إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (33)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما أكثر ما أرسل الله عز وجل إلى بني إسرائيل من الرسل، ولكنهم قوم بهت ظالمون فاسقون، فإن جاءهم نبي بما لا تهوى أنفسهم كذبوه وآذوه، وربما قتلوه، وحسبوا أن الله عز وجل لن يحاسبهم ولن يؤاخذهم فعموا وصموا، فابتلاهم الله ثم تاب عليهم، ثم عموا وصموا أكثر من ذي قبل فسلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، جزاء تكذيبهم وإعراضهم.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). حقق اللهم لنا هذا الفضل إنك ذو الفضل العظيم.

    وها نحن مازلنا مع سورة المائدة المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، وقبل الشروع فيها وتلاوتها ودراستها أعود بالمستمعين الكرام والمستمعات الصالحات إلى الآيات الثلاث التي درسناها بالأمس؛ تذكيراً للناس وتعليماً لغير العالمين، فإليكم تلاوتها ثم نضع أيديكم على هداياتها التي ينبغي أن نظفر بها ونفوز.

    يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة:67-69].

    هذه الآيات درسناها وفهمنا مراد الله منها -والحمد لله- في ليلتنا الماضية، فهيا نضع أيدينا على هداية هذه الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب البلاغ على الرسول صلى الله عليه وسلم، ونهوض رسولنا محمد بهذا الواجب على أكمل وجه وأتمه ].

    هدتنا الآية إلى وجوب البلاغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67].

    [ ثانياً: عصمة الرسول المطلقة ]، أما وعده الله بقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، أما قال للحارس: عد إلى بيتك كفاك الله هذه المهمة، فالله يعصمني؟ وعصمه الله، فما استطاع منافق ولا يهودي أن يغتاله أو يحتال عليه، بل كان يأتي الرجل والسلاح تحته ليغتال الرسول ويكشف الله حاله ويعلم رسول الله بحاله، ويرمي بالسلاح ويدخل في الإسلام.

    [ ثالثاً: كفر أهل الكتاب إلا من آمن منهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبع ما جاء به من الدين الحق ]، لقوله تعالى: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى [المائدة:68]، واضح الدلالة.

    [ رابعاً: أهل العناد والمكابرة لا تزيدهم الأدلة والبراهين إلا عتواً ونفوراً وطغياناً وكفراً ]، دلت الآية عليه: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا [المائدة:68].

    [ خامساً: العبرة بالإِيمان والعمل الصالح وترك الشرك والمعاصي لا بالانتساب إلى دين من الأديان ]

    دلنا على هذا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [المائدة:69].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً...)

    والآن مع هذه الآيات التي نتدارسها إن شاء الله في هذه الساعة المباركة.

    قوله تعالى: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:70]، من القائل: لَقَدْ أَخَذْنَا [المائدة:70]؟ الله جل جلاله، هو الذي أخذ ميثاق بني إسرائيل على عهد موسى والأنبياء، والميثاق: العهد المؤكد بالأيمان، كأنه وثاق يحبس صاحبه ولا يستطيع أن يخرج عنه، وبنو إسرائيل هم اليهود أولاد يعقوب عليه السلام.

    إذاً: يقول تعالى مخبراً محققاً هذه الحقيقة: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا [المائدة:70] عظاماً أجلاء كثيرين، من موسى وهارون إلى يحيى وزكريا وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

    كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [المائدة:70]، أخبر تعالى بواقع اليهود، كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ [المائدة:70] وتشتهي وتحب وترغب، فَرِيقًا كَذَّبُوا [المائدة:70] الرسل، وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [المائدة:70]، أو أن فريقاً كذبوهم من الرسل وفريقاً قتلوهم، هذا الواقع الذي لن يستطيع أحد أن ينكره، أما قتلوا زكريا ويحيى؟ أما أرادوا قتل عيسى إلا أن الله رفعه؟ أما صلبوا وقتلوا من شبه به؟ أما تآمروا على نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة لقتله؟ هذا شأنهم.

    فاسمع ما يقول العليم الحكيم عنهم: كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ [المائدة:70]، أما بما يشتهونه ويحبونه فيرحبون ويؤهلون ويعملون، لكن إذا جاء بأشياء لا تتفق وشهواتهم ولا تتلاءم مع أطماعهم وأهوائهم فماذا يفعلون؟ إما أن يكذبوا أو يقتلوا، منهم من يكذبونهم، ومنهم من يقتلونهم.

