إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (26)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل غني عن عباده، فهو سبحانه القهار الواحد الأحد الصمد، وقد بين سبحانه في هذه الآيات أن من يرتد بعد إيمانه فإن الله سيأتي بقوم آخرين يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، وأعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله لينشروا في الناس نور الإسلام، وهؤلاء هم أولياء الله ورسوله والمؤمنين، وأولياء الله هم الغالبون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المائدة المدنية المباركة الميمونة، ومع هذه الآيات الثلاث.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة:54-56].

    معاشر المستمعين والمستمعات! أعيد إلى أذهانكم أن الله تبارك وتعالى نادانا في كتابه القرآن العظيم تسعة وثمانين نداء بقوله: ( يا أيها الذين آمنوا ).

    وعرفنا أن الله عز وجل منزه عن اللهو واللعب، فهو لا ينادينا إلا لواحدة من خمس: إما ليأمرنا بفعل ما يسعدنا ويكملنا في الدنيا والآخرة، أو لينهانا عما يشقينا ويردينا ويخسرنا في الدنيا والآخرة، أو ليبشرنا بما نزداد مسابقة في الخيرات ومنافسة في الصالحات، أو تحذيراً لنا من عواقب السوء، أو ليعلمنا ما نحن في حاجة إلى علمه.

    تتبعنا واستقصينا كتاب الله فوجدنا نداءات الرحمن لعباده المؤمنين تسعة وثمانين نداء، وأضفنا إليها نداء آخر فأصبحت تسعين، وهذا النداء هو: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق:1] الآيات، فهو وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه في الواقع لأمته، فلهذا كتبنا ذلك الكتاب وسميناه: (نداءات الرحمن)، ودرسناه في هذه الحلقة ثلاثة أشهر وزيادة، وطبع ووزع مجاناً، وقلنا: لو كنا أحياء أو دبت الحياة فينا لترجم هذا الكتاب إلى لغات المسلمين عامة، ويوضع عند سرير كل ضيف في أي فندق من الفنادق، فقد اشتملت تلك النداءات على كل ما هو في القرآن من الوضوء والغسل إلى الرباط والجهاد، بيان الحلال والحرام، في السلم في الحرب، في الجهاد وفي غيره.. كل المتعلقات بحياتنا موجودة في تسعين نداء، والقرآن نقرؤه على الموتى ولا نشعر بما فيه، وهذا شأن أمة هبطت من علياء السماء فلصقت بالأرض.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:54] يقول تعالى منادياً لنا، فنجيبه: لبيك اللهم لبيك، مَنْ يَرْتَدَّ [المائدة:54]، و(من يرتدد) قراءة نافع ، فقراءة أهل المدينة وأهل الشام: (من يرتدد) بالفك، والكل صالح، والقرآن نزل على سبعة أحرف، والارتداد معروف، مشى ثم رجع إلى الوراء، مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة:54] أي: عن الإسلام، بعدما أقبل عليه وأخذ فيه وصام وصلى انتكس ورجع إلى الوراء. ‏

    الإخبار بالغيب دليل على صدق القرآن وصدق من نزل عليه

    وقبل الشروع في بيان هذه الكلمات: اعلموا أن القرآن الكريم من آيات صدقه وصدق من نزل عليه، من آيات أنه كتاب الله الحق، وأن من نزل عليه رسول الله حق هو أنه يخبر بالغيوب التي ما وقعت فتقع كما أخبر، ما يستطيع أحد أن يقول: سيحدث كذا في زمان كذا، لن يقدر على هذا أحد، وها هو ذا تعالى يخبر بهذه الحقيقة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، وصفهم بست صفات، اللهم اجعلنا منهم.

    وما إن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما إن توفي صلى الله عليه وسلم حتى ارتد الكثير من العرب، ولم يسلم من الردة إلا ثلاثة مساجد: المسجد النبوي، أعني: المدينة، والمسجد الحرام، أعني مكة، ومسجد جواثا في البحرين، قبيلة ما ارتدت، واهتز العالم الإسلامي هزة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، أما قال تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ [المائدة:54] صفاتهم كذا وكذا؟

    وقام أبو بكر وبويع هناك في السقيفة وتولى أمر المسلمين، ووقف إلى جنبه الراشدون عمر وعثمان وعلي ، وما تردد أبداً وقال: والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، لأن الأعراب الذين ارتدوا منهم من ارتد بمنع الزكاة، قال: أعطيناها للرسول والرسول مات، فلن نعطي أموالنا. ومنهم من ارتد عودة إلى الشرك والوثنية؛ لأنهم ما تمكنت منهم أنوار الإيمان والإسلام، الذين أسلموا قبل يوم وشهرين وعام.

    وقاتلهم الصديق، وجاء أبو موسى الأشعري ومعه اليمنيون، وما هي إلا فترة حتى استتب الأمن وانتصر الإسلام.

