إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (45)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حذر الله عز وجل عباده المؤمنين أيما تحذير من السؤال عما لم ينزل القرآن ببيانه؛ لأن هذا السؤال فيه إحفاء للرسول صلى الله عليه وسلم وأذية له، وبين سبحانه أن من كان قبلهم تكلفوا مثل هذه الأسئلة فكلفهم الله عز وجل ما يشق عليهم جزاء تعنتهم، فأصبحوا كافرين بها عندما تركوا العمل بها، وهذا حال كل من يتكلف ويسأل فيما لم يفرض عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وما زلنا مع سورة المائدة المدنية، المباركة، وها نحن مع هذه الآيات الأربع:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ * مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:101-104].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا نداء الرحمن لأهل الإيمان، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:101]، لبيك اللهم لبيك، سمعاً وطاعة، مر نفعل، انه ننته، أدب نتأدب، انصح نقبل النصيحة، نحن مستعدون؛ لكمال حياتنا، لأن المؤمن الحق الصادق الإيمان حي يسمع ويبصر ويعي ويفهم ويأخذ ويعطي، بخلاف الكافر فإنه ميت، لا يسمع النداء ولا يجيب.

    حادثة نزول الآية الكريمة

    هنا نادانا لينهانا عن أشياء، فنقول: انتهينا ربنا. قال تعالى: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، هذا لما أكثر المؤمنون من سؤال الرسول وأحرجوه وأتعبوه، وكان الباب مفتوحاً قبل نزول هذه الآية، فتألم وقام خطيباً وقال: ( لا تسألونني عن شيء إلا أجبتكم عنه. فسألوه، وقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: أبوك حذافة )، ولما سمعت أمه غضبت غضباً شديداً، وقالت: أرأيت يا ولدي لو كان نسبك إلى غير أبيك، ماذا يكون حالي وموقفي بين الناس؟

    وحمل الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة على هذا السؤال أنه كان إذا تلاوم مع أحد الأصحاب -أي: عذله-فكأنه ينسبه إلى غير أبيه، وهذا في الجاهلية ليس في الإسلام، فأراد التأكد من صحة نسبته إلى أبيه، فسأل وما كان من حقه أن يسأل.

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. فقام رجل فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت الرسول، حتى أعادها ثلاث مرات، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم )، وفي لفظ: ( ولكفرتم )، ومعنى هذا: أن الله أدب المؤمنين مع رسولهم ومع علمائهم، لا يحل لنا الأسئلة التي فيها تعنت وتقعر ولا تجدي ولا ثمر، هذه الأسئلة محرمة بهذا النص: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة:101] وترى تَسُؤْكُمْ [المائدة:101].

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها )، وفي الحديث الصحيح: ( نهاكم عن ثلاث، منها: كثرة السؤال )

    وكثرة الأسئلة وطرحها لا توجد أبداً خيراً ولا تثمر خيراً، فمتى نسأل؟ نسأل عند الحاجة، لنريد أن نعلم ما حرم الله علي أو ما أوجب علي.

    تأديب المؤمنين بأمرهم بترك السؤال عما لا ينفع

    والآداب المحمدية منها قوله: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )، فالذي لا يعنيك بمعنى: لا أنت تريد أن تقوم به وتفعله، ولا أنت تريد أن تتخلى عنه وتتركه، فلم تسأل عنه؟ ولهذا أدبنا الله عز وجل بهذه الآية: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]، فلو قال الرسول: نعم لوجب الحج كل سنة، ومن يحج كل عام؟ لو قال الرسول صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن حذافة: أبوك فلان فكيف تكون حاله وحال أمه وأسرته؟ فما دام قد بين الله ما أحل لنا وما حرم فلا حاجة أبداً إلى التعنت والسؤال، ما أحله حلال وما حرمه حرام وما سكت عنه فهو رحمة منه لنا، لا نتعب أنفسنا ولا نشقيها.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة:101]، الآن ما بقي القرآن ينزل، وانتهت تلك الأزمة الأولى، لكن بقينا على مبدأ الآداب الإسلامية والأخلاق النبوية، إذا كنت في حاجة إلى مسألة فاسأل، وإذا ما كنت في حاجة إلى أن تعرف حكمها، أو ما أنت بفاعل ولا تارك فلم تسأل؟ وكثرة السؤال ممنوعة مطلقاً حتى في المال، فالمحتاج أيضاً لا ينبغي أن يلح في أسئلته: أعطوني واكفوني وافعلوا بي، تسأل مرة واحدة؛ لأن هذا أدب عام خالد بخلود هذه الأمة والقرآن الكريم.

    وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ [المائدة:101] فلا بأس، تنزل الآية ويبين الرسول الحكم، ولكن الله عفا عما سلف مما سألتم، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101]، فلهذا ما آخذهم ولا عذبهم، غفر لهم وحلم عليهم فلم يعذبهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)

    ثم قال لهم: قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة:102]، أسئلة تعنت هذه، من بينها أسئلة اليهود، أما قالوا لموسى عليه السلام: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153] ننظر إليه، وهل هذا السؤال يطلبه إنسان؟

    يسمعون كلامه وهو يناجيه بجبل الطور وهم سبعون شخصاً معه أو ستون، ولما سمعوا الكلام قالوا: نريد أن نرى وجه ربنا، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.

    وقوم صالح في شمال الحجاز قالوا: يا صالح! لتدلل على نبوتك ورسالتك؛ أخرج لنا من هذا الجبل ناقة. وقام يصلي ودعا الله، فانشق الجبل وخرجت الناقة، فما هي النهاية؟ حاولوا عقرها وقتلوها، وكانت النهاية أن دمرهم الله دماراً كاملاً، نتيجة أنهم يسالون عن أشياء ما هم أهلاً لها.

    وأصحاب عيسى قالوا: هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ فأنزلها الله واشترط أن من كفر بعدها يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، وهكذا، فالتعنت والأسئلة التي لا تجدي وتثير الفتن والمتاعب والمشاغب -والله- لا تجوز إن تأدبنا بآداب ربنا ورسولنا.

    فلا نسأل عالماً ذا علم إلا عن مسألة أنا في حاجة إلى معرفتها، أيحل لي هذا أو لا يحل، أيجب أن نفعل هذا أو نتركه، في هذه الحدود، أما سؤال التنطع والتقعر فهذا منهي عنه ومكروه ولا يجوز وفيه أذية، فتسأل على قدر حاجتك، فإذا كنت جائعاً تسأل طعاماً، إذا أكلت وشبعت فلا تسأل مرة ثانية، أنت ظمآن فاسأل على قدر ظمئك، أنت عار تريد كسوة تستر عورتك تسأل بقدر حاجتك، وهذا هو حال المؤمنين في كل حياتهم، ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )، فالذي ما يعنيك ولا تنتفع به ولا يضرك لا تسأل عنه، وهذه المحنة يتخبط فيها المسلمون منذ قرون شرقاً وغرباً، أكثر الفتن والمتاعب والمصاعب ناتجة عن هذه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ...)

    وفي الآية الثانية قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة:103]، أي: ما سن الله بحيرة ولا سائبة ولا شرع هذا ولا سنه أبداً، هذا من فعل المشركين الكافرين، ولا شك أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن هذه الأربع، فأخبر تعالى أنه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة:103]، فما البحيرة؟ وما السائبة؟ وما الوصيلة؟ وما الحامي؟

    هذه ابتدأت يوم ضعفت الديانة الإسماعيلية، فهذا عمرو بن لحي الخزاعي ذهب إلى الشام، فوجد العمالقة يعبدون الأصنام، فسأل أن يعطوه صنماً يأخذه إلى الحجاز، إلى الجزيرة؛ ليعبدوه، فهو أول من جاء بالأصنام، وجاء بهبل، هو الذي جاء به من الشام ووضعه عند البيت، ولهذا رآه الرسول صلى الله عليه وسلم في النار يجر قصبه -أمعاءه ومصارينه- ممزقة وهو يسحبها في النار، هذا أول من أحدث الشرك في الجزيرة: عمرو بن لحي الخزاعي.

