إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله حد الحرابة حفظاً لدماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، فأيما رجل أو جماعة عملوا على ترويع الناس، والاعتداء عليهم، وقطع السبيل والإفساد في الأرض فقد جاز تطبيق حد الحرابة عليهم، وتكون العقوبة إما بالقتل، أو بالصلب، أو بتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، وأهل العلم على أن لولي الأمر اختيار إحدى هذه العقوبات حسب ما يرى من الحاجة إليه.

    1.   

    ذم الإسراف والتبذير

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المائدة المدنية المباركة ذات الأحكام الشرعية، ومعنا في هذه الليلة هاتان الآيتان الكريمتان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:33-34].

    قبل الشروع في دراسة الآيتين المباركتين نفي بما وعدنا، وهو أن نتكلم بإجمال على الإسراف وأهله، وذلك لأنا تلونا هذه الآية وهي قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة:32].

    الإسراف: مصدر أسرف يسرف إسرافاً: إذا تجاوز الحد المحدود وتعداه إلى غيره، والله تعالى يقول -وقوله الحق- من سورة الأعراف: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، مولانا سيدنا ربنا لا يحب المسرفين، فمن أسرف في أكله أو شربه أو لباسه أو شئونه في الحياة الدنيا تعرض لبغض الله له، أعوذ بالله.

    دلوني على عاقل يرضى أن يكرهه الله؟! كيف يسعد، والله يصرح بقوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، إذاً: فهيا نقتصد في أكلنا وشربنا ولباسنا ومراكبنا ومساكننا أولاً.

    ومعنى الاقتصاد: الأخذ بالوسط لا تقتير ولا إسراف، القصد القصد.

    إخبار الرسول بانتفاء الفقر عن المقتصد

    والرسول الكريم يعلنها أيضاً واضحة صريحة فيقول: ( ما خاب من استخار )، ما خاب من استخار رجلاً كان أو امرأة عامياً أو عالماً أبيض أو أسود، الذي يطلب من الله أن يختار له القضية التي أقبل عليها لا يخيب أبداً، ما معنى هذا الكلام: ( ما خاب من استخار

    إذا أردت أن تقدم على شيء سفراً كان أو إقامة زواجاً أو طلاقاً إعطاءً أو منعاً بناءً أو هدماً تجارة أو ترك تجارة، وأنت لا تدري الخير فيم؛ فهناك من إذا قرعت بابه واطرحت بين يديه وبكيت بين يديه وقلت له: اختر لي، والله ليختارن لك ما هو خير لك، ومع هذا أعرض عن هذا المؤمنون والمؤمنات.

    قبل أن تقدم على الشيء وأنت لا تدري أفيه خير أم شر في الحال أو المستقبل؛ إذاً: من هو الذي يستطيع أن يختار لك ما فيه الخير، هل القادر أو العاجز؟ هل العليم أو الجاهل؟ هل الحكيم أو الأحمق؟ فعليك بالله عز وجل، وكان أحدهم يستشير الله ويستخيره في القضية الشهر والشهرين وهو بين يديه، فكيف يصنع؟

    قلت لكم: يقرع باب الله، أين دار الله وأين بابه؟ كل الأرض دار الله وبابه، توضأ وأحسن وضوءك واستقبل بيت ربك، وأنت ناو عازم على أن تطلب الخيار منه، وصل ركعتين وأنت بين يديه، وقد نصب وجهه الكريم لك، وحين تفرغ قل ما علمنا رسول الله أن نقول: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر، وأنت على كل شيء قدير، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن زواجي بفلانة خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن زواجي بفلانة شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به )، وكرر الاتصال بذي العرش، الاتصال بالذي بيده كل شيء، بيده حياتك وموتك وسعادتك وشقاؤك، وشيخكم استخار في قضية شهراً كاملاً، قضية سياسية.

    يقول صلى الله عليه وسلم: ( ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار، ولا عال من اقتصد )، الذي يستشير أولي الحزم والعزم والمعرفة والبصيرة أصحاب الأنوار الإلهية أهل العبادة والطاعة؛ هؤلاء إذا استشارهم في صدق وأشاروا عليه ففي ذلك خير، والله ما يندم أبداً.

