إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (38)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل هو خالق الخلق ومصرف أحوالهم، والعالم سبحانه بما يصلح لهم وما لا يصلح، وقد أحل لهم سبحانه الطيبات من الرزق، وحذرهم من تحريم شيء منها، وأمرهم بتقواه سبحانه وتنفيذ أوامره، وعدم تحريم شيء من الطيب الحلال من الرزق الذي أحله لهم؛ لأنهم بذلك يكونون قد اعتدوا على حقه سبحانه، وهو جل جلاله يبغض المعتدين ويحب المتقين.

    1.   

    منهج رسول الله طريق الخلاص من المحن

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المائدة المدنية، المباركة، الميمونة.

    معاشر المستمعين والمستمعات! نحن مع هذه الثلاث آيات:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ * لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:87-89].

    معاشر المستمعين! أكثركم حجاج بيت الله الحرام، نحن على نهجنا في هذه الدعوة ندرس أربع ليالٍ كتاب الله عز وجل، وهي ليالي: السبت والأحد والإثنين والثلاثاء، وندرس يوم الأربعاء (عقيدة المؤمن)، ويوم الخميس ندرس السنة النبوية الطاهرة الشريفة من الجامع الصحيح للإمام البخاري ، وندرس السيرة النبوية العطرة يوم الجمعة ليلة السبت، وهذا الذي ندعو إليه إخواننا المؤمنين في ديارهم.

    يا معاشر المستمعين! اعلموا -والعلم ينفع- أنه لا سبيل لنجاتنا والخروج من فتننا وما نتعرض له من الإحن والمحن إلا العودة إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا المنهج الرباني الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتهجه ويدعو أمته إليه، وهو أن نجتمع في بيوت ربنا كل ليلة وطول عمرنا وحياتنا نتلقى الكتاب والحكمة، إن محننا قديماً وحديثاً ومستقبلاً هي ثمرة جهل هذه الأمة، وبعدها عن كتاب ربها وهدي نبيها صلى الله عليه وسلم، إن شئت حلفت لكم بالله على أن ما نشكوه من الكذب والخيانة والظلم والخبث والشر والفساد والفتن والله إنه لثمرة الجهل بالله وبمحابه ومساخطه، وبما هيأه لأوليائه وما أعده لأعدائه، الجهل هو سبب هذا الشقاء، سبب هذه الفتن وهذه المحن، والطريق إلى أن نعلم ونتعلم هو أن نجتمع في بيوت ربنا عز وجل، وذلك كل ليلة، لا يوماً في الأسبوع ولا يومين ولا ثلاثة، دقت الساعة السادسة مساءً فنلقي بآلات العمل من أيدينا ونتوضأ ونحمل نساءنا وأطفالنا إلى بيوت الله عز وجل نتعلم كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، والله ما يمضي على المؤمن الصادق في إيمانه الذي يتعلم الكتاب والحكمة سنة واحدة إلا وهو من أفقه الناس وأعلمهم، وأعرفهم بمحاب الله ومساخطه وأقدرهم على فعل المحبوب لله وترك المكروه لله، وهذا هو سبيل النجاة، فها نحن في هذا المسجد طول العام، ومع الأسف الناس في المقاهي والملاهي، وفي المتاجر والملاعب، ويهجرون هذا العلم، ثم نشكو، فماذا نشكو؟ لم يوجد الظلم؟ لم يوجد الخبث؟ لم يوجد الفساد؟ لم يوجد سوء الأخلاق، لم يوجد الهبوط في الآداب؟ كيف نتأدب؟ كيف نكمل؟ كيف نسعد بدون أن نقرأ كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، والله يمتن على هذه الأمة ويقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2].

    وهذا إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل عليه السلام وهما يبنيان الكعبة يقولان: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، واستجاب الله لإبراهيم وإسماعيل، وبعث في ذرية إسماعيل محمداً صلى الله عليه وسلم، ونبأه الله وأرسله وأنزل عليه كتابه، وكان يجمع أصحابه ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.