    فالبحيرة: من بحر الشيء: بقرة أو ناقة تشق وتبحر أذنها وتعلم أنها للآلهة، وأنها يتوسل بها ويستشفع بها إلى الله، وتترك فلا تركب ولا تذبح ولا يؤكل منها.

    والسائبة: التي تسيب للآلهة وتترك، لا يؤخذ وبرها ولا صوفها ولا حليبها ولا تؤكل.

    والوصيلة: التي تلد أول ما تلد أثنى، أو تصل أنثى بذكر بحسب ترتيباتهم، هذه الوصيلة أيضاً تترك للآلهة.

    والحامي بمعنى: المحمي، الجمل الذي بلغ كذا يحمونه للآلهة فلا يركبون عليه ولا يبيعونه ولا يأكلون لحمه، يتركونه للآلهة يتقربون به إلى الله عز وجل.

    فلما سئل الرسول أجاب الرحمن عز وجل: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة:103]، أبداً ما سن هذا ولا شرعه ولا قرره، هذا من عمل الجاهلية، وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103]، نسبوا هذا إلى الله كذباً عليه والله ما جعل هذا.

    وإذا نظرنا إلى واقع العالم الإسلامي منذ أكثر من ألف سنة نجد لهذا نظائر في قباب وأشجار ومعابد، كل هذا يدعون أنهم يتوسلون به إلى الله، ويستشفعون به إلى الله، والله ما شرعه ولا أمر به ولا جاء الرسول به أبداً، القباب تضرب وتبنى وينزل تحتها من ينزل يحرسها ويحميها، ويأتي نساؤنا ورجالنا يتبركون ويتمرغون ويدفعون مقابل ذلك نقوداً في يد هذا القائم على الضريح، كل هذا من زينه؟ الشيطان الذي يريد أن يضل الإنسان ولا يهتدي، وشجرة -والله- يعكفون عليها ويعبدونها.

    إذاً: عرفنا أن هذا من الشيطان، وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:103]، من أين لهم العقل؟ كلهم لا يعقلون إلا ما شاء الله، الذي يفتري الكذب ويختلقه على الله هل هذا مؤمن؟ هل يستحق كرامة؟ تكذب على من؟ على الله فتقول: أحل الله والله ما أحل، وتقول: حرم الله والله ما حرم!

    الرد على مفت بانتفاء تحريم الخمر واللواط في القرآن الكريم

    ومن الغريب أن أحد علماء الزمان في الديار المصرية أعلن في صراحة أن الخمر ليست محرمة في القرآن، وأن اللواط كذلك، هذا الشيخ يقال له: العشماوي ، ورد عليه رجال العلم في مصر والأردن والمملكة.

    والشاهد عندنا في أن الشياطين تزين الباطل والإجرام والفساد والشر لأوليائها؛ لينشروه، فهذه الكلمة لولا أنه قومها أهل العلم وأسكتوه لكان البسطاء والجهال كلهم يقولون: قال العالم: الخمر ما هي بحرام في القرآن، واللواط ما هناك نص في القرآن على تحريمه.

    والشاهد من هذا: أن الشياطين هي التي تزين الباطل لأوليائها، فهذا الرجل يجب عليه أن يتوب ويعلن عن توبته، وإلا فهو أقبح من المرتد والعياذ بالله، أمر مجمع عليه بالكتاب والسنة وأمة الإسلام إلى اليوم على تحريمه ثم يقول بحليته؟! هل لهذا عقل أو دين؟ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103]، هذا يقول: الخمر ما هو بحرام، فكذب على الله أم لا؟ الله يقول: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91]، هذا أبلغ من كلمة: (انتهوا)، هذا معناه: تنتهون أو ننزل عقوبتنا ونضرب على أيدكم، أبعد هذا نطلب نصاً للتحريم؟

    أما كلمة اللواط فما كان العرب يعرفونها أبداً ولا يسمعون بها، لولا أن القرآن نزل بها عن قوم لوط لما عرفوها، وما هناك هبوط ولا سقوط ولا موت ولا دمار أكثر من أن ينزو الذكر على الذكر، ثم في هذا يتكلم هذا العالم ويقول: اللواط ما هو بمحرم في الكتاب! هذا افتراء على الله وكذب على الله.

    وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:103] لظلمة نفوسهم، ولتسجيلهم في عذاب الجحيم يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:103]، لو كانت لهم عقول يعرفون بها الحق من الباطل والخير من الشر، والضار من النافع لما كانوا يعبدون الأصنام أو يذيعون ويعلنون عن إباحة المحرمات والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ...)

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، نقول لهذا: أنت تقول: الله ما حرم الخمر ولا حرم اللواط، فتعال إلى الكتاب والسنة؟

    قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، هؤلاء المشركون والخرافيون وأصحاب البدع إذا دعوتهم إلى الكتاب والسنة يقولون: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، إلى الآن ما من صاحب بدعة ولا خرافة ولا ضلالة في ديار الإسلام إذا دعوته يقول: وجدنا آباءنا على هذا، علماؤنا قالوا بهذا! فكيف تدعى إلى الكتاب والسنة، إلى الله والرسول ثم ترفض وتقول: يكفيني أبي وأمي أو أجدادي وأهل بلادي؟ فهذه الآية كأنها تنزل الآن؛ لأن هذا القرآن كتاب هداية للبشرية إلى نهاية الحياة.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا [المائدة:104] نتحاكم، نتقاضى إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ [المائدة:104]، وبياناته لكتاب الله وهداياته وسننه، قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، يكفينا هذا.

    قال تعالى: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:104]، أيقولون هذا القول ويفزعون إلى هذا المفزع؟ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا [المائدة:104] من المعرفة، ولا يهتدون إلى حق وإلى صراط مستقيم، كيف يتبعونهم ويقتدون بهم؟! وفي هذا أنه يحرم الاقتداء بالجهال والاهتداء بهم، لا اقتداء إلا بالعالمين العارفين بالله.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية أسمعكم الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة:101-102]، سؤال قوم عيسى وسؤال قوم صالح وموسى وغيرهم، وهلك السائلون لأنهم يسألون سؤال تنطع وعناد ومكابرة.

    مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة:103]، هذا من وضع الضلال ومن وضع الشياطين، فما عندنا قبر يعبد ولا صنم ولا حجر ولا جدار، وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103]، خذها قاعدة: الكافر يكذب على الله؛ لأنه لا يعرفه ولا يخافه ولا يرهبه، يكذب فيقول: قال الله، أذن الله، منع الله، حرم الله، وهو يكذب، كما كذب هذا العشماوي، وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:103]، ولو عقلوا ما تورطوا.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:104]، أي: إلى الكتاب، وَإِلَى الرَّسُولِ [المائدة:104]، أي: بيانه وسنته وهدايته؛ لأن الرسول لا يبقى حياً دائماً، فالباقي سنته، ولو كان حياً ونحن في نجد أو في الشام أو في العراق فإنا نتحاكم إليه أيضاً؟ والسنة الآن هي التي نتحاكم إليها.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ [المائدة:104]، هذا من باب التأنيب والإنكار عليهم، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:104]، يقولون: نتحاكم إلى آبائنا وهم جهلة لا يعرفون شيئاً!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    لنستمع مرة ثانية إلى شرح الآيات من الكتاب وتأملوا.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ لقد أكثر بعض الصحابة من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تضايق منهم ] ومن أجله نزلت الآية، [ فقام خطيباً فيهم وقال: ( لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم. فقام رجل يدعى عبد الله بن حذافة

    كان إذا تلاوم مع رجل دعاه إلى غير أبيه، فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: أبوك حذافة

