إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكفر بالله ذنب عظيم وجريرة كبرى، لا يقبل الله عز وجل معه عمل ولا فداء، فالكافر موعود بعذاب مقيم في نار جهنم، ولو جاء يوم القيامة بأموال أمثال الجبال وبأهل وأولاد مثل حبات الرمال ثم أراد أن يفتدي بهم من عذاب يوم واحد ما قبل منه وما نفعه؛ لأن الله سبحانه ما طلب من عباده بذل الأموال لدخول جنته، وإنما طلب منهم بذل الإيمان وإخلاص العبادة له سبحانه.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المائدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم لك الحمد على ما أوليت، ولك الحمد على ما أعطيت، ولك الشكر يا رب العالمين.

    ما زلنا مع سورة المائدة المباركة الميمونة، وما زلنا مع الآيات الثلاث التي درسنا الآية الأولى منها، وها نحن مع باقي الآيات.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:35-37].

    نداء المؤمنين وأمرهم بتقوى الله تعالى

    معشر الأبناء والإخوان والمؤمنات الصالحات! عرفنا هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:35]، فمن المنادي ومن المنادى؟ المنادي: هو الله جل جلاله وعظم سلطانه، والمنادون عباده المؤمنون والمؤمنات، الذين آمنوا بالله رباً وإلهاً لا رب غيره ولا إله سواه، وآمنوا بكتبه ورسله وآمنوا بلقائه، هؤلاء المؤمنون يعتبرون أحياء، إي والله، والحي يسمع ويبصر، ويعطي إذا طلب منه ويأخذ إذا أعطي؛ وذلك لكمال حياته، فلهذا أمرهم بما يلي: أولاً: بتقواه عز وجل. ثانياً: بطلب الوسيلة إليه. ثالثاً: بالجهاد في سبيله.

    الأولى: التقوى، والتقوى عرفناها ولا حاجة إلى تكرارها، وكيف نتقي الله؟ الجواب: أن تخافه بقلبك خوفاً يحملك على أن تطيعه ولا تعصيه، وبهذا تتقي غضبه وعذابه.

    وهل علمنا أوامر الله ونواهيه حتى نفعل المأمور ونترك المنهي؟ الجواب: المفروض أننا عرفنا هذا، من ساعة أن دخلنا في الإسلام وشهدنا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونحن نتعلم في كل يوم -بله في كل ساعة- أوامر الله ما هي وكيف نؤديها، ونواهي الله وكيف نتركها ونتجنبها، والقرآن يفيض بهذه الأوامر والنواهي، وما التبس علينا فرسوله صلى الله عليه وسلم يبين ويشرح، إذ من المستحيل أن تتقي الله وأنت لم تعرف أوامره ولا نواهيه، ومن هنا تقررت القاعدة النبوية: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ).

    أمر المؤمنين بطلب الوسيلة إلى الله تعالى

    ثانياً: هيا نبتغي إليه الوسيلة، أي: نعمل على أن نقرب منه ونصبح من المقربين لديه، فما هي الوسائل؟ إنها حبه وطاعته وحب رسوله وطاعته، إنها هذه الأعمال الصالحة، سواء أعمال القلوب كالنيات الطيبة الطاهرة والعقائد المستنيرة أو الأقوال أو الكلمات التي شرعها الله نتقرب بها إليه، ككلمة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، كل عمل صالح تؤديه تقرباً به إلى الله يقربك الله وتقرب منه، هذا هو التوسل.

    وبينا التوسل الباطل وحذرنا منه، وهو توسل الجهال والضلال بالذبح والنذر للأولياء والعكوف على قبورهم وزيارتهم من بلد إلى بلد، والاستغاثة بهم، ونداؤهم: يا سيدي فلان، ويا مولاي فلان! هذه -والله- ما هي بالوسيلة التي طلب الله من عباده أن يتوسلوا بها، نعم عطفك على فقير، مسحك دموع حزين، تنظيفك الطريق للمؤمنين هذه وسائل تتوسل بها إلى الله، أما أن تعرض عنه وتقبل على مخلوق من مخلوقاته فتستغيث بأعلى صوتك وتناديه وتقسم به وتحلف؛ فهذا شرك وما هو بوسيلة.

