إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله بهيمة الأنعام وأنها حلال لعباده المؤمنين، ثم بين لهم ما حرم عليهم فيها وخاصة فيما يتعلق بما أكل السبع، أجاب هنا سبحانه على ما يتعلق بسؤالهم عما أحل لهم، فذكر سبحانه أنه أحل لهم بهيمة الأنعام التي سبق ذكرها من قبل والخالية من العيوب التي سبق ذكرها أيضاً، وأضاف إليها قسمان آخران وهما ما صادته السباع المعلمة بعد ذكر اسم الله على الصيد عند إطلاقها عليه، وكذلك طعام أهل الكتاب المذبوح حلال للمسلمين، وطعام المسلمين حلال لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل القرآن الكريم، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). حقق اللهم هذا الأمل لنا إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    سبب تسمية السورة بالمائدة

    وها نحن مع سورة المائدة، والمائدة -يا أبناء الإسلام- ما يكون عليها أنواع الطعام، سميت هذه السورة بسورة المائدة لذكر المائدة في آخرها، وذلكم أن مجموعة من الحواريين من أتباع عيسى وأنصاره قالوا: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:112-115]، فلهذا من أشد الخليقة عذاباً من أكل من المائدة وكفر والعياذ بالله.

    وهي سورة الأحكام؛ لأنها مدنية من أخريات ما نزل، وتذكرون بالأمس الآية الكريمة وما حوته من أحكام، والآن مع آيتين أخريين تحملان أحكاماً أيضاً، وسنسمع تلاوتهما، وتدبروا وتأملوا وتغنوا إن استطعتم بتلاوتهما.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:4-5].

    سبب نزول الآية الكريمة

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ [المائدة:4]، من السائل؟ أصحاب الحبيب صلى الله عليه وسلم، ذكر القرطبي في تفسيره -وهو من أسلم التفاسير- قال: هذه الآية نزلت بسبب عدي بن حاتم وزيد الخيل ، بسبب عدي بن حاتم الطائي المعروف، والثاني: زيد الخيل الذي سماه الرسول بعد زيد الخير ، ففاز بها.

    قال: إذ قالا: يا رسول الله! إنا قوم نصيد بالكلاب، يصيدون ماذا؟ الغزلان والأرانب وما يؤكل، قالا: نصيد بالكلاب والبزاة، والباز: معروف من الطير، والبزاة: جمع باز، وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء، يعني بقر الوحش وحمر الوحش، والظباء يعني: الغزلان، قالا: فمنه ما ندرك ذكاته- أي: قبل أن يموت نذبحه ونذكيه- ومنه ما تقتله -أي: الكلاب والبازات- فلا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا إذاً؟ فنزلت هذه الآية، أو قرأها رسول الله عليهم.

    قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ [المائدة:4] عرفنا السائلين: زيد الخير وعدي بن حاتم الطائي ، يسألان: ماذا أحل لهم؟ الجواب: قُلْ [المائدة:4] يا رسولنا: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:4]، كل طيب فهو حلال، كل خبيث منتن عفن فهو حرام.

    وقد قلت: لا يحل ولا يحرم إلا الله، أولاً: لأنه المالك، فصاحب الطعام أو الشراب أو اللباس أو الحيوان هو الذي إن شاء أعطاك وإن شاء منعك، أليس الله مالك كل شيء وهو خالق كل شيء؟ الأموال كلها ملكه، يبيح منها ما يشاء، ويمنع ما يشاء، هذه أولاً، بوصفه المالك فلهذا هو الذي يحل أو الذي يمنع.

    الثانية: أنه يعلم ما ينفع وما يضر من مخلوقاته حالاً ومستقبلاً، ونحن لا نعرف؛ فلعلمه وخبرته إذ هو خالق هذه الأشياء يعلم ما يضر وما ينفع، فمن هنا إذا أحل فكل وإذا حرم ومنع فامتنع، وهل يستطيع إنسان أن يحل أو يحرم على عباد الله شيئاً؟ ما يستطيع، أولاً: لأنه لا يملك، ما هو الخالق للأشياء، ليست ملكه حتى يمنع ويعطي.