    فيخرج من هذا المسجد علماء لم تحلم الدنيا بمثلهم، ربانيون من أهل الصدق والكمال والعلم والمعرفة، والله! ما عرفت الدنيا أفضل من أولئك الأصحاب باستثناء الأنبياء والرسل، كيف كملوا وفازوا، وأصبحوا مضرب المثل في الآداب والأخلاق والعلم والمعرفة والطهر والصفاء، كيف حصلوا على هذا؟ والله! إنه من طريق تعلمهم الكتاب والحكمة.

    العلم سبيل تحقيق التقوى

    وأقول لكم في علم: أقسم لكم بالله على أن أتقى أهل القرية هو أعلمهم بالله عز وجل وبمحابه ومساخطه، في مدينتك، في حيك، أقسم لك بالله أن أتقاهم لله أعلمهم بالله، ونظير ذلك: أفجرنا في قريتنا أجهلنا بربنا وبمحابه ومساخطه، ولا نستطيع أن ننتسب إلى الإسلام بالاسم فقط ونحن ما نعرف محاب الله ولا مساخطه ولا كيف نتملق إلى الله ونتزلف إليه بما يحب أن نتملقه به من أنواع العبادات والطاعات التي شرعها، فكيف نعالج هذا المرض؟

    لا علاج إلا بأن نصدق الله في إيماننا وإسلامنا ونجتمع في بيوت ربنا التي بنيناها بأيدينا أو بنيت لنا، نجتمع فيها، النساء وراءنا والفحول أمامنا والأطفال بين أيدينا، ونتعلم الكتاب والحكمة، ليلة آية من كتاب الله، ندرسها بعد أن نتغنى بها ونحفظها ونفهم مراد الله منها وكلنا عزم على تحقيق مراد الله منها، إن كان عقيدة اعتقدناها، وإن كان أدباً على الفور تأدبنا به، وإن كان خلقاً تخلقنا به، وإن كان واجباً نهضنا به، وإن كان محرماً ابتعدنا عنه وكرهناه وتركناه، ولا نزال نعلم ونعمل ونسمو حتى نصبح كالملائكة في الأرض طهراً وصفاء، وها نحن مع هذه الجماعة المؤمنة في هذه الحلقة، هيهات هيهات أن من لازمها سنة يسرق أو يزني أو يكذب أو يفجر أو يرابي أو يغش أو يخدع أو يخلف وعده وهو قادر على الوفاء، هيهات.. هيهات!

    ولكن الذين ما يجلسون في حجور الصالحين ويتعلمون هم الذين تعبث بقلوبهم الشياطين، وتحولهم إلى الكذب والخيانة والفجور والباطل والشر والفساد، فكيف يجيء هذا؟ لأننا ابتعدنا عن فيض الرحمن وأنواره وعن الكتاب والسنة.

    هذه ثلاث آيات لو يحفظها مؤمن أو مؤمنة ويفهم مراد الله منها ويعمل بها فسيسمو ويرتفع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ...)

    نداء المؤمنين لكمال حياتهم

    يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:87]، يا أهل الحلقة! أجيبوا. قلنا: لبيك اللهم لبيك، ما إن ينادينا حتى نقول له: لبيك اللهم لبيك. ينادينا ربنا بعنوان الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:87]، ومن يعرض فقد كفر، من يغلق أذنيه ولا يسمع فقد كفر، أينادينا ذو الجلال والإكرام رب الأرض والسماء وما بينهما، الحي القيوم، خالقنا ورازقنا ثم لا نصغي ولا نستمع ولا نقول: لبيك، ولا نأخذ ما يعطينا ولا نفعل ما يأمرنا به؟ هل أموات نحن أم أحياء؟

