إسلام ويب

تفسير سورة طه (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد تجاوز موسى عليه السلام وبني إسرائيل البحر استعجل لقاء ربه عليه السلام وترك بني إسرائيل خلفه مع أخيه هارون، فلما بلغ جانب الطور أبلغه ربه عز وجل بما أقدم عليه بنو إسرائيل من صناعة العجل من حلي نساء مصر، ثم عبادته من دون الله، فلما رجع إليهم موسى غضبان أسفاً، اعتذر إليه أنهم إنما أرادوا أن يتخلصوا مما معهم من الذهب فألقى فيه السامري ما معه من تراب كان قد أخذه من أثر فرس جبريل عليه السلام، فوبخهم الله عز وجل على عبادتهم لهذا العجل مع علمهم أنه جسد لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أعجلك عن قومك يا موسى ... وعجلت إليك رب لترضى)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [طه:83-89].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه:83]، اذكروا ما سبق أن علمتموه، وهو أن الله عز وجل لما أغرق فرعون وجنده ونجا بني إسرائيل وعلى رأسهم موسى وهارون عليهم السلام، وفي طريقهم حيث أمرهم الله أن يأتوا إلى جبل الطور؛ ليظفروا بسماع كلام الله، وليظفروا بالقانون والدستور الرباني ليعيشوا عليه، بعد استقلالهم من دولة الكفر.. دولة فرعون، تذكرون أنهم مروا بقرية وجدوا أهلها يعبدون الأصنام، فقالوا لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الأعراف:138-140]، ومشوا، واستعجل موسى عليه السلام، تاقت نفسه إلى لقاء ربه وسماع كلامه، فقال لأخيه: اخلفني أنت في القوم، وامش شيئاً فشيئاً، وأنا سأستعجل؛ لأن ستمائة ألف مشيتهم ليس مشي شخص، فاستبطأ موسى واستعجل وقال لهارون: اخلفني في قومي وأنا أتقدمكم.

    وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي [الأعراف:142]، فلما ذهب موسى عليه السلام إلى ربه في جبل الطور ماذا حصل؟ حصل أن السامري وقد اختلف في أصله وجنسه، هل هو قبطي أو إسرائيلي؟ ولا يضرنا ذلك، على كل حال رجل فاسد، خبيث، مارد، ما كان مؤمناً حق الإيمان مع بني إسرائيل، فلما تأخر موسى واستبطئوا مجيئه قال لهم: موسى نسي ربه، فهو في حيرته. وقال للنساء من بني إسرائيل وكن قد أخذن الحلي واللباس من القبطيات في مصر، في الليلة التي عزموا على الرحيل استعاروا الثياب الجميلة والذهب والفضة.

    حفر السامري في الأرض وقال: ألقوا هذه الحلي وهذه الملابس، فلما استجابوا وألقوا الحلي واللباس في تلك الحفرة كان عليه لعائن الله قد رأى جبريل عليه السلام يوم كان يتقدمهم إلى البحر، للخروج من أرض مصر، وشاهد الفرس الذي يركبه جبريل وهو يقودهم، إذا رفع الفرس رجله نبتت النباتات.

    إذاً: فعرف أن لهذا أثراً، فأخذ حفنة من التراب فصرها في ثوبه أو في عمامته واحتفظ بها، فهنا لما ألقوا الذهب وأشعل فيه النار أخذ يذوب، رمى بتلك الحفنة من التراب وقال: كوني عجلاً، فصنع عجلاً لهم من ذهب لَهُ خُوَارٌ [الأعراف:148]، له صوت، إذا دخلت الريح من فمه إلى مؤخره يسمع له صوت وقال: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه:88].

    ولنسمع ما أخبر تعالى به، إذا قال تعالى: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه:83]، الله عز وجل عتب عليه، لم استعجلت وجئت وحدك وليس مع قومك إلى جبل الطور؟ قال موسى: قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي [طه:84] ورائي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84]، عني.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري)

    ثم قال تعالى له: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ [طه:85]، أي: امتحناهم واختبرناهم؛ لأنهم ما أطاعوا هارون وما استجابوا له وعصوه واستجابوا للسامري ، وفعلوا الذي فعل، وذلك سبب جهلهم وظلمة نفوسهم، وإلا فهارون رسول الله بينهم، لكنهم ما استجابوا.

    قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ [طه:85] لما تركتهم وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه:85]. أضلهم عن طريق الهدى.. عن طريق الإيمان والتوحيد إلى طريق الشرك والكفر وعبادة العجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ...)

    قال تعالى: فَرَجَعَ مُوسَى [طه:86] من عند ربه من جبل الطور فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ [طه:86]، كيف رجع؟ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:86]، (أَسِفًا): حزيناً متألماً. كيف يحدث هذا الذي حدث في ظرف أربعين يوماً أو أقل؟!

