إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • امتن الله عز وجل على المؤمنين وذكرهم بنعمة عظيمة من نعمه، ألا وهي نجاة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم من القتل على يد أعدائهم اليهود، حينما ذهب إليهم ليطلب منهم معاونته في دفع دية قتل رجلين خطأ على يد أحد المسلمين، وهذا وفق ما كان متفقاً عليه في وثيقة العهد التي وقعها معهم، وعلى إثر محاولتهم قتل النبي صلى الله عليه وسلم ثم إجلاؤهم من المدينة.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المائدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة

    من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). حقق اللهم لنا هذا الفوز فإنك ربنا وولينا.

    وها نحن ما زلنا مع سورة المائدة، ومع هذين النداءين الكريمين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:8-11].

    الأمر بالقيام بعبادة الله تعالى والشهادة بالقسط

    بالأمس تدارسنا النداء الأول، وخلاصته أن علمنا أن الله نادانا وهو مولانا وملكنا، ومن بيده أمرنا، نادانا ليأمرنا بأن نقوم لله عز وجل بعباداته خير قيام، من الوضوء إلى الصلاة، إلى كل العبادات: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8]، كما أمرنا أن نشهد لله وأن نعدل في الشهادة، ولا نميل يميناً ولا شمالاً، لا حيف ولا جور، ولو كنا نشهد على أقرب قريب، إذ قال عز وجل: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8]، أي: بعباداته وما فرض عليكم وما شرع لكم من سائر العبادات، منها الوضوء والتيمم والغسل، شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8]، أي: بالعدل، ما من مؤمن يدعى لأداء شهادة على صديق أو على عدو أو على كافر، على قريب من أقربائه أو بعيد من الناس، إلا وعليه أن يعدل في شهادته، إن علم شيئاً يقوله كما علم؛ لأن الله أمرنا بأن نكون شهداء بالقسط، ومن حاف وجار وما عدل فقد فسق عن أمر الله وتعرض لعذابه وسخطه.

    ثم لفت نظرنا إلى أننا قد يكون بيننا وبين أفراد عداوة، فهذه العداوة لا تحمل على أن نشهد شهادة الزور، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ [المائدة:8]، أي: لا يحملنكم، شَنَآنُ [المائدة:8]، والشنآن: البغض والعداء، عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8]، ولا يحملنا بغض شخص على أن نشهد عليه بالباطل، سواء كان قريباً أو بعيداً، وقال: اعدلوا، وبين لنا أن هذه العدل يقربنا من تقوانا لله، إذ هدفنا في الحياة أن نحقق تقوى الله عز وجل، ومما يساعدنا على تقوى الله ملكة العدل في النفس، فالذي تكون له ملكة العدل ما يحيف في عبادة الله تعالى ولا ينقصها: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، ثم أمرنا مرة ثانية بتقواه: وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:8]، فيما علمتم، فيما أمرتم به، فيما نهيتم عنه، فيما دعيتم إليه، وعلل فقال: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]، مطلع على أحوالنا الظاهرة والباطنة، في السر والعلن، في الجهر والخفاء، بل يعلم ذات الصدر، فإذا آمنت يا عبد الله بأن الله عليم خبير -والخبير: من يخبر الأشياء في بواطنها، والعليم قد يعلمها ظاهراً فقط- إذاً: فليتق الله عز وجل، فلا يفسق عن أمره ولا يخرج عن طاعته في كل ما أمر به ونهى عنه، وهكذا تكمل فينا هذه الأخلاق الفاضلة ونصبح أمناء سعداء أطهاراً أصفياء في الحياة.