    فالرسول يجيء بما لا تهوى الأنفس ويجيء بما تهوى، يأمر بالعدل والصلة والرحم والحق، كلما جاءهم رسول بالذي لا تهوى أنفسهم وقفوا ضده وحاربوه، منهم من قتلوا ومنهم من كذبوا، أما إذا جاءهم بما فيه رغبة لهم فيرحبون ويؤهلون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ...)

    قال تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [المائدة:71]، ما معنى هذا؟

    وَحَسِبُوا [المائدة:71]، من هم؟ اليهود. والحسبان: الظن، ظنوا أن لا تكون فتنة، يغنون ويزغردون ويلبسون الكعب العالي، يصفقون ويأكلون الربا ويفعلون ما شاءوا ويظنون أن لا تنزل بهم محنة ولا مصيبة.

    ومع الأسف الآن المسلمون يحملون هذا الظن، عطلنا شرائع الله، فعلنا كل ما يكره الله، وما نحن بخائفين أبداً أن تنزل محنة بنا، لا وباء ولا تيفود ولا الخسف ولا الصواعق ولا تسليط الكافرين، وهو موقف بني إسرائيل، فحال المسلمين اليوم وقبل اليوم ومنذ مئات السنين هل هي حال مرضية لله عز وجل؟ هل أقاموا دين الله؟ هل أقاموا كتابه؟ الجواب: لا، إلا القليل، إلا من رحم الله.

    هل هناك من هو خائف يبكي أن تنزل بالمسلمين صاعقة أو تنزل بهم محنة لا يستطيعونها؟ لا واحد في الألف ولا في المائة ألف، فلا إله إلا الله! القرآن كتاب هداية إلى يوم القيامة، فلم لا نعتبر؟

    اسمع ما يقول تعالى: وَحَسِبُوا [المائدة:71] ظنوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة:71]، فمن ثم عموا فلم يروا العبر والعظات، وصموا فلم يسمعوا الوعظ ولا التوجيه ولا الإرشاد، إذاً: فنزلت المحنة بهم، ونبتدئ من يوشع بن نون ، فلما خرج موسى ببني إسرائيل في ستمائة ألف من مصر حدثت أحداث عظيمة مسجلة عندنا مفهومة في كتاب الله، حسبنا أنهم قالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، فأبوا أن يمشوا معه إلى فلسطين؛ لمحاربة الكفرة المشركين بها من العمالقة، ومات موسى وهارون عليهما السلام في زمن التيه، ومضت أربعون سنة وهم في تلك الصحراء، ولولا لطف الله بهم وإحسانه إليهم لهلكوا عن آخرهم، ولكن الله كريم رحيم.

    ثم هلك الجيل الهابط ونشأ جيل في الصحراء فقادهم يوشع بن نون وانتصر بإذن الله ومزق شمل الكافرين، وأقام دولة الإيمان والإسلام في فلسطين، فمضت سنون ثم انتكسوا بالأغاني والمزامير والشهوات والأطماع والربا، كما هو سلوك البشر.

    إذاً: فسلط الله عليهم البابليين، فأدبوهم، مزقوهم، شتتوهم، أخرجوهم من فلسطين، وعاشوا متفرقين هنا وهناك، ثم -كما أخبرنا تعالى- جاءوا إلى أحد أنبيائهم يطلبون أن يولي عليهم ملكاً وأن يقاتلوا في سبيل الله، واستجاب الله وملك عليهم وقادهم طالوت، وخاض المعارك مع العدو ونصره الله مع الفئة المؤمنة، وتكونت دولة بني إسرائيل من جديد على عهد داود وسليمان، فكانت قد سيطرت على العالم في ذلك الزمان، امتد سلطان سليمان من الشرق إلى الغرب، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا [المائدة:71]، وانغمسوا في الشهوات واللذائذ والمادة.

    وأبو القاسم نبينا صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن الكعب العالي أول ما ظهر في بني إسرائيل، والكعب العالي تلبسه المرأة وتصبح تتمايل في الشارع، تجذب النفوس والقلوب إليها، إذاً: ما هي إلا فترة من الزمان وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا عن العظات والعبر، وصموا ولم يسمعوا دعوة الدعاة والهداة منهم، فنزلت بهم المحنة، سلط الله عليهم الرومانيين، فمزقوهم وشتتوهم وفعلوا بهم الأعاجيب، وإلى الآن هم مشتتون مشردون، فقولوا آمنا بالله.

