إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوفاء بالعهود والمواثيق شأنه عظيم، لذلك فقد افتتح الله سورة المائدة بالتنبيه عليه، ثم بين الله في تتمة الآية أنه أحل لعباده بهيمة الأنعام، واستثنى من ذلك ما سيأتي ذكره في سياق الآية التالية، وبالإضافة إلى ما حرم فيها حرم الله كذلك سائر الصيد على كل محرم حتى لو كان خارج الحرم، أما داخل الحرم فإنه لا يحل صيده لا لمحرم ولا غيره، وبعد ذلك حذر الله عباده تحذيراً عاماً من إتيان حرمات الله أو استحلال شعائره سبحانه.

    1.   

    بين يدي سورة المائدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، فاللهم حقق لنا هذا الفوز واجعلنا من أهله إنك ربنا وولينا ولا ولي لنا سواك.

    وقد ختمنا سورة النساء، ولنستفتح بحمد الله سورة المائدة، هذه السورة من آخر ما نزل من سور كتاب الله عز وجل، فهي -إذاً- سورة الأحكام، وقد اشتملت على العديد من الأحكام الشرعية، والسورة آياتها مائة وعشرون آية، وهي مدنية بدون ما شك من آخر ما نزل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ...)

    ومعنا الآن آيتان عظيمتان هيا نتغنى بهما ثم بعد ذلك نتدارسهما.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:1-2]. هيا نتدارس هاتين الآيتين الكريمتين. ‏

    مقاصد نداء المؤمنين بلفظ الإيمان

    أولاً: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:1]، من الذي ينادي المؤمنين هنا؟ إنه الله، هذا نداء الله جل جلاله وعظم سلطانه يوجهه إلى المؤمنين خاصة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:1]، لماذا وجه إليهم هذا النداء؟ لأنهم أحياء؛ لأن المؤمن حي يسمع ويبصر وينطق ويعمل، والكافر ميت.

    يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً! يا من آمنتم بالله وكتبه ورسله ولقائه وقضائه وقدره! أيها المؤمنون أولياء الله! أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وسبق أن علمنا أن الله لا ينادينا إلا لأمر يريد أن يأمرنا بفعله، أو ينادينا لينهانا عن شيء يضرنا ويفسد نفوسنا، أو ينادينا ليبشرنا بما يزيد به صالح أعمالنا، أو ينادينا ليحذرنا وينذرنا مما هو خطر علينا في دنيانا أو أخرانا، أو ينادينا ليعلمنا ما به نعرفه ونطيعه فنكمل ونسعد.

    فالله إذا ناداك أصغ بأذنك واسمع، وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: إذا سمعت (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك، فإنك منادى، أعطها أذنك واسمع: فإن أمرت فافعل وإن نهيت فاجتنب، وإن بشرت فاستبشر، وإن أنذرت فاحذر، وإن علمت فتعلم، وحاشا الله أن يناديك لا لشيء.

    عموم الأمر بالوفاء بالعقود وشموله لأنواعها المشروعة

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:1] نادانا ليأمرنا بالوفاء بالعقود: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، هذا أمر أم لا؟ أوفوا أيها المؤمنون بالعقود. والعقود: جمع عقد، وهي عقود الإيمان والتوحيد، من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فقد عقد عقداً على نفسه أن يعبد الله وحده ولا يترك عبادته بحال من الأحوال، وأن يمشي وراء رسول الله ويتبعه ولا يتقدم عليه ولا يمشي عن يمينه ولا عن شماله، بل يمشي وراءه، يقول ما يقول الرسول ويفعل ما يفعل الرسول، وهذا عقد وهذا عهد، فكل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله قد عقد بينه وبين الله عقداً فيجب أن يفي به، والوفاء به -كما قلت-: أن تعبد الله، وأن تعبده وحده، وأن لا ترضى بعبادة غيره؛ لأنك شهدت وعقدت عقداً بينك وبينه أنه لا إله إلا هو، وأن تطيع رسول الله بعد حبه وتعظيمه وبعد الإيمان به، أن تطيعه فيما يأمر به وينهى عنه من واجب المأمورات ومحرمات المنهيات.

