إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يدعو الله عز وجل عباده المؤمنين إلى أن يكونوا قائمين بعبادته سبحانه، شاهدين بالعدل ولو على الآباء أو الأبناء أو الإخوان، وحتى لو كانت الشهادة لصالح عدو أو مبغض فينبغي أن تؤدى على وجهها، وبهذا يمتاز المؤمن عن غيره، ويستحق أن يكون مقرباً عند الله، لأنه حقق التقوى التي أمره الله بها.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المائدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ما ينتقض به الوضوء من اللمس

    قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [المائدة:6]، فسرنا الملامسة بمعنى: الجماع، وكان ابن عباس رضي الله عنه يدخل أصبعيه في أذنيه؛ حتى لا يغتر بلفظة أخرى معروفة عند العامة، فهو يقرر أن معنى قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ [المائدة:6]، أي: جامعتم النساء، فمجامعة النساء -وهي أن يغيب رأس الذكر في الفرج- موجبة للغسل، أمنى أو لم يمن، انتعش ذكره أو لم ينتعش؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا التقى الختانان وجب الغسل ).

    ثم قضية لمس الذكر: ( من أفضى منكم بيده إلى فرجه فليتوضأ )، أفضى بمعنى: ما هناك حائل لا ثوب ولا سراويل ولا أي شيء فمس ذكره بباطن كفه، فقد انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، لأن اللمس لا يكون بظهر اليد، هذا اللمس مظنة وجود لذة، إذا مس ذكره بكفه فذلك مظنة أن يحدث في نفسه لذة، هنا وجب الوضوء، أما إن أفضى ولكن كان بينه وبين ذكره ثوب أو سراويل فلا شيء عليه، أو وهو يغتسل مس ذكره بظاهر كفه فلا ينتقض وضوؤه، لا ينتقض الوضوء إلا بمس الذكر بباطن الكف: ( من أفضى منكم بيده إلى فرجه ).

    وهنا يأتي اللمس بمعنى: المس، فمن أراد أن يتلذذ من امرأته فمسها بقصد أن يتلذذ انتقض وضوؤه ولو لم يجد لذة، وإذا ما قصد شيئاً ولكن ما إن مسها حتى حدث في نفسه انتعاش وشهوة فقد انتقض وضوؤه.

    وقد يقال: كيف نفعل حال مزاحمة النساء؟ فنحن نقول: أولاً: لا يحل لنا أن نماس النساء لا بأجسامنا ولا يأيدينا، لكن إذا حصل في الطواف فكونك تقصد اللذة هذا ما يعقل ولا يقوله مؤمن، إلا إذا كان امرء فاسقاً يطوف ليعصي الله عز وجل، أما مؤمن يطوف وينوي اللذة فمستحيل، لكن إن حصلت فما إن مسها حتى انتعش فقد انتقض وضوؤه فيخرج ليتوضأ.

    أحكام المسح على الخفين

    بقي المسح على الخفين والجوربين والشرّابين، والتقشيرين باللغة المغربية، سمي تقشيراً لأنه يقشر، ينزع كالقشرة، والقول الأسلم الذي ما فيه كلفة: أن كل ما غطى الرجل وسترها من أجل دفع الحر أو البرد، كل ما ستر القدم مع الكعبين فهو يصح أن تمسح عليه، فإن كان بعض الرجل مكشوفاً فلا، إلا إذا كان جزءاً قليلاً فلا بأس، أما ثلث الرجل وربعها يكفشف فما عندك شيء.

    وسواء كان من جلد أو كان من صوف أو كان من ورق أو كان من ورق الشجر، المهم أنه يستر الرجل، هذا القول أسلم وأقرب إلى الرحمة الإسلامية، أما الفقهاء فمنهم من يشترط أن يكون من جلد، فنقول: ما دام أنه ما شدد الشرع علينا فلم نشدد؟

    وأما كيفية المسح ففيها طريقتان:

    الطريقة معروفة عند الفقهاء: أن تضع قدمك بين يديك وتمسح بيد فوق الرجل وأخرى تحتها، وهذا فيه كلفة.

