إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (50)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحواريون هم أتباع موسى الذين آمنوا به ونصروه، وهم هنا يطلبون من عيسى عليه السلام آية تدلهم على صدق نبوته، شأنهم في ذلك شأن كل بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، لتكون عيداً لهم وآية دالة على وحدانية الله وعظمته، فاستجاب الله لهم وأنزلها عليهم؛ لكنه توعد من يكفر منهم بعدها فإنه سيعرض نفسه لعذاب لم يذقه أحد من قبل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ راجين أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المائدة نودعها، فنحن في آخر آياتها، والسورة مدنية، مباركة، ميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الأربع:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:112-115]. ‏

    دلالة الأخبار القرآنية على صدق الرسالة المحمدية

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الأنباء، هذه الأخبار، هذه الأحاديث، هذه الأحداث من أين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يعرفها وهو أمي لم يقرأ ولم يكتب وبلغ أربعين سنة ولم يعلم شيئاً؟

    إذاً: الإخبار بهذا والتحدث عنه في صدق دال دلالة قطعية على أن محمداً -والله- لرسول الله، وعلى اليهود والنصارى أن يؤمنوا، أن يصدقوا برسالته، ويدخلوا في ظل دينه لينجوا ويسعدوا، وإلا فهم خاسرون هالكون، يطلبون برهنة وتدليلاً على صدق نبوته، فهل يوجد دليل أكثر من هذا؟ من أعلمه؟ من حدثه بهذا؟ من كان حاضراً مع الحواريين وعيسى وهم يسألونه وهو يجيب؟ هذه وحدها تشهد أن محمداً رسول الله.

    اذكر يا رسولنا إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ [المائدة:112]، والحواريون: هم أصحاب عيسى، كأصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والعشرة المبشرين بالجنة وأهل بدر وأهل الإيمان والهجرة، الحواريون: جمع حواري، بمعنى: الناصر والمؤيد.

    ماذا قال الحواريون؟ قالوا: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [المائدة:112]، نادوه باسمه العلم مضافاً إلى والدته مريم البتول العذراء بنت عمران، ومعنى مريم: الخادمة أو خادمة الله.

    توجيه سؤال الحواريين عن استطاعة الله تعالى

    قال الحواريون: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:112]، واحتار الصحابة والتابعون والمفسرون في توجيه هذه الجملة، كيف يقولون: هَلْ يَسْتَطِيعُ [المائدة:112]؟ فهل الله عاجز وهو الذي خلق السماوات والأرض والجنة والنار والخلق كله، هل يقال: هل يستطيع أو لا يستطيع؟

    ومن الأجوبة أن المراد من هَلْ يَسْتَطِيعُ [المائدة:112]، أي: هل يطيعك فيما تطلب منه، كما تقول في الاستفعال: استخبرته، استنبأته هل يفعل؟ أي: طلبت منه أن يفعل كذا. استعملته أي: طلبت منه العلم، فـ(هل يستطيع) بمعنى: هل يطيعك الله فيما لو دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء، فلهذا قلنا معاني المفردات في الكتاب: هَلْ يَسْتَطِيعُ [المائدة:112]، أي: هل يطيع ويرضى لو طلبت منه هذا؟

    لأنه كيف يقولون لمن خلق السماوات والأرض والعوالم كلها: يقدر أو لا يقدر أن ينزل علينا مائدة، سفرة عليها خبز ولحم!

    فمن توجيهات الصحابة والتابعين أن هَلْ يَسْتَطِيعُ [المائدة:112]، بمعنى: أيطيعك إذا أنت دعوته وطلبت منه أن ينزل علينا مائدة؟

    وقرئ: (هل تستطيع)، وهنا زال الإشكال، هل تستطيع أن تدعو ربك يا عيسى لينزل علينا مائدة من السماء، ولو كانت هذه القراءة قراءة مجمعاً عليها ما بقي إشكال، لكن القراءة التي عليها جمهور القراء هي: هَلْ يَسْتَطِيعُ [المائدة:112].

    وهنا شيء آخر أيضاً يصلح جواباً: وهو أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا من مكة مجاهدين يقاتلون المشركين في الطائف، ومروا بشجرة من السدر فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، كما قال قوم موسى لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138]، بالأمس دخلوا في الإسلام وانتصر الإسلام وأضاءت الدنيا بنوره مشارقها ومغاربها ويقولون: اجعل لنا ذات أنواط! أي: شجرة نعلق بها رماحنا وسيوفنا ونتبرك بها لننتصر إذا قاتلنا! فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ( سبحان الله! ما زدتم أن قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] )، لما نجى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق من البحر مشوا فإذا بقرية فيها من يعبد وثناً، فلما شاهدوا ذلك قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138]، وهم مع موسى، فلا عجب أن يقول تلك المقالة لعيسى بعض أتباعه، وليس بشرط أن يكون الحواريون أنفسهم، بل من معهم من الجهلة ممن لم يعلموا بعد، يوجد بينهم من قال هذه الكلمة: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:112]، ويؤيد هذا قوله لهم: اتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:112]، لو كان كلامهم ليس كفراً ولا محرماً لما قال لهم: اتقوا الله.