    الوعد العظيم للمؤمنين بالأجر والمغفرة

    ثم من باب الترغيب والترهيب ليزيد في إقبالنا عليه وفي بعدنا عن معاصيه قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، وعدهم بأي شيء؟ ووعد الله لا يخلف، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:9] أولاً وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9] ثانياً، وعدهم بماذا؟ بين لنا يا ربنا ما وعدتهم به؟ قال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، هذا أبلغ من جملة: وعدهم مغفرة وأجراً عظيماً، فهي جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن السائل يقول: بم وعدهم؟ نريد أن نطلع على هذا، ماذا يحمل هذا الوعد؟ فقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، يغفر ذنوبهم ويدخلهم الجنة، يغسلهم ويطهرهم وينظفهم ويطيبهم ويزفهم كالعرائس إلى دار السلام، هل هناك أعظم من هذا الأجر؟ والله لا أعظم منه، من هؤلاء الذين فازوا بهذا بالعطاء الإلهي والوعد الرباني؟ إنهم مؤمنون عملوا الصالحات، ما عملوا الطالحات، والصالحات: الأعمال المزكية للنفس المطهرة لها، وضدها الأعمال الفاسدة الملوثة للنفس والمخبثة لها، والصالحات فاض بها الكتاب الكريم، وبينتها سنة سيد المرسلين، اسأل الكتاب يخبرك عن الصالحات ويخبرك عن الطالحات، فالصالحات: اعملوا، والطالحات: لا تفعلوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:10]، عرفنا جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات: تطهيرهم وإدخالهم الجنة، وَالَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:10]، ما آمنوا، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [المائدة:10]، فلم يعملوا بما فيها من العبادات؛ لأن الآيات تحمل بيان العبادات وأنواعها، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة:10]، (الْجَحِيمِ): شدة التهاب النار وعظم حرارتها، واقرءوا قول الله تعال: فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97].

    فالبابليون لما حكم سلطانهم على إبراهيم بالإعدام قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97]، فبنوا بناية ضخمة وملئوها بالحطب والفحم وأشعلوها، حتى صارت سوداء مظلمة، فالجحيم شدة التهاب النار، وَالَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة:10]، ما آمنوا، وَكَذَّبُوا [المائدة:10]، ما عملوا، أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة:10]، أي: أهل النار الملتهبة التي لا يفارقونها ولا يخرجون عنها، متى هذا؟ يوم موتهم. وهكذا بشر المؤمنين وأنذر وخوف الكافرين.

    وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، وتوعد الذين كفروا وما آمنوا: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [المائدة:10]، الذي كذب بالشريعة التي يعبد الله بها، أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة:10]، أهله الذين لا يفارقونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم...)

    النداء الثاني: يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]، يأمرنا بذكر النعم، لماذا؟ من أجل أن نشكره عليها، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]، لم نذكر النعمة؟ حتى نشكرها، فالذي لا يذكر النعم هل يشكرها؟ كلا.

    ولذا تجد في القرآن الكريم: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله إذ كنتم كذا وكذا. فلماذا يطالب بذكر النعمة؟ من أجل أن يشكروها، فالذي لا يذكر نعمتك عليه والله لا يشكرها أبداً، والذي يذكر فيقول: فلان أعطانا، حملنا، أركبنا؛ مستعد أن يشكر، ولكن إذا كان يقول: ما عندنا شيء، ما نعرف عنه شيئاً، فهل سيشكر؟

    وكيف حالنا مع نعم الله، أنفاسنا التي نرددها من نعم الله عز وجل، نظرة ببصرك من نعم الله، إصغاء وسماع بأذنك من نعم الله، نطقك، كل حياتك نعمة الله، فأين الشكر؟ فلهذا لو لم نعص الله أبداً إلا بتقصيرنا في الشكر لكنا عرضة للعذاب.

    سبب نزول الآية الكريمة

    هنا يقول تعالى لأصحاب رسول الله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11]، يذكرهم بحادثة ذاك الحربي الذي جاء ووجد الرسول نائماً مستظلاً بظل شجرة في غزوة من الغزوات، فلما وصل أخذ السيف وجرده وقال للرسول: من يمنعك مني اليوم؟ ونجى الله تعالى رسولنا وسقط السيف من يده، وأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، ووعد الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يقاتله في المستقبل، وألا ينضم إلى قوم يقاتلونه، هذه واحدة.