    ثم تأتي العقود العامة: الصلاة، إذا استقبلت البيت وقلت: الله أكبر ناوياً صلاة تصليها فهل يجوز أن تبطلها؟ أن تنقضها؟ لا يجوز فذلك حرام، إذا عقدت عقداً فوف به، قلت: لبيك اللهم عمرة، ومشيت مائة كيلو وبعد ذلك تقطعها تقول: لقد تركنا مشاغلنا. أيجوز هذا؟ إنه عقد بينك وبين الله! شرعت تتوضأ فغسلت يديك بعد وجهك ثم قلت: سوف نتوضأ في ساعة أخرى. فما يجوز، لا تنقض العقد الذي بينك وبين الله.

    وتأتي العقود الأخرى عقود البيع والشراء والإيجار والكراء وسائر العقود التي بينك وبين الناس، يجب الوفاء بها ويحرم نقضها ونكثها وعدم الوفاء بها، قلت: بعت. فقال: اشتريت، فلا يحل أبداً أن تقول: رجعت عن البيع. إلا أن تقول: أقلني لوجه الله. ارحمني فأنا ضعيف ما شعرت بكذا، فيمكن أن يرحمك أخوك، أما أن تعقد ثم تتراجع فلا، استأجرت سيارة منزلاً طيارة أي إيجار أي اكتراء أي شيء يجب الوفاء، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فلهذا المؤمنون الصادقون لا ينكثون عهداً ولا ينقضون عقداً أبداً، وإن اضطر أحدهم -كما مثلت- فإنه يتلطف مع من عقد له ويسأله بالله أن يرحمه أو يلطف به ليحل العقد بنفسه.

    هذا نظام حياتنا معاشر المؤمنين عملاً بهذا الأمر الإلهي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وعهود المرأة وعقود الزواج والنكاح أيعبث بها ويلعب بها؟! بالأمس تزوجتها على كتاب الله وسنة رسول الله ثم تسبها وتطلقها خمسين طلقة، ما حملك على هذا، أي نقض في العهود أكثر من هذا؟!

    بايعت إماماً يجب أن تفي بيعته حتى الموت، أما أن تعاهده وتبايعه ثم تخونه وتبايع آخر فلا يحل هذا في الإسلام أبداً، أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].

    وكذلك السياسية الدولية، عقدنا عقداً مع دولة كافرة يجب أن نفي لها بعقدنا ولا نقول: هذه كافرة، وكذلك إذا عقدت عقداً مع يهودي أو مجوسي عدو لله ورسوله يجب أن تفي بعقدك؛ لأنك مؤمن حي وأما هو فكافر ميت.

    فهل نحن بعد هذا مستعدون للطاعة؟ إي ورب الكعبة، كيف نرضى بالكفر بعد الإيمان وهو تعالى ينادينا تشريفاً لنا بعنوان الإيمان ويأمرنا بأعظم شيء؛ إذ الحياة كلها قائمة على الوفاء، فلولا الوفاء بالعهود لأكل الناس بعضهم بعضاً، وأصبحت الدنيا ناراً مستعرة؟

    معنى قوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم)

    ثم قال تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة:1]، هذا امتنان منه تعالى، هذا فضل منه جل وعز، وهو أنه أحل لنا ما كان محظوراً علينا، أحل العقدة التي كانت تحول بيننا وبين أن نأكل اللحوم، فأخبرنا بأنه أحل لنا بهيمة الأنعام: الإبل، البقر، الغنم، الضأن، والماعز، امتن علينا بأنه أحلها لنا، أليس هو مالكها؟ لولا إذنه هل يجوز أن تأكلها وتذبحها؟ لا يجوز.

    فهذه منته: أولاً: خلقها لنا، ثم أذن لنا في أكلها، قال: رُفع الحظر وانحلت العقدة فكلوا من بهيمة الأنعام، فهيا نشكره: الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.

    هل نحن خلقنا البقر أو الإبل أو الماعز؟ خلقها الله، ولو أنه ما أذن لنا في أكلها لكانت كالذئاب والكلاب ما نأكل منها أبداً، إذاً: له المنة، فالحمد لله.. الحمد لله، ما أعلمنا بهذا إلا لنحمده ونشكره.

    أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة:1]، الإبل والبقر والغنم بنوعيها الضأن والماعز.

    ثم قال تعالى: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [المائدة:1]، إلا الذي سيقرأ عليكم بعد الآية الثانية، وهو ما حرم علينا بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة:3]، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ [المائدة:1] في المستقبل بعد آيتين، فذلك غير مباح، ما أحله، أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [المائدة:1] اللهم إلا ما سيتلى عليكم من الحرام فاعرفوا أنه محرم.