    من هم الذين تستشيرهم؟ هل الحشاشون؟ هل أولو الدنيا والشهوات والأطماع والتكالب على أوساخ الدنيا اللذين يبيتون نياماً كالبهائم؟ لا بد من استشارة أهل البصائر وأرباب النهى أولياء الله عز وجل، حتى الساسة الهابطين الذين درسوا علم السياسة في أمريكا وأوروبا لا ينفعون، فمن نستشير؟ أولي البصائر والنهى أولياء الله عز وجل، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن المؤمن لينظر بنور الله )، المؤمن الحق ينظر بنور الله، وهو كذلك.

    قال: ( ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار )، قبل أن يقدم يستشير أولي البصائر والنهى، وإذا أشاروا عليه بكذا يفعل فما يخيب أبداً ولا يخسر.

    ثالثاً: ( ولا عال من اقتصد )، وهذا محل الشاهد، عال يعول عولاً: إذا افتقر وأصبح يمد يده إلى غيره، العائل الفقير: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28]، فمن هو الذي ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يفتقر؟ المقتصد: ( لا عال من اقتصد )، ما افتقر ولا مد يده لغير الله، وما معنى أن يقتصد؟ بحسب ما عنده، أنت راتبك خمسمائة فيجب أن تقسطها على شهرك، فإن كانت تكفي لتأكل قرص خبز يومياً وفنجان زيت فالزم هذا الفنجان وهذا القرص، فإن وجدت الخمسمائة توفر لك قرصين وفنجانين إذاً فاستعمل القرصين والفنجانين، وهكذا يا صاحب الألف والألفين والثلاثة والأربعة والعشرة أنفق بقدر ذلك المبلغ لا تزد عليه أبداً، قسطه وقسمه، انظر إلى معاشك وأسرتك ووزعه على أيامك ولياليك، وإياك أن تزيد زيادة لا فائدة منها وإنما شهوتك فقط، أما محاذاتك للناس أو مباهاتك لأعمالهم فحينئذٍ تخسر وتفتقر.

    ( ما عال من اقتصد )، والذي لا يقتصد لو كان راتبه عشرون ألفاً فوالله إنه ليستدين، وقد يأخذ الرشوة ويكذب عليكم؛ لأنه ما اقتصد، فمن قال هذه الجملة؟ هذا سيد الحكماء، تتمدحون بحكماء الغرب وهذا أستاذ الحكمة البشرية ومعلمها، وجرب هذا وتم كما أخبر صلى الله عليه وسلم: ( ما عال من اقتصد )، فالاقتصاد ضد الإسراف والتبذير.

    الإرشاد القرآني إلى الوسطية في الإنفاق

    وقال تعالى -وقوله الحق- من سورة الإسراء سورة بني إسرائيل: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29]، من يعلمنا هذه التعاليم؟ الله، فهل هذه نجدها في مدارس أوروبا؟ هل يفهمونها؟ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء:29]، فلا تخرج ريالاً حتى تموت بالجوع والمال في جيبك، تحرم زوجتك وأولادك فيموتون بالجوع، لم تفعل هذا؟ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29]، فيخرج كل ما عنده، ولكن القصد القصد، إن الله قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، وقال: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:26-27]، المبذرون إخوان الشياطين، والشيطان كفور لربه.

    أهمية الاقتصاد في كل أمور الحياة

    وقد قدمت لكم أن علينا أن نقتصد حتى في النوم، لا تنم يا عبد الله من صلاة العشاء إلى طلوع الشمس، قم آخر الليل ولو بساعة قبل الفجر ولو مع الفجر، أما أن تنام ليلك كاملاً فما يجوز، اقتصد في نومك.

    وكذلك السهر والعياذ بالله من سهراتنا، والحمد لله فلا سهر عندنا، الذين يسهرون من الساعة التاسعة بعد صلاة العشاء يتعشون ويجلسون إلى الثانية عشرة أو الواحدة في اللهو وفي الباطل، لا هم مكبون على دراسة العلم والحكمة ولا هم رافعو أكفهم إلى الله يبكون بين يديه، ولكن يسمعون الأغاني ويشاهدون اللهو والأضاحيك ويشربون الشيشة والدخان ويهزءون ويسخرون أهذا عدل؟ أيجوز هذا الإسراف؟ إن الدقيقة الواحدة لن تستطيع أن تشتريها بملء الأرض ذهباً، فالزمن واهبه الله ومالكه، فكيف يجوز أن تبدده؟ كيف تنفقه ضد الله عز وجل واهبه لك؟

    الاقتصاد في الكلام في المجلس، لا تتكلم وتضحك دائماً، ما يجوز، أنتم جماعة راكبون السيارة فلا يكن الوقت كله كلاماً، والله لا يجوز، تكلم بالكلمة تراها نافعة مجدية تحقق حسنة أو تحقق قرشاً كما قدمنا وعلمتم، فالإعراض عن كل ما لا يحقق لك حسنة لمعادك يوم القيامة أو درهماً لمعاشك اليوم، وما عدا ذلك لغو يجب الإعراض عنه.

