إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله سبحانه إنزاله التوراة والإنجيل وما فيهما من الهدى والنور، أردف ذلك بذكر إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه مهيمن على كل الكتب التي نزلت قبله، لذلك فإن الحكم الذي يحكم به القرآن هو حكم الله سبحانه وتعالى، سواء وافق ما في التوراة والإنجيل أو لم يوافق، فهو الدستور الذي تقوم به الأمة، ومهما طلب الحق من غيره فإنما هو تحاكم إلى الأهواء والرغبات الشخصية والأعراف الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم، قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المائدة المدنية المباركة، وها نحن مع هذه الآيات المباركات، أسمعكم تلاوتها أولاً ثم أعود بكم إلى بعض الأحكام التي درسنا آيها في الليلة الماضية.

    قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:48-50].

    هداية الآيات

    الآيات التي درسناها بالأمس أشير إلى هداياتها، فقد كانت تتضمن هذه الهدايات.

    يقول المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب خشية الله بأداء ما أوجب وترك ما حرم ].

    في الآيات التي تدارسناها البارحة هذه الهداية، وهي وجوب خشية الله، وذلك بأداء وفعل ما أوجب والبعد عما نهى وحرم، فهذا أمر واجب، وجوب خشية الله أي: الخوف من الله بأداء ما أوجب وترك ما حرم، والذي يقول: أنا أخاف الله وأنا أخشاه ولا يفعل واجباً ولا يترك الحرام هل يصدق؟ لا يصدق؛ لأن الخشية خوف النفس وخوف القلب، فالذي خافت نفسه واضطربت ما يقدم على معصية الله فيتعرض لغضبه وعذابه.

    [ ثانياً: كفر من جحد أحكام الله فعطلها أو تلاعب بها فحكم بالبعض دون البعض ].

    كفر من جحد أحكام الله فقال: لا أعترف بهذه الشريعة ولا بما تحمله من أحكام في الدماء والحدود في الأموال في العبادات في العقائد، قطعاً هذا كافر، ومن يقول: ليس بكافر؟ كفر من جحد أحكام الله فعطلها، ولو وطبقها لكان الأمر غير هذا، لكن جحدها فعطلها أو تلاعب بها فحكم بالبعض دون البعض، فهذا كافر.

    [ ثالثاً: وجوب القود في النفس]، والقود هو قتل النفس بالنفس، [ والقصاص في الجراحات؛ لأن ما كتب على بني إسرائيل كتب على هذه الأمة ]، قال تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45].

    1.   

    ذكر بعض أحكام الديات

    وهنا لا بأس أن نعلم بعض الأحكام، فالذي عليه أكثر أئمة الإسلام وهداته رحمهم الله أن المسلم لا يقتل بالذمي، المسلم لا يقتل بالذمي الكتابي اليهودي أو النصراني، فكلمة (النفس بالنفس) هذا اللفظ عام قيده رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوحى الله إليه إذ قال: ( لا يقتل مسلم بكافر )، وسر ذلك هو أن المؤمن يذكر الله ويشكره ويعبده ولذلك خلقه ربه، والكافر لا يذكر ولا يشكر، فعطل الحياة كلها فلا قيمة لوجوده.

    فلو سألتم وأنتم أهل الإسلام: ما السر في خلق هذا الوجود؟

    فالجواب: أراد الله أن يذكر ويشكر فأوجد هذه الحياة وأوجد آدم وذريته وأوحى إليهم أن: اعبدوني بالذكر والشكر، فمن ذكر وشكر رفعه إليه وأسكنه بجواره بعد موته، ومن ترك الذكر والشكر وكفر أنزله إلى الدركات السفلى من عالم الشقاء، فالذي يذكر الله ويشكره هل يجوز أن توقف ذلك الذكر والشكر منه بقتله؟ الجواب: لا.

    والذي لا يذكر ولا يشكر ما فائدة وجوده؟ لا شيء، فيقتل، هل فهتم هذا السر؟ فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يقتل مسلم بكافر )، سواء كان ذمياً أو غير ذمي، إذاً: يعطى وليه نصف دية المؤمن وكفى.

