إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تاريخ بني إسرائيل حافل بالكفر والصدود، ومخالفة أنبيائهم وعصيانهم لأوامرهم، ومن ذلك أن موسى ذكرهم بفضل الله عليهم بإرسال الرسل إليهم وجعلهم ملوكاً، ثم أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فأخذوا يجادلونه ويتعللون بعدم قدرتهم على قتال من فيها من الجبارين، ولما أن أخبرهم بأن الله ناصرهم ومؤيدهم، زاد نفورهم وإعراضهم وأخبروا نبي الله أن يذهب ليقاتل وحده مع ربه، فحرمها الله عليهم، وضرب عليهم التيه أربعين سنة جزاء عنادهم وعتوهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم، قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق لنا هذا الأمل يا ولي المؤمنين ويا متولي الصالحين.

    ما زلنا مع سورة المائدة المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات المباركات:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:20-26].

    فوائد ذكر قصة موسى عليه السلام مع قومه من بني إسرائيل

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذه الحادثة ثبتت وصحت، أثبتها الله عز وجل وصححها، أنزل بها كتابه ووضعها بين يدي رسوله والمؤمنين تتلى إلى يوم القيامة، وفوائدها:

    أولاً: والله إن هذا القرآن لكلام الله وتنزيله؛ إذ لا يقدر على هذا إلا هو.

    ثانياً: والله إن من نزل عليه هذا الكلام لن يكون إلا رسول الله، فهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    ثالثاً: التسلية والتعزية لما يعانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عجرفة اليهود وصلفهم ومكرهم وخداعهم.

    رابعاً: ليعرف المؤمنون أنهم يواجهون قوماً بهتاً أهل مكر وأهل هبوط وسقوط، ليعرفوا كيف يسوسونهم أو يعيشون معهم.

    وأعظم من هذا: ازدياد طاقة الإيمان في قلوب المؤمنين، ليواصلوا مسيرتهم إلى دار السلام أصفياء أطهاراً، لا إثم ولا ذنب ولا غش ولا خداع، ولا كفر ولا شرك ولا باطل.

    هذه ثمرة القصص، قال تعالى: لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32] القصص يقصه من أنباء الرسل على رسولنا لأجل فوائد عظيمة، لكن من أبرزها تثبيت القلوب على الإيمان والصبر على طاعة الرحمن عز وجل.

    ذكر سبب تسمية موسى عليه السلام

    فهيا بنا نقضي هذه الدقائق مع بني إسرائيل. قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى أي: اذكر يا رسولنا، واذكروا أيها المؤمنون لتستفيدوا ولتنتفعوا بما تسمعون وتقرءون وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ [المائدة:20] هذا موسى بن عمران عليه السلام، أبوه اسمه عمران.

    وقد عرفتم موشي ديان عليه لعائن الرحمن، هو الذي حطمنا وغزانا في فلسطين، فموشى مركب من الماء والشجر، الماء (مو)، و(شا) الشجر، سبحان الله! لأن موسى عليه السلام أوحى الله إلى أمه إذا هي وضعته أن تضعه في صندوق من خشب يسمى بالتابوت وتلقيه في النيل؛ لأن رجال فرعون كانوا يتتبعون كل امرأة من بني إسرائيل تلد، فإن كانت ولدت أنثى تركوها، وإن ولدت ذكراً قتلوه، لماذا؟ لأن رجال السياسة العميان قالوا لـفرعون : هؤلاء لهم أصل ولهم شرف ومجد قديم، فسوف يطالبون في يوم من الأيام بالحكم، وهم الذين يسقط عرشك على أيديهم، فماذا نصنع؟ قال: اذبحوا الأطفال وأبقوا النساء، فالنساء الإسرائيليات خادمات يعملن، والذكور يذبحون كذا سنة، ثم قال رجال الاقتصاد أيضاً: الآن اليد العاملة تنقطع، إذا ذبحنا أولاد بني إسرائيل فمن سيخدم؟ من يحرث؟ من يزرع؟ فماذا تصنعون؟ قال كبراؤهم: نبقي على الذكور سنة بعد سنة، فعاماً نذبح الأولاد وعاماً نتركهم انتفاعاً بهم، فالعام الذي كان عام العفو ولد فيه هارون شقيق موسى، والعام الذي فيه الإعدام والذبح ولد موسى، فأوحى الله إلى أم موسى: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، قالت العلماء: أية بلاغة تسموا إلى هذا المستوى؟ بشرى أولاً بضمانة أن يجعله من الأنبياء والمرسلين في كلمة واحدة في جملة إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، إذاً قوله: (أرضعيه) يريد أن ترضعه اللبأ، واللبأ اللبن الأول الذي يتجمع في الثدي عند الولادة، وهذا اللبأ يلزمها إرضاعه، فلو أنها مطلقة وقالت: لا أرضعه، أو أبوه عدوي؛ فإنه يلزمها القضاء بأن ترضعه رغم أنفها الرضعات الأولى رضعات اللبأ، فإذا أرضعته ذاك اللبأ الذي يتجمد فحينئذ لها ألا ترضعه، أما هذا فإلزاماً، بدليل الآية: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص:7] أي: في البحر أو النهر أو الماء، وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