    وثانياً: لأن الله يعلم ما ينفع من مخلوقاته وما يضر، فما علمه نافعاً أذن فيه وأباحه، ما علم ضرره وفساده منعه على عباده، هذا هو سر التحليل والتحريم.

    فها هم رضوان الله عليهم يسألون: ماذا أحل لهم؟ بين لنا يا رسول الله ما أحل الله لنا؟ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ [المائدة:4] نيابة عنا، فالرسول نائب عن الله، الوحي ينزل عليه هو، وكله الله بهذا، وأسنده إليه، قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:4] جمع طيبة، والطيبات: ما أحله الله تعالى، كل ما أحله الله تعالى طيب، وكل ما حظره الله تعالى ومنعه خبيث، أي: ضار غير نافع، سواء المناكح، المآكل، المشارب، المراكب، كلها، هذا أولاً.

    معنى قوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله)

    ثانياً: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [المائدة:4]، هذه العبارة غريبة عنا نحن العوام، ما معنى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ [المائدة:4]؟ الجوارح عندنا هي السمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج، سميت بالجوارح لأننا نجترح بها، أي: نعمل بها، هذه الأعضاء سميت جوارح لأننا نكتسب بها، فالعين أما تبصر بها حاجتك؟ اللسان أما تنطق به عما تريد؟ يدك أما تعطي وتأخذ بها؟ هذه جوارح أم لا؟ والجوارح سبع.

    وهنا قال: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ [المائدة:4] الجوارح هنا: الكلاب والبازات التي تجترح، الكلب يجترح فيأخذ بيده وفمه، الباز هذا الطائر عند الذين يربونه ويؤدبونه كذلك يجترح ويكتسب، هذه الجوارح من الحيوان بها نكتسب أيضاً اللحم ونأكل.

    وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ [المائدة:4] التي هي كلاب الصيد، والطيور التي أعدت لهذا كالبازات.

    وقوله تعالى: مُكَلِّبِينَ [المائدة:4] أنتم تعلمونهم مكلبين لها، معلمين لها، فالكلب يجرح، لكن لا بد أن تعلمه، وحقيقة الكلب المعلم أنك إذا أرسلته مشى، وإذا دعوته رجع، أما إذا دفعته فعصاك، لوى رأسه وما مشى، أو ناديته فأبى أن يستجيب فهذا ما هو بمعلم، هذا صعلوك لا يصح أن تصيد به، لا بد أن تعلمه ليصبح إذا أرسلته ينطلق، وإذا دعوته يرجع، وإذا قلت له: قف يقف. وهذا يحتاج إلى مران ورياضة، وهذا واقع، وإذا ما علمتم أنتم فهو معلوم عند الناس.

    مُكَلِّبِينَ [المائدة:4] أي: حل كونكم مكلبين لتلك الكلاب حتى تصبح تصيد لك. تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] الله الذي علمنا أم لا؟ علمنا أن نأتي ونذهب ونرجع ونأخذ ونمسك ونطلق، فكذلك هذا الطير أو هذا الكلب من كلاب الصيد؛ إذ نحن الذين نعلمه مما علمنا الله عز وجل.

    فالكلب الذي علمته أنت المكلب له، فإذا عرفت أنه أصبح عالماً بحيث إذا أرسلته ينطلق، وإذا قلت: ارجع رجع، هذا معلم، كلبته فأصبح مكلَّباً وأنت المكلِّب.

    ولعل السر في هذا أن التعليم أزال معنى الكلب منه، أصبح كإنسان، إذا أرسلته انطلق، وإذا دعوته جاء، يأخذ الغزال أو الأرنب ويأتي به، ولا يأكل منه أبداً، فإن كان يأكل منه فما هو بمعلم، هذا ما صاد لك أنت، صاد لنفسه، وفي هذه الحالة إذا وجدته يأكل منها وأدركتها حية أدركت فيها الروح فذكيتها جاز لك ذلك.

    وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] إذاً: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4]، أي: لكم، (على) بمعنى: اللام، فكلوا أيها المؤمنون مما أمسكن -أي: أمسكت الكلاب أو الطيور- عليكم، أي: لأجلكم، إذا كان يمسكها لنفسه فما يصلح أكلها، هو يأكلها، لكن إذا كان يأخذها ويقف عندها، أو يمسكها ويبقى ينتظرك؛ إذ ما يستطيع أن يجيء بالغزال على ظهره فحينئذ لك أن تأكل.

    معنى قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه)

    قال تعالى: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] إذاً: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4]، إذا أمسكن لههن فلا تأكلوا، إذا كان كلبك الذي تصيد به، أو هذا الباز ترسله يصيد له هو ويأكله فهذا ما هو لك أنت، فما أمسكن عليكم.

    ثانياً: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة:4]، حين ترسل الكلب تقول: باسم الله، تقول: باسم الله، وتطلق رصاصتك على الغزال أو على الحيوان، لا بد من ذكر اسم الله: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة:4]. ومن هنا إذا وجدتها ميتة وقد سميت الله عليها فهي لك، على شرط: ألا يكون أكلها هو وقتلها، هي من نفسها ماتت، والطير أو الكلب ما أكلها، فإن أكل منها ووجدتها ميتة فلا، وإذا وجدت فيها الحياة ذكيتها.

    معنى قوله تعالى: (واتقوا الله إن الله سريع الحساب)

    وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة:4]، يا عباد الله! خافوا ربكم، فإن الله إذا حاسب فما يحتاج إلى مائة سنة، ولا عشر ليال، اتقوه لا تخرجوا عن طاعته، أحل لكم ما أحل فأحلوه، حرم ما حرم فحرموه، ولا تتجاوزوا ذلك ولا تعتدوه، وإلا فأنتم عرضة لنقمة الله عز وجل، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الذي يفسق عن أمر الله، ويخرج عن طاعته، ويستحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله، معناه: أنه أعلن الحرب على الله، فليتهيأ.

    وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة:4] هذه الآية الأولى خلاصتها: أنه يحل لنا ما أحل الله لنا من الطيبات مطلقاً من فواكه وخضر ولحوم، كل ما أحل الله، وما علمنا من الجوارح مكلبين، نحن الذين نصيد ونملك كلاب الصيد، هذه الكلاب هي التي يجوز للمؤمن أن يشتريها، وأن يستعملها، أما الكلاب التي لا تصيد ولا تحرس غنماً ولا زرعاً فلا يحل لمؤمن أبداً أن يدخلها بيته، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يربط كلباً في بيته، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، جبريل على باب الرسول تردد، أبى أن يدخل، قال: إن بالبيت جرواً فلا أدخل، فأخرجه الرسول وأبعده.

    وبلغنا أننا لما وسع الله أرزاقنا أصبحنا نقلد اليهود والنصارى في الكلاب، فلان له كلب في سيارته من ورائه، ويربطه في بيته، والله إن ذلك لعرضة لنقمة الله عز وجل، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [المائدة:4]، كلب الماشية يرعاها يمشي معها، كلب المزرعة في المزرعة، كلب الصيد تخرج به حيث تصيد، أما كلب في منزلك فهكذا جرينا وراء النصارى واليهود.

    ومن قال: وإذا كنت أخاف اللصوص على بيتي؟ قلنا: اربطه خارج البيت، إذا نبح باللصوص فاخرج.

    يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ [المائدة:4] أجبهم يا رسولنا. قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:4] مطلقاً وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [المائدة:4] أي: معلمين، لا بد أن تعلم هذا الكلب الذي تصيد به؛ حتى يصبح إذا دفعته اندفع، وإذا دعوته رجع، ويصيد الغزال أو الأرنب ويقف عليه ولا يأكله بفمه، هذا هو المعلم، هذا الذي إذا صدت به حل لك ذلك، ويجوز لك اقتناؤه وشراؤه وبيعه.

    وقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4] هذه إباحة الله وإذنه لنا، مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4] أي: من أجلكم، لا من أجلهن.

    وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة:4] حين نرسل الطير أو الكلب نذكر اسم الله، حين نطلق الرصاصة نقول: باسم الله ونطلق عليها، لا بد من هذا، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة:4] هذا فعل أمر أم لا؟ كيف نقول؟ باسم الله، هذا هو ذكر الله، وأطلق رصاصتك أو أرسل كلبك الذي يصيد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ...)

    ثم قال تعالى في الآية الثانية: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:5] كلوا واشربوا كل طيب، واتركوا كل خبيث ومنتن وعفن.

    والخبائث معروفة أم لا؟ تقدم أنها عشر: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3].

    الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:5] وشيء آخر: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، من هم الذين أوتوا الكتاب؟ اليهود والنصارى، كتاب اليهود التوراة التي أنزلها الله على موسى، وكتاب النصارى الإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عيسى، هل هذين الكتابين صافيين نقيين طاهرين ما فيهما كذب ولا زيادة؟ والله إنهما محشوان بالباطل، الإنجيل في يوم من الأيام حولوه إلى ثلاثين إنجيلاً، ولما انفضحوا وانكشفت عورتهم اجتمعوا في روما وجمعوه في خمسة أناجيل: برنابا، ولوقا، ويوحنا، ومتى، ومرقس، الشاهد عندنا: أن الكتاب أصبح خمسة، إذاً: أربعة أخماس كلها كذب؛ فلهذا هم ضالون ضلالاً.

    الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5] إذا ذبح النصراني أو اليهودي البقرة أو البعير أو الشاة أو الدجاجة أو الطير فسم الله وكل؛ لأنهم أهل كتاب، أي: يؤمنون بالله واليوم الآخر، وبالرسل وبالملائكة، فهم قريبون منا، نأكل طعامهم، ويأكلون طعامنا، والمراد من الطعام هنا: المذبوح، فإذا ذبح الشاة وطبخ لك اللحم فكل، أعطاك فخذاً أو نصف شاة فلك ذلك، على شرط: ألا يذكر عليها اسم المسيح، فإنها حينئذ مما ذبح على النصب، كالذي يذبح باسم عبد القادر ، فما تؤكل، كذلك الذي يذبح باسم المسيح ما تؤكل من باب أولى، لكن ذبحها للأكل، ما هي لعيسى ولا لأمه، هذه الذبيحة إذا ذبحها وأسال دمها لك أن تأكل، لكن إذا كان خنق الدجاجة أو الأرنب أو الحيوان حتى مات، ثم سلخه وأكله هل يجوز أكله؟ لا؛ فهو ميتة.

    أقول: كان اليهود يذبحون تديناً ورحمة بالشاة، ثم جاءت فلسفة جديدة، قالوا: كيف تذبحون الحيوان وتأكلونه؟ فذهبنا إلى مجزرة في باريس لنشاهد، وجدناهم أمامنا جاءوا بثور عظيم فأوقفوه، ثم جاءوا بعصا من حديد وأدخلوها في رأسه، وأخذوا يديرونها بالكهرباء حتى اخترق الظهر ومات، لما مات وفقد الحياة ذبحوه، فهل هذا يجوز أكله ؟ لا يجوز.

    لو كان جملاً أو ثوراً وما استطاعوا ذبحه فضربوه بحديدة فأغمي عليه ثم ذبحوه فإنه يؤكل، لكن أن يقتلوه بالكهرباء حتى يفقد الحياة ويموت، وبعد ذلك يذبح أو لا يذبح فهو جيفة منتنة.

    ذبائح أهل الكتاب حل لنا؛ لأنهم يذبحون كما نذبح، وإن لم يذكروا الله، لكن الشرط ألا يذكروا اسم إله معبود، فحينئذ تكون مذبوحة لغير الله، لكن مع اللحم الذي يذبح للآكلين من الناس إذا ذكوها بكل ما يسيل الدم ويزهق الروح يجوز أكله من لحومهم، ويجوز لهم أيضاً أن يأكلوا من لحومنا، أعطهم لحم ذبيحتك ليأكلوه.