    وحديث علي رضي الله عنه برد قلوبنا وهدأ نفوسنا، حيث قال رضي الله عنه: لو كان الدين بالعقل لكان مسح أسفل الخف أولى من ظاهره. لأن هذا يلي التراب فهو الذي يمسح، لكن الشارع مسح أعلاه.

    وقد عرفتم السر يا علماء الأسرار، وهو أنه ليبقى المؤمن ملتزماً بغسل رجليه، لو كان كل من لبس شراباً يمسح فممكن أن ينسى غسل رجليه؛ فليبقى مرتبطاً بغسل رجليه فإنه إذا غطاهما بشيء يسمح فوقهما، فلهذا لا تكلف نفسك، وإنما بُل يدك بماء وامسح بها ظاهر الخف، ونحن هنا ما التزمنا بمذهب معين، نحن مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأئمة الإسلام ما خرجنا عما قال أئمة الإسلام الأربعة، لكن لا ننتسب إلى واحد ونترك السنة.

    وأما شروط جواز المسح فهي: أن يلبس خفيه أو شرابيه على طهارة بلا خلاف، يكون قد توضأ أو اغتسل، ثم لبس خفيه أو شرّابيه، أما أن يكون قد لبسهما على غير وضوء فلا يجوز المسح أبداً، لا بد من نزعهما وغسل رجليه، هذه ما فيها خلاف.

    ثم المدة: فمنهم من يقول: يمسح أسبوعاً، ومنهم من يقول: بلا حد، فإذا ما نزعهما ولا أصابته جنابة مسح دائماً.

    والقول الراجح الذي به العمل هو الذي حدده صلى الله عليه وسلم: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، توضأ لصلاة الصبح ولبس شرابه فإنه يتوضأ الظهر ويمسح وفي العصر يمسح وفي المغرب يمسح وفي العشاء يمسح، ثم جاءه الصبح فيجدد ويمسح يوماً وليلة، وإن سافر ثلاثة أيام بلياليها فيمسح على شرط ألا ينزع الخفين وألا يصاب بجنابة، فإذا أجنب فإنه يغتسل، انتهى المسح.

    وإذا انتقض وضوؤه بفساء أو بضراط وتوضأ فإنه يمسح فقط على خفيه ليوم وليلة، مثلاً: لو مسح على خفه بعدما توضأ للعصر فإنه يمسح المغرب والعشاء والصباح والظهر.

    هذه أحكام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، معنى فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]؟ أي: اغتسلوا، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [المائدة:6]، فماذا نصنع؟ فَتَيَمَّمُوا [المائدة:6] اقصدوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6]، فالحمد لله، والشكر لله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط...)

    والآن مع نداء من نداءات سورة المائدة، حيث يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:8]، لبيك اللهم لبيك، نادانا مولانا ونحن نسمع، أما نقول: لبيك وسعديك؟ لقد قالها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.

    وكان عبد الله بن مسعود يقول: إذا سمعت (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك. إياك أن تغفل أو تلوي رأسك؛ فأنت منادى، والله يقول: (يا أيها الذين آمنوا)، فقل: نعم رب، ماذا تريد؟

    وقد علمنا أن الله لا ينادينا لهواً ولا لعباً ولا باطلاً، ما ينادينا إلا ليأمرنا بما فيه خيرنا وسعادتنا، أو لينهانا عما فيه شقاؤنا وضلالنا، أو يأمرنا فيبشرنا بما يزيد في طاقة أعمالنا وصالحها، أو ينادينا ليحذرنا مما يؤذينا ويضرنا، أو ينادينا ليعلمنا، ينادينا لخمسة مقاصد.

    هنا ماذا يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8]، كونوا قائمين له، قَوَّامِينَ [المائدة:8] بعبادة الله وطاعته، وقد تقدم من العبادة الوضوء والغسل والتيمم، وأعظم من ذلك العهد الذي أعطيناه له: وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة:7]، إذاً: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8]، بالقيام بتلك الواجبات والمهام فعلاً أو تركاً.