    لكن التي في الآية وهي أقرب إليها -كما سيأتي في الشرح- هي أن بني النضير لما ذهب إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم يطالبهم بدية العامريين؛ لأن وثيقة المصالحة أو المعاهدة بينهم من بين موادها أنهم يساعدون بعضهم في دفع الديات، فالعامريان قتلهما مؤمن ظناً منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمنهم، فجاء قومهما يطالبون بالدية، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان في نفر ونزلوا بديارهم، فتآمروا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يلقوا عليه رحى من السطح، ولكن الله عز وجل أخبره بواسطة جبريل وانصرف، وستأتي القصة مفصلة في الدرس إن شاء الله.

    إذاً: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]، متى؟ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ [المائدة:11]، من شرار الخلق، أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، بالانتقام، بالقتل، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11]، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم هو لكل مؤمن ومؤمنة؟ أي نعم إلى يوم القيامة، لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عبدنا الله، ولا عرفنا الله، ولا استقمنا على منهج الله، ولا توالينا إلى يوم القيامة، كل مؤمن ومؤمنة الرسول له، فحفظ الله رسوله حفظه للمؤمنين أجمعين إلى يوم القيامة، والخطاب واضح: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، ما قال: إلى نبيكم فقط، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، أي: أيدي بني النضير، عَنْكُمْ [المائدة:11]، أي: عن رسولكم.

    حقيقة تقوى الله تعالى وثمرتها العظيمة

    وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، والأمر بالتقوى، وخاصة في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه السورة من أخريات ما نزل، وتقوى الله -كما علمتم- إذا فقدها الإنسان هبط، وتمزق وتلاشى وخسر، وإذا رزقها وحافظ عليها فاز بكرامة الولاية في الدنيا وكرامة السعادة في الآخرة.

    وتقوى الله دائماً لا ننسى أنها: خوفنا من الله الذي يملكنا وما نملك وإليه مصيرنا، نخافه خوفاً يحملنا على طاعته وعدم معصيته، إذا أمرك أن تقتل ولدك تقتله، أمرك أن تنتحر فتنتحر، فتقوى الله عز وجل خوف يملأ النفس، سببه معرفتك بعظمة الله وجلاله، بقدرته وإنعامه، هذا الخوف يجعلك ما تستطيع أن تقول كلمة تعرف أنه لا يريدها، ما تستطيع أن تتحرك حركة تعرف أنه يكرهها، وبذلك يسهل عليك أن تؤدي الواجبات بارتياح وطمأنينة نفس وتتجنب المنهيات بسعادة أيضاً وانشراح صدر، هذه التقوى ملاك الأمر، من لم يتق الله فجر، خرج عن طاعته، أغضب ربه عليه، وكيف ينجو وكيف يسعد، وفوق ذلك أن تقوى الله عز وجل ليست خاصة بالعبادات، تقواه في الحياة بكاملها، فلا تلصص ولا إجرام ولا خلاف ولا بغض ولا عداء، فالتقوى تساعد على المودة والتعاون والحب والولاء بين المؤمنين، فهي تحفظ علينا دنيانا كما تحفظ ديننا وأخرانا، ولهذا في آيتين كرر لفظ التقوى ثلاث مرات.

    التوكل على الله تعالى من خصال المؤمنين

    وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ [المائدة:11]، لا على سواه، فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]وعلى الله لا على غيره، هذا قصر حقيقي، التوكل مقصور على الله ولا يصح التوكل على غيره كيفما كانت الحال، وَعَلَى اللَّهِ [المائدة:11]، وحده، فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، أهل الإيمان الكامل، ومعنى هذا: لما ننهض بالواجبات والتكاليف قد تعترضنا العقبات والأزمات، قد تعترضنا جماعات الشياطين من الإنس والجن، فلا يحملنا الخوف على أن نترك ما أمرنا به أو نرتكب ما نهى عنه، نتوكل عليه ونمضي في طريقنا حتى نحقق رضا الله لنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، فإنه يكفي من توكل عليه.