    ) ، وقال أبو هريرة : ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ ) ]، لم يسأل هذا السؤال؟ هل هو في حاجة إلى هذا؟ [ ( فسكت ) ] الرسول صلى الله عليه وسلم غير راض بهذا السؤال [ ( حتى قالها ثلاثاً ) ] قال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت، أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت، أفي كل عام يا رسول الله؟ [ ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم ) ]، وإذا ما فعلنا فماذا ينزل بنا؟ [ ( ثم قال: ذروني ما تركتكم )] اتركوني ما تركتكم. [ فنزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101]، الآيات، أي: تظهر لكم جواباً لسؤالكم يحصل لكم بها ما يسؤكم ويضركم، وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة:101]، أي: يبينها رسولنا لكم ]، إذا نزلت آية أو حكم في القرآن فاسأل لتعرف معناه، فالرسول يبين، [ أما أن تسألوا عنها قبل نزول القرآن بها فذلك ما لا ينبغي لكم؛ لأنه من باب إحفاء رسول الله وأذيته صلى الله عليه وسلم.

    ثم قال لهم تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْهَا [المائدة:101]، أي: لم يؤاخذكم بما سألتم وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة:101]، فتوبوا إليه يتب عليكم واستغفروه يغفر لكم ويرحمكم فإنه غفور رحيم.

    وقوله تعالى: قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة:102]، أي: قد سأل أسئلتكم التنطعية المحرجة هذه سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة:102]، لأنهم كلفوا ما لم يطيقوا وشق عليهم؛ جزاء تعنتهم في أسئلتهم لأنبيائهم، فتركوا العمل بها فكفروا. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية.

    وأما الثالثة فقد قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة:103]، ومن الجائز أن يكون هناك من يسأل الرسول عن البحيرة وما بعدها ] وهو كذلك [ فأنزل الله تعالى فيه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [المائدة:103]، أي: ما بحر الله بحيرة ولا سيب سائبة ولا وصل وصيلة ولا حمى حامياً، ولكن الذين كفروا هم الذين فعلوا ذلك افتراء على الله وكذباً عليه، وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:103]، ولو عقلوا ما افتروا على الله وابتدعوا وشرعوا من أنفسهم ونسبوا ذلك إلى الله تعالى، وأول من سيب السوائب وغير دين إسماعيل عليه السلام عمرو بن لحي الخزاعي الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر قصبه في النار، أي: أمعاءه في جهنم. هذا ما تضمنته الآية الثالثة ].

    فالرسول عرضت عليه النار والجنة، رآها رؤية واقعة، لكنها عرضت عليه كما تعرض عليكم الآلات في التلفاز، فما بقي عجب، فشاهد عمرو بن لحي يجر أمعاءه في النار والعياذ بالله؛ لأنه أول من سن الشرك وأتى به إلى هذه الديار، جاء بهبل ووضعه عند الكعبة.

    قال: [ أما الرابعة فقد أخبر تعالى أن المشركين المفترين على الله الكذب بما ابتدعوه من الشرك وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ [المائدة:104]، ليبين لكم كذبكم وباطلكم في بحر البحائر وتسييب السوائب، يرفضون الرجوع إلى الحق ويقولون: حَسْبُنَا [المائدة:104]، أي: يكفينا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104]، فلسنا في حاجة إلى غيره. فرد تعالى عليهم منكراً عليهم قولهم الفاسد: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا [المائدة:104]، أي: يتبعونهم ويحتجون بباطلهم ولو كان أولئك الآباء جهالاً حمقاً لا يعقلون شيئاً من الحق، وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:104] إلى خير أو معروف؟ ]، ولهذا ما زال إلى الآن أصحاب البدع في دارنا الإسلامية يحتجون فيقولون: العلماء قبلكم ما قالوا هذا، وجدنا علماءنا في هذه البلاد يقولون كذا وكذا! فهل هذه حجة؟ دعاك إلى قال الله وقال الرسول وتقول: وجدنا علماءنا يفعلون كذا! هذا تشبه بالمشركين أم لا؟ مهما ما كنت إذا دعيت إلى الكتاب والسنة فقل: آمنت بالله، وصلى الله وسلم على رسول الله، هات الكتاب والسنة.