    اسمع النص الكريم: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة:5] أي: حلال. وَطَعَامُكُمْ [المائدة:5] أنتم حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5]، لا تقل: هذا يهودي ما نعطيه ليأكل، إذا احتاج إليك فأعطه، وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة:5] هذه الأولى.

    معنى قوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)

    والثانية: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ [المائدة:5] أي: ومما أحل لكم أيها المؤمنون الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5]، المحصنات: جمع محصنة، وهي العفيفة غير الزانية والباغية، إياك أن تتزوج بالزانية، وإن كانت بنت من كانت، لقول الله تعالى: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، امرأة من المؤمنين معروفة بالبغاء والزنا لا يحلها لك الله أبداً، إلا إذا تابت ومضى عليها زمن، وأهل البلاد كلهم يشهدون بتوبتها منذ كذا عاماً فلا بأس، أمة تتعاطى الزنا لا يحل لك أن تتزوجها؛ لأن الله قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ [المائدة:5]، ما معنى المحصنات؟ العفيفات، التي عرفت بالعفة والطهر والصفاء، أما إذا عرفت بالبغاء فلا يحل نكاحها، حرام، منعنا الله منها.

    وإن أردت أن تتزوج بغياً فإنها تأتي برجل في بيتك ينكحها، فكيف تعيش أنت؟ متعودة على الخبث، غداً تخرج من البيت وتبيت في بيت آخر، فماذا تصنع أنت؟ فهذا تدبير مولانا عز وجل، يدبر لأوليائه وعباده المؤمنين.

    وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ [المائدة:5] أولاً وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5] أي: اليهوديات والنصرانيات، على شرط: ألا تكون داعرة وبغياً، تعرفها بجيرانها أنها عفيفة وطاهرة، لا بأس أن تتزوجها، أما أن تعرف أنها عاهرة وبغي تأتي الفجور فلا يصح.

    وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5] بقي الشرط: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [المائدة:5]، ما الأجور؟ المهور، الصُّدُقات، لا بد من مهر ولا بد من عقد، الولي أو القاضي يعقد لها إذا فقدت الولي، على مهر كذا، فأركان النكاح أربعة: المهر والشهود والصيغة والولي.

    معنى قوله تعالى: (محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان)

    إذاً: قال: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [المائدة:5] حال كونكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [المائدة:5] الخدن: هو الصديق السري في الخفاء، كان في الجاهلية لا تزني الحرائر أبداً، الإماء يقع منهن الزنا، لكن الحرة العربية لا، ولما بايع صلى الله عليه وسلم المؤمنات في مكة عام الفتح عند جبل الصفا جاءت هند فقالت: أوتزني الحرة يا رسول الله؟! لأن البيعة كانت على خمس مواد: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى [الممتحنة:12] ماذا؟ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ [الممتحنة:12] فقالت: أوتزني الحرة؟! لكن قد تتخذ صديقاً في الخفاء، يتخذها شاب في السر ولا يسمع أحد، هذا معنى: متخذات أخدان، كذلك وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ [المائدة:5].

    معنى قوله تعالى: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)

    وأخيراً: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ [المائدة:5] أي: بالإسلام وشرائعه ومبادئه وقوانينه فقد حبط عمله، من ارتد عن الإسلام، الإيمان هنا بمعنى: الإسلام، إذ الإسلام والإيمان شيء واحد، المسلم هو المؤمن، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5]، كل عمل جديد، أما الماضي فقد محي انتهى، وإن مات بدون توبة فهو من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم؛ لقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] بالمعنى الحقيقي الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الزمر:15] أولاً وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] .

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    اسمعوا هداية الآيات، لعلكم تستنبطون من الآية ما قد تعلمون.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيتين:

    من هداية الآيتين:

    أولاً: مشروعية سؤال من لا يعلم عما ينبغي له أن يعلمه ]، بل وجوب سؤالك من يعلم عما لا تعلم، أما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فكل من لا يعلم يجب أن يسأل حتى يتعلم، ولو يرحل ويسافر، لقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ [المائدة:4] فقد سألوه وبين لهم.