    فعبثت به الأمواج أمواج الماء، فعثر عليه بعض خادمات القصر تحت الماء والشجر؛ لأن النيل على طرفيه الأشجار لا سيما في ذلك الزمن، فقيل فيه إذاً: موشي: ماء وشا، وجد بين الماء والشجر فسمي موشى.

    فضل موسى عليه السلام بتكليمه ربه بغير واسطة

    هذا موسى الكليم فاز بأن كلمه الله كفاحاً وجهاً لوجه بلا واسطة، وفي الأرض لا في السماء، فسمي وعرف بالكليم، قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] دفعاً لما يقال من أنه مجاز أو غير ذلك، وقال: يا رب! أكلامك أسمع أم كلام رسول؟ قال: بل كلامي يا موسى، ومن ثم تاقت نفسه لأن يرى الله عز وجل، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] أنت أعجز من أن تراني، ما تستطيع، ما عندك القدرة في مقلتيك على أن تراني، الملائكة لا تراه، فكيف تستطيع أن ترى الذي هو نور السماوات والأرض؟ ولكن الله رحمة بموسى وشفقة عليه وتحقيقاً لطلبه ورغبته قال: يا موسى! انظر إلى الجبل أمامك، فإن استقر في مكانه وثبت بعد أن أتجلى له فإنك تقوى على رؤيتي، وتجلى الله للجبل وظهر له، فتفتت الجبل وأصبح غباراً، ما إن رأى موسى الجبل وقد تفتت حتى أغمي عليه وصعق.

    ولا ننسى أن المصطفى النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم كلمه ربه أيضاً كفاحاً وبلا واسطة ولكن في الملكوت الأعلى، حتى إن جبريل الرائد لما أراد الله أن يتكلم مع محمد صلى الله عليه وسلم وقف جبريل، قال الرسول: معنا يا جبريل! قال: ما منا إلا له مقام معلوم، تقدم وحدك أنت، فمشى حتى انتهى إلى موطن موضع سمع فيه صريف الأقلام، وكلمه الله عز وجل كفاحاً، وفرض عليه الصلوات الخمس، وتردد عليه خمس مرات.

    تذكير موسى عليه السلام قومه بنعم الله تعالى عليهم

    قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ [المائدة:20] قومه بنو إسرائيل، أولاد إسحاق بن يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام؛ إذ كانوا يعيشون في الديار المصرية، وسبب ذلك معروف عندنا في التاريخ، وهو أن يعقوب عليه السلام انتقل إلى مصر، وهو إسرائيل، ومعنى إسرائيل: عبد الله أو عبد الرحمن، عبد منسوب إلى الله عز وجل، كما عندنا: عبد الله أو عبد الرحمن، فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، ونزل في هذه الحادثة قرآن يقرأ في سورة يوسف عليه السلام، وكان من نتاج ذلك أن انتقل بنو إسرائيل إلى الديار المصرية، من أرض فلسطين أرض القدس إلى الديار المصرية، وتعرفون كيف ملك يوسف تلك البلاد وهو نبي الله ورسوله، ثم خرج الملك من يد أولاد يوسف وبني إسرائيل، وحكم فرعون والفراعنة.

    إذاً: فموسى قومه هم أولاد إسرائيل الذين تجمعوا في مصر وبلغ عددهم يوم خروجهم من مصر إلى أرض القدس ستمائة ألف، وهذا العدد في ذلك الزمان عدد كبير جداً.