    صفات القوم الذين ينصر الله تعالى بهم دينه

    فاسمع ما يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ [المائدة:54]، هذه تساوي الدنيا وما فيها.

    أرأيتم لو يأتينا هاتف من السماء ويقول: إني أحبك يا عبدي، والله لآثرنا الموت على الحياة، ولرغبنا عن هذه الدنيا بما فيها، فمن أحبه الله هل يشقيه أو يرديه؟ ولنذكر ليلة أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعسكر بخيبر وقال: ( لأعطين الراية غداً إن شاء الله رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ).

    وبات الأصحاب يدوكون ليلتهم، وصلوا الصبح، وكان عمر يقول: كنت أرفع رأسي هكذا لأظهر بين الناس عله يقول: خذها يا عمر . ثم قال: أين علي -رضي الله عنه-؟ قالوا: مريض، قال: ائتوني به، قالوا: ما يستطيع أن يبصر، به رمد، وجاءوا به يقاد ونفخ في عينيه فذهب ذلك الرمد وعادتا أحسن ما يكون، وأعطاه الراية، فأي منصب أعلى من هذا؟ ( لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ).

    والشاهد عندنا في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة:54]، لا يتكبرون ولا يترفعون، ولا يؤذون، ولكن في تطامن وانكسار ورحمة وهدوء وسكون، هذه صفاتهم. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ [المائدة:54]، أشدة غلاظ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]، أما مع المؤمنين فمتطامنون متمسكنون رحماء يلينون الكلام ويلينون العمل؛ لأنهم إخوانهم في الله، أما الكافرون فأشداء عليهم، غلاظ إذا خاطبوهم، إذا استعملوهم.. إلا أنهم لا يظلمونهم ولا يعتدون عليهم.

    الصفة الثالثة: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المائدة:54]، وفعلاً جاهدوا وقادوا وخاضوا المعارك، ونصرهم الله وفتحوا البلاد شرقاً وغرباً.

    وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، لا يهابون ولا يخافون لومة لائم ولا عتاب من يعتب عليهم، وأما المنافقون فتقدم أنهم يفكرون في المستقبل عسى أن تكون دائرة، فيتملقون ويدارون ويخافون ويحذرون من اللوم والعتاب، أما أولياء الله أحباء الله فإنهم لا يخافون لومة لائم، تلومه لماذا؟ صام أو تصدق، فتلومه لماذا؟ يخرج إلى الجهاد ويقبل هذا اللوم، يشتد ويغضب في وجه الأعداء والمنافقين ثم تأخذه لومة لائم؟ كلا أبداً.

    وقال تعالى بعد ذلك: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54]، اللهم اجعلنا ممن تشاء إيتاءهم فضلك يا رب العالمين.

    طريق معرفة محبة الله تعالى لعبده

    هيا نبدأ: من منكم لا يحب الله ورسوله والمؤمنين؟ إذاً: نشهد الله أننا نحبه ونحب رسوله ونحب المؤمنين، ولا نكره مؤمناً ولا مؤمنة أرمد، أو أعمش، كيفما كان نحبه.

    فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، هذه التي نقف عندها، هل نحن نحب الله وهو يحبنا؟ دلونا على الطريق لنصل إلى هذه الغاية السامية الرفيعة، تقول العلماء: انظر أنت إلى نفسك: إن كنت تحب الله فوالله إنه ليحبك الله، تعرف ذلك من نفسك، ومظاهر حب الله عندنا أنك تحب ما يحب وتكره ما يكره، فإن عاكسته فيحب الله وتكره أنت، ويكره الله وتحب أنت؛ فوالله لا حب، ودعوى الحب حينئذ باطلة.

    حب الله في القلب من مظاهره أنك تود أن ترى ربك، وأن ترتفع إلى جواره، من حبك لله أنك تحب كل ما يحب، إذا بلغك أن الله يحب كلمة فأنت تقولها تتملق بها إليه؛ لأنك علمت أنه يحبها، يحب عملاً من الأعمال كالصلاة والجهاد فتأتيه أنت لأن الله يحبه، فأنت أحببته بحبه، وإذا وجدت نفسك تحب الله فأبشر فإن الله يحبك.

    فيا من يحبون الله بحق أحبوا ما يحب الله واكرهوا ما يكره الله، وهل الله يكره أشياء؟ ماذا يكره؟ يكره الكفر والكافرين، النفاق والمنافقين، الكذب والكاذبين، الفجور والفاجرين، الفسق والفاسقين، الظلم والظالمين، والتكبر والمتكبرين.

    إجمال الصفات المذكورة في الآية الكريمة

    يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، من صفاتهم أنهم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]، كيف أنتم؟ هل أنتم أذلة على المؤمنين، أم تدفعون وتتكبرون وتصرخون وتهينون؟ ومع الكافرين اللين والعطف، و(مسيو) أو (مستر)، على كل حال الدار دار عمل والجزاء أمامنا.

    أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]، بمعنى: أشداء غلاظ، ما يلينون ولا ينكسرون ولا يتعطفون بين أيديهم، أقوياء بعزة الإسلام، وليس معنى هذا أنهم يسبون أو يشتمون، المسلم لا يسب ولا يشتم ولا يظلم، ولا يسرق ولا يكذب ولا يخدع، العزة ألا تذل أمام الكافر وتنكسر، أنت المؤمن العزيز، وهو الكافر الذليل المهين.

    ومن صفاتهم: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المائدة:54]، هذا القيد الذهبي، في سبيل الله لا في سبيل المنصب، ولا المال، ولا الزوجة، ولا الولد، ولا الحكم، ولا الوطن، جاهد المسلمون وكشف الله عورتنا، جاهدنا قرابة خمس وأربعين سنة، نجاهد الكفار الطليان، الفرنسيين، الأسبانيين، البريطانيين، الهولنديين تحت عنوان الوطن، جهاد في سبيل الوطن، في تحرير البلاد.

    لو أن أهل إقليم أو منطقة قاتلوا باسم الله، من أجل الله لأقاموا دولة الإسلام يوم حكموا البلاد واستقلوا، من يوم أن تسلموا الزمام أقاموا الصلاة، وجبوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، هل حصل هذا؟ لا يحصل ومستحيل؛ لأننا ما قاتلنا في سبيل الله، أي: من أجل أن يُعبد الله وحده ويحب ويطاع في أمره ونهيه، هذا أمر مفروغ منه، لا تطالب بالدليل أبداً.

    يُجَاهِدُونَ [المائدة:54] في سبيل من؟ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المائدة:54]، أي: بأن يعبد الله وحده بما شرع؛ إذ ما خلق الخلق إلا ليُعبد ويذكر ويشكر، وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، ما يصرفهم عن الجهاد من يعذرهم أو يلوم ويعتب عليهم.

    قال تعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] لا يضيق فضله عن أحد أراده، عليم بمن هو أهل للفضل ومن هو ليس بأهل لفضله وإنعامه وإكرامه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ...)

    ثم قال تعالى يخاطبنا نحن: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:55] لا بريطانيا، ولا إيطاليا، ولا بلجيكا، من وليكم؟ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:55]، حصر الولاية في هذه الولاية: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:55]، هؤلاء أولياؤنا نحبهم ويحبوننا، ونطيعهم حتى نصدق في حبنا ويتجلى لنا حبهم.

    إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:55]، ثم قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [المائدة:55]، ليخرج نفاق المنافقين وكذب الكاذبين ممن نافقوا في الإسلام وقالوا: إنهم مسلمون وهم ليسوا بمسلمين، فحصر ذلك بقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [المائدة:55]، فالذي لا يقيم الصلاة ما هو بولي لنا، ما هو بمؤمن، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [المائدة:55]، ما إقامتها؟

    إليكم صورة حقيقية: نادى منادي صلاة الظهر، فترى أهل القرية أو الحي كلهم مقبلين على المسجد، مظاهر عجب خمس مرات في الأربع والعشرين ساعة، أذن العصر فترى الأمة كلها مقبلين على ربهم ليسجدوا له ويركعوا، غابت الشمس ودخل المغرب فترى أهل القرية أهل الحي كلهم مقبلين على بيت الله، وذلك طول العام، هذا هو إقام الصلاة.

    الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [المائدة:55]، يعطونها طيبة بها قلوبهم، طيبة بها نفوسهم، من أموالهم الصامتة أو الناطقة، سواء طولبوا بذلك أو لم يطالبوا، جاءهم الجباة أو لم يجيئوهم.

    وصفة أخرى وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55]، أي: خاضعون متذللون، ما هو بالعنتريات والكبرياء والعلو كما قدمنا.

    والركوع: الذلة والانكسار، فالمؤمنون أغنياء أو فقراء، علماء أو جهالاً، كيفما كانوا ليس فيهم مظهر الكبر والتعالي أبداً؛ لأنهم عبيد الله وأولياؤه، نعم على الكافرين يترفعون ويتكبرون؛ لأنهم أمام أعداء ربهم وأعدائهم، أما مع المؤمنين فلين الجانب وهو الانكسار والذل.

    وهنا تذكر رواية قد تصح أو لا تصح، أخذ منها الفقهاء: جواز العمل الخفيف في الصلاة، تقول الرواية: جاء رجل فطلب الصدقة أو معاونة من الناس في المسجد، فما أعطوه، وعلي يتنفل راكعاً، فلما مر به المسكين نزع خاتمه ورماه إليه وهو راكع، أراد أن يحقق هذا الوصف: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:55]، ولا حرج، فعمل جزئي كهذا ما يبطل الصلاة وهي نافلة، أخرج خاتمه هكذا ورماه له، في حركة أو حركتين لا تبطل الصلاة، لكن أراد أن يتمثل هذه الآية.