    الجواب: أهل الإيمان أحياء، الإيمان بمثابة الروح، والله إنه لبمثابة الروح، المؤمن حي يسمع، يعي، يأخذ إذا أعطي، يمتنع إذا منع؛ وذلك لكمال حياته، والكافر ميت، الكافر بالله ولقائه، بالله وكتابه، بالله ورسوله، بالله ووعده ووعيده، والله! إنه ميت، فلا يؤمر ولا ينهى؛ لأنه ميت، والبرهنة على هذه الحقيقة بلغوها: هل أهل الذمة تحت رايتنا في دولتنا الإسلامية نأمرهم بالصيام إذا دخل رمضان؟ هل نقول: يا يهود! صوموا غداً رمضان؟ لا والله. آن أوان الحج فهل نأمر يهودياً أو مسيحياً ليحج؟ لا نأمره. آن وقت الزكاة، فهل نقول: يا معشر اليهود أو النصارى في بلادنا! أخرجوا زكاة أموالكم؟ لا والله أبداً. لم؟ لأنهم أموات، إذا نفخنا فيهم روح الحياة فحييوا بالإيمان فحينئذ مرهم يفعلون، وانههم ينتهون؛ لكمال حياتهم.

    فهل عرفتم الآن أن الإيمان بمثابة الروح أم لا؟ ها هو ذا تعالى ينادي المؤمنين ليأمرهم ويفعلون، لينهاهم وينتهون، ليبشرهم فيستبشرون، ليحذرهم فيحذرون، ليعلمهم فيتعلمون؛ وذلك لكمال حياتهم، ويعيش المسلمون في قراهم عشرات السنين ما يسمعون نداء الله ولا يستجيبون، فكيف هذا؟ لأنهم محرومون، أبعدتهم الشياطين عن بيوت الله وعن كتاب الله وهدي رسوله، القرآن في ديار العالم الإسلامي لا يجتمع عليه أهل القرية أو أهل الحي إلا من أجل أن يقرءوه على ميت فقط.

    اسمحوا لي أقول لكم: من منكم يقول: يا شيخ! أنا كنت إذا جلست في المسجد أقول لحافظ القرآن: من فضلك تعال اقرأ علي شيئاً من القرآن. أو أجلس في البيت وأقول لمن يحفظ القرآن من الأسرة: من منكم يسمعنا شيئاً من القرآن ؟ أو نعمل في شركة، في مؤسسة، وجاءت ساعة الاستراحة، فمن منكم يقول: نقول لأخينا: أسمعنا شيئاً من كلام ربنا؟ الجواب: لا أحد.

    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم المنزل عليه القرآن الوحي الإلهي بواسطة جبريل عليه السلام، والله العظيم! لجلس يوماً مع أصحابه فقال لـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( يا ابن أم عبد -وهذه كنيته- اقرأ علي شيئاً من القرآن، فيعجب عبد الله بن مسعود ويقول: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأ عبد الله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]، وإذا برسول الله تذرف عيناه الدموع وهو يقول: حسبك.. حسبك يا عبد الله ).

    فهل جلس اثنان وطلب أحدهما أن يقرأ عليه أخوه شيئاً من القرآن؟ فلهذا عمنا الظلام، وسادنا الجهل، وإن طرنا في السماء وغصنا في الماء، وحللنا ذرات الكون، وعرفنا علل الحياة، فهذا كله غير مجدٍ ولا محيٍ، وإنما الذي يجدي ويحيي الإيمان بالله ولقائه، الإيمان بالله ورسوله، الإيمان بالله وكتابه، وآية الإيمان بالله وكتابه: أن نقرأ كتابه ونتعرف على ما يحمله من أنور الإله الهادية إلى السعادة والكمال؛ لنعرف ما يحب الله وما يكره الله.

    نهي الله عباده عن تحريم الطيبات والعدوان على المحرمات

    يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:87] يناديكم ليقول لكم: لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [المائدة:87]، فهل نستجيب أم لا؟ أعوذ بالله.. أعوذ بالله! الجبار القهار وليك ومولاك ينهاك أن تحرم طيباً مما أحل لك فلا تلتفت إليه ولا تقبل كلامه؟!

    لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:87] أولاً، وَلا تَعْتَدُوا [المائدة:87]، ولا تتجاوزوا الحد المحدود لكم، أنتم عبيده، ما أحله لكم فأحلوه وتناولوه، وما حرمه عليكم فحرموه وابتعدوا عنه واجتنبوه، وإن اعتديتم فإنه لا يحبكم، ومن لا يحب الله هل سيسعد؟ هل سيكمل وينجو؟ والله ما كان، بل يخسر ويحترق ويتحطم؛ لأن الله لا يحب المعتدين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87]، من هم المعتدون؟ المتجاوزون لما حد لهم، أحل لهم كذا وكذا، فتجاوزوا ذلك إلى ما حرم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون)

    ثم قال لنا: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا [المائدة:88]، لم يرزقك الله بالحرام أبداً، وكونه طيباً أي: غير مستقذر ولا مستخبث، حلال أحله الله، وليس به قذر أو وسخ يؤذيك ويضرك في بدنك.