    فموسى عليه السلام لما نصره الله على فرعون وغرق فرعون وجنده، وخرج موسى مع بني إسرائيل وكانوا قرابة مائة ألف متجهين إلى الشرق إلى أرض القدس، هنا وصلوا قريباً من أرض القدس، اجتازوا سيناء، فقال موسى لقومه يذكرهم بنعمة الله عليهم: يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:20] حتى تشكروا، وهذه الكلمة نكررها ونقول: يا أبناءنا، يا نساء المؤمنات! الذي ما يذكر النعمة بقلبه ولا بلسانه لا يمكنه أن يشكرها، أحببنا أم كرهنا، إذا لم تذكر يا عبد الله نعمة الله عليك فإنك لا تشكرها، فواجبنا أن نذكر نعم الله علينا التي في أجسادنا وفي أبنائنا وفي وجودنا، والله عز وجل علمنا في خطابه لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم.. يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله عليكم.. في آيات عديدة، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11] في آيات كثيرة، والذين لا يشكرون الله هم الذين لا يذكرن نعمه.

    هل أدركتم هذه الحقيقة؟ الذي لا يذكر نعمة الله عليه والله لا يشكر، فكر في الطعام الذي بين يديك تأكله، من خلقه؟ ومن أوجده؟ تقول: الله، فقل: الحمد لله.. الحمد لله. من أقامك؟ وكيف استطعت أن تقوم، وكيف تمشي؟ من أقدرك على هذا؟ الله. إذاً: الحمد لله. وهكذا في كل جزئيات الحياة من ذكر شكر ومن نسي وترك كفر.

    ها هو موسى عليه السلام يقول: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:20] إذ كنتم مستعمرين مستعبدين مستغلين مستخدمين، فأنجاكم وسودكم وحرركم، وهذه الآن تقال للمسلمين: أيها المسلمون من إندونيسيا إلى موريتانيا! اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم مستعمرين لبريطانيا وهولندا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا، مستذلين مستضعفين مهانين مؤخرين، فمن أنقذكم؟ الله. اذكروا هذا تشكروه بألسنتكم وقلوبكم بطاعتكم له واتباعكم لهديه. هل المسلمون يذكرون هذا؟ هل خطب خطيب من الرؤساء والمسئولين وقال: هيا نذكر نعمة الله علينا؛ منذ كذا سنة كنا مستعبدين مستغلين مستعمرين، والآن حررنا الله وأنقذنا، فهيا نعبد الله عز وجل ونشكره؟

    معنى قوله تعالى: (إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين)

    ثم بين جزءاً من هذه النعمة فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ [المائدة:20] البابليون والآخرون في الشرق والغرب محرومون من النبوة والأنبياء، وأنتم فيكم أنبياء، يكاد أن يكون في كل بيت نبي، أنبياء عديدون، بلغنا أنهم كانوا يقتلون سبعين نبياً في يوم واحد، إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا [المائدة:20] هل كل واحد ملك؟ ما هو بمعقول هذا، الملك واحد، والأمة التي يملكها أمة؛ إذاً: ليس معناه أنه جعل كل واحد ملكاً، هذا لا يقال ولا يقبل، والله ما أراده الله، وإنما جعلكم ملوكاً أي: جعل منكم وفيكم الملوك.

    وتعرفون مملكة سليمان كانت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وقبل سليمان والده داود ملك، وقبل داود غيره ملك، جعل تعالى في بني إسرائيل ملوكاً، فموسى عليه السلام يذكرهم بذلك وبما يأتي بعد ذلك من نعم الله عليهم.

    والكلمة المأثورة عن الصحابة والسلف الصالح هي: أن من ملك داراً يسكنها، وزوجة يسكن إليها، وخادماً يساعده على أمور دنياه فهو ملك. إذاً: فجلنا ملوك، فهيا نشكر الله تعالى، على الأقل نقول: الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.

    وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ [المائدة:20] وأعطاكم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20]، المراد من العالمين عالمو زمنهم، تلك الفترة التي كان فيها البابليون والأقباط، فكانوا هم أشرف الناس على الإطلاق بما آتاهم من الملك والعلم والنبوة وما إلى ذلك، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20] لأنهم أنبياء أحفاد الأنبياء وأولاد المرسلين، هؤلاء كلهم أولاد إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

    ذكرهم موسى بنعمة الله عليهم من أجل أن يطيعوا الله ورسوله، أن يستقيموا على منهج الله، أن ترتفع معنوياتهم، أن تذهب الخرافات من أذهانهم، أن تذهب الشهوات والتكالب عليها في دنياهم، يقول: أنتم على مستوى رفيع وأمة ممتازة مختارة في العالم، لستم كغيركم.

