم يا رسولنا.. بلغهم يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:105].

    ويقول تعالى: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:1-6].

    ويقول: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:1-5].

    الجبال يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107] أرض كالصحيفة البيضاء لا انخفاض ولا ارتفاع ولا جبل ولا.. ولا تل، وهذه أرض المعاد، يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، أي: غير السماوات، إذ السماوات هذه تذوب بما فيها، والأرض مثل ذلك، ويأتي الله بسماء غير هذه السماء وأرض غير هذا الأرض. آمنا بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ...)

    ثم قال تعالى: يَوْمَئِذٍ [طه:108]، يومئذ يتم هذا التغير الكامل للأرض والسماء، يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ [طه:108]، تعالوا إلى ساحة فصل القضاء، تعالوا؟ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ [طه:108]، من؟

    مداخلة: الدَّاعِيَ [طه:108].

    الشيخ: حكام وسلاطين أو قادة؟ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ [طه:108]، أبداً صوت واحد يمشون وراءه إلى أين؟ إلى ساحة فصل القضاء.

    قال: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:108] أصوات الخليقة كلها في تلك الساحة البيضاء خشعت: ذلت وانكسرت، وما أصبح يرفع لها صوت.

    وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ [طه:108]، ذلت وخضعت فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:108]، إلا كما تسمع صوت حوافر الإبل.. ذاك الهمس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)

    يَوْمَئِذٍ [طه:109] يومئذ يقع ذاك لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه:109].

    اعلموا والعلم ينفع بإذن الله: أن هناك شفاعة بل شفاعات، ولكن اعلموا أن الشفاعة لا تتحقق إلا بأمرين:

    الأول: أن يكون المشفوع له موحداً غير مشرك ولا ظالم.

    ثانياً: أن يكون الشافع قد أذن له الرحمن أن يشفع، فمن لم يأذن له الرحمن أن يشفع والله ما يشفع أحد.

    وإليكم الصورة الآتية التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري : لما تقف البشرية على صعيد واحد، لا تل ولا جبل ولا رمل ولا.. كالصحيفة البيضاء وهم ينتظرون حكم الله فيهم وقضاه عليهم، في ذالكم اليوم الطويل الذي مقداره خمسون ألف سنة من أيامكم هذه، كما قال تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]، والبشرية واقفة، والشمس غير هذه الشمس أيضاً، تدنو، والعرق والله إن من الناس من يلجمه إلجاماً، ومنهم من يصل إلى عنقه.. إلى صدره.. إلى ركبتيه.. إلى كعبيه.. أنجاهم وأطهرهم، فتهيج البشرية وتموج فيأتون آدم عليه السلام يطلبون منه أن يشفع لهم عند الله فلا يستطيع أحد أن ينادي الله ويقول: يا رب افعل، فيأتون آدم عليه السلام فيعتذر فيقول لهم: ( كيف أكلم ربي وقد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ) كيف أكلمه وقد عصيته ويذكر خطيئته وزلته، تلك الخطيئة التي عندنا نحن لا شيء وهي أنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عن أكلها.

    والناس الآن يشربون الخمر ويأكلون ما شاءوا، ويتعاملون بالربا والفجور.

    آدم عليه السلام وهذا كله تدبير العليم الحكيم، نهاه هو وزوجه أن يأكلا من هذه الشجرة فزين لهم الشيطان أكلها فأكلاها، فكانت خطيئة فاستوجبت إخراجهم من الجنة وإبعادهم إلى الأرض، فيقول آدم: عليكم بنوح، فيأتون نوحاً فيعتذر والله ويعتذر ويذكر خطيئة. ما خطيئته؟ دعوته بتدمير الكافرين رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26].

    ليس من حقه أن يدعو بهذه الدعوة كاملة، فقد يخلق الله من أصلابهم من يعبد الله. قال: عندي خطيئة كيف أواجه ربي، أنا ما أستطيع، عليكم بإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، فيأتون إبراهيم فيعتذر ويقول: عندي ثلاث خطايا، أذنبت ثلاث مرات فكيف أكلم ربي.

    وقد كررنا القول وقلنا: إن خطايا إبراهيم أفضل من حسناتنا نحن؛ لأنه ما أخطأ.

    وهي قوله: كذبت ثلاث كذبات، كيف أخاطب ربي، كذبات ثلاث أفضل من صدقنا.

    ما الكذبات الثلاث؟

    الكذبة الأولى: لما كسر أصنام المشركين وحطمها وسألوه: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:59-63]، يشير إلى أصبعه وهو يشير إلى الصنم الأكبر الذي علق فيه الفأس؛ لأن الفرصة كانت جميلة وجديدة متاحة يوم عيد، فخرج أهل البلاد كلهم يفرفشون، وأخذوا الحلويات والأطعمة ووضعوها عند الآلهة وخرجوا، وقالوا: هيا تخرج يا إبراهيم: فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، فنظر نظرة في النجوم؛ ليوهمهم، لأنهم يعبدون النجوم.

    إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]، سامحوني لا أستطيع، فتركوه في القرية، فانهال على آلهتهم فكسرها كلها بفأس، وربط الفأس في رأس الصنم الكبير، فلما جاءوا يستنطقونه قال: كبيرهم هذا. فعد هذه كذبة.

    والثانية قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89].

    والثالثة: لما ذهب مع زوجته سارة إلى الديار المصرية وجاء القوادون يريدون أن يأخذوها للملك قالوا: هذه حسناء ما رأينا مثلها، فلما أخذوها قال لها: إذا سألك هذا الطاغية فلا تقولي: زوجي فيقتلني، بل قولي: أخي، فإنه لا أخ لك في الأرض إلا أنا، إذ لا يوجد من يعبد الله وحده إلا أنا وأنت. هذه أعتبرها أيضاً كذبة فصلى الله على إبراهيم وآله وسلم.

    إذاً: وأحالهم على موسى، فموسى قال: أنا قتلت قبطياً، وهو قتل خطأ وما هو بعمد، أراد أن ينجي مظلوماً فلكمه لكمة مات. قال: كيف أكلم ربي وأنا قتلت نفساً، عليكم بعيسى، فجاءوا إلى عيسى فلم يذكر ذنباً قط، فلم يذكر عيسى ذنباً فعله قط ما أذنب. ما سبب هذه المناعة هذا الحفظ؟ دعوة جدته لما حملت بـمريم في بطنها قالت: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36]، جدة استفاد منها ابن البنت أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36]، فلم يقارف عيسى ذنباً قط، وعاش ثلاثاً وثلاثين سنة شاباً أيضاً، وسوف ينزل ويعيش ثلاثاً وثلاثين سنة أو ثلاثين سنة، ولم يذنب ذنباً قط بفضل دعوة جدته، قال: ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: ( أنا لها أنا لها )؛ لأن الله علمه ذلك في قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وعسى تفيد من الله التحقيق، وهذا هو المقام المحمود الذي حمده عليه أهل الأرض كلهم.

    قال: ( فآتي فأخر ساجداً تحت العرش ) عرش الرحمن فوقه، يخر ساجداً ( ثم يلهمني ربي محامد ) أي: ألفاظ حمد وثناء (ما كنت أعرفها، فلا أزال أحمده وأثني عليه حتى يقول لي: محمد! ارفع رأسك واسأل تعط واشفع تشفع ). صلى الله عليه وسلم، فحينئذٍ يقبل الله شفاعته ويأخذ في الحساب والجزاء لفصل القضاء.

    إذاً: ونحن مع قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ [طه:109] أولاً وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه:109].

    قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ [النجم:26] أولاً وَيَرْضَى [النجم:26] ثانياً.

    إذا لم يأذن الله لعبد في الشفاعة فلن يشفع، وإذا أذن له وأراد أن يشفع فيمن لم يرض الله عنه والله ما تقبل له شفاعة، فلهذا الشفاعة تنفع أهل التوحيد فقط أما أهل الشرك فلا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً)

    ثم يقول تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]. من هو هذا؟ هذا الله جل جلاله وعظم سلطانه، يعلم ما بين يدي البشرية وما خلفها، من الماضي والمستقبل، وهم لا يحيطون بعلمه شيئاً.

    فكيف لا يعبدونه؟ كيف لا يخافونه؟ كيف لا يرهبونه؟ كيف لا يتملقونه؟ كيف.. كيف.. كيف.. وهو يعلم ما بين أيدهم وما خلفهم ويجزيهم على ذلك العمل؟

    وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]. ومن يحيط بالله علماً؟ لا أحد.

    نعلم عن الله صفات الجلال والكمال، لكن لا نحيط به علماً، والرسول يقول: ( أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، والظاهر فليس فوقك شيء، والباطن فليس دونك شيء ) إذ كان ولم يكن الكون كله لا سماء ولا أرض ولا بحر ولا ولا.. كان ولم يكن شيئاً، ثم يبقى ولم يبق شيء في الأكوان، ويستقر أهل الجنة في جنتهم وأهل النار في نارهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً)

    ثم قال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111]، ذلت وانكسرت وتحطمت.

    الوجوه التي كانت ترفع رأسها متكبرة لغير الله، في تلك الساعة وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111]، ذلت وانكسرت.

    وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111]. ما معنى (خاب)؟ خسر، خاب في تجارته: خسر، خاب في امتحانه: خسر، خاب في زواجه: خسر. خاب بمعنى: خسر، واقرءوا: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111]، أي: شركاً وكفراً وذنوباً وآثاماً حملها على ظهره، قال تعالى: يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31]، يحملون أطنان الذنوب يعرفون بها في عرصات القيامة، والعياذ بالله.

    خاب وخسر من حمل ظلماً!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [طه:112]، ما قال ومن عمل من الصالحات؛ لأنه يريد أن يهدينا.. أن يربينا.. أن يكملنا.. أن نفيق من سكرتنا وأن نقبل على ربنا فيقول: وَمَنْ يَعْمَلْ [طه:112] من أبيض أسود، عربي عجمي، في الأولين في الآخرين، في الجن في الإنس.