    ومن ثم هربوا إلى العرب؛ لأنهم أميون وهم علماء فيسودون بينهم، وفروا من الرومان وقتلهم لهم وتشريدهم، فهذا معنى قول ربنا: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [المائدة:71].

    تحذير المسلمين من مسلك بني إسرائيل في الشهوات

    ونحن -أيها المسلمون يا أهل القرآن- لما عمي آباؤنا وأجدادنا وصموا سلط الله علينا بريطانيا، فأين ممالك الهند؟ وسلط علينا فرنسا، فأين شمال أفريقيا؟ لأننا عمينا وصممنا.

    والآن استقللنا وتحررنا، فالزمام بأيدينا، فهل أقمنا الصلاة؟ كلما استقل إقليم من إندونيسيا إلى موريتانيا ما هناك حاكم أجبر الأمة على إقامة الصلاة من مدنيين أو عسكريين، والله ما كان، هل جبيت الزكاة فريضة الإسلام وقاعدته؟ بل استبدلت بالضرائب الفادحة الهالكة، وما طلبوا الزكاة ولا طالبوا بها، فماذا نقول؟

    إذاً: والله إننا لتحت النظارة كحال بني عمنا، وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة:71]، ظنوا أنه ما هناك أبداً ما يقع، فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا [المائدة:71].

    ونحن استقللنا وحكمنا، فلم لا نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؟ لم لا نبايع خليفة فينا ونصبح كلنا أمة واحدة؟ لم لا نجتمع في بيوت ربنا ونتعلم الكتاب والحكمة فنطهر ونصفو ونكمل ونعرف الطريق إلى الله؟ نحن مصرون على الأهواء والأطماع والشهوات كبني عمنا، بل نحن أكثر، ونحن ننتظر حكم الله عز وجل.

    وهل نحن أفضل من بني إسرائيل؟ لا أبداً، أولاد الأنبياء هم بنو إسرائيل، لكن لما أعرضوا أعرض الله عنهم، لما أغضبوا الله عز وجل سلط عليهم ما شاء أن يسلط، وها هم مشردون في الآفاق يطمعون في إعادة مملكة بني إسرائيل ولن يتحقق مرادهم، فقط حين يظهر الإسلام من جديد ويتوب المسلمون في أربع وعشرين ساعة لا يبقى أمل لليهود ولا مطمع.

    وإليكم البيان النبوي الصحيح: يقول صلى الله عليه وسلم: ( لتقاتلن اليهود )، يا رسول الله! من هؤلاء اليهود الذين نقاتلهم؟ حفنة مشردون نقاتلهم؟! ودولتنا وخلافتنا سيطرت على أكثر من نصف العالم، فكيف نقاتلهم؟ ما استطاع أحد أن يقول، ولكن أخبر أبو القاسم: ( لتقاتلن اليهود ثم لتسلطن عليهم )، من يسلطنا عليهم؟ الله يسلطنا عليهم بالأسباب التي يريد، وكثيراً ما أقول: لو رجعنا إلى الطريق ومشينا أياماً فقط -لا أعواماً- واستقمنا؛ فإن الله يسلطنا الله على اليهود، كأن تظهر فعلة يهودية كبيرة في أمريكا، كما لو أراد اليهود أن يفجروا كل عمارة في أمريكا، فيصدر أمر بقتل اليهود كما فعل هتلر في الزمن الماضي، أما شردهم وقتلهم؟ قتل أكثر من ثلاثين ألفاً من اليهود في ألمانيا، فنحن لما نقبل على الله ويقبلنا لا تسأل عن الأسباب التي يوجدها الله عز وجل؛ لأن كلمة (لتسلطن) دالة على هذا المعنى، تتخلى عنهم بريطانيا والعالم الأوروبي وأمريكا، فإذا تخلوا عنهم فإن نساءنا وأطفالنا سيخرجونهم ويقتلونهم.