    إذاً: نلفت النظر أيضاً كعادتنا إلى أن الذين يتعاطون المحرمات ويريدون أن يعيشوا عليها خوفاً من الفقر أو المجاعة نقول لهم: توكلوا على الله ولا تبيعوا ولا تشتروا ما حرم الله عليكم، وإن جعتم اليوم فستشبعون غداً، وإن جعتم فقد جاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذين يبيعون المحرمات من أجل الخوف من الفقر أو الجوع نقول لهم: أين التوكل على الله عز وجل؟

    وننبه الذين يبيعون المجلات التي فيها صور الخلاعة، يبيعون الأفلام، يبيعون أشرطة الأغاني، لم يبيعون هذه المحرمات في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الذين يعملون في بنوك الربا لم لا يتركون هذا العمل حتى تغلق تلك البنوك؟ لو خرج العمال فهل ستبقى مفتوحة؟ وخاصة في المدينة، حيث لا يستطيعون أن يأتوا بيهود ونصارى، فالمؤمنون إذا قالوا: لن نشتغل، حولوها إلى مصارف إسلامية، فإنها تتحول وتربح وتصبح أفضل مما كانت بمليون مرة.

    والشاهد عندنا: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]، يفوضون أمرهم إليه، ويطرحون بين يديه، ولا يخيبهم أبداً، وقد يمتحنهم الشهر والشهرين والعام والعامين ليظهر كمالهم والروح الحقيقي، فليصبروا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    والآن مع شرح هذه الآيات في التفسير نفسه فتأملوا.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين:

    [ ما زال السياق الكريم ] أي: سياق الآيات [ في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يكملهم ويسعدهم، ففي الآية الثامنة أمر الله تعالى المؤمنين أن يكونوا قوامين لله تعالى بسائر حقوقه عليهم من الطاعات، وأن يكونوا شهداء بالعدل لا يحيفون ولا يجورون في شيء، سواء كان المشهود عليه ولياً أو عدواً، ونهاهم أن يحملهم بغض قوم أو عداوتهم على ترك العدل وقد أمروا به ] أي: بالعدل [ ثم أمرهم بالعدل وأعلمهم أن أهل العدل هم أقرب الناس إلى التقوى؛ لأن من كانت ملكة العدل صفة له كان أقدر وأقوى على أداء الحقوق والواجبات، وعلى ترك الظلم واجتناب المنهيات، ثم أمرهم بالتقوى مؤكداً شأنها؛ لأنها ملاك الأمر، وأعلمهم بأنه خبير بما يعملون؛ لتزداد ملكة مراقبة الله تعالى في نفوسهم فيفوزون بالعدل والتقوى معاً، هذا ما دلت عليه الآية الأولى. أما الآية الثانية: فقد تضمنت بشرى سارة لهم ]، وهي قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [المائدة:9]، بماذا؟ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة:9]، [ فقد تضمنت بشرى سارة لهم، وهي أن ربهم قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة لذنوبهم والأجر العظيم لهم وهو الجنة، وقلت: بشرى سارة لهم لأنهم هم أهل الإيمان وصالح الأعمال رضي الله عنهم وأرضاهم.

    أما الآية الثالثة: فقد تضمنت وعيداً شديداً للكافرين المكذبين بآيات الله وحججه التي أرسل بها رسله وأيدهم بها، ولازم لكذبهم وكفرهم خبث أرواحهم، ولذا فهم لا يلائمهم إلا عذاب النار، فكانوا بذلك أصحاب الجحيم الذين لا يفارقونها أبداً ]، لأن الصحبة ملازمة، فلان صاحبي: ملازمني، أصحاب الجحيم ملازمون لها أبداً، وهي ملازمة لهم، أي: لا يفارقونها أبداً.