    ثانياً: لا خلاف أن في العينين دية، فمن فقأ عيني إنسان مؤمن فعليه دية، والدية مائة بعير أو قيمتها بالدراهم والدنانير، إذا فقأ الاثنتين ففي العينين الدية، وفي الواحدة نصف الدية، فقأ عين مؤمن بأن ضربه، لكمه، بحربه، بعود فأصبح لا يبصر فعليه نصف الدية.

    وفي عين الأعور الدية كاملة، ما عنده إلا هذه العين، خلق أعور أو أصابه مرض فعميت عينه، فصاحب العين الواحدة إذا فقئت عينه وجبت الدية كاملة، بخلاف ذي العينين حيث بقيت له عين يبصر بها فيأخذ نصف الدية، هذا كله إن لم يعف ويتصدق.

    وفي الأنف إذا جدع -قطع من هنا إلى آخره- الدية كاملة، فالأنف هو مظهر جمال الإنسان، إذا جدع وقطع فيه الدية كاملة، هذا الذي عليه جمهور أئمة الإسلام عليهم السلام.

    والدية في ذهاب السمع،ى أما مع بقاء شيء من السمع ففيه حكومة، يعني: اللجنة المختصة بهذا تقدر وتحكم بشيء، فلو ذهب السمع كله فأصبح أصم لا يسمع وجبت الدية، لكن إذا كان بقي له السمع وأوذي في سمعه ففيه الحكومة، فالقاضي ورجاله يحكمون بما يجب له.

    وفي السن الذي نزع أو كسر خمس من الإبل، السن بخمس من الإبل، كسر سنه أو قلعها بخمس من الإبل، للحديث الصحيح في ذلك.

    وفي الشفتين -إذا نزع شفته العليا والسفلى وتركه بأسنانه- الدية، وفي الواحدة نصف الدية، في الشفتين معاً الدية كاملة مائة بعير أو قيمتها، وفي الشفة الواحدة العليا أو السفلى نصف الدية.

    واختلف في دية المرأة، والذي عليه أمر الأمة أن المرأة ديتها نصف دية الرجل، وفيما دون النفس أصبعها كأصبع الرجل وسنها كسنه، وهذا أحسن ما قيل، فإذا بلغت ثلث الدية عادت بعد ذلك إلى النصف من دية الرجل.

    هذا كله مأخوذ من قول ربنا عز وجل: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا [المائدة:45] أي: في التوراة المنزلة على موسى عليه السلام أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45]، في الموضحة وفي أنواع الجروح الأطباء يقدرون ذلك والقاضي يحكم.

    ثم قال تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ [المائدة:45] لوجه الله فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:45]، جرحتني أو كسرت مني سني فتركت ذلك لله، قتلت أبي فتنازلتُ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:45]، كفارة لذنوبه، وقد ذكرت لكم أن القصاص كفارة، فمن قتل هل يبقى عليه إثم وقد قتل؟ القصاص كفارة لأصحابه، قطع يداً فقطعت يده فهل بقي عليه شيء؟ انتهى.

    لكن يحصل على الأجر إذا تقدم للمحكمة وقال: أقيموا علي الحد فإني تبت، أنا قتلت فلاناً والآن أطلب منكم القصاص.

    بعد هذا نعود إلى آياتنا المباركات فلنستمع إليها من الشرح.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    لما ذكر تعالى إنزاله التوراة وأن فيها الهدى والنور ناسب ذكر القرآن الكريم، فقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [المائدة:48] أي: القرآن ]، في الآيات السابقة ذكر التوراة والإنجيل، والآن ذكر القرآن.

    قال تعالى وقوله الحق: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ [المائدة:48] يا رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم الْكِتَابَ [المائدة:48]، الكتاب الفخم العظيم ألا وهو القرآن.