    ولم سميت البهيمة بهيمة؟ قيل: لأنها مبهمة ما تنطق وما تبين وما تعقل وما تفهم، فهي بهيمة، والناس قد يشتم أحدهم أخاه يقول له: أنت بهيمة، لأنه ما فهمه وما عرف عنه، فالبهيمة سميت بهيمة لبهمة فيها، ما تعرف هذا ولا ذاك، هذه البهيمة أحلها الله عز وجل لنا.

    ولو كانت غير بهيمة لما أحلها لنا، لو كانت تنطق وتعقل وتفهم لما حلت لنا؟ أيحل لنا أكل بعضنا؟ لكن هذه البهيمة أذن لنا في أكلها لنعبده طول حياتنا.

    لا يحل الصيد لمحرم

    وقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:1]، هذا استثناء آخر، إذا كنت محرماً يا عبد الله، أو كنتِ محرمة يا أمة الله؛ فلا يحل لك أن تصيد أرنباً ولا غزالاً ولا يربوعاً ولا حيواناً، اللهم إلا صيد البحر، أنت على سفينتك محرم في طريقك إلى جدة فرميت بسلتك تصطاد الحوت فلا بأس، فالمالك هو الذي أذن.

    إذاً: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة:1] والحال: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:1]، أما من كان حلالاً فليصد ما شاء أن يصيد، باستثناء أن لا يصيد في الحرم، صيد الحرم حرام لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يصيد في الحرم أرنباً ولا غزالاً ولا ضبياً ولا حيواناً أبداً ولا طيراً ولا حماماً إلا ما أذن الشارع فيه كالحيوانات المؤذية التي تؤذي.

    المراد بالحرم وبيان عظيم حرمته

    والحرم ما هو؟ أولاً: حرم مكة، وهو معلوم، حوالي ثمانية عشر ميلاً من جهة الشرق قريباً من عرفة، وهناك توجد علامة وضعتها الدولة لنهاية الحرم، ومن الجهة الشمالية جبال التنعيم حيث ميقات عائشة كما يعرف الناس، وهو أقرب مكان إلى الحرم، ومن الجهة الغربية البحرة تقريباً وتقع الحديبية دونها، فهذه الأرض ومكة- وشرفها في وسطها- لا يحل فيها صيد حيوان.

    والمدينة أيضاً؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة وإنى حرمت المدينة ما بين لابتيها )، وقال: ( المدينة حرام ما بين عير إلى ثور )، فالمدينة حرام، فلو مررت بحيوان في الطريق تحت شجرة مستظل لا يحل لك أن تزعجه وتبعده من الظل وتجلس مكانه.

    و(عير): جبل في جنوب غرب المدينة، كالحمار، ولهذا يسمى بالعير لأنه رابض هناك، ووراء أحد الحل، لكن أحداً نفسه وما دونه إلى المسجد من الحرم، وجبل ثور وراء أحد ملاصق له من الجهة الشمالية الشرقية، فقوله تعالى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ [المائدة:1] والحال أنكم محرمون، فالمحرم لا يصيد سواء كان في أي مكان ما دام قد أحرم وقال: لبيك اللهم حجة أو عمرة، ولو كان في فلسطين فإنه لا يحل له أن يصيد وهو حرام.

    والشاهد عندنا في قول ربنا: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة:1]، فالمحرم لا يحل له أن يصيد في أي مكان، لو أحرم من بلاد بعيدة وخالف السنة فهل يجوز له هل له أن يصيد وهو محرم؟ لا يحل له، لكن الحلال لا يصيد بالحرم، الحلال بخلاف المحرم لا يحل له أن يصيد في الحرم.

    والحرم حرمان: الحرم المكي والحرم المدني، فذاك حرمه إبراهيم وهذا حرمه الحفيد محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ( إن إبراهيم قد حرم مكة وإني حرمت المدينة )، وقال في تأكيد هذه الحرمة: ( المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )، لو يفهم هذا الحديث مؤمن ويبلغه لارتعدت فرائصه ولما استطاع أن يرتكب سوءاً في هذا البلد، كيف وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؟! كيف ولا يقبل منه فرض ولا نفل؟! من أحدث فيها حدثاً أو نصر وآوى محدثاً.