    والآن لاشك أن المستمعين والمستمعات فهموا هذه الآيات إن شاء الله، لكن تنتفعون بها يوم تقرءونها، لا بد من قراءة القرآن، أما أن تسمع الآيات ولا تعود إليها تتلوها ليلاً ونهاراً فكيف تبقى في ذهنك؟ لكن الذي يرجع إلى الآيات يتلوها في تهجده في أوقات فراغه يمر بها يذكر ذلك.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: كراهية الإلحاف ]، ما معنى: ألحف في السؤال؟ أكثر فوق العادة، وقد قلنا: إن المراد مطلق السؤال، حتى لو سألت المال، سألت الدراهم، سألت عن أي شيء، لا تلحف وتلح، تأدب، فضلاً عن أسئلة تتعلق بدين الله وما عند الله.

    [ كراهية الإلحاف في السؤال والتقعر في الأسئلة والتنطع فيها ]، التقعر: أن يذهب بعيداً إلى معان ما تخطر في البال، والتنطع كذلك أن يطلع إلى أشياء ما سمع بها، فاسأل عما أنت في حاجة إليه أن تعبد الله به وتعرفه، بل نحن نقول: لا يجوز أن نؤذي أمياً، حارس عند الباب اسأله بلطف لا تلحف عليه: من أنت وكيف هذا؟ كما يفعل الجهال، فمن أين أخذنا هذا الهدى؟ من قوله تعالى: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101].

    [ ثانياً: حرمة الابتداع في الدين ]، ليس من حق أي عالم أو رباني أو ولي أن يبتدع بدعة في الإسلام ويدعو الناس إليها؛ لأن هذا تجهيل لله، أو نسبة النسيان إلى الله أو نسبة عدم العلم إلى الله، حتى جاء هو بعبادة يدعو الناس إليها، فلهذا كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، والذين يبتدعون ويزيدون هل الإسلام ما كفاهم حيث أدوا الواجبات والفرائض والنوافل وبقي وقت فأرادوا أن يزيدوا شيئاً؟! إن الفرائض ما أدوها.

    [حرمة الابتداع في الدين وأنه سبب وجود الشرك في الناس ]، سبب وجود الشرك ما هو؟ والله! إنه البدعة، هي التي تنتقل من تحسين بدعة إلى عمل شرك، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:103].

    [ ثالثاً: وجوب رد المختلف فيه إلى الكتاب والسنة والرضا بحكمهما ]، إذا حصل خلاف بين مؤمن ومؤمن يجب أن يرد ذلك إلى الكتاب والسنة والرضا بالحكم، لا نرده إلى الكتاب والسنة وبعد ذلك ما ترضى وما تقتنع، وجوب رد المختلف فيه إلى الكتاب القرآن العظيم، والسنة سنة الرسول عليه السلام، والرضا بحكمهما، واقتنع وطأطئ رأسك وقل: آمنت بالله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تقل: أنا مذهبي ما يقول بهذا. فهذا الحكم أخذناه من قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [المائدة:104].

    [ رابعاً: حرمة تقليد الجهال واتباعهم في أباطيلهم ]، يحرم أن تقلد جاهلاً يا عبد الله، لا يحل لك أن تقلد جاهلاً وتعمل بقوله ورأيه وعمله وتتبعه في باطله، الجاهل أعمى فكيف يقودك؟! يقودك من علم وعرف وأصبح ذا نور وهداية، هذا قلده، أما أن تقلد جاهلاً باطلاً فتقع في الهلاك، وأكثر البدع قلد فيها المسلمون الجهال، إذ ما وجدوا علماء دعوهم إليها، يندر هذا، الجهال يقلد بعضهم بعضاً.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.