    قال: [ ناسب ذكر القرآن الكريم فقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [المائدة:48] أي: القرآن بِالْحَقِّ [المائدة:48] ]، كيف أنزل القرآن بالحق؟ [ أي: متلبساً به لا يفارقه الحق ]، الحق فيه لا يفارقه [ لا يفارقه الحق والصدق، وذلك لخلوه من الزيادة والنقصان ]، أما التوراة والإنجيل فقد زادوا فيهما ونقصوا منهما ما لا يعرف؛ لأن الله ما تولى حفظهما، أسند حفظهما إلى الربانيين والأحبار: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ [المائدة:44]، أما القرآن فقد تولى حفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، مضى ألف وأربعمائة سنة ما نقص من القرآن كلمة ولن تنقص حتى يرفعه كما أنزله، لأن قدرة الله أوسع وأقدر، وهو الذي تولى حفظ القرآن فقال: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    قال: [ حال كونه مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [المائدة:48] من الكتب السابقة، ومهيمناً عليها حفيظاً حاكماً، فالحق ما أحقه القرآن منها والباطل ما أبطله منها ].

    وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:48] ما المراد من الكتاب؟

    (أل) هنا للجنس، أي: من الكتب، كلفظ الإنسان يدخل فيه كل رجل وامرأة، أي: مصدقاً لما بين يديه من الكتب، لكن هذه العبارة ما تتناسب مع القرآن، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ [المائدة:48] جنس الكتاب، نحن عرفنا أربعة كتب ولكن غيرها الصحف أكثر من ستين صحيفة.

    قال: [ وعليه فَاحْكُمْ [المائدة:48] يا رسولنا بين اليهود والمتحاكمين إليك ]، لأنه تعالى قال: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:105] .

    وهنا قال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48] مهيمن على الكتب الأخرى مسيطر عليها يعلوها ليبين الحق فيها ويبين الباطل، فما أقره القرآن في التوراة والإنجيل فهو حق، وما نفاه وأبطله فهو باطل؛ لهيمنته على تلك الكتب: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48] على الكتب.

    [ وعليه فَاحْكُمْ [المائدة:48] يا رسولنا بين اليهود والمتحاكمين إليك ]، فهل هذا الأمر للوجوب أو مقيد بقيد؟ مقيد بقيد، فإن شئت فاحكم بينهم، وإن رأيت ألا تحكم بينهم فلا تحكم حتى يسلموا قلوبهم ووجوههم لله ويدخلوا في رحمة الله، وعلى كل حال احكم بينهم بالحق ولا تتبع أهواءهم.

    سبب نزول قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ...)

    وإليكم هذه الحادثة بالذات تفسر لكم هذه القضية:

    روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قوماً من الأحبار -علماء اليهود- اجتمعوا، منهم ابن صوريا الأعور العفريت الحبر، وكعب وشاس ، هؤلاء من كبار علماء اليهود بالمدينة، قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه.

    هؤلاء العلماء الثلاثة اجتمعوا في بيت أحدهم في المدينة وقالوا: هيا بنا نذهب إلى محمد علنا نفتنه عن دينه، وهذا مكر أم لا؟ قالوا: فإنما هو بشر نفتنه عن دينه. هل تستطيعون؟ قالوا: نعم، لأنه بشر ما هو بملك من الملائكة، والبشر من السهولة أن تغير نظريته أو تحمله على خطأ.

    قالوا: فإنه بشر. فأتوه وقالوا له: قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود -أي: علماء اليهود-، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد. إذا نحن آمنا بك واتبعناك فكل اليهود سيؤمنون بك ويتبعونك. كلام معقول وإن كان مسموماً!

    قالوا: قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود، وإنا بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم، فإذا حكمت لنا آمنا بك واتبعناك! هذا يسمى الاستدراج للهاوية، كيف يوقعونه في الخطأ، لكن الله مولاه لا يتركه ولا يضيعه، سبحانه لا إله إلا هو.

    قالوا: فإن بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم حتى نؤمن بك، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم، ونزلت هذه الآية الكريمة: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49].