    إذاً: السر ما زال في قوله: ( فلتسلطن عليهم فتقتلونهم، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله )، هل يقول: يا عربي؟ إنما يقول: يا مسلم، وهل الشجر يكذب؟ ينطقه الجبار، آية من آياته، هل الحجر يكذب فيقول لغير المسلم: يا مسلم؟

    الشاهد عندنا: أن الشجر والحجر ما يكذب فيقول لعلماني، اشتراكي، خرافي، ضال، مشرك: يا مسلم، هل يكذب الشجر والحجر؟ والله ما كان، ومعنى هذا: أنه يسلطنا الله عليهم لأننا أسلمنا أولاً، أقمنا دين الله ورفعنا راية لا إله إلا الله، فأصبحنا أولياء الله، ثم يسلطنا الله عليهم فنقتلهم ( حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي فاقتله. إلا شجر الغرقد فإنه شجر اليهود ).

    وبقيع الغرقد هذا كان ينبت فيه الغرقد، وينبت في الغابة أيضاً، هذا الشجر إذا اختبأ يهودي وراءه فما يخبر عنه؛ لأنهم يقدسون هذا الشجر إلى الآن ويحتفون به احتفاء عجباً أكثر من الزيتون والبرتقال، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والشاهد عندنا: أنه يقول الشجر والحجر: يا مسلم، ولو لم يكن ذلك العبد قد أسلم قلبه لله ووجهه، وأصبح يعبد الله ويؤلهه ويقدسه ولا يعرف سوى الله عز وجل؛ فلن يقول له الشجر: يا مسلم وقد أسلم قلبه للشهوات والأطماع والدنيا الفاسدة.

    قال تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة:71]، أي: امتحان واختبار، بالوباء بالخسف بتسليط عدو؛ إذ هو هذا الفتنة، فَعَمُوا [المائدة:71] عن العظات ما استطاعوا يبصرون، والله! إنه تحدث أحداث في العالم العربي ما يعتبرون بها أبداً، آمنون, ما هناك من صاح يبكي: يا قومنا! عجلوا بالتوبة قبل أن تنزل الفتنة بنا، هل سمعتم بهذا؟ ما هناك أحد، بل آمنون، فلا إله إلا الله!

    فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المائدة:71] على عهد داود وسليمان، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا [المائدة:71]، إذاً: سلط الله عليهم الرومان، وهم إلى الآن أذلة مشردون.

    قال تعالى وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [المائدة:71]، لعلمه المحيط بكل ذرات الكون، فمن عبد عرفه ومن عصا عرفه, من شكر عرفه ومن كفر عرفه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ...)

    ثم قال تعالى في الآية الأخيرة من الثلاث الآيات: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:72]، الآيات في أهل الكتاب، الآيات الأولى كانت مع اليهود، والآن مع النصارى، فهذا الخبر خبر من؟ هل خبر عالم من علماء المسلمين؟ من قال هذا؟ إنه الله عز وجل.

    لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:72]، المسيح: هو عيسى عليه السلام، ولقب بالمسيح لأنه يمسح على الأعمى فيعود إليه بصره، وعلى الأبرص فيطيب جلده، هذا المسيح هو عيسى بن مريم، واليعقوبيون -فرقة من فرق النصارى تعرف باليعقوبية- قالوا: اتحد عيسى الابن مع ربه، فأصبح عيسى هو الإله، هو الله، والاتحاد معروف، كأن تأخذ خشبتين فتدخل واحدة في واحدة، قالوا: دخل عيسى في الله، فأصبح عيسى هو الله!

    ولا تعجب، أيخبر الله بغير الواقع؟ هؤلاء اليعقوبية وغيرهم من أصحاب الأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، الأب: هو الله. والابن: عيسى ولده. وروح القدس: هو جبريل، الثلاثة يكونون الله أو الإله، وسيأتي: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73].

    وكما علمنا أن النصارى افترقوا إلى اثنتين وسبعين فرقة، واليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، ولن يستطيع من تحت السماء أن يرد على الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ( وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة )، والله لقد افترقت إليها وتم العدد بكامله!

    اسمع ما يقول تعالى، بعدما بين حال اليهود عاد إلى النصارى وهم أهل الكتاب فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:72]، تعرفون من مريم هذه؟ سموا بناتكم مريم، مريم معناها: خادمة الله باللغة العبرية؛ لأن والدتها حنة عليها السلام لما نذرت لله ما في بطنها، واستجاب الله لها، ورزقها الطفلة سمتها: مريم بمعنى: خادمة الله. وبالفعل ما خدمت أمها أبداً، تركتها في المسجد تعبد الله؛ لأنها نذيرة لله عز وجل، هذه مريم البتول أنجبت عيسى، فسمي: عيسى ابن مريم؛ إذ لا أب له، وإنما كان بكلمة التكوين، قال الله: كن فكان، في ربع ساعة والمخاض يهزها وهي تحت الشجرة أو النخلة تتألم للوضع.

    لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:72]، والذي يشك في كفرهم كافر، فالله يقول: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:72]، فالذي لا يقول هذا ولا يكفرهم كفر أحب أم سخط.

    معنى قوله تعالى: (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم)

    ثم قال تعالى: وَقَالَ الْمَسِيحُ [المائدة:72]، هم قالوا: المسيح هو الله، فالمسيح ماذا قال؟ قال في حفل عظيم، في حشد كبير هذه الكلمة المسجلة، من سجلها؟ الله جل جلاله، سجلها بالحرف الواحد، في ذلك الحفل قال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:72]، يا أولاد يعقوب الملقب بإسرائيل! اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة:72]، هل قال: اعبدوني؟ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي [المائدة:72]، أي: خالقي ومالكي وإلهي الذي أعبده، وهو ربكم أيضاً، أي: خالقكم ورازقكم ومدبر أمركم وهو إلهكم الحق، اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة:72].

    معنى قوله تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة)

    ثم علل وهو الحكيم يتلقى معارفه عن الله، فقال: إِنَّهُ [المائدة:72]، أي: الحال والشأن إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة:72]، من يشرك بالله إلهاً آخر يعبده معه بأي نوع من أنواع العبادة فقد حرم الله عليه الجنة تحريماً أبدياً ممنوعاً منها لا يدخلها أبداً، وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72]، إذا حرم عليه الجنة فأين يذهب؟ ما هناك إلا عالمان علوي وسفلي، عالم السعادة علوي، وعالم الشقاء سفلي، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49]، موت وحياة، صحة ومرض، غنى وفقر، عز وذل، إذاً: نعيم وشقاء، علوي وسفلي، فأين يذهبون إذا حرموا من الجنة؟ إلى جهنم إلى عالم الشقاء.

    صور شركية في حياة المسلمين

    والمسلمون يقرءون سورة المائدة ويعرفون عن عيسى ما قال، ويرضون بالشرك الأكبر، فلا إله إلا الله! أسألكم بالله: أليس بين المسلمين من يقول: هذه شاة سيدي عبد القادر . هذه نخلة مولاي فلان. هذه كذا.. يتقربون إلى الأموات، آلله أمرهم بذلك؟ الجواب: لا، وإنما الشيطان زين لهم عبادة هذه القبور فأصبحوا ينذرون لها النذور ويعكفون حولها، والله بعيني هاتين رأيت في بلاد المسلمين الرجال والنساء عاكفين حول القبور والأضرحة، يستمدون منهم الخير، ويستعيذون بهم من الشر.

    وأزيدكم علماً: الرجل منا المسبحة في يده: لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله، وحين تأخذه سنة النوم والنعاس فتسقط المسبحة يقول: يا رسول الله أو يا سيدي عبد القادر ! أين ذلك الذكر؟ أما كان يقول: لا معبود إلا الله، لا معبود إلا الله، لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله؟ لما سقطت المسبحة من يده بالنعاس ما قال: يا رب، بل: يا سيدي فلان.

    وأزيدكم: كنت راكباً إلى جنب أخينا يقود بنا السيارة خارج ديارنا هذه، ما إن خرجت السيارة عن الخط حتى قال: يا رسول الله.. يا رسول الله.. يا رسول الله!

    يا عبد الله! لو مت لهلكت، وهل تشكون في هذا؟ الذي يشك في أن مدرساً في المسجد النبوي يكذب يجب أن يعود إلى دياره، أعوذ بالله! هذا مثال، والله! إن المرأة يهزها الطلق وهي تكاد تضع فتمسك بحبل في العمود، وتقول: يا الله، يا سيدي فلان، يا الله، يا رسول الله! ما هو بإله واحد، فما سبب هذا؟ سببه الجهل؛ لأن القرآن نقرؤه على الموتى من إندونيسيا إلى موريتانيا، مضت قرون لا يجتمع المسلمون اجتماعنا هذا على تلاوة كتاب الله ولا دراسته وهم عوام ورجال ونساء ليتعلموا الهدى ويعبدوا الله على الحق، وإنما يجتمعون على القرآن على الميت، في حلقة كبيرة فيها الشاي أو الأرز، بعد ذلك نقرأ على الميت حتى يدخل الجنة، ولا نفكر في معنى آية أبداً، بل إذا قلت: قال الله قيل: اسكت، القرآن تفسيره خطأ وخطؤه كفر، لا تقل: قال الله، قل: قال سيدي فلان أو قال الشيخ الفلاني، هكذا فعلوا بنا خمسمائة سنة، فكيف نعرف؟ من أين تأتي المعرفة؟