    والأمر الثالث: الجهاد، وحمدنا الله أنه أراحنا اليوم من الجهاد، فالحمد لله.. الحمد لله، من منكم عنده مدفع في بيته أو نفاثة في سطحه يطير عليها ويجاهد؟

    مقترح للدعوة في ديار الكفر تحقيقاً لمطلب الجهاد

    وأصل الجهاد: هو بذل الجهد والطاقة البدنية والمالية والعقلية من أجل أن يدخل الناس في رحمة الله، وبعبارة أوضح: من أجل أن يعبد الله وحده، إذ هذا هو الجهاد في سبيل الله، الآن من إفضال الله وإنعامه علينا أنه أراحنا وإن كنا نقول: إننا تحت رقابة الله تعالى، ففرنسا فيها ثلاثة آلاف مسجد، بريطانيا فيها مثل ذلك، ألمانيا ذات المخ العظيم، هولندا، بلجيكا، حتى موسكو وأمريكا واليابان والصين، مفتوحة كلها، ما فتحها أسلافنا ولا فتحها آباؤنا وأجدادنا ولا فتحناها نحن، ولكن فتحها الله الفتاح العليم، بل في تلك البلاد حرية العبادة والتعبد أعظم منها في بلاد العرب والمسلمين، إلا ما شاء الله.

    إذاً: ما نحن الآن في حاجة إلى حمل السلاح، لكن لم لا نكون لجنة إسلامية عليا يشارك فيها كل بلد إسلامي، وبطريق سري خفي؛ حتى لا نوقظ دعاة الماسونية أو الصليبية أو المجوسية، لجنة عليا يشارك فيها كل بلد إسلامي بعالم، فتكون لجنة مكونة من أربعين عالماً من خيرة العلماء المسلمين، ثم توضع خريطة للعالم بأسره من الشرق إلى الغرب، ونعرف في كل بلد كافر كم فيه من أعداد المسلمين، وكم مسجداً، وكم مركزاً، ونعرف حاجياتهم، وعندنا كتاب الله وسنة رسول الله والعالم الرباني ولي الله الذي يشرح ويبين الهدى ويدعو إليه.

    ولا بد لهذه اللجنة من ميزانية فخمة ضخمة كأكبر ميزانية يساهم فيها كل مؤمن بدينار، لا بد من هذا، فريضة الجهاد، وتأخذ تلك اللجنة على الفور فتوجد مجلساً لتخريج الدعاة، لستة أشهر فقط، والكتاب موحد: منهاج المسلم، عقيدة المؤمن، أيسر التفاسير، كتاب المسجد وبيت المسلم، نداءات الرحمن، هذه الكتب ما فيها تعصب قبلي ولا إقليمي ولا وطني ولا مذهبي، المسلمون أمرهم واحد؛ لأنا لا نريد أن يبقى إخواننا في الشرق والغرب هذا حنفي وهذا مالكي وهذا شافعي وهم متباعدون متناحرون، انتهى أمر هذا، لا معنى له اليوم أبداً، الكتاب متوافر فيه: قال الله وقال رسوله، والعالمون بذلك متوافرون، فيدرسون الكتاب والسنة لكمالهم ورقيهم في آدابهم وأخلاقهم، بعد تصحيح عقائدهم وبعد إقبالهم على الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    إذاً: لا أحسب أنه يمضي ربع قرن إلا وقد لاحت أنوار الإسلام في الشرق والغرب، والحمد لله الذي أراحنا من السيف والقتال، وفتح لنا أبواب العالم.

    قلت: وإننا لتحت رقابة الله تعالى، إذا لم نستجب لدعوة الله ونجاهد أنفسنا لنقيمها في الشرق والغرب؛ فسيأتي يوم يأخذون إخوانك المسلمين ويرمونهم في البحار ويطردونهم، ولا يسمحون لمن يقول: لا إله إلا الله، فالظروف مواتية، لكن من جعلها مواتية؟ الله مدبر كل شيء، كان من المستحيل أن يدخل الرجل إلى بلاد الكفر ويبيت فيها هكذا إلا غازياً أو مجاهداً، والآن يؤذن ويصلي ويكبر؟!

    أقول: إنها فرصة ذهبية نخشى أن تفوت، وإن فاتت تحمل إثمها وتبعتها المسلمون الموجودون من أهل القدرة على العمل، والحمد لله الذي أراحنا الله من الدماء وسفكها.