    إذاً: تجلت ولاية الله لرسوله، ما يتركه يقع في خطأ، وهكذا أيضاً كل الصادقين في إيمانهم الصالحين في سلوكهم وأعمالهم يحميهم الله عز وجل، يتعرضون للمحنة والفتنة ولكن الله يحميهم، أليس هو وليهم؟ ومن كان الله وليه فكيف يخاف؟ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

    قال: [ وعليه فَاحْكُمْ [المائدة:48] يا رسولنا بين اليهود والمتحاكمين إليك بما أنزل الله إليك، بقتل القاتل ورجم الزاني، لا كما يريد اليهود، وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:48] في ذلك وتترك ما جاءك من الحق، واعلم أنا جعلنا لكل أمة شرعة ومنهاجاً، أي: شرعاً وسبيلاً خاصاً يسلكونه في إسعادهم وإكمالهم.

    معنى قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة فاستبقوا الخيرات)

    [ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المائدة:48] ] لو أراد الله أن يجعل البشرية أمة واحدة أيعجزه ذلك؟ قلوبها بيده، لكن ما السر في الشرائع وتعددها؟ هو ما تسمعون.

    قال: [ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المائدة:48] على شريعة واحدة لا تختلف في قضاياها وأحكامها ] لو شاء لفعل هذا، [ ولكن نوع الشرائع فأوجب وأحل ونهى وحرم في شريعة ولم يفعل ذلك في شريعة أخرى ] لماذا؟ [ من أجل أن يبتليكم فيما أعطاكم ].

    أشياء كانت محرمة عند اليهود أباحها الله عند النصارى، أشياء محرمة عند النصارى أباحها الله عند المسلمين وأشياء حرمها، لماذا؟ للابتلاء والامتحان هل تطيعون أو تعصون؟ وفي الطاعة تزكية النفوس وفي المعصية ظلمتها وفسادها، والحكم والقضاء بحسب زكاة الروح وخبثها؛ للحكم المعلوم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    زَكَّاهَا [الشمس:9] طهرها وطيبها بأوامر الله التي قال: افعلوها، وإبعادها عن نواهيه التي قال: اتركوها.

    دَسَّاهَا [الشمس:10] فعل المحرم وترك الواجب فخبثت نفسه.

    قال: [ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المائدة:48] على شريعة واحدة لا تختلف في قضاياها وأحكامها، لو شاء لفعل ولكن نوع الشرائع فأوجب ما أوجب وأحل ونهى وحرم في شريعة ولم يفعل ذلك في شريعة أخرى، من أجل أن يبتليكم فيما أعطاكم، وأنزل عليكم ليتبين المطيع من العاصي والمهتدي من الضال، وعليه فهلم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [المائدة:48] ].

    فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [المائدة:48] من يسبق أولاً؟ قالوا: الآية أول ما تدل عليه صلاة الجماعة، وإلا فكل خير أمر الله به ورغب فيه ووعد بالخير عليه يجب أن نتسابق فيه، أليس كذلك؟ وكل ما نهى الله عنه كذلك نتأخر ونبتعد عنه.

    قال: [ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [المائدة:48] أي: بادروا الأعمال الصالحة، وليجتهد كل واحد أن يكون سابقاً ] لغيره، أهل الحي يعرف بعضهم بعضاً، كذلك أهل البلاد يعرفون من سبق، لما طالب الرسول صلى الله عليه وسلم بالمال في إحدى الغزوات خرج أبو بكر الصديق بنفسه وبماله كله، وخرج عمر بنصف ماله، وجهز عثمان ألف بعير.

    والشاهد عندنا أنه ما دمتم قد عرفتم أن الله يبتلي بالتحريم والتحليل فهيا [ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة:48]، ثم يجزيكم الخير بمثله والشر إن شاء كذلك ]، وإن عفا فله ذلك، [هذا ما دلت عليه الآية الأولى]، وهي قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:48]، قضية شاس وابن صوريا الأعور. وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة:48] ] من الحلال والحرام والجائز والممنوع.

    معنى قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم...)

    قال: [ أما الآية الثانية فقد أمر الله تعالى فيها رسوله ونهاه وحذره وأعلمه وندد بأعدائه، أمره أن يحكم بين من يتحاكمون إليه بما أنزل عليه من القرآن فقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]، ونهاه أن يتبع أهواء اليهود فقال: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49]، وحذره من أن يتبع بعض آرائهم فيترك بعض ما أنزل عليه ولا يعمل به ويعمل بما اقترحوه عليه فقال: وَاحْذَرْهُمْ [المائدة:49] ] يا رسول الله [ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49] ].