    كيفية تحقيق التقوى

    وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:88]، كيف نتقيه؟ بماذا؟ بالحصون والأسوار أو بالجيوش الجرارة أو بالدخول في السراديب؟ كيف نتقي الله وبيده كل شيء، وبين يديه كل شيء؟ كيف نتقي الله يا عباد الله؟ لقد أمركم أيها المؤمنون بأن تتقوه، فكيف نتقيه؟ بماذا؟ نحن نتقي الشمس بالمظلة، ونتقي الجوع بالخبز، ونتقي الحر والبرد بالملابس، والله كيف نتقيه؟ بلغنا أن رجلاً بالهند أو بالسند أو بالشرق أو الغرب يعرف بم يتقى الله؛ فوالله لنسافرن إليه أو نبعث برجال منا ليأتونا بخبر منه كيف نتقي الله، بلغنا أن هناك من يعرف بم يتقى الجبار، وأنه يوجد في مكان كذا فيجب أن نرحل إليه، ولا تعجب؛ والله! لقد رحل جابر بن عبد الله من هذه المدينة إلى حمص ببلاد الشام على راحلته مسافة أربعين يوماً ذهاباً وإياباً؛ من أجل خبر واحد، بلغه أن صحابياً بديار الشام بمدينة حمص يقول عن رسول الله كذا وكذا، وسأل أهل المدينة فما عرفوا، فركب راحلته إلى حمص ليعلم هذا منه.

    ووالله! لقد كان أهل الأندلس يأتون على بواخرهم، تلك البواخر التي الآن لا تركب، يسافرون الشهرين والثلاثة ونصف العام ليجتمعوا هنا على مالك بن أنس وشيخه ربيعة ويتلقون السنة، يحفظونها ويكتبونها وينقلونها إلى أقصى الغرب في ذلك الزمان.

    والآن بم نتقي؟ لقد أمرنا الله ربنا بأن نتقيه فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:57] به، بعظمته وجلاله، بسلطانه وقدرته، بما لديه وما عنده، اتقوه، فبم نتقيه؟

    معشر المستمعين والمستمعات! هل نحن حقاً راغبون في معرفة ما نتقي به الله؟ والله لو أن رجلاً منا فحلاً فهم ما قلت لقال: والله! يا هذا لن تبرح مكانك حتى تعلمنا بم نتقي الله، أقسم بالله! لو أن شخصاً آمن وكان المؤمن وفهم ما قلت لقال: والله! يا هذا لن تقوم من مقامك حتى تعرفنا بم نتقي الله؟ لا يقوم غير مبال، اللهم إلا إذا كان قد عرف من قبل بم يتقى الله؟

    إذاً: يتقى الله بطاعته وطاعة رسوله، وذلك بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله فقط، أتريد أن تتقي عذاب الله وسخطه؟ اتقه بشيء واحد فقط: أطعه وأطع رسوله فيما يأمران به عباد الله وينهيان عنه عباد الله، من أطاع الله ورسوله في الأمر والنهي جعل بينه وبين عذاب الله وقاية، لا يصل إليه عذاب الله أبداً.

    فالله تعالى لا يتقى بالجيوش والأسوار والحصون أبداً، لا يتقى إلا بطاعته بفعل ما يأمر به وترك ما ينهى عنه، والرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بأمر الله وينهى بنهي الله.

    العلم سبيل التقوى

    يبقى سؤال آخر: يا علماء.. يا بصراء.. يا رجال السياسة.. يا علماء المنطق! هل يمكنك يا عبد الله أن تطيع الله فيما أمر به ونهى عنه، وفيما أمر به الرسول ونهى عنه وأنت لا تعرف ما أمر الله به ولا ما نهى عنه؟ مستحيل. فمن هنا عدنا من حيث بدأنا، يجب أن نتعلم، أن نعرف محاب الله ما هي، ومكارهه ما هي من أجل أن نفعل المحبوب ونتخلى عن المكروه.