    بالأمس شاهدوا آيات الله تلك العصا التي ابتلعت واد بأكمله.. بسحره، ويعبدون غير الله ويشركون به، فيضحك عليهم الشيطان ويسخر منهم ويسلط عليهم السامري ؟!

    فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا [طه:86] بأنه سينصركم، سيصيبكم بالخير، سينزل عليكم كذا كذا.. فتحتلون ديار القدس وتدخلون.

    أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [طه:86]، هذا التوبيخ، هذا التقريع، هذا التهديد واجب، قاله موسى لبني إسرائيل، وإن كان بينهم الصلحاء وعلى رأسهم هارون لكنه يخاطب الأمة بوصفها متفقة على هذا.

    ماذا قال موسى؟ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا [طه:86]، بأن يملككم وتسودوا وتملكوا و.. و.. أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [طه:86]، أي: المدة أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [طه:86]، وتأخرتم واشتغلتم بعبادة هذا العجل، لأن هارون كان يلح عليهم أن نمشي، نلتحق بموسى، فقالوا: لا هذا هو إله موسى، وقد ضل الطريق وما عرفه.

    من قال هذا؟ السامري ، ومدوا أعناقهم واستجابوا لما شاهدوا العجل له خوار وله صوت، وهذه طبيعة البشر إلى هذه الساعة، إذا لم يكن هناك نور في القلوب.. علم رباني، فإن الناس يقعون في أهبط من هذا الخطأ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ...)

    ثم قال تعالى حاكياً اعتذار القوم لموسى: قَالُوا [طه:87] معتذرين مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا [طه:87] وقدرتنا واستطاعتنا، لا أبداً وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ [طه:87].

    (حُمِّلْنَا): يدعون أنهم أمرهم موسى أو هارون أن يستعيروا الذهب والفضة من نساء الأقباط لينتفعوا بها في الخارج، ولا يأمر بهذا موسى ولا هارون، فقد يأمر به السامري والهابطون. قالوا: أنتم الآن مسافرون تاركون البلاد، أكلوا أموالكم فعلوا فيكم، استعيروا الذهب والفضة، الحلي، وتنتفعون به، فحملوها أوزاراً، أي: ذنوباً وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ [طه:87].

    ما المراد من (الْقَوْمِ)؟ الأقباط المصريين فَقَذَفْنَاهَا [طه:87] لأن السامري قال: اقذفوها في هذا التنور تحترق؛ لأنكم تؤاخذون بهذا الإثم.

    فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [طه:87]، حفنة التراب فكان العجل.

    نحن أمرنا بإلقاء الذهب والفضة الذي كان عند نسائنا وبعض الثياب الجميلة؛ حتى نتخلص من الإثم، فألقيناها، فلما ألقيناها في ذلك التنور والنار مشتعلة حتى يذوب الفضة والذهب ألقى السامري تلك الحفنة من التراب وكان يحتفظ بها من أيام كان في مصر عند البحر فكان العجل فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [طه:87] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ...)

    قال تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ [طه:88]، والخوار كالصياح والصوت. لكن صوت البقر، الخوار، النباح للكلاب، والخوار والصياح لغيرها.

    لَهُ خُوَارٌ [طه:88]. فهل هذا العجل صنعه بسرعة؟ ممكن. ما دام ذاب الذهب والفضة يستطيع أن يصنع منهم عجل، وليس معناه عجل كالبقرة، لكن عجل صغير وهذا الواقع، وأصبح للعجل خوار، فقال: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه:88]، واستجابوا للجهل وعدم البصيرة.

    أما العارفون وعلى رأسهم هارون فسخطوا -كما سيأتي بيان ذلك- وما رضوا به وما قبلوه، لكن أهل الجهل والغفلة رضوا به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً)

    ثم قال تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ [طه:89] بأعينهم وأبصارهم أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه:89]، لو نادوا يا عجل.. يا إلهنا.. يا إلهنا.. يا خالقنا.. هل يستجيب؟ والله لا كلمة.

    أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا [طه:89]، لو قالوا ضر فلان أو فلان ما يضره وَلا نَفْعًا [طه:89]، لو قالوا: انفع فلان وأعطه ما أعطاه.

    فما دام لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا يتكلم ولا يرد القول فكيف يؤله؟ كيف يعبد؟ كيف نسميه إلهاً؟

    حجر نقول فيها إله؟! أين العقل؟

    لو كان يكلمهم: افعلوا كذا.. اتركوا كذا.. بصوت كذا.. لكان لا بأس إن انخدعوا، لو كان إذا قالوا: افعل للشر كذا وكذا.. اضرب كذا اقتل كذا ففعل لكان قد يعذرون، لو قالوا: انفعنا، انزل علينا مطر، أخرج لنا كذا.. داوي مريضنا وفعل فقد يعذرون، لكن لا يملك.. لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك ضراً ولا نفعاً فكيف يعبدونه؟

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه:83]، من القائل؟ الله رب العالمين يخاطب موسى كليمه في جبل الطور الأيمن.

