إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (47)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله عز وجل لعباده الوصية في الحضر والسفر وحث عليها ورغب فيها، ومن كان موصياً بشيء فلابد أن يشهد على وصيته أثنان ذوا عدل من المسلمين، فإن كان في سفر أو في أرض غير أرض المسلمين، ولم يجد مسلمين يشهدان فله أن يشهد كافرين على وصيته، فإن حصلت ريبة في شهادتهما فيحلفان عليها، فإن عثر على أنهما كذبا في الشهادة فيؤتى بشاهدين آخرين يقومان مقامهما ويردان شهادتهما ويعيدان الحق إلى أصحابه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا -والحمد لربنا- مع سورة المائدة المباركة، الميمونة، ومعنا هذه الآيات الثلاث، وهن من أعظم الآيات في القرآن الكريم، احتار لهن العلماء وكبار الصحابة والتابعين والأئمة، فهيا نتلو ونستمع ونتدبر ونتأمل، فإذا جاء الشرح وجدنا أنفسنا على علم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المائدة:106-108].

    سبب نزول الآيات

    أذكر لكم ما قيل في سبب نزولها أولاً لتتفهموا معنى الآية: كان تميم الداري رضي الله عنه وعدي بن بداء في الجاهلية تاجرين يتجران من مكة إلى الشام، فخرجا وهما على كفرهما ومعهما رجل آخر، فحضرته الوفاة في الشام ومعه أحسن ما يملك، معه جام من الذهب أراد أن يبيعه لملوك الشام، وهو ذو قيمة كبيرة، فلما حضرته الوفاة قدم إليهما أمواله ومنها الجام هذا وأوصاهما أن يبلغا أمواله إلى أهله بمكة، فلما وصلا إلى مكة قدما ما ترك من مال وأخفيا الجام، وقالا: هذا الذي تركه وليكم.

    إذاً: فماذا يصنع أهل الميت؟ سكتوا، لكن قالوا: إن لولينا جاماً من ذهب يبلغ كثيراً، فأين ذهب؟ قالا: هذا الذي تركه. وتمضي الأيام ويدخل تميم الداري في الإسلام، قال: فأسلمت وتأثمت، أي: خفت من الإثم، فرددت نصف الذي أخذته من المال، إذ باعا الجام بألفي دينار أو درهم، فدفع خمسمائة لأهل الميت خوفاً من الله عز وجل، والآخر ما زال على كفره، ابن بداء، فرفعت القضية إلى رسول الله بالمدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآيات في هذه القضية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ [المائدة:106]، فيما بينكم، إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [المائدة:106]، أشرف عليه في سياقاته، ليس معناه: شاهد الموت.

    معنى قوله تعالى: (اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم)

    اثْنَانِ [المائدة:106]، اثنان يشهدان على ما ترك ووصى هذا الميت، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:106]، وهذا قاعدة إلى يوم القيامة: لا تشهد إلا صاحب العدل، كتبت وصيتك فأشهد عليها من هم معروفون بالعدل، أما المعروفون بالحيف والظلم والجور فلا يحق لهم ذلك، ولا يجوز استشهادهم، والآن المحكمة لا تقبل شهادة أي شخص، لا بد أن تثبت عدالته ولو بشاهدين يزكيانه.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة:106]، أي: من غير المسلمين كأهل الكتاب، وهذا القول الراجح، ومنهم من يقول: من قبيلة أخرى أو ناس آخرين، لكن الذي قال به إمام أهل السنة الإمام أحمد هو هذا، وهو أصح ما قيل وإن خالفه الجمهور، (مِنْ غَيْرِكُمْ) أي: من أهل الكتاب.

    معنى قوله تعالى: (إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ...)

    إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [المائدة:106]، أما في بلد الإسلام فما يجوز أن تستشهد كافراً من أهل الذمة اليهود والنصارى، تترك المسلمين وتأتي لتوصي وتشهد كافرين! ما يجوز هذا، لكن إذا كنت في بلاد الكفر في بريطانيا أو أمريكا فإنك تشهد، إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [المائدة:106]، ما معنى الضرب في الأرض؟ الضرب بالرجل، فالمسافر يضرب الأرض، ما يرفع رجلاً حتى يضع الثانية، عجب هذا القرآن الكريم! والماشي كم يضرب الأرض مرة؟ ألف مرة أو آلاف المرات، والمراد من الضرب هنا: السفر للتجارة وغيرها، إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:106]، والموت أكبر مصيبة وأعظمها لا مصيبة أجل منها، تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ [المائدة:106]، تحبسون الشاهدين إذا شك فيهما أو اتهما، ما اقتنع أهل الميت بشهادتهما، فماذا تفعلون بهما؟ تأتون بهما إلى المسجد بعد صلاة العصر، أولاً: المسجد لأنه مكان مقدس ما يستطيع يهودي ولا نصراني ولا مسلم أن يكذب فيه، بل يرهب وترتعد فرائسه، وبعد صلاة العصر بالذات؛ لأن هذا الوقت -كما تعملون- ينزل فيه ملائكة الليل ويعرج ملائكة النهار بأعمال العبد في نهاره وليله، وعند المحراب.