    مشروعية سؤال من لا يعلم حتى يعلم، فإذا علم بالمنع امتنع، وإذا علم بالجواز فعل، أخذنا هذا من قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ [المائدة:4].

    [ ثانياً: حلية الصيد ]، أي: ما يصاد من ظباء وغزلان وبقر الوحش، قل ما شئت من حيوانات [ إذا توافرت شروطه ]، [ هي أن يكون الجارح معلماً ]، الكلب الذي يجترح ويصيد لك يكون معلماً، من علمه؟ أنت، كيف علمته؟ الله علمك، حقيقة علمه: أنك إذا قلت له: امش مشى، أو تعال يرجع، فإذا سمى الله تعالى صاحبه عليه ومات الصيد ولم يأكله الكلب جاز أكله.

    قال: [ أن يكون الجارح معلماً، وأن يذكر اسم الله عليه عند إرساله، وألا يأكل منه الجارح ] الذي أرسلته، فإن أكل منه فقد صاده لنفسه، ما صاده لك، [ ويجوز أكل ما صيد برصاص أو بآلة حادة بشرط ذكر اسم الله تعالى عند رميه، ولو وجد ميتاً فلم يذك ]، أنت أطلقت رصاصتك على ظبي، ووجدته ميتاً بضربتك وقد سميت الله فكل، ولا بد أن تكون آلة الصيد مما هو حاد، ما هي بعصا أو حجر.

    قال: [ ثالثاً: إباحة طعام وذبائح أهل الكتاب ]، فتتغدى وتتعشى عند يهودي ولا بأس، أو عند من شئت، وتغديه أو تعشيه، تأكل من ذبيحته أو يأكل من ذبيحتك، فقد أذن مولاكم لكم.

    [ رابعاً: إباحة نكاح الكتابيات ]، ما المراد من الكتابيات؟ نساء اليهود والنصارى، [بشرط أن تكون حرة وعفيفة ]، فإن كانت مملوكة أمة فلا يجوز التزوج بها، حتى الأمة من غير أهل الكتاب، حتى العربية إذا كانت غير مؤمنة لا يجوز التزوج بها، وخاصة الكتابية، لا بد أن تكون حرة ما هي بمملوكة لشخص، وأن تكون عفيفة غير زانية، فيجوز بشرطين: الحرية والعفة.

    وهذا إذن بالجواز فقط وأنت حر، اختر من يصلح لك، إذا شئت أن تتزوج يهودية أو نصرانية بشرطين:

    أولاً: أن تكون حرة ما هي بأمة مملوكة، والثاني: أن تكون عفيفة غير زانية، وأنت حر.

    قال: [ رابعاً: إباحة الكتابيات بشرط: أن تكون حرة عفيفة، وأن يعقد عليها العقد الشرعي، وهو القائم على الولي والشهود والمهر، والصيغة بأن يقول الخاطب لمن يخطبه من ولي أو وكيل: زوجني فلانة، فيقول: قد زوجتكها ].

    عرفنا أنه يجوز أن تتزوج يهودية أو نصرانية بشروط، أولاً: أن تكون حرة ما هي بأمة.

    ثانياً: أن تكون عفيفة ما هي بزانية.

    ثالثاً: تحقق شروط النكاح: الولي والشهود، والمهر، والصيغة، لا يتخذها صديقة ويقول: هذه أذن الله لي فيها.

    [ خامساً: حرمة نكاح المتعة ونكاح الخلة والصحبة الخاصة ].

    حرمة نكاح المتعة؛ لأن نكاح المتعة يتزوجها أسبوعين ونحوهما، فهل هذا يجوز؟ هذا الروافض يعيشون عليه، يعدونه من العبادات، ولا سبب إلا من أجل أن ينفصلوا عن المسلمين، أسألكم بالله: أفيكم كلكم فحول أم لا؟ لو تعلم أن فلاناً خطب بنتك وزوجته وهو ينوي أن يفتض بكارتها بعد أسبوع ويطلقها، هل تفرح وتسعد؟ تستطيع أن تنظر إلى وجهه؟ كيف يجوز هذا؟ لأن نكاح المتعة نكاح إلى أجل، سبعة أيام، ثمانية عشر، وكذا ثم يتركها، وقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمته، وكان مباحاً قبل أن يعلن الرسول حرمته.