    نقد أفعال جماعات التكفير

    وأما الجماعات التي تريد أن تنشر الإسلام بالمدفع في بلاد المسلمين فهذا خطأ فاحش، خطأ باطل، حرام، يحمل الظلم والبلاء، ولن يوجد الإسلام ولا أهله، بل إن بغض أعداء الإسلام للإسلام من سلوكنا نحن، فسلوكنا بغضهم وجعلهم ينفرون منهم، وقد يكون هذا سبباً في طردهم المسلمين من بلادهم وإغلاق أبواب المساجد، فهذا الجماعات الثائرة التي تكفر الحكام وتعلن الجهاد وهي أعجز ما تكون عن ذلك، إذ الأمة معرضة عنها، والحكومة ضدها، فكيف تنتصر؟! فلو عرفوا ما ينتج عن هذا البلاء من بلاء لماتوا خوفاً من الله عز وجل، ولكنه الجهل المركب، إذا كنتم تريدون إنارة العالم الإسلامي وإضاءته شرقاً وغرباً فأقبلوا على المسلمين زكوا أنفسهم وطيبوا أرواحهم، وهذبوا آدابهم وارفعوا معنوياتهم بتعليمهم الكتاب والحكمة، زوروهم في بيوتهم، قبلوا أرجلهم وأقدامهم وخذوهم إلى بيت الله وعلموهم؛ حتى إذا عرفوا حينئذٍ فما هم في حاجة إليكم، تصبح الأمة كلها على قلب رجل واحد، ويومها تلوح أنوار الإسلام في الشرق والغرب، فلا يسع الكافرين والمشركين إلا أن يطأطئوا رءوسهم أو يدخلوا في الإسلام.

    تربية النفس جهاد مفتوح

    قد يقال: إذاً -يا شيخ- أغلقت باب الجهاد! قلت: ما زال باب من أبوابه مفتوحاً، ألا وهو جهاد النفس، جاهد نفسك أن تلين وتنكسر وتتطامن وتتواضع ولا تقول إلا الحق ولا تنطق إلا بالمعروف ولا تسمع إلا الهدى ولا تقبل إلا على الخير، هذا الجهاد الأعظم: ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر )، جاهد أسرتك في بيتك ليصبح بيتك كمسجد لا يسمع فيه إلا ذكر الله، جاهد إخوانك في مجالسهم ولقاءاتهم بأن لا يذكر إلا الله، جاهد جيرانك، عرفهم بالله، وأحسن إليهم، واجذبهم إلى نور الله، هذه هو الجهاد في سبيل الله جهاد النفس، فما هي الجائزة؟ الفلاح؛ إذ قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [المائدة:35]، لم يا رب؟ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35]، لتتهيئوا ولتستعدوا للفلاح.

    والفلاح عرفناه، سمعنا ربنا يقول: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، وما الفلاح إلا الفوز، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، ما معنى: (أَفْلَحَ)؟ فاز. بم فاز؟ بجائزة نوبل؟ فاز بأن زحزح عن النار وأدخل الجنة دار الأبرار، هذا هو الفلاح والفوز، ما هو الربح في الشاة ولا البعير ولا الدينار ولا الدرهم، فهل أصبح هذا نوراً في قلوبنا معشر المستمعين والمستمعات أم لا؟ فليلتين ونحن مع هذه الآية، فهل استقر هذا في أذهاننا؟

    لو دعاك داع إلى الجهاد فقل: أين الجهاد هذا؟

    إن بعض الشباب يهربون الآن إلى الشيشان للجهاد؛ لأن نفوسهم ضاقت وتألمت وما وجدت من يشرح تلك الصدور ولا ينير تلك القلوب، والهمجية والبربرية والشهوات العارمة، فماذا يصنعون؟ فهموا الجهاد ليموتوا في الشيشان. الجهاد الذي ندعو إليه أن يقوم إمام مبايع من عامة المسلمين ونمشي وراءه يقودنا العام والأعوام وهو يربي ويهذب ويكمل، وحينئذٍ إذا رأى نفسه قادرة على أن يغزو ليفتح ديار الكفر وينيرها للإسلام فإنه يقول: الجهاد، هذا هو الجهاد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم...)

    هيا بنا إلى الآيتين الباقيتين:

    قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:36] والعياذ بالله، هذا يقابل الذين آمنوا، كأن سائلاً يقول: وما شأن غير المؤمنين؟ فربنا نادى المؤمنين ووضع لهم الطريق وبين لهم السبيل وقال: أنتم المفلحون، وغير المؤمنين ما حالهم؟

    فكان الجواب: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:36]، ولا بد من ساعة نقف فيها حتى نعرف ما الكفر الذي كفروه.