    تذكير عيسى عليه السلام قومه بتقوى الله تعالى

    إذاً: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً [المائدة:112]، ما هي المائدة؟ هي الخُوان، ويقال فيه: الخِوان أيضاً بالكسر والضم، وهو ما نسميه بالسفرة سواء كان عليها طعام أم لا.

    أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:112]، من فوق من الملكوت الأعلى، فعيسى عليه السلام تأثر وقال: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:112]، فهذا القول ما يصدر عن المؤمنين، فكيف يصدر عنكم أنتم؟ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:112] في قولكم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:112]، وهذا المقام واضح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ...)

    فحاولوا أن يعتذروا فقالوا: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا [المائدة:113]، قلوبنا ما اطمأنت ولا سكنت لأمور الغيب، ومن ذلك رؤيتهم لله عز وجل ودار السلام وما فيها ودار الشقاء وما فيها، هذه كلها من الإيمان، والرؤية لذلك تسكن بها القلوب وتطمئن النفوس، وهذا إبراهيم الخليل عليه السلام قال: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، هل كان إبراهيم يشك في أن الله يحيي الموتى؟ لا والله، وهو يشاهد الإحياء يومياً في المخلوقات، رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى [البقرة:260]، أنا مؤمن، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، فالمشاهدة أقوى تأثير من التصديق بالقلب، فأنت تسمع بالمسجد النبوي وأنت في الهند أو في اليابان، وهذا سماع ما هو بيقين، لكن كونك فيه أعظم

    ما بقي ارتياب أو شك.

    إذاً: فأمر الله تعالى إبراهيم أن يأتي بطير ويذبحه ويوزع اللحوم ويناديها فتأتيه، فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:260]، وفعل إبراهيم.

    إذاً: قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا [المائدة:113] في إخبارك أنك نبي الله ورسوله وأنك تبلغ عنه، وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:113] على تلك المائدة ونحدث بها من بلغنا ومن سيبلغنا فيزداد إيمان المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال عيسى ابن مريم اللهم أنزل علينا مائدة من السماء ...)

    إذاً: أجابهم عيسى: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ [المائدة:114]، أي: يا الله، فحذفت (يا) وعوض عنها الميم، والأصل: يا الله، كما تنادي: يا إبراهيم، ولكن الله عز وجل واسمه الأعظم: الله، فحذفت (يا) وعوضت عنها الميم في آخر الكلمة.

    والله عز وجل يسمع نداء كل مناد في أعماق الكون وفي أعلاه، يعلم السر والجهر، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]، فلهذا لا تقل: يا الله كما تنادي البعيد ليسمعك، قل: اللهم؛ فإنه قريب منك يسمع نداءك.

    اللَّهُمَّ رَبَّنَا [المائدة:114]، أي: يا ربنا، يا خالقنا، يا رازقنا، يا إلهنا الحق، يا معبودنا الذي لا يعبد سواه، يا مالك أمرنا! أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:114]، استجاب للحواريين؛ لأنهم اعتذروا فقالوا كذا وكذا، فقال: أبشروا، فرفع يديه إلى السماء، وورد أنه وقف يصلي وضم رجليه إلى بعضهما، ذكر هذا ابن كثير ؛ فلهذا من الأدب في الصلاة وأنت تتكلم مع الله أن تقف وقفة الخاضع الذليل المتأدب.

    قال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:114]، وعلل عليه السلام فقال: تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا [المائدة:114]، واستجاب الله وبقي هذه العيد إلى اليوم في الربيع، فهناك عيد عند النصارى يسمونه شم النسيم، وعيد الفصح، والأصل هو عيد المائدة، والعيد من: عاد يعود إذا رجع، فكل عام يعود فهو عيد، وللمسلمين عيدان، والله ما هما إلا اثنان: عيد الأضحى وعيد الفطر، أو عيد رمضان وعيد الحج، يعودان كل سنة، والحمد لله؛ فعيدنا نحن نعبد الله تعالى فيه بالصلاة والصدقات والذكر والدعاء، وعيد النصارى يرقصون في الليل ويأكلون البقلاوة؛ لأنهم ضلال، أموات، فاسدون، هابطون، حتى لو كان عيداً كما كان فهو باطل نسخه الله لما طرأ على عباداتهم من الباطل، فلم يبق من دين حق يعبد به الله إلا هذا الدين، فلهذا هم خاسرون وهالكون.

    قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ [المائدة:114] دالة على قدرتك وعظمتك وجلالك ووجودك وربوبيتك وإلهيتك وعلى شرعك وأنبيائك، هي أعظم آية.

    وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ [المائدة:114]، هنا لطيفة: لم قال: وَارْزُقْنَا [المائدة:114]؟ كأنهم ما طلبوا إلا هذه المائدة فقط وبعد ذلك لا يأكلون ولا يشربون، فقال: وَارْزُقْنَا [المائدة:114] طول حياتنا الطعام والشراب وكل ما نحتاج إليه وأنت خير الرازقين، وهذا أفضل من طلب المائدة فقط، واستجاب الله الرحمن الرحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين)

    فاسمعوا إجابة الله: قَالَ اللَّهُ [المائدة:115]، كيف قال هذا؟ بواسطة الوحي وهو إلقاء في روع عيسى، أو يهتف به هاتف كجبريل فيكلمه، إلا أنه لا يكلمه الله كفاحاً، وهذا لم يتم في الأرض إلا لموسى عليه السلام، وفي الملكوت الأعلى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما عدا هذا فالله يوحي ويأمر وينهى ويعلم ويبشر ويخبر بواسطة الوحي، وهي ثلاثة كما جاء في سورة الشورى: إما أن يرسل ملكاً يتكلم معه، وإما أن يلقي في روعه فيفهم عن الله عز وجل، أو يكلمه كفاحاً بدون واسطة، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى:51].

    إذاً: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115]، لأنهم طلبوا ما لم يطلبه الخلق، وأرادوا أن يشاهدوا المائدة من السماء تنزل ونزلت وهي لحم وخبز، لكن لا تفهم من اللحم أنه كلحمنا هذا وخبز كخبزنا، لا بد أنه من أجود ما يكون من اللحم والخبز، ما هناك مرق ولا فاكهة، بل خبز ولحم.

    فاسمعوا هذا الإعلام الإلهي: فالذين طالبوا بالمائدة واستجاب الله لهم توعدهم الله بأن من كفر يعذبه عذاباً لا يعذب مثله أحداً من العالمين، فالكفر كفران، فالذي يكون من أهل الإسلام والإيمان ويكفر ارتد هل كفره ككفر شخص ما عرف الله ولا الرسول؟ كلا. كما أن سخط الله وغضبه على العالم ليس كسخط الله وغضبه على الجاهل.

    فكذلك هؤلاء شاهدوا آية من آيات الله، الطعام ينزل من السماء وهم يشاهدون بين أيدهم، فمن ينكر ويكفر ويخرج عن دين الله يعذب عذاباً لم يعذب قط بمثله.

    وجاء أيضاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن هناك أيضاً من يعذب هذا العذاب:

    أولاً: آل فرعون؛ إذ قال تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    والصنف الثاني: المنافقون منا؛ إذ قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145].

    فهيا أسمعكم التلاوة: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:112-115].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    والآن نستمع إلى شرح الآيات في التفسير.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    يقول تعالى لعبده ورسوله عيسى: واذكر وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ [المائدة:111] ]، هذا التوجيه معناه أن هذه الآيات لها اتصال بما سبق، فقد تكلم عيسى في عرصات القيامة، فالله يسأل وهو يجيب، كذلك هذا يحدث في عرصات القيامة والكلام متصل، وهذا وجه محمود، ولا نقول: هذا كلام مستأنف، بل مرتبط بالأول، وهذا علامة على أن محمداً رسول الله، فكيف يخبر عن هذا الغيب ويتحدث بهذه الأحداث التي وقعت منذ مئات السنين إن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    [ يقول تعالى لعبده ورسوله عيسى: واذكر وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ * إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:111-112]، ولما كان قولهم هذا دالاً على شك في نفوسهم وعدم يقين في قدرة ربهم قال لهم عيسى عليه السلام: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:112]، فلا تقولوا مثل هذا القول.