    إذاً: تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ [المائدة:106]، أي: يقولان: بالله الذي لا إله غيره! ما ترك فلان إلا كذا، أو ترك فلان كذا، فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ [المائدة:106]، هذا كله إذا شككتم، أما إذا ما شككتم في الشاهدين على الوصية فما هناك حاجة إلى هذا، لكن إذا شككتم فلا حيلة إلا هذا، إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [المائدة:106]، أي: الشاهدان يحلفان يقولان: لا نشتري بعهدنا وميثاقنا وأيماننا ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ [المائدة:106]، لماذا؟ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ [المائدة:106]، كيف نرضى أن نأثم؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما ...)

    فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [المائدة:107]، فإذا شككتم في أمرهما واستحلفتموهما وحلفا وبعد ذلك عثرتم على ما يدل على كذبهما، فجأة وقعتم على شيء كان مخفياً ما كان معلوماً، فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا [المائدة:107]، بتحريف الشهادة أو الزيادة أو النقصان، فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ [المائدة:107]، نأتي برجلين آخرين يشهدان ويردان شهادة الأولين، وهذا هو العدل، فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [المائدة:107] إن اعتدينا، يقولان هكذا، وترد القضية إلى أصحابها، وهذا الذي أنجزه رسول الله عند محرابه، فجاء من أهل مكة من شهد على رد شهادة الشاهدين وأخذ المال وهو قيمة الجام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ...)

    قال تعالى وقوله الحق: ذَلِكَ أَدْنَى [المائدة:108]، أي: أقرب، أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا \ [المائدة:108]، إذا كانوا يعرفون هذا وأنهم سيعاقبون، وأنهم سيأتون إلى المحكمة ويشهدون، هذه حالة تجعلهم لا يشهدون بالباطل، ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ [المائدة:108]، والعياذ بالله.

    وأخيراً يقول لنا: وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:108]، أي: خافوه فلا تعصوه، لا بالخيانة ولا بشهادة الزور ولا بالقول الباطل ولا بالكذب ولا بالادعاء ولا بالافتراء ولا بأية معصية هي ترك واجب أو فعل حرام، وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:108]، فإنه جبار ذو انتقام، من وقف أمامه متجبراً متكبراً معانداً قصم ظهره، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا [المائدة:108]، اسمعوا هذه التعاليم وطبقوها، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المائدة:108]، فمن فسق عن أمر الله ورسوله وخرج عن طاعتهما لا يهديه الله عز وجل، ما أصبح أهلاً للهداية، فليحذر المؤمن من الفسق، فإن من فسق وواصل الفسق يصبح الفسق جبلة في نفسه وفطرة فيه، ومن ثم لا يقبل الهداية ولا يهديه الله، فلهذا يجب أن نسارع إلى التوبة في كل لحظة، ولا يحل تأجيلها ولا تأخيرها ولو بساعة، متى أذنبت عبد الله، متى أذنبت أمة الله فالتوبة على الفور: أستغفر الله.. أستغفر الله، مع الدموع الحارة، والإصرار على ألا نعود إلى هذا الذنب، صاحب هذه التوبة -إن شاء الله- ينجو، وأما الذي يذنب اليوم ويعيد غداً وبعد غدٍ ويستمر على الذنب فيصل إلى مستوى لا يهديه الله عز وجل حسب سنته، قال تعالى -وقوله الحق- من سورة النساء: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، أي: من زمن قريب. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18] أيضاً.

    الفسق: ترك واجب أوجبه الله أو رسوله، أوجب فعله أو قوله أو اعتقاده، فتركه عبد الله أو أمة الله ففسق، وفعل أو قول ما حرم الله ونهى عنه وتوعد عليه بالعذاب فسق وخروج عن طاعة الله، فالفاسقون بكلمة (أل)، كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المائدة:108]، هم الضليعون في الفسق، المتوغلون فيه، المرتكبون له دهراً من الزمن؛ لأنه أصبح من غرائزهم.