    ولكن جهل الناس تركهم يقعون في هذه وهم لا يشعرون، إذا لم تستطع أن تستقيم في المدينة فارحل منها ولا تقم فيها أبداً نفسك، ما تقوى على أن تعبد الله فيها ارحل إلى مكان آخر، هذا الكلام تكلمنا به منذ ثلاثة وأربعين عاماً ونحن على علم بما نقول، إذا لم تستطع أن تقيم في هذا الحرم فاخرج إلى بلد آخر فزمر أو غنِّ أو احرق وجهك أو اكشف وجه امرأتك! أما هنا فلا.

    أعيد القول: الحديث في الموطأ وفي البخاري وفي مسلم وفي الصحاح كلها: ( المدينة حرام من عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً )، لا فرض ولا نفل، كيف يعيش هذا العبد؟!

    معنى قوله تعالى: (إن الله يحكم ما يريد)

    وقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ))[المائدة:1]، الأمر له والحكم له، يحل ما شاء ويحظر ويحرم ما شاء، لا رأي لنا ولا عقل فيما أحل الله أو حرم. (( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ))[المائدة:1]، فها هو ذا تعالى حكم علينا أولاً بالوفاء بعقودنا بيننا وبين الله ورسوله، وبيننا وبين إمام المسلمين، وبيننا وبين كل مسلم ومسلمة، ثم امتن علينا بقوله: (( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ))[المائدة:1]، هذه منته، هو الذي إن شاء حظر وإن شاء أباح وأذن، الملك ملكه، إذاً: فله الحمد والمنة أنه امتن علينا بإحلال بهيمة الأنعام لنا، واستثنى منها ما سيتلى من تلك العشر المحرمات من بهيمة الأنعام، وقوله: (( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ))[المائدة:1] أي: حال كونكم غير محلي الصيد، فلا يحل لمحرم ولا محرمة أن يصيد؛ لأنه تلبس بالعبادة، لما قال: لبيك اللهم حجاً أو عمرة كان كمن أحرم بصلاة الظهر: الله أكبر، فهل الذي دخل في ظهر أو عصر أو نافلة يعبث أو يتكلم أو يعمل شيئاً؟ الجواب: لا، فكذلك المحرم دخل في هذه العبادة فلا يتكلم إلا من ضرورة، لا يأكل ولا يشرب إلا من حاجة، فكيف إذاً يلهو ويلعب والصيد منشؤه اللهو واللعب، فيحرم الصيد حتى ولو كان قد جاع، في هذه الحالة لا يصيد، بل يصبر على جوعه. ولو صاد لك إنسان فقال: أنت محرم وأنا أصيد وأطعمك؛ فلا يحل لك أن تأكل؛ لأنه صاد من أجلك، أما إذا صاده لنفسه وأعطاك فأكلت فلا بأس. فقوله تعالى: (( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ))[المائدة:1] هذه هي الآية الأولى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ...)

    عدد نداءات القرآن للمؤمنين وغاياتها

    أما الآية الثانية فهي نداء رباني آخر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:2]! أجيبوا! لبيك اللهم لبيك.

    وقد نادانا الله تعالى في القرآن تسعين نداء، ما بقي حكم من أحكام الشرع إلا وحوته هذه النداءات: في الحرب.. في السلم.. في السياسة.. في المال.. في الاقتصاد.. في العبادات.. في العقائد.. في كل شئون الحياة.

    وتبين بالاستقراء والتتبع أنه ما نادانا إلا لواحدة من خمس: إما ليأمرنا بما فيه صلاحنا، أو ينهانا عما فيه شرنا، أو يبشرنا بما يزيد في عملنا، أو ينذرنا ليخوفنا فنترك ما حذرنا منه، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في حاجة إلى علمه ومعرفته، إذاً: فالحمد لك يا رب العالمين، اللهم لك الحمد. اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة:2]، هذا النداء فيه ما هو محكم وفيه ما هو منسوخ.

    النهي عن استحلال شعائر الله تعالى

    أولاً: قوله تعالى: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2]، شعائر الله: معالم دينه، ما من عباده إلا وهي من شعائر الله، ومناسك العمرة والحج هي شعائر الله، كل عبادة مشعرة بأن الله هو المعبود الحق، وأن هذا عَبدُه يعبده، فكل الشئون الدينية مشاعر وشعائر، فلا يحل لنا أن نحل شعائر الله، فنستبيح ما حرم الله، فنستبيح ما نهى الله عنه أو نهى عنه رسوله، فهذا اللفظ واضح عام عندنا أم لا؟ كل معالم الدين ومظاهره يجب ألا نحلها، يجب أن نقف عندها ونحترمها ولا نعتدي عليها، كل مشاعر الدين.