    وبلغني أن طلبة -إن صدق القائل- يأتون إلى معرض الكتاب في الجامعة ويتصفحون الكتاب للشراء، إذا وجدوا حديثاً لا يعجبهم يمسحونه بالحبر بدون إذن صاحبه، إذا وجدوه كذا يقطعونه ويمزقونه، هذا إسراف، ما سبب هذا؟ دلونا يرحمكم الله؟ سببه أننا ما ربينا في حجور الصالحين، ما عشنا بين أبوين أو بين مشايخ أو أحباء نتلقى الحكمة والمعرفة والآداب والأخلاق الفاضلة من نشوئنا وبداية حياتنا، تركونا وأهملونا حتى بلغنا سن الرشد الخامسة عشرة والسادسة عشرة وأردنا أن ندخل إلى الإسلام وأن نتحمل وأن نكون من أولياء الله، قل من يسلم، لا بد من التربية، لا بد من ملازمة أهل البصيرة والنهى والأخذ عنهم والتلقي عنهم، وعدم التسرع في الرد والانتقاد لهم والطعن.

    إذاً: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، وأسرف اليهود في البغض للإسلام والأنبياء والقتل والدمار حتى بلغوا مستوى لا حد له، فكذلك الإسراف في المعاصي، في الزنا، زنى في عشرين سنة مرة فيعفى عنه ويغفر له إن تاب، شرب الخمر مرة في حياته أو مرتين فيتوب منها، أما أن يوالي الجريمة ويسرف فيها فلن يتوب منها، لن ينجو أبداً.

    فلا بد من القصد، والإسراف في كل شيء حرام، ما هو الغلو في الدين: يبيت طول الليل راكعاً ساجداً وامرأته تتململ على فراشها وأبناؤه يبكون، من كلفك بهذا! قم آخر الليل، صل أول الليل، أو هو طول الدهر صائم وأمه تبكي! ما هذا الصيام؟ لا يجوز فقد أسرفت، فالقصد القصد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا ...)

    المراد بالمحاربين في الآية الكريمة

    والآن مع هاتين الآيتان الكريمتين: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [المائدة:33]، من هؤلاء؟ هؤلاء هم الخارجون عن النظام، هؤلاء هم اللصوص، هؤلاء هم المحاربون، يطلق لفظ المحاربين عليهم، وهم جماعة ما وجدوا وظيفة .. ما وجدوا عملاً فضاقت بهم البلاد، يتجمعون وراء جبل أحد وهم ثلاثة فما فوق والسلاح على ظهورهم ويقولون: نسطو عليهم، فيفاجئون الرجل في بيته، فيقولون: هات المال. أخرجوه اذبحوه ويعودون، يعترضون السيارات حاملة المال أو الدقيق فيوقفونها ويقتلون السائق ويأخذون الدقيق، هؤلاء المحاربون، جماعة تتجمع وتتحيز وتنحاز وتعلن الحرب ضد الله ورسوله والمؤمنين، ضد الله ورسوله؛ لأنهم يقتلون ويأخذون أموال عباد الله المؤمنين، فهي حرب على الله ورسوله، هؤلاء المحاربون ومثلهم المتلصصون، والجماعة المحاربة لا بد أن تكون ثلاثة فأكثر، أما اللص وحده فعنده سلاحه ويسطو عند الحاجة على من يريد أن يسطو عليه، فما الحكم على هؤلاء؟

    سبب نزول الآية الكريمة

    أولاً: أذكركم بسبب نزول هذه الآية: رووا في سبب نزولها أن سبعة نفر ثلاثة من عكل وأربعة من عرينة جاءوا إلى المدينة ليسلموا، فأسلموا لكن أسلموا بألسنتهم وهم بقلوبهم غير مسلمين، ما ذاقوا طعم الإسلام ولا فهموه، جاءوا لمصلحة، فأصابتهم حمى المدينة فاشتكوا إلى رسول الله قالوا: ائذن لنا في الخروج من المدينة فقد استوبأناها، فأعطاهم لقاحاً من إبل الصدقة وقال: اخرجوا واشربوا ألبانها وأبوالها تشفوا بإذن الله، وبالفعل خرجوا مع الإبل مع اللقاح ذات اللبن فشربوا من أبوالها وألبانها فسمنوا وطغوا، وماذا فعلوا؟ ذبحوا راعي الإبل الذي كان يخدمهم ويحلب لهم وساقوا الإبل وتركوا الرسول كافرين به، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم خيلاً فألقوا القبض عليهم وجاءوا بهم.