    فماذا قال موسى؟ قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي [طه:84]أي: بعدي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ [طه:84] استجابة لطلبك لِتَرْضَى [طه:84].

    فأجاب تعالى موسى قائلاً: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى [طه:85-86]، إذاً: غَضْبَانَ [طه:86]، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:86]، مملوء بالغضب والحزن والألم.

    قَالَ يَا قَوْمِ [طه:86] وصل إليهم بالفعل يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا [طه:86-87]، معتذرين، مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا [طه:87] أي: بقدرتنا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [طه:87-89].

    فكيف يعبدونه؟ كيف يعتقدوا أنه الله؟ كيف يعتقدون أنه رب موسى وأنه نسيه موسى؟

    ولكن ما علمتموه هو الواقع.. الجهل المركب والبعد عن نور الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب؛ لتزدادوا بصيرة وعلماً!‏

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    بعد أن نجى الله تعالى بني إسرائيل من فرعون وملئه حيث اجتاز بهم موسى البحر وأغرق الله فرعون وجنوده، أخبرهم موسى أن ربه تعالى قد أمره أن يأتيه ببني إسرائيل وهم في طريقهم إلى أرض المعاد] يأتون [ إلى جبل الطور؛ ليؤتيهم التوراة فيها شريعتهم ونظام حياتهم دنيا وديناً، وأنه واعدهم جانب الطور الأيمن.

    واستعجل موسى في المسير إلى الموعد فاستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل ليسير بهم وراء موسى ببطء؛ حتى يلحقوا به عند جبل الطور.

    وحدث أن بني إسرائيل فتنهم السامري بصنع العجل ودعوتهم إلى عبادته وترك المسير وراء موسى عليه السلام.

    فقوله تعالى: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه:83]، هو سؤال من الله تعالى لموسى؛ ليخبره بما جرى لقومه بعده وهو لا يدري. فلما قال تعالى لموسى: وَمَا أَعْجَلَكَ [طه:83]، عن المجيء وحدك دون بني إسرائيل مع إن الأمر أنك تأتي معهم؟ أجاب موسى بقوله: قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي [طه:84]، آتون بعدي، وعجلت المجيء إليك لترضى عني.

    هنا أخبره تعالى بما حدث لقومه، فقال عز وجل: قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه:85]، أي: بصنع العجل لهم ودعوتهم إلى عبادته بحجة انه الرب تعالى وأن موسى لم يهتد إليه.

    ولما انتهت المناجاة وأعطى الله تعالى موسى الألواح التي فيها التوراة: فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:86]، أي: حزيناً إلى قومه فقال لهم لما أخبر تعالى عنه بقوله: قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا [طه:86]، فذكرهم بوعد الله تعالى لهم بإنجائهم من آل فرعون وإكرامهم بالملك والسيادة موبخاً لهم على خطيئتهم بتخلفهم عن السير وراءه وبانشغالهم بعبادة العجل والخلافات الشديدة بينهم.

    وقوله: أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [طه:86]، أي: لم يطل فالمدة هي ثلاثون يوماً، فلم تكتمل حتى فتنتم وعبدتم غير الله تعالى. وقوله: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ [طه:86]، أي: بل أردتم بصنيعكم الفاسد أن يحل عليكم غضب من ربكم فحل بكم، فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [طه:86]، بعكوفكم على عبادة العجل وبترككم السير على أثرى لحضور موعد الرب تعالى الذي واعدكم.

    وقوله تعالى: قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا [طه:87]، هذا ما قاله قوم موسى كالمعتذرين به إليه فزعموا أنهم ما قدروا على عدم إخلاف الموعد لغلبة الهوى عليهم فلم يطيقوا السير وراءه مع وجود العجل وما ظللهم به السامري من أنه هو إلههم وأن موسى أخطأ الطريق إليه. هذا معنى قولهم: مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا [طه:87]، أي: بأمرنا وقدرتنا إذ كنا مغلوبين على أمرنا.