    النهي عن استحلال القتال في الشهر الحرام وبيان نسخه

    ثم قوله تعالى: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة:2] هذا منسوخ، كان الشهر الحرام -وهو رجب وغيره من الأشهر الحرم- إذا هل هلاله لا يبقى القتال أبداً، وانتهت الحرب، إذ كان العرب يتمتعون بهذه الأشهر الحرم من تدبير الله تعالى لهم ورحمته بهم، حتى يتم بينهم سلم وعدم اعتداء، فيتجولون ويتجرون ويتنقلون في الجزيرة وفي غيرها، إذا دخل الشهر الحرام وقف السلاح، لم تسمع صوت سلاح أبداً، لكن لما جاء الإسلام وقامت دولته ما بقي حاجة إلى هذا.

    إذاً: فقوله تعالى: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة:2] منسوخ؛ لأن الله تعالى قال في الإذن: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5].

    النهي عن استحلال الهدي والقلائد

    وقوله تعالى: وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [المائدة:2]، الهدي: ما يهدى إلى الحرم من بعير أو بقرة أو كبش، هذا الهدي، كان العرب يهدون للرب وهم مشركون، يهدون الهدي إلى الحرم لله تعالى ليأكل سكان الحرم وخاصة الحجيج والفقراء والمساكين، هذا الهدي إذا رأيناه مهدى للحرم لا يحل أكله أبداً، وكيف نعرفه؟

    إذا كان بعيراً فإنه يجرح من سنامه من الجهة اليمنى فيسيل دم فيعمم على وبره، فيعرف بين الناس أن هذا هدي، لو وجدته وحده في الصحراء لا يحل لك أن تقربه، هذا مهدى لله ولحرمه، أو بقرة كذلك، والغنم لا تجرح، ولكن تعلق قلادة في عنقها وتمشي بها، من رآها يقول: هذه للحرم. فلا يختطفها منك ولا يقاتلك من أجلها، فإذا كنت خائفاً من بني فلان أن تمر بديارهم وأنت ذاهب إلى الحرم فعلق في عنقك من شجر الحرم، فيقولون: هذا من أهل الحرم فلا يؤذونك! هذا تدبير الله عز وجل.

    وقد جاء في السورة في آخرها قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ [المائدة:97].

    إذاً: قوله تعالى: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [المائدة:2]، الشهر الحرام قلنا: إن تحريم القتال فيه منسوخ، يجوز القتال فيه إذا أمر إمام المسلمين بالقتال.

    والهدي والقلائد هل يجوز أن نعتدي عليها؟ لا أبداً، لو أن شخصاً قلد عنقه لحاء من قشر من شجر الحرم فإنك تقول: هذا كان بالحرم أو هو في طريقه إلى الحرم فلا تؤذوه، ففي الإسلام من باب أولى، في الإسلام لا نؤذي مؤمناً سواء ذهب إلى الحرم أم ذهب إلى أوروبا.

    معنى قوله تعالى: (ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً)

    وقوله تعالى: وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة:2]، هذا أيضاً منسوخ بقوله تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، وأعلن الرسول: ( لا يحج بعد العام مشرك أبداً ).

    وقد كان في الزمان الأول قبل هذه الآية إذا كان الحجاج محرمين ذاهبين إلى مكة يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً -أي: تجارة ومالاً ودعاء الله- فلا تعترضوهم ولا تؤذوهم، ثم صار هذا منسوخاً أيضاً.

    مرة ثانية: يقول تعالى منادياً لنا بإيماننا: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2]، فعلمنا أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحل شعيرة من شعائر الإسلام لا بفتيا يفتي بها ولا بعمل يعمله، يجب أن يحفظ دين الله بيننا.

    ثانياً: الشهر الحرام كان محرماً على الناس أن يقاتلوا فيه، ثم لما قامت دولة القرآن على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخ الله ذلك، فما بقي للشهر الحرام حرمة القتال فيه.

    ثالثاً: الهدي والقلائد، وهذه محرمة إلى الآن، إذا أراد شخص أن يهدي إبلاً أو بقراً أو غنماً إلى الحرم وأعلمها فلا يحل لك أن تعتدي عليها بحال من الأحوال.