    صور من الكفر والجحود

    أصل الكفر في لغة العرب لغة القرآن: الجحود والتغطية، فما تكفر به هو ما تغطي به، فكل من كذب بوجود الله رباً وإلهاً فهو كافر، كفر، جحد، أنكر، كذب، بمعنى واحد، كل من أنكر أو كذب بما أمر الله تعالى بالإيمان به والتصديق به، سواء كان مما يعقل أو مما لا يعقل، فعقول الناس متفاوتة، فإذا أمر الله تعالى أن نؤمن بشيء وجب أن نؤمن ونصدق، ومن كذب أو أنكر، وقال: لا أطيق هذا؛ فهو جاحد كافر، وفي هذا يدخل العالم العلوي بكل ما فيه من الملائكة ودار السلام والنعيم فيها، ويدخل في هذا العالم السفلي النار وصنوف عذابها وألوان ما فيها من الشقاء والبلاء، وإن كنا لم نر، فقد أخبر الله بذلك، فمن كذب وأنكر وقال: أنا لا أصدق بهذا فهو كافر، أخبر تعالى بأن له رسلاً أرسلهم وأنبياء من عهد آدم إلى خاتمهم، فكل من كذب بواحد وقال: أنا لا أؤمن بهذا أبداً ولا أصدق به أو لا أتابعه فقد كفر، فهو كافر، فعامة الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً نؤمن بهم واحداً واحداً، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً نؤمن بهم إجمالاً، الله ينبئ من يشاء ويخبر من يشاء، آمنا بالله ورسله، ومن قال: أنا لا أؤمن بحزقيل نبياً ورسولاً فهو كافر، من قال: أنا لا أؤمن بأن عيسى رسول الله فهو كافر، ومن قال: لا أؤمن بمحمد فهو أكفر الكافرين.

    وكذلك التكذيب بكتب الله التي أنزلها على رسله الذين اصطفاهم لها، وقد عرفنا منها أربعة كتب من أعظمها: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، فمن قال: لا أؤمن بآية واحدة فهو كافر مكذب، الصحف التي أنزلها الله على شيث ثلاثون صحيفة، وصحف إبراهيم وموسى آمنا بها، ومن قال: أنا لا أؤمن بما أنزل على شيث فهو كافر.

    وكذلك الإيمان بشرائع الله وما تعبد به عباده وما أنزله من أحكام لتكميلهم وإسعادهم، لتطهيرهم وتصفيتهم، لإنقاذهم من هوة الباطل والشر والخبث والفساد، من أنكر حكماً واحداً وقال: أنا لا أؤمن به فقد كفر وهو كافر مع الكافرين، لو قال قائل: أنا أؤمن بالشريعة إلا أن قطع اليد لا أؤمن به ولا أعترف بهذا فهو كافر، من قال: أنا أؤمن بشرائع الله، إلا أن الإذن بأن يتزوج الرجل أربع نسوة لا أؤمن به ولا أقره فوالله إنه لكافر.

    وكذلك القضاء والقدر، من قال: أنا لا أؤمن بقضاء سبق ولا قدر، ولكن الأمور تحدث بأسبابها ونحن نشاهد، وقال: لا أؤمن بأن الله كتب كل شيء في كتاب المقادير ثم نفذه في وقته، في كيفيته، في حاله كما هو؛ فقد كذب بالقضاء والقدر فهو كافر، ولو كذب فقط فقال: أعمال الإنسان لا دخل للقضاء والقدر فيها، هو إن شاء صلى وإن شاء غنى، فلا قضاء ولا قدر؛ فهو كافر ما هو بمؤمن.

    خلاصة القول: تكذيب العبد بوجود الله، تكذيب العبد بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، لو نفى صفة من صفات الله، قال: أنا لا أؤمن بأن لله قدماً، أنا لا أؤمن بأن الله يجيء في عرصات القيامة، أنا لا أؤمن بأن الله يسمعنا ويرانا في كل مكان؛ فهو كافر؛ إذ الإيمان: التصديق الجازم بكل ما أخبر تعالى به وأخبر به رسوله، أطقته واتسعت دائرة عقلك له، أو ضاقت وما أدركت، قل: آمنت بالله وأمسك بلحيتك، وقد فعل هذا رسول الله أمامنا يعلم أصحابه الكتاب ولحكمة، فقال وهو يعلم: ( لقد أوحي إلي أن بقرة في بني إسرائيل يركبها فلاح ) من الفلاحين، والبقر لا يركب عندنا نحن العرب، إنما تركب البغال والحمير والإبل والخيل، فالبقرة هذه ( رفعت رأسها وقالت: ما لهذا خلقت! فأمسك رسول الله بلحيته وقال: آمنت به.. آمنت به.. آمنت به، وآمن به أبو بكر وعمر )، وكانا غائبين.

    فإذا بلغك عن الله من طريق سليم صحيح من كتاب الله وهدي الرسول فإياك أن تفتح المجال لعقلك وتقول: كيف؟ قل: آمنت به.. آمنت به، ويستحيل أن يكون غير ما أخبر الله به أو أخبر به رسوله.