    قالت العلماء: اللصوص الذين تعودوا السرقة تجده يسحبه العسكري أو البوليس بالسلسلة في يده فتخاف عليه، وهو في تلك الساعة يفكر إذا رجع كيف يسرق، كيف يدخل يده، كيف يعمل كذا من أجل السرقة؛ لأنها أصبحت فطرة له وجبلة في نفسه؛ لأنه تعود عليها، وهكذا الزاني واللائط والكذاب والمنافق، وقل ما شئت، كل من تضلع في الفسق وتوغل فيه زمناً طويلاً حاله هي هذه، ولن يتوب، ما يقبل التوبة ولو عرضتها عليه في أطباق الذهب، فلهذا أجمع المسلمون على أن التوبة تجب على الفور ولا يحل تأخيرها أبداً، ويكفي قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، لماذا؟ لأنه إذا توغل لا يرجع، فجر بنساء الناس، أكل أموالهم وسفك دماءهم، فكيف يرجع؟ ما عنده نفسية لأن يرجع أبداً، هذا معنى قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المائدة:108].

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    اسمعوا الآيات مرة ثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:106]، لبيك اللهم لبيك، أعلمنا، علمنا، قال: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:106]، أما إذا كنا في بلاد الإسلام فما نأتي بشاهد كافر أبداً أو فاسق، لكن نأتي به في بلاد الكفر للضرورة، قال: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا [المائدة:106]، متى هذا؟ إذا شك فيهما، تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا [المائدة:106-107]، يبطلان تلك الشهادة بشهادتهما، ويحلفان عند المحراب، فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ [المائدة:107-108] الذي سمعتم أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المائدة:108].

    1.   

    الرد على المجادلين في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    جادل الغافلون أخاً لنا البارحة وقالوا: نحن نقول: الشاة معلقة برجلها، وأنت تقول: لا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا فما هناك نجاة. فقلت له: لو قلت لهم: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105] شرط، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، والذي ما يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر هل اهتدى؟ لقد ضل وغوى، وقلت له: قل لهم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستحيل أن توجد هداية لأمة بدونهما، إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما هو إلا زمن والناس كلهم في الذنوب والمعاصي والآثام، ما ينجو أحد، وضربت لهذا أمثلة عدة، قلنا: البلدية عندها كناسون موظفون، لو أن الكناسين أضربوا عن الكناسة وأصبحت كل عجوز ترمي وسخها عند الباب بعد شهر تصير الأزقة كلها مزابل ثم ينتشر فيها الذباب والوباء والمرض؛ لأننا ما نهينا عن المنكر، كل سكت، فأيما قرية أو أسرة يظهر فيها ترك معروف أو فعل مكروه ويسكت عنه فلا بد أن ينتشر فيهم، فلا هداية إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    اسمعوا الشرح الآن بالتأني.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ ما زال السياق في إرشاد المؤمنين وتعليمهم وهدايتهم إلى ما يكملهم ويسعدهم، ففي هذه الآيات الثلاث ينادي الله تعالى عباده المؤمنين فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:106]، أي: ليشهد اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:106]، أي: من المسلمين على وصية أحدكم إذا حضرته الوفاة، أو ليشهد اثنان مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة:106]، أي: من غير المسلمين، إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ [المائدة:106]، أي: كنتم مسافرين ولم يوجد مع من حضره الموت في السفر إلا كافر ]، هذا ابن بداء وتميم الداري كانا كافرين، فلهذا أشهدهما على الوصية، [ فإن ارتبتم في صدق خبرهما وصحة شهادتهما ] إن فرضنا هذا، [ فاحبسوهما، أي: أوقفوهما بعد صلاة العصر في المسجد ليحلفا لكم فيقسمان بالله، فيقولان: والله! لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً، ولو كان المقسم عليه أو المشهود عليه ذا قربى، أي: قرابة، وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا [المائدة:106]، أي: إذا كتمنا شهادة الله لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا [المائدة:106-107]، أي: وإن وجد أن اللذين حضرا الوصية وحلفا على صدقهما فيما وصاهما به من حضره الموت، إن وجد عندهما خيانة أو كذب فيما حلفا عليه، فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ الظَّالِمِينَ [المائدة:107]، قائلين: والله! لشهادتنا أحق من شهادتهما، أي: لأيماننا أصدق وأصح من أيمانهما، وَمَا اعْتَدَيْنَا [المائدة:107]، أي: عليهما باتهام باطل، إذ لو فعلنا ذلك لكنا من الظالمين، فإذا حلفا هذه اليمين استحقا ما حلفا عليه ورد إلى ورثة الميت ما كان قد أخفاه وجحده شاهدا الوصية عند الموت ]، كما تقدم.