    رابعاً: آمو البيت الحرام الذين يذهبون للتجارة فيه أو للدعاء؛ لأن المشركين كانوا يحجون للتجارة ويحجون لدعاء الله وسؤاله وطلب حاجاتهم منه، وهو ربهم ويستجيب لهم، قال تعالى: وَلا آمِّينَ [المائدة:2]، قاصدين، الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ [المائدة:2]، ماذا؟ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ [المائدة:2]؛ لأنهم يتجرون يحملون البضائع ويبيعونها في الحج أو يشترون أخرى ويبيعونها في بلادهم، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة:2].

    ثم قال تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، أذن لنا: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا، أي: اصطادوا خارج الحرم، أما داخل الحرم فلا صيد، سواء كنت محرماً أو غير محرم، فلا يحل الصيد أبداً.

    معنى قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا)

    ثم يقول تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2].

    في صلح الحديبية كان بعض المؤمنين ما زال في نفوسهم تغيظ على المشركين؛ من أجل أنهم منعوهم من مكة وردوهم بدون أن يعتمروا، ففي نفوسهم بغض لهؤلاء وشنآن، فقال تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2]، فتمت تلك العهدة وذلك العقد وذلك العهد، فكان الرجل يمر بقاتل أبيه فما يلتفت إليه، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2]، فلهذا قدمنا أنه لا يحل الاعتداء على أي إنسان كافراً كان أو مؤمناً، والاعتداء هو الظلم ومجاوزة الحد، فلا يجوز في مال ولا في عرض ولا بدن.

    وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ [المائدة:2]، لا يحملنكم، شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [المائدة:2]، عام الحديبية، أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2] عليهم أو على واحد منهم أو أكثر.

    1.   

    أحكام زكاة الفطر

    شروط قبولها وتزكيتها للنفس

    معاشر المستمعين! بعض الإخوان يقولون: حدثنا عن زكاة الفطر بعض الحديث، فأقول:

    في الحقيقة هي صدقة الفطر، ولكنها زكاة لأنها تزكي النفس وتطهرها كسائر العبادات، ما من عبادة شرعها الله تعالى وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم فيفعلها العبد إيماناً واحتساباً وإخلاصاً لله إلا عملت في نفسه الزكاة والطهر والصفاء، والله العظيم، ولا تتخلف أبداً إذا استوفت الشروط وهي:

    أن تكون مما شرع الله وبين رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: أن يفعلها كما بينها الرسول بلا زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير.

    ثالثاً: أن يفعلها إيماناً بالله وأن يخلصها لله وحده، فلا بد أن تطهر نفسه وتزكيها.

    مقدارها الواجب إخراجه وما تخرج منه من القوت

    زكاة الفطر أو صدقة الفطر بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال عبد الله بن عمر : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط أو صاعاً من زبيب )، هذه أنواع الطعام.

    والصاع: أربعة أمداد، والمد: حفنة بكفي الرجل المتوسط لا القصير ولا الطويل، أربع حفنات بحفنة الرجل المعتدل هي الصاع، المد حفنة، والمدان حفنتان، والثلاث ثلاث حفنات، والأربعة صاع، مما يقتات ويكون غالب قوت أهل البلد، ننظر إلى البلد الذي نحن فيه ما هو أكثر طعام يأكلونه، فإن قالوا: الأزر، إذاً: فالأرز، وإن قالوا: أكثر ما يأكل أهل البلاد التمر، إذاً: نعطي من التمر، أو أغلب ما يأكلون الأقط، ما عندهم إلا اللبن المجفف فنعطي منه، نعطي صاعاً من تمر أو شعير أو أرز أو أقط أو طعام آخر، هذا المقدار، هذه هي الكمية.

    من تجب عليه زكاة الفطر

    تجب على من؟ على الذكر والأنثى، والكبير والصغير، والرضيع والمفطوم، وإنما لا تجب على الجنين في بطن أمه، ومن أراد أن يستبشر خيراً ويخرج عما في بطن زوجته فله ذلك، لكن الوجوب لا وجوب أبداً، لا بد أن يكون حياً يرزق بيننا.

    والذي يعيل أفراداً هو الذي يجب أن يخرج زكاتهم، مثلاً: تعيل اثنين أو ثلاثة من الفقراء طول رمضان وهم معك إذاً: تخرج عنهم زكاتهم، خادم أو خدم معك طول العام في بيتك أنت الذي تخرج صدقتهم وزكاتهم، أما ضيف استضفته ليلة أو ليلتين فما أنت بملزم بأن تخرج زكاة فطره.