    وتذكرون قضية رجم الزاني؟ قالوا: عندنا أن الزاني يلطخ وجهه بالفحم أو كذا ويركب على دابة ويعيره الأطفال والنساء في الشوارع، ما عندنا رجم. وفضحهم الله، ففي التوراة النص على الرجم، وهنا قال تعالى: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [المائدة:49]، الآن ابن صوريا وشاس أما جاءوا وقالوا: بيننا وبين قوم خصومة فاحكم بيننا، فإن حكمت لنا آمنا بك واتبعناك! يريدون أن يحكم بالباطل ليقولوا: انظروا كيف يعبث بدين الله! وعصمه الله تعالى.

    قال: [ وأعلمه أن اليهود إن تولوا -أي: أعرضوا عن قبول حكمه وهو الحكم الحق العادل- فإنما يريد الله أن ينزل بهم عقوبة نتيجة ما قارفوا من الذنوب وما ارتكبوا من الخطايا فقال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة:49] ] وفعل، فبنو قينقاع شردوا، بنو قريظة قتلوا هنا وهم سبعمائة واحد، بنو النضير أجلوا عن الجزيرة وذهبوا، فهل بسبب ذنوبهم أم لا؟ الله أكبر!

    قال: [ وندد بأعدائه حيث أخبر أن أكثرهم فاسقون، أي: عصاة خارجون عن طاعة الله ورسله، فقال: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49] ]، وهي قاعدة عامة في كل زمان ومكان.

    قال: [ فسلاه بذلك وهون عليه ما قد يجده من ألم تمرد اليهود والمنافقين وإعراضهم عن الحق الذي جاءهم به ودعاهم إليه. هذا ما دلت عليه الآية الثانية ].

    معنى قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)

    [ أما الآية الثالثة فقد أنكر تعالى فيها على اليهود طلبهم حكم أهل الجاهلية حيث لا وحي ولا تشريع إلهي، وإنما العادات والأهواء والشهوات، معرضين عن حكم الكتاب والسنة حيث العدل والرحمة، فقال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50] ] أفحكم الجاهلية يريدون ويطلبون. [ ثم أخبر تعالى نافياً أن يكون هناك حكم أعدل أو أرحم من حكم الله تعالى للمؤمنين به الموقنين بعدله تعالى ورحمته فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] ] وهل يوجد؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، لقوم مؤمنين صادقين في إيمانهم.

    قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48] إذاً فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:48-50].

    تذكرون ما قلت البارحة لكم؟ قلت لإخواننا المسلمين الذين يعيشون في الديار التي لا تحكم شريعة الله في بلاد العرب والمسلمين أو في بلاد أوروبا وغيرها: الطريق الذي يجب أن يسلكوه أن يجتمعوا في بيوت ربهم للصلاة وتلقي الكتاب والحكمة، وإذا حصل خلاف بين اثنين فإمام المسجد أو المربي يتولى حل ذلك الخلاف، ولا نتحاكم عند المحاكم التي لا تحكم بشرع الله، فهل هذا فيه صعوبة؟

    إذا كنا مؤمنين حقاً وصدقاً نجتمع كل ليلة بين المغرب والعشاء حيث نترك العمل الدنيوي مع غروب الشمس ونتلقى الكتاب والحكمة، يجتمع أهل ذلك البلد أهل ذلك الحي أهل تلك القرية، فما هي إلا أقل من سنة وهم كلهم أولياء لله صالحون.