    ولعلها رخيصة، فوالله الذي لا إله غيره! لأن تعلم هذه القضية خير لك من مليار دولار، ولأن ترجع إلى أهلك وبيتك فرحاً بها -والله- خير من الدنيا وما فيها؛ لأن المائة دولار قد تحترق بها، وتحملك على الفسق والفجور والظلم والشر والفساد وتخسر خسراناً أبدياً.

    إذاً: الحمد لله، عرفنا بم نتقي ربنا، أي: بطاعته وطاعة رسوله فيما يأمران به وينهيان عنه؛ لأن ما يأمر الله به ورسوله يجنب غضب الله وسخطه ونقمه وعذابه، أليس كذلك؟ وترك ما نهى الله ورسوله عنه هو نجاتنا من الأذى والشر والبلاء والسخط في الدنيا والآخرة، فهذا عرفناه، وعرفنا أيضاً كيف نتقي الله وننجو من عذابه بمعرفة ما يحب وما يكره، أما ونحن لا نعرف ما يحب وما يكره، فكيف سنفعل المحبوب ونحن لا نعرفه؟ كيف نتجنب المكروه لله ونحن ما عرفناه؟ ومن هنا كان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.

    وكيف نحصل على هذا العلم؟ قال الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم: ( إنما العلم بالتعلم )، في صحيح البخاري ، والله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فكل من يعلم من رجل أو امرأة يجب عليه أن يسأل أهل العلم حتى يعلم، وليس شرطاً أن تنقطع عن بستانك أو دكانك أو عن عملك حتى تتعلم، كلا، ابق في عملك ثم اسأل: ماذا يحب ربي من الكلام، يقول لك: يحب كذا وكذا، فقل هذا الكلام وتملق به إلى الله، ما الذي يحب ربي من النيات؟ يقول: يحب النيات الصادقة، ماذا يحب ربي من الأعمال؟ يحب كذا وكذا، وأنت تتعلم وتعمل، ولا تزال تتعلم وتعمل حتى تكمل وتبلغ مستوى الكمال البشري.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ...)

    نادنا الرب جل وعلا فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:87]، لبيك اللهم لبيك، لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا [المائدة:87-88]، على شرط: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:88].

    أذكر لكم سبب نزول هذه الآية، فهذا القرآن ما نزل مرة واحدة أو جملة واحدة، نزل في خلال ثلاث وعشرين سنة، بدأ نزوله بـ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1] في غار حراء، وانتهى بآية نزلت في هذه المدينة: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، ثلاث وعشرون سنة نزل فيها الكتاب المكون من مائة وأربع عشرة سورة، في ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية.

    إذاً: هذه الآية سبب نزولها أن ثلاثة نفر: عبد الله بن مسعود وعثمان بن مظعون وثالث اشتاقوا إلى دار السلام إلى الجنة والرضوان، فأتوا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، والذي في الحلقة لا يعجبه الترضي عنها فليعلم أنه كافر ولعنة الله عليه، وليتب إلى الله، وليدخل في الإسلام وإلا فهو كاليهود والنصارى، أو هو مسكين أضلوه وغلطوه وجهلوه، لكن إن سمع الآن فهو من أهل العلم، إذاً: فليتب إلى الله، وليقل: آمنت بالله.. آمنت بالله، رضي الله عن أم المؤمنين عائشة ، لينجو، وإن أصر على الباطل فوالله لن يدخل دار السلام؛ لأن الذين لا يترضون عنها ساخطون عليها غاضبون يلعنونها؛ لأنهم قالوا لهم: إنها فجرت، زنت! وأعوذ بالله! امرأة رسول الله لا يصونها الله لرسوله، لا يحفظها لنبيه وتفجر وتزني حتى تلعن؟! ما تقولون فيمن يرمي رسول الله بالدياثة؟ هل يبقى مؤمناً؟! أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. أعوذ بالله! لقد أنزل الله تعالى في هذه الحادثة -حادثة الإفك- سبع عشرة آية من كتابه من سورة النور، ولا نقرؤها ولا نسمع من يقرؤها ونحولها ونؤولها، وتختم الآية: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26]، وأنت تقول: عائشة زنت وملعونة ولا تترضى عنها؟! لا إله إلا الله، آمنا بالله!