    وهذا -والله- صادق فينا لو كنا مستقيمين، وقد عرفنا من قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم أنا لو أخذنا مسلماً ووضعناه في كفة ميزان، وأتينا باليابان والأمريكان وأوروبا الشرق والغرب وكل الكافرين ووضعناهم في كفة والله لرجحت كفة هذا المؤمن، فهل قيمتنا لبياض وجوهنا، لطول أجسامنا، لكثرة صنائعنا؟ لا، فقط لإيماننا بالله ولقائه، لمعرفتنا بربنا وحبنا له ورغبتنا فيما عنده، وسعينا المتواصل للحصول على رضاه وجواره الكريم، ولكن غفلنا وغفّلونا، ونسينا وأنسونا، وأبعدونا وأعرضوا بنا بعيداً عن هذه الحقائق.

    الاستقامة على أمر الله تعالى طريق الأفضلية على العالمين

    يقول تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20] أي: عالمي زمانهم، كانوا أفضل الشعوب والأمم، والآن والله لو استقمنا على الإسلام لكنا أفضل العالمين ولا فخر، ولآتانا الله ما لم يؤت أحداً من العالمين، لكن إعراضنا وإبعادهم لنا عن معين الهداية والكمال -وهو الإسلام- كاد يسوينا بهم، ولكن لا بأس أن نذكر إخواننا السعوديين بالذات، ماذا تقولون عنهم؟ والله لقد آتانا الله ما لم يؤت أحداً من العالمين: الأمن، والطهر، والصفاء، والشريعة الإسلامية والاعتزاز بها، والمآذن مملوءة بذكر الله والدعوة إلى الله، وإخواننا في العالم محرومون من هذا كله.

    فهيا نذكر لنشكر، والحال أننا ما نذكر ولا نشكر، هذا لسان الحال، هل رأيتمونا ذاكرين لهذه النعم؟ أبداً، قل من يذكرها.

    وقد علمنا أن الله عز وجل أنه إذا أنعم على عبد بنعمة ولم يشكره سلبها، سنة لا تتبدل: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:20]، وفي ذلك قول الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ [إبراهيم:7] تأذن كالمؤذن على المنارة، أعلن رسمياً لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    قال العقلاء: اللهم إنا نعوذ بك من السلب بعد العطاء، لا عذاب أشد من هذا، كان بالأمس يمشي على الأرض بعينيه يبصر النملة وما فوقها، وإذا به يفقد بصره في ساعة واحدة، فكيف حاله؟ سلبت النعمة، كان بالأمس آمناً مستقراً هادئ البال يبيت على فراشه ولا يخاف إلا الله، فأصبح يفزع ويطارد في كل مكان، أية حالة أسوأ من هذه الحالة؟ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    فهيا نشكر الله أولاً بقلوبنا فنعترف بنعم الله علينا، ثانياً: بألسنتنا لا نفتر، نذكر: الحمد لله إنا في خير، الحمد لله إنا في عافية، الحمد لله إننا تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    ثالثاً: ألا نجاهر بمعصية تغضب ربنا عز وجل، ولا نسمح لابن ولا لأب ولا لزوجة ولا لواحد أن يجاهر بمعصيته في أرض الطهر ودار الصفاء، فهل بلغنا؟ بلغوا، أعينونا.

    من أراد أن يعصي الله يا أبنائي فليخرج من هذه الديار، ما يعصي الله في ديار الإيمان والطهر تحت راية لا إله إلا الله، من أراد أن يعيش على الخرافة والضلالة وعبادة الأوثان فليرحل، ولينزل بديار أخرى تقبل ذلك منه، من أراد أن يشرب الحشيش ويروج الباطل فليرحل، من أراد أن يستبيح الزنا والربا فليخرج من ديار الإيمان وليفعل ذلك حيث شاء، حتى لا تسلب نعمة الله.

    تذكير السعوديين بنعمة التوحيد

    اذكروا نعمة الله عليكم يا معشر السعوديين، هذه الراية ما رفرفت في أرض ولا تحت سماء إلا في دياركم، أليس كذلك؟ تحمل: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما معنى هذا يا عبد العزيز تغمدك الله برحمته؟

    قال: رفعنا هذه الراية وكتبنا فيها هذه الكلمة، هذه الأرض التي تظللها هذه الراية لا يعبد فيها إلا الله، فهدم القباب والقبور وقطع الأشجار والأوثان، وطهر هذه الأرض؛ إذ لا يعبد فيها إلا الله.