    وحينئذ إن حصل نزاع بين اثنين يحكمون كتاب الله، إمام المسجد واللجنة الخاصة بالمسجد والإمام المربي المعلم يصلحون بين المختلفين ويخرجون بنفوس مطمئنة، وما تحاكموا إلى محكمة كافرة، فهل هذا صعب؟ والله! أسهل من التحاكم إلى المحاكم الباطلة، لكن ليس من الآن، لا بد أن نسلم قلوبنا ووجوهنا لله، لا بد أن نجتمع في بيوت ربنا كل ليلة طول العام نبكي بين يديه نستمطر رحماته نطلب فضله وإحسانه نتعلم هداه والطريق إليه، ومن ثم تتهذب أخلاقنا وتسمو آدابنا وترتفع شهواتنا وتنتفي أباطيلنا ونقبل على الله عز وجل، إن حصل خلاف بين اثنين مثلاً في ذلك الحي أو تلك القرية فإمام المسجد والمربي يحلون المشكلة، ولا نتحاكم عند اليهودي ولا النصراني.

    كيف نصل إلى هذه؟ قلنا: على العلماء أن يعلموا المسلمين في الشرق والغرب، لا خلاص ولا نجاة إلا بالعودة إلى بيوت الله ليتلقوا الكتاب والحكمة كما لقنها رسول الله، ويومها يخف هذا البلاء وتنتفي هذه المحن.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب الحكم وفي كل القضايا بالكتاب والسنة ]، وجوب الحكم وفي كل القضايا حتى في سرقة مكنسة، ما هناك شيء لا يوجد له حكم في الكتاب والسنة، يجب الحكم في كل القضايا بماذا؟ بقانون فرنسا، إيطاليا، الأمم المتحدة؟ بل بالكتاب والسنة، قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    هل يضيق القرآن والسنة عن أحداث الناس؟ والله لا يضيقان أبداً، عرفنا هذا من قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]، هذا أمر الله للرسول أم لا؟

    [ ثانياً: لا يجوز تحكيم أية شريعة أو قانون غير الوحي الإلهي الكتاب والسنة ]، لأن القوانين أهلها جهال عميان لا بصيرة لهم ولا عدل فيها ولا رحمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نحن عبيد الله فرض علينا وألزمنا أن نتقاضى ونتحاكم إليه، فإن قلنا: لا فقد كفرنا به وأعلنا الحرب عليه.

    وهل تتصورون أن هيئة من الهيئات العليا في العالم تستطيع أن توجد حكماً رحيماً عادلاً أكثر من أحكام الله؟ والله ما كان ولن يكون أبداً، فلا يجوز تحكيم أية شريعة أو أي قانون غير الوحي الإلهي الكتاب والسنة.

    [ ثالثاً: التحذير من اتباع أهواء الناس خشية الإضلال عن الحق ]، فالذي يتبع أهواء الناس وميولهم وما يريدون فإنهم -والله- يضلونه، فالرسول حذره الله أم لا؟ أما تآمروا وقالوا: هيا نقول له: نحن علماء، وإذا آمنا به اتبعك ناس وآمنوا، ولكن احكم بيننا بالباطل. فلو اتبعهم فماذا سيحصل؟ لكن حذره: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [المائدة:49].

    [ رابعاً: بيان الحكمة من اختلاف الشرائع وهو الابتلاء ]، لماذا يباح لهؤلاء كذا ويمنع عن هؤلاء كذا ويعطى هؤلاء ولا يعطى هؤلاء، لماذا؟ للامتحان للابتلاء، مولانا يبتلينا ليرى المطيع منا والعاصي، فيسعد ويكمل المطيع ويشقي ويعذب العاصي، فلهذا تجد الخلاف في الدول.

    [ خامساً: أكثر المصائب في الدنيا ناتجة عن بعض الذنوب ]، أكثر المصائب والويلات والفقر والمرض والذل والهون والحرب والفتن -والله العظيم- ناتجة عن الذنوب، أما قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة:49]، والأظهر من هذه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

    [ سادساً: حكم الشريعة الإسلامية أحسن الأحكام عدلاً ورحمة ]، إي ورب الكعبة، إي والله، حكم الشريعة الإسلامية أحسن الأحكام عدلاً ورحمة، فلو حكمنا اليهود أو النصارى في قضايا لكان أعدل وأرحم لهم، لكن لا يحكمون ولا نحكم، لا نحكم عليهم ولا لهم حتى يذعنوا لله ويدخلوا في رحمته، أما وهم مصرون على الكفر والشرك والعياذ بالله فحسبهم ذلك.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.