    فاعتذروا عن قولهم الباطل قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:113] أنها نزلت من السماء بسؤالك ربك ذلك، وهنا قَالَ عِيسَى [المائدة:114] عليه السلام داعياً ربه ضارعاً إليه: اللَّهُمَّ [المائدة:114]، أي: يا الله! رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا [المائدة:114]، أي: للموجودين الآن منا، وَآخِرِنَا [المائدة:114]، أي: ولمن يكون بعدنا وَآيَةً مِنْكَ [المائدة:114]، أي: وتكون آية منك، أي: علامة على وحدانيتك وعظيم قدرتك، وعلى صدقي في إرسالك لي رسولاً إلى بني إسرائيل

    وَارْزُقْنَا [المائدة:114]، وأدم علينا رزقك وفضلك، وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ [المائدة:114].

    فأجابه تعالى قائلاً: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ [المائدة:115]، وحقاً قد أنزلها، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ [المائدة:115] يا بني إسرائيل السائلين المائدة بأن ينكر توحيدي أو رسالة رسولي أو عظيم قدرتي؛ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115]، ولذا مسخ من كفروا منهم قردة وخنازير ]، الذين كفروا بعد هذا مسخوا قردة وخنازير، إذ مسخوا على عهد داود وعيسى ابن مريم.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات ]، فهيا نأخذ ما فيها من الهداية؛ لنستعين بذلك على مسيرنا إلى الله عز وجل ونحن أطهار أصفياء.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: جفاء اليهود وغطرستهم وسوء أدبهم مع أنبيائهم ]، فالحواريون يهود أم لا؟ أليسوا هم من بني إسرائيل؟

    إذاً: يستفاد من هذه الآية [ جفاء اليهود ] والجفاء: الغلظة والقسوة، [ وغطرستهم وسوء أدبهم مع أنبيائهم؛ إذ قالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] ]، وهل هناك جفاء وغطرسة أكثر من هذا؟ قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، ما نستطيع أن نقاتل العمالقة، فاذهب أنت وربك وقاتلا، هذه مقالة كفرية ما فقهوها، لكن لجهلهم وظلمة نفوسهم؛ لأنهم تربوا في حجور الفاسدين والهابطين.

    قال: [ وقالوا لعيسى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة:112] ]، أليس هذا من الجفاء والغطرسة والغلظة؟

    [ ثانياً: في قول عيسى لهم: اتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:112] دال على أنهم قالوا الباطل ].

    معشر المستمعين! كررنا القول: بم يتقى الله؟ أنت تقول لي: يا فلان! اتق الله، فبأي شيء نتقيه؟ هل بالجيوش الجرارة؟ بالأنفاق في أعماق الأرض؟ بالهرب في الجبال ورءوسها، بم يتقى الله؟ أنا أتقي الشمس بالمظلة وأتقي الجوع بالخبز والماء، وأتقي البرد بالكساء، والله يتقى بماذا عندما تريد أن تتقي الله؟ لا يتقى الله بشيء إلا بطاعته وطاعة رسوله، أي: بفعل ما يأمران به وترك ما ينهيان عنه، ولا يتقى الله بشيء غير هذا؟

    أنا أريد أن أتقي الله فتعلمت الليلة أن أطيعه في أمره ونهيه، أفعل الأمر وأترك النهي، لكنني ما عرفت الأوامر هذه، كيف نفعل؟ علموني؟ الجواب: عليك بفلان اقرع بابه وقل له: علمني أوامر الله التي أمرني بها، وبين لي نواهيه التي نهاني عنها، وبذلك تستطيع أن تتقي الله، أما كونك تعرف تقوى الله بطاعته وطاعة رسوله فلا يكفي، لا بد من معرفة ما هي الأوامر التي تطيع فيها، وما هي النواهي التي تطيعه فيها بتركها.

    خلاصة القول: لن تستطيع أن تتقي الله ما لم تعلم، لن تستطيع يا ابن آدم أن تتقي الله ما لم تعلم أوامره وكيف تؤديها، ونواهيه وكيف تتجنبها، فطلب العلم فريضة، لا بد من هذا، وهل يستطيع عبد أن يكون ولياً لله وهو لا يعرف تقوى الله؟ مستحيل أن تكون ولي الله وأنت لا تتقيه.

    قال: [ في قول عيسى لهم: اتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:112] دال على أنهم قالوا الباطل، كما أن قولهم: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا [المائدة:113] دال على شكهم وارتيابهم.

    ثالثاً: مشروعية الأعياد الدينية لعبادة الله بالصلاة والذكر؛ شكراً لله تعالى، وفي الإسلام عيدان: الأضحى والفطر ]، لا غير، لا رجبية ولا مولد.

    [ رابعاً: من أشد الناس عذاباً يوم القيامة: آل فرعون، والمنافقون، ومن كفر من أهل المائدة ]، قال تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، وقال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145]، وقال: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115].

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.