    ثانياً: شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8]، كونوا شاهدين بالعدل عندما تشهدون ولو شهدت على أبيك أو أمك، والقسط: العدل، بخلاف الميل والجور، لا حيف ولا جور، كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8]، أي: قائمين أعظم قيام بما أوجب، وبما نهى وحرم.

    معنى قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)

    قال تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8]، ولا يحملنكم بغض قوم أو إنسان على ألا تعدلوا، فكونه عدوك آذاك أو ضربك ودعيت لتشهد وأنت على علم فيجب أن تعدل في شهادتك، ولا تشهد على هذا الذي آذاك وعاداك ولو كان يهودياً أو نصرانياً، وبهذا نمتاز نحن عن البشر، تجد أحدنا يشهد على أبيه أنه قتل؛ حيث يحتاج القاضي إلى اثنين يشهدان على أنه قتل، فيأتي الابن يقول: لقد قتل أبي هذا.

    وآية النساء التي سبق أن درسناها لاحظ كيف تختلف عن هذه في اللفظ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]، فهذا الموقف لا يقفه إلا الربانيون من هذه الأمة، يشهد على أبيه، على أمه، على ابنه، على أخيه بالعدل، ولا يلوي لسانه ولا يحرف الشهادة.

    وليس عندنا تقية، التقية عند الروافض، بل عندنا: فَاصْدَعْ [الحجر:94]،كأنه قذيفة، فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر:94].

    نقول: يا عباد الله .. أيها المؤمنون! أمرنا بأن نكون قوامين لله في طاعته وطاعة رسوله، من الوضوء إلى الغسل، إلى التيمم، إلى الصلاة إلى العبادات، وأن نكون شهداء بالعدل، ولا يحملنا بغض إنسان أو كفره على أن نقول فيه الباطل ونشهد بالزور أبداً، كن مطمئناً، هذا نظام حياتنا.

    الأمر الثاني: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، أقرب إلى أن تظفروا بتقوى الله، التي هي ملاك أمركم وتحقيق ولايتكم لربكم، العدل يقود إليها، فالذي يعيش على العدل هل يخون الله في أمره ونهيه؟ كلا، الذي يعيش على العدل والقسط توجد لديه ملكة نفسية ما يعصي بها الله عز وجل ولا رسوله، ومن لم يعص الله ولا رسوله فقد ظفر بالتقوى، والتقوى ما هي؟ أليست طاعة الله والرسول؟ فملكة العدل تورثك التقوى، وتجعلك من أهلها.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8]، (شُهَدَاءَ) هنا: جمع شاهد، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ [المائدة:8]، أي: لا يحملنكم، شَنَآنُ قَوْمٍ [المائدة:8]، الشنآن: البغض والعداء والعداوة، عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]، هذا هو شأن الله عز وجل مع أوليائه، فمن هؤلاء الذين يخاطبهم ويبين لهم ويهديهم؟ أليسوا أولياءه؟ يريد منهم أن يكملوا ويسعدوا، يريد أن يجاوروه في الملكوت الأعلى، ومن هنا أمرهم بتزكية النفس وتطييبها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم)

    ثم قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، وعدهم بماذا؟ وهل وعد الله حق أم لا؟ فإذا وعدك الله بالشيء فهل ممكن أن يخلف؟ هل يعجز أو ينسى؟ لا عجز ولا نسيان أبداً، فوعد الله ناجز.

    يقول تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، وعدهم بماذا؟ قال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [المائدة:9] لذنوبهم، وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، هو نزولهم في الملكوت الأعلى في الجنة دار السلام في جوار ربهم تعالى، فهل هناك أجر عظيم أكثر من الجنة؟ لو أعطيت بنوك الدنيا كلها فذلك أجر عظيم، لكن هل يبلغ عظم الجنة؟

    فقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، ما المراد من الصالحات هذه؟ هل هي علاج المرضى كما يفعل القسس والرهبان؟ هل توزيع الخبز على الجياع؟ ما المراد من الصالحات؟

    الصالحات: كل اعتقاد أو قول أو عمل أمر الله به وفرضه أو ندبنا إليه أو رغبنا فيه، من عمله طهر به نفسه وزكى روحه، فهو لذلك عمل صالح؛ لأنه يزكي النفس ويطهرها، يدخل فيه الصلاة والزكاة والرباط والجهاد وبر الوالدين والأمر بالمعروف.. كل العبادات تحت شعار: العمل الصالح.