    تمر ببلاد -باستثناء هذه الديار طهرها الله على يد عبد العزيز تغمده الله برحمته- بلادنا الأخرى ما تمر فيها بجبل إلا وقبة عليه، أنا مع أمي أو مع عمتي طفل، فتمر فتقول: يا سيدي فلان! إذا نصر الله أخي في المحكمة فسنفعل لك كذا وكذا! وثنية عامة، وإلى الآن ما زلنا.

    هذه الآية ما سمعنا بها، اسمع عيسى يخطب في بني إسرائيل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة:72]، لم؟ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، وإن قلت: هذا تفسيرك أنت يا وهابي، قلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى صحابياً، والأصحاب ما تعلموا ولا درسوا مثلنا، هذا آمن منذ عام، وهذا أسلم اليوم، أميون، ( رأى في يده حلقة من نحاس )، حلقة من صفر يعملها الناس في أعناقهم عندنا وفي أيديهم وأرجلهم، ( فقال: ما هذه يا عبد الله؟ قال: من الواهنة يا رسول الله -أصاب بالوهن في يدي، فإذا جعلت هذه تنشط يدي- فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، ولو مت وهي عليك ما دخلت الجنة )، لأن القلب الذي يتعلق بالحديدة انتهى صاحبه، فماذا نقول؟

    طريق النجاة من المصائب والنقم

    وقد ذكرتكم بأننا تحت النظارة، لا تفهموا أننا استقللنا وسدنا وحكمنا، وأصبحت لنا مصانع ونطير في السماء، والله! إنه لكما قال تعالى: فَعَمُوا وَصَمُّوا [المائدة:71]، إما أن نلجأ إلى الله في صدق، ونعود على الفور، وإما أن تنزل بنا محن وآلام ومصائب ما عرفها آباؤنا، وهل هناك ضمانة عندنا؟ فحالنا كحال بني إسرائيل، فهيا نتوب إلى الله. وهناك طريق واضح ومسلك نعم المسلك، والله ما يكلفنا ديناراً ولا درهماً ولا قطرة دم ولا ألماً ولا شقاء أبداً، وما هي إلا سنة واحدة وكلنا أولياء لله أفضل من عبد القادر ، ولكننا لسنا مستعدين لأن نعبد الله.

    وباسم الله أقول والله يعلم، وقد قررنا هذا وكتبناه في كتاب سميناه: (كتاب مفتوح إلى علماء الأمة وحكامها)، ووزع وقرأه العلماء ووضع تحت الكتب كأن شيئاً ما كان، بل بعثنا به إلى خادم الحرمين أيده الله وأطال عمره، فبعث به إلى الرابطة ليترجم ويطبع فدسته الرابطة تحت الكتب وما بلغنا شيء، فما هذا؟!

    أقول: إن أردنا أن نعود إلى سبيل النجاة وساحة والأمن والطهر والصفاء فلنأخذ أنفسنا على أننا إذا دقت الساعة السادسة مساءً وفي ديارنا كلها في العرب والعجم نوقف العمل، أغلق مقهاك يا صاحب المقهى، يا صاحب الدكان! أغلقه، يا صاحب المكتب! أغلق المكتب، توضئوا وائتوا بنسائكم وأطفالكم إلى بيت ربكم، إي: إلى الجامع، المسجد الكبير الذي وسعناه في الحي أو في القرية؛ حتى أصبح يتسع لأهل القرية كلهم، أو لأهل الحي أجمعين، وسهل هذا، بالخشب والحطب نوسعه كما كان حال أجدادنا، ثم صلينا المغرب وما بقي في القرية خارج المسجد أحد، إلا مريض أو ممرض، كل أهل القرية في المسجد، كل أهل الحي في المسجد، نصلي المغرب كما صلينا الآن، ثم يجلس لنا مرب عليم بكتاب الله وهدي رسوله كجلوسنا هذا، وندرس آية كما درسناها الليلة، ونحفظها، نرددها حتى تحفظ، ثم نضع أيدينا على المطلوب منها كما علمنا، وغداً حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المفسرة المبينة لكتاب الله نردده حتى يحفظه نساؤنا وأطفالنا وفحولنا، ثم نعرف مراد الرسول منه، فنعزم على التطبيق والعمل، ويوماً بعد يوم، يوماً آية، ويوماً حديث، والله ما تمضي سنة حتى تلوح الأنوار إن صبرنا، مع أن هذا العمل لا يوقف شيئاً أبداً، اليهود والنصارى والمجوس إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل ويذهبون إلى المراقص والمقاصف والملاهي والملاعب، أليس كذلك؟