    وقت إخراجها

    هذه الصدقة -معاشر المستمعين- يجوز إخراجها قبل العيد بيومين إلى ثلاثة للضرورة.

    وإخراجها لمن يكون؟ للفقراء والمساكين، للذين ما يجدون ما يقتاتونه يوم العيد، فمن رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم أن قال: ارحموا فقراءكم وسدوا حاجتهم ولا تضطروهم إلى أن يسألوا يوم عيد ويوم فرح المؤمنين.

    إذاً: فلو أخرجت قبل العيد بيوم أو يومين للضرورة فلا بأس، وأفضل أوقاتها من صلاة الصبح إلى صلاة العيد، أفضل وقت، وبعد صلاة العيد كأنما هي صدقة، بعد زوال يوم العيد تصبح صدقة من الصدقات وليست بزكاة الفطر؛ لأنها ما انتفع بها الفقراء والمساكين.

    إذاً: فلنحرص على أن نقدمها قبل وقت نهايتها، لكن لو حجزها في جانب ينتظر صاحبها أن يأتي فممكن أن يعفى عنه، فهو أبعدها وقال: يا فلان! تعال لتأخذ زكاة الفطر. وتأخر هذا الإنسان إلى ما بعد الظهر أو حتى المساء فنسأل الله تعالى أن يثيبه عليها، أما أن لا يخرجها إلا بعد زوال يوم العيد فهي صدقة يثاب عليها لكن ما هي بزكاة الفطر التي يبقى الصيام معلقا بها، فلا يقبل صوم الصائم حتى يدفع زكاة الفطر هذا شرط، زكاة الفطر قبول الصيام متوقف عليها، حتى لا يبقى في القرية أو المدينة مؤمن أو مؤمنة جائع بيننا وأهل القرية شباع.

    ولو أن الدولة هي التي تجمعها وهي التي تقوم بتوزيعها فشأنها؛ إذ إمام المسلمين يطاع في هذا إذا كان صادقاً.

    وبعض الناس يمرون بمن يبيع البر فيعطيه الفلوس ويقول: أخرج الزكاة عني. فإذا كان ثقة تطمئن إليه أنه صادق ويعطيها لمستحقيها فلا بأس، وإذا كنت تشك أنه ما يخرجها أو يخرجها لمن لا يستحقها فما يجوز، لا تعطه.

    حكم إخراجها نقوداً

    معاشر المستمعين! زكاة الفطر يتجلى فيها الرحمة المحمدية، ما كانت الديار هكذا ملأى بالخبز واللحم، كانت هذه الديار عامة -والعالم بأسره- فيها الفقير الذي لا يجد ما يقتاته، وآخر يأكل ويشرب في شبع، فجاءت الرحمة المحمدية في هذا اليوم؛ لتخلد هذه السنة إلى يوم القيامة، ولو أصبح المال تحت أرجلنا فلا بد أن تمضي هذه السنة، فيجب أن نعرف كيف نخرجها:

    أولاً: لا يحل لنا أن نخرجها نقوداً في ديار تأكل اللحم وتأكل الخبز والأرز، لكن في بلاد أمريكا وأوروبا قد يوجد من لا يعرف أن يخبز الخبز ولا من يطبخ الأرز ممن أكلهم كله في المطاعم، في هذه الحالة للضرورة تعطي الفقراء نقوداً، تقوم الصدقة كما تساوي وتعطيهم نقوداً، وتسأل الله أن يتقبل منك، أما في البلاد التي فيها التمر والبر والأرز والناس يطبخون ويطحنون ويأكلون؛ فإن أردت أن تفوز برفع صومك وقبوله فلا تخرج عن هذه أبداً.

    مكان إخراجها

    وأخرج زكاة الفطر في قريتك أو مدينتك، وبعض الإخوان يقولون: أنا هنا وأهلي في مصر؟ نقول: إذا كنت تعلم أنهم زكوا عنك فلا تزك، وإذا ارتبت أو شككت أخرجت زكاة نفسك، وهم إذا عهدوا إليك أن تخرج زكاتهم فأخرجها عنهم هنا، وتبرأ بذلك ذمتك وذممهم، وإن كنت لا تعلم على كل حال فأخرج زكاة نفسك واترك أسرتك لأنفسهم.

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم دائماً بما ندرس ونتعلم ونسمع.