    صفة المؤمن الموعود بالمغفرة والأجر العظيم

    وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:9] أولاً، لأن الصالحات إذا لم يعملها المؤمن إيماناً لا تنفعه، لا تنتج له زكاة ولا طهراً، فالإيمان شرط، بدليل أن الكافر لو تصدق بملء الأرض ذهباً لا يفديه يوم القيامة: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ [الزمر:47]، ولكن هل يقبل منهم؟

    إذاً: وعد الله الذين آمنوا حق الإيمان، فالشيوعيون يقولون: نحن مؤمنون، اليهود مؤمنون، النصارى، المجوس، كلهم مؤمنون، فمن هو المؤمن بحق؟

    المؤمن بحق هو ذاك الذي آمن بوجود الله رباً وإلهاً وآمن بكل ما أمر الله أن نؤمن به، من الملائكة، من الكتب، من الرسل، من البعث، من الجزاء، من الدار الآخرة، من القضاء والقدر، وأعظم من ذلك أن آمن بمحمد رسولاً ونبياً، فلو آمن بكل الرسل وكفر بمحمد فوالله إنه لكافر، لو آمن بكل الرسل وكفر بعيسى فوالله إنه لكافر، لو آمن بكل الملائكة إلا جبريل فوالله إنه لكافر، آمن بيوم القيامة إلا أنه قال: ما نؤمن بجنة ولا نار، فوالله إنه لكافر، فالمؤمن عبد آمن بالله رباً وإلهاً ثم صدق بكل ما أخبر الله به من شأن الغيب والشهادة، وبكل ما أمر الله أن نؤمن به، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]، هذا المؤمن، ومن أراد أن يعرف هل هو مؤمن أو لا فعندنا شاشة قرآنية، ما هي بتلفاز ولا فيديو، شاشة بيضاء قرآنية، من وجد نفسه فيها قال: الحمد لله، ومن لم يجد نفسه فليعلم أنه ما هو بمؤمن، فليمش إلى أهل العلم ويسألهم: كيف نؤمن؟

    قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2]، أي: بحق وصدق، لا بالادعاء والنطق، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2]، من هم يا رب؟ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4].

    وفي شاشة أخرى قال تعالى من سورة التوبة: وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:71]، أي: بحق وصدق، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، امرأة صينية وأنت أمريكاني، فأنت أخوها وهي أختك، فانصرها إذا احتاجت إلى نصرك، وتحبها كما تحب أختك وأمك، مؤمن أسود غربي وأنت أبيض صقلبي، يجب أن تحبه وأن تنصره، متى استغاث بك واستنصرك نصرته، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]، شاشتان في القرآن، فانظر تجد نفسك في الشاشتين إن شاء الله، وإن غبت في موطن فعجل لتظهر فيه.

    حاجتنا إلى التخلص من الذنوب

    وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، مغفرة لأي شيء؟ لذنوبهم، وهل يعقل أن العبد ما يذنب؟ هل هو معصوم؟ لو كان ابن سنة أو سنتين أو عشر فممكن، وإذا عاش سبعين سنة فمن الجائز ألا يذنب، وقد عرفنا أن الذنب ليس دائماً هو أن تسرق أو تزني، بل تقصيرنا في شكر الله من ذنوبنا، أما أمرنا بالشكر؟ فالذي يأكل وما يقول: الحمد لله، أو يركب الطائرة ولا يقول: الحمد لله أليس بمذنب؟

    فطهر نفسك وبعد ذلك تدخل الجنة، يدل لذلك قول الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] أولاً، وإلى وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ [آل عمران:133]، فأولاً: التوبة، ثم العمال الصالح، أما الذي ما زال على الشرك ويعمل الصالحات فما تنفعه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.