    [ وأما الآية الرابعة: فقد ذكرهم تعالى بنعمة عظيمة من نعمه ]، وهي نجاة نبيهم من مؤامرة اليهود والكفار عليهم، [ فقد ذكرهم تعالى بنعمة عظيمة من نعمه هي نجاة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم من قتل أعدائه وأعدائهم وهم اليهود؛ إذ ورد في سبب نزول هذه الآية ما خلاصته: أن أولياء العامريين اللذين قتلا خطأ من قبل مسلم حيث ظنهما كافرين فقتلهما، جاءوا يطالبون بدية قتيلهم ]، جاءوا إلى المدينة يطالبون الرسول بالدية؛ لأن الذي قتل مسلم، [ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الخلفاء الراشدون الأربعة ] أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [ وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين إلى بني النضير] شرق المدينة [يطالبونهم بتحمل شيء من هذه الدية بموجب عقد المعاهدة]، الاتفاقية التي تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين اليهود، فهي مصالحة أو مهادنة، [إذ من جملة موادها] وبنودها [تحمل أحد الطرفين معونة الطرف الآخر في مثل هذه الحالة المالية ]، لو أنهم هم فرضت عليهم دية لجاءوا يطالبون ليعطيهم الرسول صلى الله عليه وسلم حسب المعاهدة، [ فلما وصلوا إلى ديارهم شرق المدينة ]، أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، [استقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحفاوة والتكريم ]، يهود! استقبلوه بالحفاوة: مرحباً، أهلاً وسهلاً، نزلت بدياركم، ستقضى حاجاتكم، استقبلوه بالحفاوة والتكريم، [ وأجلسوه مكاناً لائقاً تحت جدار منزل ]، ما هناك عمارات معروفة من طابق واحد أو اثنين، بل في الظل فرشوا تحت الجدار وأجلسوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    قال: [ وأجلسوه مكاناً لائقاً تحت جدار منزل من منازلهم وأفهموه أنهم يعدون الطعام والنقود ]، اطمئن يا محمد، فحن نعد الطعام ونعد النقود، أموال تجمع من أفراد عديدين.

    قال: [ وقد خلوا ببعضهم وتآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم ]، فالفرصة سانحة، والذي دبر هذه هو حيي بن أخطب ، [ وقالوا: فرصة متاحة فلا نفوتها أبداً. وأمروا أحدهم أن يطلق من سطح المنزل حجر رحى كبيرة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فتقتله، وما زالوا يدبرون مكيدتهم حتى أوحى الله تعالى إلى رسوله بالمؤامرة الدنيئة] الهابطة الساقطة، [فقام صلى الله عليه وسلم وتبعه أصحابه ]، قام ومشوا وراءه، [ودخلوا إلى المدينة وفاتت فرصة اليهود واستوجبوا بذلك اللعن وإلغاء المعاهدة وإجلاءهم من المدينة، وقصتهم في سورة الحشر ]، قال تعالى في هذه القصة: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر:1-3]، هذه الآيات نزلت في بني النضير، من هو الذي أخرج بين النضير على قوتهم وقدرتهم؟ الله. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر:2]، ما إن تجمع الرسول برجاله وأحاطوا بالمنطقة حتى استسلموا وانقادوا للخروج.

    قال: [ والمقصود من هذا بيان المراد من قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11]، أي: بالقتل للنبي صلى الله عليه وسلم، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11]، حيث أوحى إلى رسوله ما دبره اليهود فانصرف وتركهم لم يظفروا بما أرادوا، وهو معنى: فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11] ]، ونحن نقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، حيث نجى الله نبينا ورسولنا من قتل اليهود، لو قتلوه لما وصل هذا النور إلينا.

    قال: [ ثم أمر الله تعالى المؤمنين ]، من هم؟ نحن المؤمنين، ومن شك فما هو مؤمن، فما حملك على ألا تؤمن؟ وبم أمرهم؟ قال: [ بتقواه ]، يا عباد الله! بم تتقون الله؟ هل عندكم قدرة تكافئ قدرة الله؟ لا والله. إذاً: بم نتقيه؟ بالإسلام له والطاعة والانقياد، أمر ففعلنا، ونهانا فانتهينا، بهذا تتم لك تقوى الله وتظفر بالنجاة، يبقى فقط أنه يجب أن تعرف ما أمر الله به وما نهى عنه، فإن لم تجد في القرية من يعرف ذلك فارحل إلى قرية أخرى، ما وجدت في قرى منطقتكم فارحل إلى منطقة أخرى، جاء الناس من الأندلس إلى المدينة يتعلمون الحلال والحرام والطاعات والمنهيات، إذ ليس من المعقول: أن عبداً لا يعرف أوامر الله ولا نواهيه ويتقيه، كيف يتقيه ما دام لا يعرف المأمور به فيتركه وهو لا يدري، ولا يعرف المنهي عنه فيفعله وهو لا يدري! فلا بد من معرفة ما نتقي الله فيه، وهي أوامر ونواه من العقائد إلى الأقوال إلى الأعمال.