    ونحن لأننا نريد أن نسود ونقود، لأننا أحياء وهم أموات، نحن مؤمنون وهم كافرون، إذاً: نصبر ساعة ونصف ساعة في بيت الرب، في سنة والله ما يبقى جاهل ولا جاهلة، ولسنا في حاجة إلى كتابة ولا إلى قلم، وإنما نتلقى العلم والحكمة كما تلقاها أصحاب رسول الله بدون قلم ولا دواة ولا كتابة، والعلم الذي في الكتابة نأخذه في النهار في المدارس، لكن هذا العلم الروحاني الرباني نتلقاه ليلاً للعمل به في النهار، في سنة واحدة والله ما يبقى في القرية من يعرف أنه يزني أو يكذب على إخوانه أو يمد يده ليضربهم أو يسرق مالهم، أو يرى من يتكبر عليهم أو يسخر منهم، والله ما كان، ولا يبقى فقير يتضور بالجوع أبداً، ويتوافر المال، والله ليتوافرن المال، فالذي كان راتبه عشرة آلاف سيستغني بألفين، والباقي ماذا يصنع به؟ وفوق ذلك يتكون في ذلك المسجد صندوق من حديد في المحراب، والمسئول العام هو إمام المسجد والمربي والمؤذن وشيخ القرية، فيقولون: يا معشر المؤمنين والمؤمنات! من زاد ماله عن قوته فليضعه في هذا الصندوق، في ستة أشهر يمتلئ الصندوق ويفيض، فماذا يصنعون به؟ انظروا: المنطقة تحتاج إلى مصنع، فانشئوا مصنعاً، تحتاج إلى مزرعة وأرض زراعية، ويبارك الله في ذلك المال وينمو ويفيض وما يبقى بنك ولا ربا، بل بتلفون: أعطوا لفلان من القرية الفلانية، وتصاب الماسونية بالجنون، ويصاب اليهود والنصارى بالعفن، فيقولون: ما هذا؟ كيف طلع هذا الفجر رغم أنوفهم ولا يستطيعون أن يزلزلوا أقدامنا؛ لأن الله أصبح ولينا، فماذا يكلفنا هذا؟ ما نستطيع أن نصبر لوجه الله ساعة نتعلم كتاب الله وهدي رسوله.

    إن هذا الصوت إذا سمعته الماسونية والعلمانيون والمسيحيون يغضبون، كلما سمعوا الحق غضبوا، ولن نسكت، بل نقول: اغضبوا فما طالبناكم بشيء أبداً، فنحن في بيوت ربنا، وتنتهي الجهالات والشركيات والخرافات والضلالات والأحقاد والأحساد والأمراض كلها في سنة واحدة، فمن يبلغ؟ لا إله إلا الله! يا علماء، يا رجال السياسة، يا حاكمون! استجيبوا، جربوا، إخوانكم شاردون ضائعون في الباطل، اجمعوهم في بيت الرب ولقنوهم الكتاب والحكمة، أما قال تعالى فينا: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، تعلموا وفازوا أم لا؟ والله! ما اكتحلت عين الوجود بأمة أطهر ولا أعز ولا أكمل ولا أصفى من تلك الأمة في قرونها الثلاثة: الصحابة وأولادهم وأولاد أولادهم، كيف حصلوا على هذا الكمال؟ حصلوا هذا بالعلم بالكتاب والحكمة، بطاعة الله والانقياد له.

    فهيا بنا، النجاة.. النجاة، يا عبد الله.. يا أمة الله! اطلب النجاة لنفسك، تعرف إلى ربك، تعرف على ما يحب ويكره وافعل المحبوب وتخل عن المكروه، واصبر على ما يصيبك، فما هي إلا ساعات وأنت في الملكوت الأعلى، اللهم حقق لنا ذلك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.