    و(محمد رسول الله) إلى ماذا ترمز؟ أنه لا يتابع ولا يقلد ولا يمشى وراء أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا مذهبية ولا طائفية ولا قبلية، محمد فقط هو الذي يمشى وراءه ويتابع.

    عرف العدو هذا وهو يعمل ليلاً ونهاراً على إسقاط هذه الراية، وويل للذين يمدون أعناقهم ويساعدونه على فتنته وضلاله ومحنته، ويل لهم، أولئك العصاة المذنبون المنغمسون في الجرائم والموبقات، مستورون عن أعين الناس وهم يعملون لصالح الشيطان وأعوانه.

    ونحن الذين لسنا بالسعوديين نعيش في الهند والسند وأسبانيا وإيطاليا أليست علينا مسئولية؟ أليست هذه ديار الله؟ أليس هذا حرم رسول الله وتلك بلد الله، وهذه راية لا إله إلا الله؟ هل يجوز لنا أن ننقد ونطعن ونسب ونشتم ونساعد أعداء الإسلام على تمزيق هذه الراية؟

    بعض الغافلين يقول: كيف هذا؟ فنقول: لا يجوز لك يا ابن الإسلام أن تقول في أي مؤمن أو مؤمنة كلمة سوء: يا زاني، أو يا فاجر أو يا لائط.. والله ما يجوز، وإن أردت أن تنصح ففي خلوة، أما أن تسب وتشتم وتقول: يجوز؛ فهذا والله ما يجوز، كيف يجوز في بلد راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، والعدو يعمل على تمزيقها وإسقاطها، ومع الأسف شاهدنا وعايشنا وعرفنا وسمعنا بهذه النعم، ليس هناك من يحمد الله على هذه البقية أو يشكر أبداً، الكل يريد أن تزول، وهم لا يشعرون أين يذهبون، أهكذا تشكر النعم؟

    قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ [المائدة:20] يذكرهم كما نذكر نحن، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ...)

    ثم قال لهم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة:21]، هم خرجوا من مصر من طريق البحر الأحمر ومشوا في سيناء، والآن هم في طريقهم إلى القدس حيث كادوا يصلون إليها، ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة:21]، الأرض المقدسة هي أرض القدس من الفرات إلى البحر الأبيض إلى سيناء، هذه المنطقة، ومعنى (مقدسة) مطهرة، أرض قدس: أرض طهر، يجب أن يدوم فيها الطهر ولا يكون فيها الخبث؛ لأنها أرض أنزل الله فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأنبياء والمرسلين، ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، كتب لهم أن يعيشوا فيها وأن يعبدوا الله عز وجل عليها، واختارهم لذلك اختياراً ربانياً.

    وكانت تلك الأرض حينئذ يحكمها العمالقة الكنعانيون من أولاد كنعان ، جبابرة مشركون، هم الذين يملكون أرض القدس من حماة إلى نهر الأردن إلى سيناء، في هذا الظرف خاصة كان موسى يخاطبهم؛ إذ خرج ببني إسرائيل من مصر إلى أرض القدس، أرض آبائهم وأجدادهم.

    فقال: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [المائدة:21] لا تنهزموا، لا ترجعوا إلى الوراء مهزومين، الثبات وجهاً لوجه مع العدو إلى أن تنتصروا.

    هذا هو القائد الأعظم، فماذا قال لأمته وجيشه؟ ما كانت جيوشاً نظامية، بل كلهم جيش واحد في أيديهم الرماح أو السيوف، قال لهم: وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا [المائدة:21] ترجعون خَاسِرِينَ [المائدة:21] لأنفسكم ولدولتكم ولكل ما عندكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ...)

    فأجابوه قائلين: يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة:23] الجبارون جمع جبار: الذي يجبر الناس على فعله وما يريده، إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22] مجانين هؤلاء فهل سييخرجون بالسحر؟! بمعنى: ادع الله أن يخرجهم وإذا أخرجهم سندخل! فاليهود أحياناً يهبطون هبوطاً عجباً، قالوا: لن ندخلها ما داموا فيها حتى يخرجوا منها، وهو يقول لهم: ادخلوها بسلاحكم بقوتكم طرداً لهؤلاء المعتدين الظلمة على أرض القدس، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22] أهكذا يقال للقائد؟ هل قيل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم؟ في أية غزوة أو معركة أو سرية؟ هذا ابتلاء وامتحان، لو شاء الله لما خلقهم أو لأماتهم في لحظة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب...)

    قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، قال رجلان من الذين يخافون الله عز وجل وعقابه ونقمه وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، هؤلاء من النقباء الاثني عشر، وقد تقدم لنا قول الله عز وجل: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ [المائدة:12] الآيات.

    فموسى عليه السلام لحكمته وسعة علمه -وكيف لا وهو يتلقى المعرفة عن الله- اختار من قبائل اليهود اثني عشر رجلاً من أفضلهم، وقال: ادخلوا بأية طريقة: تبيعون التمر، تشترون الماء، تعملون كذا، وأطلعونا على أسرار تلك الدولة وعن قواتها ومدى موقفها منا في القتال، وهذا لا بد منه، فأولئك الاثنا عشر رجلاً انهزم منهم عشرة، شاهدوا ما أرعبهم وخوفهم وهزمهم، فجاءوا يهرفون بما لا يعرفون، وقالوا: ما نستطيع قتال هؤلاء أبداً، وقد ذكر القرطبي قصصاً في هذا، حتى إن منهم من قال: إنه قد أخذني عملاق ووضعني في جيبه، وأتى بي إلى بيته ووضعني بين أطفاله يلعبون بي! وذكرنا في التفسير أن هتلر فعل هذا الفعل في الحرب العالمية الثانية، هتلر نفخ هذه الروح في أوروبا فانهزمت، واحتل في خمسة عشر يوماً منطقة كاملة، أدخل فرنسا تحت قدمه، حتى كان يقال: إذا وجدت سيجارة في الشارع فانتبه أن تنفجر فيك! فهول الدنيا لتخويف الناس، فانهزمت الجيوش بهذه الطريقة، والله العظيم! أصاب الرعب أوروبا واحتل مناطق كثيرة في نصف شهر بهذه الروح: التهويل.

    والشاهد عندنا أن هؤلاء العشرة هم الذين بددوا طاقة بني إسرائيل وهزموهم معنوياً، فقالوا: لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، لأنهم أعلموهم أن وصفهم كذا وكذا وكذا، ومن تكلم بكلمة تصعق أنت عنده، فقالوا: كيف نقاتلهم يا موسى؟ ما نستطيع، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. إلى هذا الحد!

    قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا [المائدة:23] ما هلكوا كالعشرة الآخرين، ما هبطوا، بقي إيمانهم ونورهم وفهمهم ووعيهم، فماذا قالا هذان الرجلان؟ قالا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ [المائدة:23] باب القدس، والباب اسم جنس لأبواب المدينة، إذا دخلتم مفاجئين لهم الباب هزمتموهم، هذه هي المباغتة التي هي إلى الآن أنفع ما تكون في الحرب، وهذا ما حصل بعد أربعين سنة حيث قاد الجيش يوشع بن نون بعد موت موسى وهارون ودخل البلاد بهذه الطريقة، فاجأهم، ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23] هذه كلمة الرجلين الكريمين من الاثني عشر، الذين ما ذهبت عقولهما ولا ذابت في تلك الترهات والأباطيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ...)

    قال تعالى: قَالُوا [المائدة:24] معتذرين يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24] حتى يخرج العمالقة، فهل هذا الكلام يقوله العقلاء؟! لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] عجرفة، سقوط، هبوط، اذهب أنت وربك فقاتلا واتركنا فنحن قاعدون.

    وهذه النفسية وهذه العقلية موجودة عندهم إلى الآن، عاشر اليهود وجالسهم تجد أشياء من هذا النوع إلى الآن وتعجب من عقولهم، يتوارثون هذا! فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين)

    فماذا قال موسى؟ قال: قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي [المائدة:25] فقط وَأَخِي [المائدة:25] لا يملك إلا نفسه، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25]، ما بقي أمل في أن يقاتلوا أو يدخلوا أو ينتصروا، انكشفت عورتهم وهبطوا بعد أن قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، انتهى أمرهم، فما كان إلا أن قال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:25] أيضاً لا يملك إلا نفسه، وهو أخوه هارون، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25].

    فأجاب الرحمن بقوله: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.