    وما هبطت أمتنا وسادها الشرق والغرب ومزقها إلا بعد أن جهلت وما عرفت فيما تتقي الله، وإلى الآن سكرى، اليوم سمعنا خبراً عجيباً من رجل صالح يقول: إنه سمع في الإذاعة أن البوسنة والهرسك أخذت تجهز شبيبتها وتبعث بها إلى الروافض في إيران، فيا للمصيبة.. يا للمحنة! هذا جزاؤنا لأننا معرضون، إذا تقوت تلك الأمة فستعرف ماذا تفعل بكم! فاليهود والنصارى أرحم منهم، ونحن في سكرة بحب الدنيا وأوساخها.

    قال: [ ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه؛ إذ هي سلم كمالهم وسبيل نجاحهم ]، التقوى سلم الكمال وطريق النجاح، وهي عبارة عن امتثال أمره وأمر رسوله، واجتناب نهيهما، مع معرفة ما يأتي:

    أولاً: بدون علم ما نستطيع أن نتقي الله.

    ثانياً: مع الفرقة والنزاع والصراع لن نقوم بالواجبات، لو كان أمرنا واحداً فنحن المسلمين فقط يوم يوجد القتال في البوسنة والهرسك نتولى طرد ذلك العدو وإبعاده، وننشر دعوة الله في إخواننا، لكن هل تحركت أمتنا؟

    قال [ ثم أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه؛ إذ هي سلم كمالهم وسبيل نجاحهم، وهي عبارة عن امتثال أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، واجتناب نهيهما، وأرشدهم إلى التوكل عليه تعالى في جميع أمورهم بقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122] ].

    بالمناسبة: كتبت كلمة وبعثنا بها إلى جريدة (المسلمون)، وما نشروها، لأننا هابطون، قلت: آن الأوان لأن تكون تركيا هي المركز، بلاد واسعة شاسعة في أوروبا، فعلى كل دولة إسلامية أن تبعث بفريق من جيشها، هذه تبعث خمسة ألاف وهذه تبعث عشرين ألفاً، وهذه عشرة وكذا فيتجمع على الأقل مليون مقاتل، ما إن تتجمع تلك القوات حتى تنهار تلك القوى الكافرة، ولكنا قد حررنا تلك الأمة المضطهدة المعذبة وغمرناها بنور العلم والإسلام والمعرفة، ولكن هزمنا أنفسنا فهزمناها، الآن المسيحيون من جهة يدخلون وينشرون الباطل والكفر، والمجوسية أيضاً، فلا إله إلا الله! وا حسرتاه!

    هداية الآيات

    [ هداية الآيات:

    أولاً: وجوب القيام بحق الله تعالى على العبد وهو ذكره وشكره بطاعته ]، لقوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ [المائدة:8].

    [ ثانياً: وجوب العدل في الحكم والقول والشهادة والفعل ومع الولي ومع العدو سواء.

    ثالثاً: تأكيد الأمر بتقوى الله ]، فلابد منها.

    [ رابعاً: الترغيب والترهيب بذكر الوعد والوعيد ]، كما تقدم.

    [ خامساً: وجوب ذكر النعمة حتى يؤدى شكرها ]، فالذي لا يذكر النعمة والله ما يشكرها، فلنجري نعم الله على ألسنتنا؛ حتى نقول على الأقل: الحمد لله، نركب السيارة وننزل وما نعرف: الحمد لله! نأكل ونشرب وما نعرف: الحمد لله! ننام ونقوم وما نعرف: الحمد لله! إذاً فكيف نشكر؟

    [ سادساً: وجوب التوكل على الله تعالى والمضي في أداء ما أوجب الله تعالى ].

    اللهم أيقظ المسلمين من غفلتم، وابعثهم بعثاً جديداً إليك يا رب العالمين ليعبدوك ويوحدوك وتتحد كلمتهم على رضاك ومحبتك، اللهم يا ولي المؤمنين تولنا ولا تتركنا لغيرنا يا رب العالمين.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.