    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ [طه:112]، ما هي الصالحات؟ فتيات أم ماذا؟ الصالحات: جمع صالحة وهي القولة أو الفعلة التي إذا قلتها وفعلتها أنتجت لك في نفسك الزكاة والطهر.

    والصالحات: جمع صالحة، إنها والله لعبادات الله التي تعبدنا بها، أنزل بها كتابه وبعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي كل عبادة تعبد الله بها من إزالة الأذى عن الطريق.. طريق المؤمنين إلى الصلاة.. إلى الجهاد.. إلى الرباط إلى صلة الأرحام إلى البر إلى الإحسان.

    كل عبادة تعبدنا الله بها تلك العبادة هي التي تزكي النفس وتطهرها هي الصالحات.

    قال: وَهُوَ مُؤْمِنٌ [طه:112]، والحال أنه مؤمن.

    الأمس الصليبيون يبنون ماذا؟ يبنون الكنائس ويوزعون اللحوم والأطعمة وكذا ولن ينتفعون بذلك.

    ومن لطيف ما سمعت البارحة: سألني أحد الطلبة من يوغسلافيا سألني: بعض النصارى يبنون لنا المساجد؟

    قلت له: نعمة كبيرة هذه. عظيمة هذه، رغبوا فيما عند الله لا شك أنهم فهموا، عرفوا أن المساجد طيبة وأهلها لا يكونون فجاراً ولا ظلمة ولا.. ولا لصوصا، فقالوا: نبني لهم المساجد؛ ليعبدوا الله، فقلت: صلوا فيها ونعم المساجد.

    إذاً: من يعمل من الصالحات وهو كافر والله لا ينتفع بشيء منها يوم القيامة أبداً ولا تحسب له؛ لأن الأصل هو الإيمان أولاً، فإن آمن فالعمل بعد ذلك ينتج له زكاة الروح وطهارتها، وفي القرآن الكريم يقول الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . ويقول: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر:3] فلا بد من الإيمان.

    هل عرفتم الإيمان وأنه بمثابة الروح؟ المؤمن حي والكافر ميت.

    والدليل والبرهنة: هل نأمر كافراً بالصلاة؟ هل نأمره بالصيام؟ هل نأمره بالجهاد؟

    الجواب: لا لا. لماذا؟ لأنه ميت، في حكم الميت. وهل يكلف الميت؟! لا.

    وهكذا يعيش أهل الذمة في بلاد المسلمين من يهود ونصارى لا يؤمرون بالصلاة ولا بالزكاة ولا بالصيام ولا بالحج ولا بالجهاد أبداً، ما نقبلهم حتى في الجهاد وإن قالوا نستطيع، إلا إذا اضطررنا إلى ذلك اضطراراً؛ لأنهم أموات.

    الميت يكلف؟ فإذا آمن العبد وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله حيي، فحينئذٍ قل له: اغتسل! والله يغتسل، اركع واسجد! يركع ويسجد؛ لكمال حياته.

    وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ.. [طه:112]، والحال أنه مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ [طه:112]، يوم القيامة ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112].

    فَلا يَخَافُ ظُلْمًا [طه:112] بأن ينقص من حسناته كمية ولو قلت، ولا يزاد على سيئاته ولو سيئة، فَلا يَخَافُ ظُلْمًا [طه:112] بأن يجحد من حسناته ويخسر منها شيء ثم لا يثاب عليها، والله ما كان.

    وَلا هَضْمًا [طه:112] بمعنى يوضع عليه السيئات وتزاد عليه.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان جهل المشركين في سؤالهم عن الجبال .] قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ [طه:105]، كيف؟ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه:105]، علمه الجواب.

    [ ثانياً: تقرير مبدأ البعث الآخر ]. ولو كانوا يعقلون فالذي أوجد الجبال وما كانت بيده أن يبيدها ويزيلها.

    وفي هذا تقرير مبدأ البعث الآخر -كما علمتم- الإيمان بالدار الآخرة ركن الإيمان السادس وهو من أعظم الأركان، والذي لا يؤمن بيوم القيام والجزاء لا خير فيه والله أبداً، ولا يوثق فيه ولا يصدر منه خير أبداً.

    الكافر بيوم القيامة والبعث والجزاء لا يرجى منه خير أبداً، وهو شر الخلق.

    [ ثالثاً: لا شفاعة لغير أهل التوحيد، فلا يشفع مشرك ولا يشفع لمشرك] . لا شفاعة لغير أهل التوحيد، لا الكافر يشفع ولا يشفع فيه، وقد بينت لكم أنه لا بد وأن يأذن الله لمن أراد أن يشفع وبدون إذن لا تكون شفاعة.

    ثانياً: أن يشفع في من رضي الله عنه أن يدخل الجنة، فلو يشفع الرسول في أبي جهل والله ما يسمح له أبداً.

    مداخلة: [ رابعاً:] وأخيراً [ بيان خيبة المشركين وفوز الموحدين يوم القيامة ]. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم وارض عنا كما رضيت عنهم يا رب العالمين.