    أنا أقول: من منا يطبقها؟ تطبيق ذلك في ريالات في جيبك، وجاء سائل فسأل هذا وهذا ومر بين يديك فأخرجت أنت ريالين أو عشرة وأعطيته، فهل تمثلت الآية أم لا؟ تمثلتها، أمر سهل، وأما الخاتم فصعب، ما عندنا خواتم.

    هذا فقط من باب أنه أراد أن يمتثل هذه الآية، وإلا فهي لا تعنيه، تعني الذين يؤمنون بالله ورسوله ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهم في هذه الأحوال كلها راكعون لله خانعون خاضعون، لا كبرياء ولا علو.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:56]، ما معنى: يتولاهم؟ يحبهم ويحبونه، يطيعون الله ورسوله والمؤمنين، فمن يتولى الله ورسوله الذين آمنوا بشروه بالنصر، بالعز، بالكمال، بالسعادة، والله لا يهون ولا يذل، ولا ينكسر، لماذا؟ لأن الله قال: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة:56] من حزب الله؟ الأحزاب عندنا في العالم الإسلامي ما أكثرها، ما هناك إلا حزب واحد، ألا وهو حزب الله، من هم؟ المؤمنون الصادقون في إيمانهم أولئك حزب الله، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:56] يحبهم ويطيعهم وينصرهم ولا يخذلهم، هذا بشروه بأن العالم إذا اجتمع كله عليه لا يذلونه ولا يهينونه ولا يكسرونه، لماذا؟ لأن حزب الله دائماً هم الغالبون، بشرى عظيمة لأمة الإسلام هذه.

    فهيا نتولى الله ورسوله، أي: نطيع الله ورسوله، نقيم حدود شرعه ونعلن فرائضه، ونؤدي آدابها، ونحب رسول الله ونمشي وراء سنته، ونحب المؤمنين فننصرهم ونقف إلى جنبهم، إذا تم هذا فوالله ما ذللنا لأحد ولا أهاننا أحد.

    وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:56]، في أي زمان في أي مكان، أما أن تعادي المؤمنين وتحاربهم وتقول: أنا ولي الله ورسوله فلا ينفع هذا؛ لأن حب الله وحب الرسول وحب المؤمنين، طاعة الله وطاعة الرسول وطاعة المؤمنين، نصرة الله ونصرة رسوله ونصرة المؤمنين هي مفتاح الحب، وهذا وعد من الله عز وجل يتحقق لأي مؤمن يتولى الله ورسوله والمؤمنين.

    فإنه لا يذل ولا يهين ولا ينكسر أبداً، وإن قلتم: ولم المسلمون ذلوا وهانوا وانكسروا واستعمروا وافتقروا؟ فالجواب: لأنهم خلعوا ولاية الله ورسوله وولاية المؤمنين، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:56] فإنه لن ينكسر ولن يهزم أبداً، لماذا؟ لأن حزب الله هم الغالبون.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: إخبار القرآن الكريم بالغيب وصدقه في ذلك، فكان آية أنه كلام الله ]، أما أخبر تعالى أنه سيرتد من يرتد ويأتي الله بآخرين؟ وهل فعل أو لم يفعل؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] وكان ذلك، انتهت الفتنة على يد أبي بكر ، وتولى عمر بعده وقاد الجيوش إلى الشرق والغرب وانتصر الإسلام في كل مكان، وصدق الله العظيم.

    [ ثانياً: فضيلة أبي بكر والصحابة والأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم من أهل اليمن ]، لأنهم نهضوا بالجهاد، أبو بكر قادهم ومشوا وراءه والصحابة معه، وجاء أبو موسى الأشعري ومعه أهل اليمن، وأدبوا العرب الذين ارتدوا، وردوهم إلى الحق ورجعوا بهم إلى الإسلام، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] أبو بكر وأصحاب رسول الله.

    [ ثالثاً: فضل حب الله والتواضع للمؤمنين وإظهار العزة على الكافرين، وفضل الجهاد في سبيل الله، وقول الحق والثبات عليه، وعدم المبالاة بمن يلوم ويعذل في ذلك ] ويعتب، وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54].

    [ رابعاً: فضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشوع والتواضع ]، فضيلة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة (وهم راكعون)، أي: الخشوع والتواضع لله عز وجل.

    [ خامساً: ولاية الله ورسوله والمؤمنين الصادقين توجب لصاحبها النصر والغلبة على أعدائه ]، والذي يعادي الله والرسول والمؤمنين من ينصره؟ فالخذلان نصيبه وحظه.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع إنه قدير وبالإجابة جدير.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.