    وقولهم: وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا [طه:87]، هذا بيان لوجه الفتنة وسببها وهي أنهم لما كانوا خارجين من مصر استعار نساؤهم حلياً من نساء القبط بدعوى عيد لهم، وأصبحوا خارجين مع موسى في طريقهم إلى القدس، وتم إنجاؤهم وإغراق فرعون ولما نزلوا بالساحل، استعجل موسى موعد ربه وتركهم تحت إمرة هارون أخيه على أن يواصلوا سيرهم وراء موسى إلى جبل الطور، غير أن السامري - السامري اسمه موسى ويلقب بـالسامري - استغل الفرصة، وقال لنساء بني إسرائيل: هذا الحلي الذي عندكن لا يحل لكن أخذه إذ هي ودائع فكيف تستحلونها؟! وحفر لهم حفرة وقال: ألقوها فيها وأوقد فيها النار لتحترق ولا ينتفع بها بعد، ما دل عليه قولهم: وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ [طه:87]، أي: قوم فرعون، فَقَذَفْنَاهَا [طه:87]، أي: في الحفرة التي أمر بها السامري .

    وقوله تعالى: فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [طه:87] ] هو من جملة قول بني إسرائيل لموسى فكما ألقينا الحلية في الحفرة [ ألقى السامري ما معه من التراب الذي أخذه من تحت حافر فرس جبريل، فصنع السامري العجل فأخرجه لهم عجلاً جسداً له خوار، أي: صوت، فقال بعضهم لبعض: هذا إلهكم وإله موسى الذي ذهب إلى موعده فنسي وضل الطريق إليه، فاعبدوه حتى يأتي موسى. قال تعالى موبخاً إياهم: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه:89]، إذا كلموه، وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [طه:89]، فكيف يعقلون أنه إله] فكيف يعتقدون أنه إله [ وهو لا يجيبهم إذا سألوه، ولا يعطيهم إذا طلبوه، ولا ينصرهم إذا استنصروه، ولكنه الجهل والضلال واتباع الهوى، والعياذ بالله تعالى ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: ذم العجلة وبيان آثارها الضارة، فاستعجال موسى الموعد وتركه قومه وراءه كان سبباً في أمر عظيم وهو عبادة العجل وما تترب عليها من آثار جسام ].

    انتبهوا! ذم العجلة وبيان آثارها الضارة، فالمؤمن لا يعجل، لا يستعجل: ( خصلتان يحبهما الله: الأناة والحلم ).

    العجلة ليست من صفات المؤمنين الكمل، فالأساس أن المؤمن قبل أن يقول الكلمة أو يفعل الفعل يتأنى ويتأمل، فإن رأى في ذلك خيراً قال أو فعل، فإن لم ير في ذلك خيراً ولا.. ما فعل ولا قال.

    من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه:83]، لو أن موسى ما استعجل وبقي معهم لا يستطيع السامري أن يصنع العجل ويفعل هذا الفعل؟ لكن مع الأسف حصل ما حصل.

    [ ثانياً: مشروعية طلب رضا الله تعالى، ولكن بما يجب أن يتقرب به إليه ].

    مشروعية طلب رضا الله تعالى، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يطلب رضا الله، وأن يتوسل إليه بمحابه وترك مكارهه ليرضى عنه، فهذا موسى طلب هذا الرضا واستعجل لأجل طلب رضا الله عز وجل، والغافلون لا يسألون الله رضاه أبداً، وكأنهم ليسوا عبيده.. كأنهم ليسوا محتاجين إليه.

    [ ثالثاً: مشروعية الغضب لله تعالى والحزن على ترك عبادته بمخالفة أمره ونهيه ]. إذا ارتكبت معصية الله ورسوله فالمؤمن يغضب ويحزن ولا حرج.

    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أوذي في بدنه.. في ماله.. لا يغضب، لكن إذا أوذي في عقيدته، في دينه، يغضب ويشتد غضبه. وموسى غضب قال تعالى: غَضْبَانَ أَسِفًا [الأعراف:150] كيف يعبد غير الله؟!

    [ رابعاً: مشروعية استعارة الحلي للنساء والزينة، وحرمة جحدها وأخذها بالباطل ].

    مشروعية استعارة الحلي واللباس للرجال والنساء، رجل يستعير مشلح ليحضر به الحفل لا بأس!

    امرأة تستعير خلخال و.. أو كذا لا حرج، لكن حرمة جحده أو إفساده وعدم رده.

    فيجوز الاستعارة، لكن لا يحل عدم رده كما فعلن نساء بني إسرائيل، وأخذها بالباطل؛ لأن نساء بني إسرائيل استعرن على علم أنهم إذا رحلوا يأخذونه معه، وهذا حرام ولا يجوز، وإن كانت القبطيات كافرات.

    [ خامساً:] وأخيراً [ وجوب استعمال العقل واستخدام الفكر للتمييز بين الحق والباطل والخير والشر ].

    وجوب استعمال العقل واستخدام الفكر لمعرفة الحق، فلا نعيش كما تعيش البهائم، بل لابد من التفكير، هل هو صواب؟ هل هو خطأ؟ هل هذا نافع؟ هل هذا ضار؟ هل هذا يرضي الله؟ هل هذا يسخط الله؟

    لابد من هذا والآية دليل على ذلك.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.