    خبث أرواح الكفرة وحاجتهم إلى روح الإيمان

    فالجاحدون المكذبون المنكرون هؤلاء أموات، هل تستطيع أن تهذبهم، أن تؤدبهم، أن تربيهم، أن تجعلهم يتقون الله ويبتغون إليه الوسيلة ويجاهدون في سبيله؟ مستحيل؛ لأنهم أموات، أولاً: انفخ فيهم روح الإيمان، فإذا آمن العبد فمره فإنه يفعل، وانهه فإنه يترك لقدرته على ذلك، أما الكافرون فأموات، إذاً: فوالله! ما اتقوا الله، والله! ما ابتغوا إليه الوسيلة، والله! ما جاهدوا في سبيله، إذاً: أروحهم كيف هي؟ هل هي طيبة طاهرة زكية؟ لا والله، بل هي عفنة منتنة خبيثة، وأصحاب الأرواح الخبيثة المنتنة أيدخلون دار السلام؟ أينقض الله حكمه فينا؟ لقد صدر حكم الله تعالى على الإنس والجن، على البشرية كلها بأن من زكى نفسه أفلح وفاز بالنجاة من النار ودخول الجنة، وأن من دسى نفسه، لوثها، أخبثها بأوضار الجريمة وآثار الذنوب والآثام؛ فهو خائب وخاسر، ومن يعقب على الله إذا حكم؟ هل هيئة الأمم المتحدة؟! إنه إذا أصدر الله حكمه فلا مراجعة، أخبرنا ربنا في سورة الرعد، إذا قال تعالى: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]، لم؟ لأنه عليم حكيم، فالجاهل يصدر حكماً فيعقب عليه بأنه مخطئ، والأحمق غير الحكيم يتخبط، يضع هذا مكان هذا، لكن من كان عليماً بالأشياء قبل وجودها، حكيماً لا يضع الشيء إلا في موضعه؛ فهل هذا يعقب على حكمه؟

    فالذين كفروا يعيشون على ظلمة أم لا؟ وعلى خبث نفس أم لا؟ لأنهم ما اتقوا الله ففعلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، ولا زادوا فوق ذلك فتملقوا إلى الله وتزلفوا إليه بالأعمال الصالحة حتى تحولت أرواحهم إلى كتلة من نور، وزادوا فوق ذلك الجهاد لأنفسهم وأعداء الله طول حياتهم، هؤلاء هم المفلحون، والكافرون ما فعلوا شيئاً من هذا، إذاً: ما حكم الله فيهم؟

    الكفر جريرة لا تنقذ الفدية صاحبها من النار

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ [المائدة:36]، من باب الفرض والتقدير، لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [المائدة:36] من أنواع الدراهم والدنانير والعمل وقناطير الذهب والفضة، وَمِثْلَهُ مَعَهُ [المائدة:36]ومثله أيضاً، إذا كان له مليون مليار فزد مثلها أيضاً، لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ [المائدة:36]من أجل أن يفتدوا به، يعطون هذا المال أو يملكونه من أجل الافتداء ليتخلصوا من عذاب النار، قال تعالى: مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [المائدة:36]، والله ما تقبل منهم، وهل هناك من يقبل أو يرد غير الله؟ الله قال: مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [المائدة:36]، لماذا؟ لأن أرواحهم خبيثة منتنة متعفنة، ماذا يفعل الله بتلك الأموال؟ هل تغسل نفوسهم؟ لو صلى ركعتين قبل أن يموت خاشعاً بين يدي الله، لو قال: لا إله إلا الله وعينه تذرف الدمع ومات لكانت هذه خيراً من الدنيا وما فيها، أما وقد مات على الكفر والشرك والظلم والخبث والفساد فأنى له أن يفوز وينجو من عذاب الله المعد والمهيأ لمثله من الناس؟!

    تأمل الآية الكريمة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:36]، موجع أشد الإيجاع، وصنوف العذاب اقلب صفحات القرآن وشاهد فستشاهد العجب في هذا العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم)

    الآية الأخيرة: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [المائدة:37]، ما نقول: ألفوا العذاب وتحملوه وخلقوا له، لا يضحكون والنار تأكلهم، لا والله ما كان، بل: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا [المائدة:37] أبداً، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37]، إقامة دائمة، لا يبرح ولا يزول ولا يبرحونه ولا يزول عنهم، عياذاً بالله.. عياذاً بالله!

    معاشر الأبناء والإخوان! عرفتم الطريق؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، المؤمن إذا عرف ربه أمكنه أن يتقي الله وأن يبتغي إليه الوسيلة وأن يجاهد في سبيله، لكن إذا ما عرف فأنى له أن يعرف الله أو يطلب إليه الوسيلة ويجاهد؟! فهيا بنا إلى العلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.