    ونكاح الخلة، والخلة: الصداقة، يتخذ الرجل صديقة في الخفاء، وكذلك متخذات الأخدان، فهذا حرام.

    [ سادساً: المعاصي قد تقود إلى الكفر ]، كثرة المعاصي قد تقود صاحبها إلى أن يكفر، من أين أخذنا هذا؟ من ختم الآية: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5]، كيف يكفر بالإيمان؟ بالجري وراء المعاصي والذنوب حتى يفسد قلبه، تنطمس بصيرته ويرتد.

    [ سابعاً: المرتد عن الإسلام يحبط عمله، فلو راجع الإسلام لا يثاب على ما فعله قبل الردة، وإن مات قبل العودة إلى الإسلام خسر نفسه وأهليه يوم القيامة، وذلك هو الخسران المبين ].

    معاشر المستمعين والمستمعات! تعلمتم علماً، فوالله إنه لواجب كل مؤمن ومؤمنة أن يعرف هذا، وكيف نعرف ونحن هجرنا بيوت الله؟ نجتمع على القرآن فقط من أجل الأكل والشرب، على الأموات، فكيف نتعلم؟

    إذاً: هيا نعد: يا أهل القرية! من هذا اليوم لا يتخلف رجل ولا امرأة عن صلاة المغرب والعشاء؛ لنتعلم كتاب الله وحكمة رسوله كل ليلة طول الحياة، فهل سيبقى جاهل أو جاهلة؟ ما نحتاج إلى قلم ولا قرطاس أبداً، نتعلم كتاب الله هكذا، كما تعلم أصحاب رسول الله.

    1.   

    الأسئلة

    الموقف من الذهاب للجهاد في الوضع الحالي

    السؤال: يطلب من فضيلتكم أن تدعو الله له أن يوفق والديه بالسماح له بالجهاد؟!

    الجواب: هذا سؤال سياسي، وأقول: بالله الذي لا إله غيره لا يوجد اليوم جهاد في سبيل الله في العالم قط، وقد يقال: كيف -يا شيخ- تقول هذا الكلام؟ فأقول: الجهاد في سبيل الله أن يبايع المسلمون إماماً لهم، ويلتفون حوله، ويربيهم ويهذبهم، ويقودهم إلى الكمالات، ثم حين تزدهر ديارهم بالأنوار والصلاح والطهر ننقل هذا النور وهذه الهداية إلى إخواننا في البشرية، فترسو سفنهم عند شاطئ بلاد من البلاد، ويطالبونهم بالدخول في الإسلام، أو بالدخول في ذمة المسلمين، أو القتال والجهاد، فهل هذا موجود؟

    فعلتموه في الأفغان وعصيتم الرحمن، وقلنا: لا يجوز إلا أن تبايعوا وأن يؤمكم إمام واحد، وقلنا: هذا الجهاد فيه دخن، وأنتم تضحكون علينا، فما هي نتائجه؟ هل قامت دولة الإسلام؟ هل عبد الله عز وجل وحده؟ والبوسنة والهرسك وغيرها بدون إمام وإسلام، فوالله ما هو بالجهاد.

    الجهاد الذي تطلبونه هو أن يكون للمسلمين إمام، والمسلمون كلهم نور وهداية، وينقلون النور والهداية إلى الأمم الكافرة، ويقاتلونهم إذا رفضوا الدخول في الإسلام، أو يغزو عدو كافر بلاد الإسلام ليحطمها ويسقط رايتها، حينئذ يجب دفعه ورده وهو جهاد.

    أما هذه التخبطات وهذه الأفهام الباطلة فما نقول فيها: جهاد، جاهدوا أنفسكم أولاً، روضوها على الحب والولاء لله ورسوله والمؤمنين.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966333178

    عدد مرات الحفظ

    711651862