    [ قال تعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا [المائدة:108]، أي: أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة عادلة لا حيف فيها ولا جور، وقوله تعالى: أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ [المائدة:108]، أي: وأقرب إلى أن يخافوا أن ترد أيمانهم فلا يكذبوا خوف الفضيحة، وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:108]، أي: خافوه أيها المؤمنون فلا تخرجوا عن طاعته، وَاسْمَعُوا [المائدة:108] ما تؤمرون به، واستجيبوا لله فيه، فإن الله لا يهدي إلى سبيل الخير والكمال الفاسقين الخارجين عن طاعته، واحذروا الفسق واجتنبوه ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: مشروعية الوصية في الحضر والسفر معاً ]، ما معنى: مشروعية؟ أي: جائزة، ما هي بواجبة، المشروعية: كون هذا شرعه الله عز وجل، [ مشروعية الوصية في الحضر والسفر معاً والحث عليها والترغيب فيها ]، والرسول أوصانا، قال: ( لا يبيتن أحدكم إلا ووصيته عند رأسه )، إذا كان له أو عليه، ما من مؤمن عليه ديون أو له ديون لا يبيت ليلة إلا ووصيته مكتوبة عنده، وهذا عمل به المسلمون، عليك ديون للمؤمنين يجب أن تكتبها وتشهد عليها وتوصي، فإذا مت أخذت من التركة، لك أموال عند الناس كذلك؛ حتى لا يضيع حق الورثة، الوصية مشروعة ومتأكدة ومرغب فيها أشد الترغيب، ولكن لو لم يفعلها لا يأثم.

    [ ثانياً: وجوب الإشهاد على الوصية ]، إذا وصيت وأنت على سرير الموت: فلان له كذا.. فلان له كذا؛ فلا بد أن تشهد على تلك الوصية، أما بدون شاهد فقد يردونها، يقولون: ما هو بصحيح هذا.

    [ ثالثاً: يجوز شهادة غير المسلم على الوصية إذا تعذر وجود مسلم ]، قد يقول قائل: إذا كان المؤمن الفاسق لا تقبل شهادته فكيف -إذاً- نقبل شهادة بريطاني أو فرنسي؟

    الجواب: للضرورات أحكام، إذا كنت بين المسلمين فلا يحل لك أن تشهد كافراً أبداً، حرام عليك، لكن إذا كنت بين كافرين فلا تضيع حقوق الورثة، لا بد أن تشهد، وهذا الذي قال به الإمام أحمد رحمه الله.

    [ يجوز شهادة غير المسلم على الوصية إذا تعذر وجود المسلم ]، تعذر: أصبح لا يمكن، من غير الممكن، أنت في مستشفى في بريطانيا وما هناك مسلم فكيف تصنع؟ أما يذهب الناس يتعالجون؟ ولاحت له حالات الوفاة وعليه وصايا، فيشهد اثنين من أهل المستشفى كافرين، وإذا أردنا أن نحلف الكافرين فبم نحلفهما؟ بما يعظمان، حتى بعيسى ومريم ؛ لأنهم إذا كانوا يعظمون شخصاً لا يستطيعون أن يكذبوا معه.

    [ رابعاً: استحباب الحلف بعد صلاة العصر تغليظاً في شأن اليمين ]، في المسجد وعند المحراب وبعد العصر، فالمؤمن ترتعد فرائصه ويخاف من هذا الموقف، إذا كان فيه إيمان يتحرك إيمانه، ويعترف بالحق ولا يكذب ولا يشهد بالباطل.

    [ خامساً: مشروعية تحليف الشهود إذا ارتاب القاضي فيهم أو شك في صدقهم ]، شاهدان شهدا على أن فلاناً قتل فلاناً، أو أخذ حق فلان، وشك القاضي أنهما قد يكونان كاذبين لإرادة كذا أو كذا؛ فماذا يصنع القاضي؟

    قال: [ مشروعية تحليف الشهود إذا ارتاب القاضي فيهم أو شك في صدقهم ]، لا بد أن يستحلفهما وعند المنبر أيضاً بعد العصر، حتى لا تضيع حقوق المؤمنين والمؤمنات.

    اللذان عند الوصية شهدا فشككت أنت فيهما، فتأتي أنت وواحد معك فترد الشهادة؛ فما كل من يشهد يصدق، لا سيما وهم كافران، فيأتي شاهدان آخران ما كان حاضرين عند الوصية، وهذه الشهادة كانت لهما ومن أجلهما فشكا فيمن شهدا، يرفعان القضية إلى المحكمة، يقولان: نحن نشك في شهادة هذين الرجلين، أبونا ترك أكثر من هذا.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع، وأن يجعلنا من أهل القرآن والعمل به.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.