    فقتلهم في الحرة وسمل أعينهم وتركهم في الرمضاء حتى ماتوا، جزاء من كفر بالله ورسوله وخرج عن طاعة الله ورسوله وظلم بقتل النفس وأخذ المال.

    جزاء المحاربين بين التخيير والترتيب

    فالله تعالى يقول في الآية الكريمة: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [المائدة:33]، ما جزاؤهم؟ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33]، ينفوا من الأرض إلى بلاد الكفر، أو إلى جزيرة في البحر، وكان السلطان عبد العزيز فيما بلغنا يبعث بهؤلاء إلى جزيرة.

    المهم أنهم ينفون من الأرض، وقال أهل العلم: حتى السجن أيضاً نفي من الأرض، إذا ما أرسلهم خارج البلد إلى بلاد الكفر وليس عندهم مكان ناء كجزيرة يسجنهم تحت الأرض ويعتبر ذلك نفياً من فوق الأرض، أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33]، هل يشاهدون في السجن، هل الذين في السجن تشاهدونهم؟ ما رأينا واحداً منهم، كأنهم ما هم على الأرض.

    وورد في هذا بيت من الشعر، وهو أن المسجون كأنه منفي من الأرض، يقول الشاعر:

    خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

    إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

    وهل ( أو ) في الآية على بابها للترتيب أو هي للتخيير؟ فمن هنا أهل العلم والبصيرة من هذه الأمة يقولون: الأمر يعود إلى الحاكم، إن شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء نفى وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، فهو ينظر إلى ما يعود من أثر لهذا العمل؛ لأنه مسئول عن أمته.. عن دينها وعن أبدانها وأموالها، فإذا رأى أن الصلب هذا يهيج جماعات أخرى أو بلاداً أخرى ويدخل معهم في حرب فلا يصلب مثلاً، إذا رأى النفي يبعدهم وينسيهم نفى، وإن رأى النفي ما ينفع فلا ينفي، بل يقتل.

    فأهل العلم من هذه الأمة على أن الإمام يوكل إليه هذا؛ إما أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، لكن الذي استقر عليه الأمر أن ننظر: فإذا كانوا قد كفروا بالله ورسوله وارتدوا وقتلوا فهؤلاء يقتلون ولا ينفون، وإذا كانوا قتلوا وأخذوا الأموال كما فعل الآخرون فهؤلاء يقتلون ويصلبون وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ لأنهم أخذوا المال، وإن لم يقتلوا ولكن أخذوا المال فقط فتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.

    إذاً: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [المائدة:33]، بالمعاصي والجرائم والموبقات ما جزائهم؟ أولاً: أَنْ يُقَتَّلُوا [المائدة:33] تقتيلاً. أَوْ يُصَلَّبُوا [المائدة:33]، يشدون على أخشاب ويربطون عليها ويقتلون وهم عليها؛ حتى تشاهد الأمة حالهم. أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ [المائدة:33]، تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو الرجل اليمنى واليد اليسرى. أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33]، كما بينا: إما وراء ديارنا أو في جزيرة نائية عنا نأمن من رجوعهم إلينا، أو السجون تحت الأرض، وبهذا يتحقق الأمن للأمة والطمأنينة والسكون، وهذا الحكم يجري مع اللصوص أيضاً، اللص الذي يهجم على الناس ويأخذ أموالهم ولو كان وحده للحاكم أن يطبق عليه هذه الآية، فإذا قتل يقتل، وإذا أخذ المال تقطع يده، وهكذا.

    معنى قوله تعالى: (لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)

    إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33]، خزي في الدنيا، فهؤلاء إن كانوا مؤمنين غير كافرين وأقيم عليهم الحد وقطعت أيديهم ففي الآخرة يغفر لهم؛ لأن الحدود كفارة لأصحابها، أما إذا كانوا مع الجريمة كافرين فلهم عذاب عظيم يوم القيامة في الآخرة: وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].