    فعائشة أم المؤمنين، قال تعالى: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، هذه الصديقة حب رسول الله بنت حب رسول الله، بنت أبي بكر الصديق ، دخلوا عليها وسألوها عن صيام الرسول وقيامه، وقالوا فيما بينهم: الرسول غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأحدهم قال: أنا أصوم الدهر ولا أفطر أبداً. والثاني قال: أنا لا آتي النساء. والآخر قال: أنا أقوم الليل ولا أنام، شوقاً إلى الملكوت الأعلى ودار السلام، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى المسجد من حجرته وخطب الناس وقال: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ )، وهذا من كمال آدابه ورحمته، لم يقل: يا فلان وفلان يفضحهم، وإنما قال: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ إني والله ولأتقاكم لله وأشدكم له خشية، ولكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني )، ونزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:87]، يا ابن مظعون ، يا ابن مسعود، يا فلان! لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [المائدة:87]، تتجاوزوا الحد، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:87-88]، فعدلوا عما عزموا عليه، أصبحوا يصومون ويفطرون في حدود طاقتهم ويقومون الليل وينامون في حدود طاقتهم، والرهبان في الصوامع، وبعض المتعنترين من المتصوفين يقولون: فلان لا يأكل اللحم أبداً! أتحرم ما أحل الله لك؟ لا تأكل اللحم إذا كان حراماً، لا تسرق ولا تأكل جيفة، أما وقد أحل الله لك اللحم وتدعى في بيوت إخوانك ويقدم لك فتقول: أنا لا آكل اللحم زهداً فيه، وآخر يلبس ثوباً من الصوف يلفه عليه وعنده القطن وعنده المال، فلم تحرم ما أحل الله لك؟ إذاً: فالعدل العدل: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة:87].

    التربية المسجدية ودورها في تحقيق التقوى

    معاشر المؤمنين! عرفنا أننا مأمورون بأن نعرف ما يحب الله وما يكره من أجل أن نتقيه بفعل ما أمر وبترك ما نهى، وبذلك نتقي ربنا.

    ومن فهنا فالطريق -يا عباد الله- هو أن أهل القرية في قريتهم وأهل الحي في مدينتهم إن كانوا صادقين في إيمانهم ودقت الساعة السادسة وقف العمل، واليهود والنصارى في أوروبا وأمريكا واليابان والصين إذا دقت الساعة السادسة يوقفون العمل، رأيناهم بلا عمل، ويحملون أطفالهم ونساءهم إلى دور السينما، إلى المراقص، إلى المقاصف، إلى الملاهي، وهل نحن مثلهم؟ لا، نحن أهل السماء وهم أهل الأرض، نحن الأحياء وهم الأموات، نحن المؤمنون وهم الكافرون، نحن أطهار وهم الأخباث.

    إذاً: هم يذهبون إلى دور السينما ونذهب إلى بيوت الرب الطاهرة، أطفالنا أمامنا ونساؤنا وراءنا ونتلقى الكتاب والحكمة كل ليلة وطول العمر، وحينئذٍ هل يبقى في القرية فاجر، ساحر، دجال، كذاب؟ هل يبقى في القرية عار لا يجد ثوباً يكتسي به، أو يبقى في القرية جائع والجوع يمزقه؟ والله ما كان ولن يكون، وهل نحتاج بعد ذلك إلى بوليس وحرس؟ لا نحتاج ذلك، كلنا كالملائكة في الطهر والصفاء لا خيانة ولا غش ولا خداع، وهل يبقى بيننا وثني أو مشرك أو خرافي أو ضال أو علماني تائه في متاهات الإلحاد؟ لا والله، فإن لم نقبل على الله في صدق كما بينت لكم؛ فوالله لا نزال في الإحن والمحن والبلاء والشقاء حتى نلقى الله تعالى، بلغوا والله معكم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.