    لاحظ: ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا [المائدة:33]، من هؤلاء الذين لهم خزي فقط في الدنيا؟ إنهم مؤمنون ومع هذا أجرموا وقتلوا، وأقيم الحد عليهم، فيطهرهم الحد، وإن كانوا غير مؤمنين: وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33]، مع خزي الدنيا وذلها وعارها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ...)

    ثم قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة:34]، جماعة حاربونا وعجزنا عنهم، وبعد ذلك تابوا وتركونا، وبعد عامين أو ثلاثة قالوا: نحن الفلانيون وتبنا، فماذا نفعل معهم؟

    قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة:34]، نحن طلبناهم فما استطعنا، قهرونا، بعد سنة تابوا وقالوا: نحن الفلانيون، فننظر: إذا أخذوا المال ردوه أو تقطع أيديهم، إذا فجروا بالنساء يقام عليهم الحد، إذا قتلوا يقام عليهم الحد، إلا أن يعفو صاحب المال أو صاحب النفس فله ذلك، والله غفور رحيم.

    فهؤلاء المجموعة عجزنا عن التسلط عليهم وفشلنا، سنة أو سنتين وهم يحاربوننا، بعد فترة انقطع ظلمهم ما وجدناهم، وبعد عامين عرفناهم فقالوا: تبنا إلى الله عز وجل، فكيف العمل معهم؟

    إن قتلوا ننظر هل أهل المقتول سيعفون عنهم أو لا؟ إن قالوا: عفونا عنهم عفا الله عنهم، وأهل المال إذا قالوا: تنازلنا، فهؤلاء كانوا في جهالة وكذا والآن عفونا فكذلك عفا الله عنهم، وإن قال أصحاب النفس نريد أن يقتص منهم فإنه يقام عليهم الحد، والحدود كفارة لأصحابها، ومن تاب تاب الله عليه، هذه قاعدة، التوبة تجب ما قبلها على شرط أن تكون توبة صادقة ناصحة، ما فيها تردد.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن نسمعكم هداية الآيتين؛ لتذكروا ما قلت لكم.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيتين:

    من هداية الآيتين:

    أولاً: بيان حكم الحرابة ] ما الحرابة؟ قال: [ وحقيقتها: خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديهم سلاح ولهم شوكة، خروجهم إلى الصحراء بعيداً عن المدن والقرى، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض، هذه هي الحرابة وأهلها يقال لهم: المحاربون، وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية ].

    وهنا محنة الآن تحت شعار الجهاد في بلاد المسلمين، يهجمون على المواطنين ويسلبونهم ويأخذون نساءهم، فهل هؤلاء محاربون أو مجاهدون؟

    إن المجاهد يقاتل المقاتل، أما المؤمن الذي في يده مسحاته أو قلمه كيف يقاتل؛ ألأنه مع الحكومة؟ إذا كنت تقاتل فقاتل الجيش، أما أنك تقتل أفراد الشعب وتسلب أموالهم وتعتدي على نسائهم فوالله ما هو هذا بالجهاد، وإنما هي الحرابة، وافهموا هذه.

    [ ثانياً: الإمام مخير في إنزال العقوبة التي يرى أنها مناسبة لاستتباب الأمن إن قلنا (أو) في الآية للتخيير، وإلا فمن قتل وأخذ المال وأخاف الناس قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالاً قتل، ومن قتل وأخذ مالاً قطعت يده ورجله من خلاف، فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالاً يُنفى ] ويبعد من البلاد وكفى.

    [ ثالثاً: من تاب من المحاربين قبل التمكن منه يعفى عنه، إلا أن يكون بيده مال سلبه فإنه يرده على ذوي أصحابه، أو يطلب بنفسه إقامة الحد عليه فيجاب لذلك ]، إما أن يرد المال، أو يقول للحاكم: أقم الحد علي وطهرني ولا بأس.

    [ رابعاً: عظم عفو الله ورحمته بعباده لمغفرته لمن تاب ورحمته له ]، هذا معنى قوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [المائدة:33]، ما جزاؤهم؟ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة:34]، أما إذا ألقينا القبض عليهم وفي أيديهم السلاح فأمرهم كما قدمنا، لكن تابوا قبل القدرة عليهم: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:34]، يغفر لهم ويرحمهم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301420

    عدد مرات الحفظ

    711426034