إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد إلحاح شديد من إخوة يوسف عليه السلام قبل أبوهم يعقوب أن يرسله معهم في نزهتهم المزعومة، وفي اليوم التالي خرجوا به معهم، وعندما ابتعدوا عن الديار تغيرت وجوههم عليه، وصار يتلقى الكلمات القاسية؛ فلما وصلوا إلى بئر معلومة لديهم في الصحراء نفذوا مؤامرتهم وألقوا أخاهم وهو يبكي بأعلى صوته، وقد انتزعوا منه قميصه وتركوه مكتوفاً في قعر البئر، فجاءه الوحي من ربه أنه سينبئهم في يوم من الأيام بفعلتهم التي فعلوها، وجريمتهم الشنيعة التي اقترفوها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وما زلنا في فاتحتها، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:15-18].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا القصص من أين أتانا؟

    وكيف وصل إلينا؟

    هذا من فضل الله، ثم بركة الإسلام، فذا وحي الله أوحاه إلى رسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم؛ ليكون آية نبوته وعلامة رسالته، وأنه حقاً نبي الله ورسوله.

    هذه الأحداث مضت قبل وجود نبينا، مضت عليها ألوف السنين، فكيف وصلت إلى رسولنا؟

    وهي موجودة في التوراة مع الخلط والخبط، والزيادات والأكاذيب والأباطيل، أما في القرآن فكلها كاللؤلؤ، لا خطأ ولا زيادة ولا نقصان.

    معنى قوله تعالى: (فلما ذهبوا به)

    قوله تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [يوسف:15]، بالأمس عرفنا أنهم طلبوا من أبيهم يعقوب عليه السلام أن يرسل معهم أخاهم يوسف عليه السلام، وهذا الطلب كان نتيجة مؤامرة دنية، أرادوا أن يتخلصوا من يوسف ليخلص لهم وجه أبيهم، فدبروا هذه المكيدة، وهي أن يلقوه في ظلمة البئر ليهلك.

    ورد عليهم يعقوب كما علمتم، وقال: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ [يوسف:13]، فتعهدوا بحمايته وقالوا: كيف يأكله الذئب ونحن عصبة؟

    إذاً: فما كان من يعقوب -والله يسوق أقداراً لأقدار- إلا أن سلم وأعطاهم يوسف مع تحفظه وتحرزه، ومع شعوره الكامل بمكرهم ومؤامرتهم، ولكن قضاء الله ينفذ.

    إذاً: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [يوسف:15]، بحجة أنه سيلعب ويرتع معهم في الصحارى ويأكل أنواع الفواكه والخضر واللحوم ويستبق معهم ويتمرن على الصيد وما إلى ذلك.

    فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا [يوسف:15] أمرهم وكلمتهم على أن يلقوه في غيابة الجب، فما اختلفوا في هذه القضية أبداً، ولا قال أحدهم: لا أحضر هذا، أو لا أشهد هذه الحادثة، أو أنا أعود إلى والدي؛ ليتم قضاء الله وقدره، وإلا فقد كان في الإمكان أن يرفض أحدهم ويقول: أنا أذهب إلى أبي، وإذا به معه آخر وثالث، ولا يمكن أن يردوهم، ولكنهم أجمعوا لينفذوا ما كتبه الله وقدره.

    فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15].

    معنى قوله تعالى: (وأوحينا إليه)

    قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ [يوسف:15] بعدما وصلوا إلى هذه البئر المظلمة ووضعوا الكتاف في يديه وجردوه من قميصه وسلخوه منه وألقوه في البئر، فشاء الله أن توجد صخرة لم يعلها الماء ولم يغطها فوقف عليها.

    هناك وفي تلك اللحظات أوحى الله تعالى إليه.. أعلمه إعلاماً عجباً خفياً، إن شئت فقل: كان وحياً أو قل: إلهامات، أوحى الله إليه ولا حرج، فسوف يصبح نبياً ورسولاً، وإن كان غلاماً لم يبلغ فلا يمنع ذلك أن يوحى إليه، فـأم موسى أوحي إليها وهل هي رسولة؟ الجواب: لا.

    وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ [يوسف:15]، أي: إلى يوسف، وعزتنا وجلالنا لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15]، وبعد هذا طابت نفسه، وذهبت المخاوف.. ذهبت الآلام كأنه بين يدي الله والملائكة تحف به، فعرف أنه آمن وأن العاقبة له، هذا تدبير ذي العرش.

    وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15]، وسيأتي في آخر القصة، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15] أن يوسف هو صاحب القصة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاءً يبكون...)

    ثم قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، العِشَاء، لا العَشاء، فالعَشاء: طعامكم بعد دخول الليل، والعِشَاء: الظلام الذي ينسخ الضياء بالظلمة.

    وجاءوا أباهم بالليل يبكون، قالت العلماء: السر في مجيئهم بالليل؛ لأنهم لو جاءوا في النهار والعين تبصر فقد يخجلون فيضطربون، لكن في الظلام لا يستحون ولا يهابون.

    وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، وهذا البكاء بكاء كذب، لا بكاء حزن وتألم على فراق أخيهم، أو أذية أبيهم، بل البكاء هنا مصطنع فقط، وقد يوجد حتى الآن من يبكي البكاء المصطنع وتذرف عينه الدموع وهو فرح مسرور، وهذه الآية شاهد ودليل.

    وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، وقالت العلماء: السر في مجيئهم بالليل؛ حتى لا يستحوا من مخاطبته، إذ العين تستحي من العين، وقال شاعر في هذه الحادثة:

    وكيف يرجو الحياء منه صديق ومكان الحياء منه خراب.

    يعني: أعمى.

    فالأعمى يقول ما يشاء بخلاف صاحب البصر فإنه يخجل ويستحي أن يقول الكلام الباطل وهو ينظر إليك أو يكذب عليك، فلهذا جاءوا بالليل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا...)

    قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، ماذا قالوا؟ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا [يوسف:17]، الاستباق والسباق بمعنى واحد، ولكن الاستباق فيه المفاضلة والتفاضل، هذا يسبق وهذا يسبق، وقد علمنا مما سبق: أن الاستباق أو السباق جائز في الإسلام لكن في ثلاثة أمور: في النصل والخف والحافر، ثلاثة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم: النصل: الذي هو الرماية، والحافر: الذي هو الفرس، والخف: الذي هو البعير.

    هذه الثلاثة يجوز الاستباق بها والرهان فيها، وما عداها فلا يصح.

    وسر ذلك -كما علمتم- أن هذه عدة الحرب، والتمرين على الرماية للحرب، والتمرين على الركوب على الخيل والمسابقة للحرب، والركوب على الإبل أيضاً واستخدامها كذلك في الحرب، وما عدا ذلك فكله لهو باطل.

    قالوا: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ [يوسف:17]، ولو كان الاستباق محرماً لأنكره عليه والدهم، لكنهم عارفون أنه من الدين والشرع.

    وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا [يوسف:17] قطعاً السباق يقع في أماكن محددة، وأمتعتهم وغنمهم وإبلهم وثيابهم في مكان آخر، فتركوا يوسف عند الأمتعة وذهبوا للسباق والمناضلة.

    إذاً: فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [يوسف:17]، جاءه ذئب شرس خداع فأكله، وهذا من أفظع الكذب.

    وقد تقدم لنا وقلنا: الذئب ما زال إلى الآن يفترس ويأكل الإنسان، والآية شاهدة على ذلك، ولو كذب أحد لقلنا: كذبت القرآن.

    وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، أي: بمصدق لنا في قولنا هذا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17].

    لم قالوا: وما أنت بمصدق لنا؟ حتى يذهبوا عنهم التهمة أنهم قتلوه، فقالوا: حبك له، وعطفك عليه، وإشفاقك عليه وحزنك عليه يمنعك أن تصدقنا، فهذا هو الواقع.

    وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، أي: بمصدق لنا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]، ووالله! ما كانوا صادقين بل كاذبين، فضحوا أنفسهم، إذاً: ما أنتم بصادقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاءوا على قميصه بدم كذب...)

    ثم قال تعالى عنهم: وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف:18]، والقميص ما يتقمصه الإنسان، وهو الثوب الذي يستر به جسمه، وهذا القميص كان يلبسه كما يلبسون قمصانهم.

    وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف:18] دم سخلة أو أرنب أو حيوان ذبحوه ولطخوا به القميص، ولعل انتزاعهم الثوب لما دلوه في البئر كان لأجل هذا الغرض، سلخوه من ثوبه لأجل أن ينتفعوا بالثوب لهذه المهمة، حتى يلطخوه بالدم ويقولوا: أكله الذئب. وهذه مؤامرة تتم في كذا يوماً وما هي في ساعة، كل هذا مدبر.

    قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا [يوسف:18]، ما أكله الذئب، كيف يأكله الذئب ولا يمزق الثوب بأنيابه ولا بأظفاره، ولا يتلطخ الثوب كله بالدم، بل الدم في جهة معينة وأخرى ما بها أي شيء! هذا ليس صحيحاً أبداً، هذا استعمال باليد، أما الذئب فيفترس بأنيابه.. بأظفاره.. يمزق اللحم مع الثوب، وهذا ثوب نظيف سليم فقط فيه نقاط من الدم؟ هذا دم كذب، بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا [يوسف:18]، هذا الأمر ما هو؟ أن يلقوه في غيابة الجب، وقد فعلوا، وأن يستلبوا منه قميصه ويلطخوه بالدم.. دم الأرنب أو الغزال أو الشاة، ويدعوا أن الذئب أكله، وهذه حجة باطلة.

    قالت العلماء: من هنا أخذ الفقهاء الأخذ بالأمارات والعلامات في قضية القسامة وغيرها، يعول على الأمارة والعلامة، فلو كان القميص حقيقة ملطخاً ممزقاً لدل على أنه أكله الذئب، لكن لما كان ما هناك تلطيخ ولا فيه أي تمزيق أبداً تبين أنه ليس من صنع الذئب، وهذه علامة دالة على أنهم كذبوا، وآية صادقة، وهو كذلك، وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف:18] لا كما يزعمون، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا [يوسف:18] خطيراً عجباً، وهو قتل أخيكم أو رميه في البئر فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18]، أي: فصبري إذاً صبر جميل لا جزع فيه ولا شكوى إلا إلى رب العالمين.

    الصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى فيه إلا لله.

    والصفح الجميل الذي لا أذية بعده.

    والهجر الجميل الذي ما يسب بعده ولا يغتاب ولا ينم.

    فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18]، أي: صبري صبر جميل لا جزع فيه ولا شكوى لأحد إلا إلى ربي.

    وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، فبه عز وجل الاستعانة على كذبكم وما تدعونه وما تقولون، وهو كذلك المستعان على كل ذي شر وظلم وخبث وفساد. وأعانه الله، وسيأتي يوم يبكون فيه بكاء النساء.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    قال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [يوسف:15] إلى الصحراء.. إلى البر وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ [يوسف:15] ليفصلوه عن أبيه ويستريحوا منه وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ [يوسف:15]، إلى من؟ إلى يوسف وهو في البئر؛ لينشرح صدره وتطيب نفسه ويطمئن ويصبح كأنه في الجنة لا في ظلمة البئر ولا خوف من الأذى، لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا [يوسف:15] الخبيث الدنيء وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15]، وتم هذا ونبأهم بعد أربعين سنة.

    وَجَاءُوا أَبَاهُمْ [يوسف:16] يعقوب عليه السلام عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف:16]، وهذا البكاء غير حقيقي، فلا حزن ولا ألم، بل كذب، فما كل من يدعي يكون صادقاً.

    قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ [يوسف:17]، ما معنى: نستبق؟

    أي: نتسابق إما في الرماية وإما على الخيل وإما على الإبل، وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا [يوسف:17]، هذه كذبة؛ لماذا يتركونه وهو مثلهم يمشي معهم؟ هل تركوه يحرس المتاع وهم يلعبون؟ قد يقولون: من أجل أن يستريح ولا نتعب أخانا وهو ثمرة كبد أبينا، فأبقيناه هنا حتى لا يتألم.

    فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [يوسف:17]، جاء ذئب يبحث عن الطعام فوجده فأكله.

    وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]، والله! ما هم بصادقين ولا صدقوا، ولهذا ما آمن يعقوب بكلامهم ولا صدقهم، لكن ماذا يصنع؟ هذا الواقع.

    وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف:18] كبرهان وحجة على أنه أكله الذئب، وكيف يأكله الذئب ولا يمزق ثوبه؟ معقول هذا الكلام؟! أيسلخ الذئب الثوب ويتركه جانباً أم يمزقه بأنيابه؟!

    وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف:18]، إذاً: فبناءً على هذا قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18]، أي: صبري صبر جميل لا أجزع ولا أشتكي لأحد إلا لربي، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، يواجه به أولاده الأحد عشر، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18] من هذه الأقوال الباطلة والأكاذيب والترهات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! إليكم شرح الآيات من الكتاب؛ لنزداد بصيرة ومعرفة. ‏

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الإخبار عما عزم عليه إخوة يوسف أن يفعلوه، فقد أقنعوا والدهم يوم أمس على إرسال يوسف معهم إلى البر، وها هم أولاء وقد أخذوه معهم وخرجوا به، وما إن بعدوا به حتى تغيرت وجوههم عليه وصار يتلقى الكلمات النابية والوكز والضرب]، وهذا حاصل، ما إن بعدوا به حتى أصبحوا يضربونه وهو يتألم لذلك، [ وقد أجمعوا أمرهم على إلقائه في بئر معلومة لهم في الصحراء] معروفة عندهم، [ ونفذوا مؤامرتهم وألقوا أخاهم وهو يبكي بأعلى صوته ]، لو نسمع كلماته التي قالها: يا إخوتي.. يا كذا! ولما نزل البئر لجأ إلى الله عز وجل بأدعية لا حد لها مروية عنه.

    قال: [ وقد انتزعوا منه قميصه وتركوه مكتوفاً] مكتوف اليدين [ في قعر البئر، وهنا أوحى الله تعالى إليه، أي: أعلمه بما شاء من وسائط العلم]، سواء قلنا: هو وحي أو إلهام أو ملك كلمه [ أنه سينبئهم في يوم من الأيام بعملهم الشنيع هذا، وهو معنى قوله تعالى في السياق: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15]، وبعد أن فرغوا من أخيهم ذبحوا سخلة] من السخال صغيرة [ ولطخوا بدمها قميصه، وعادوا إلى أبيهم مساءً يبكون، يحملون الفاجعة إلى أبيهم الشيخ الكبير، قال تعالى: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً [يوسف:16]، أي: ليلاً، يَبْكُونَ [يوسف:16]، وقالوا معتذرين: يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، أي: بمصدق لنا، وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:17]، وقد دلت عباراتهم على كذبهم، قال تعالى: وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف:18]، أي: ذي كذب، أو مكذوب؛ إذ هو دم سخلة ذبحوها فأكلوها ولطخوا ببعض دمها قميص يوسف أخيهم، ونظر يعقوب إلى القميص وهو ملطخ بالدم الكذب ولم يكن به خرق ولا تمزيق، فقال: إن هذا الذئب لحليم!] هذا الذئب حليم، ما هو بشرس مغتاظ! [ إذ أكل يوسف ولم يمزق ثوبه، ثم قال ما أخبر تعالى عنه بقوله: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا [يوسف:18]، أي: لم يكن الأمر كما وصفتم وادعيتم، وإنما سولت لكم أنفسكم أمراً فنفذتموه] وهو إلقاؤه في البئر والادعاء أنه مات، [ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف:18]، أي: فأمري صبر جميل، والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى معه] إلا إلى الله، [ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، أي: من الكذب ].

    فههنا الآيات إن شاء الله تعالى، والحمد لله، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون: إذا أخذنا العشر الآيات لا نزيد عليها حتى نحفظها ونفهمها ونعمل بما فيها، فنأخذ العلم والعمل.

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: جواز صدور الذنب الكبير من الرجل المؤمن المهيأ للكمال مستقبلاً ]، جواز صدور الذنب الكبير من شخص هيأه الله للمستقبل أن يكون صالحاً أو نبياً أو ولياً.

    من أين أخذنا هذا؟ من فعل إخوة يوسف، ومن تدبير الله تعالى أن صرف عنهم قتله.

    وعندنا وبين أيدينا رجال كثيرون يذنبون ويذنبون، وبعد ذلك يتوب الله عليهم ويصبحون أولياء لله ربانيين.

    أليس هذا الواقع؟ بلى. وقل من يولد ويبقى على ما هو إلى أن يموت ولا يذنب ذنباً، نادر، ممكن أن يكون في الألف واحد.

    [ ثانياً: لطف الله تعالى بيوسف وإكرامه له بإعلامه إياه أنه سينبئ إخوته بفعلتهم هذه، وضمن ذلك بشره بسلامة الحال وحسن المآل ]، وغداً إن شاء الله تأتي السيارة ويأخذونه إلى مصر ويعيش في دار الملك، فالحمد لله.

    [ ثالثاً: اختيار الليل للاعتذار دون النهار ] الآن ما بقي ليل، ما بقي ليل بسبب هذا الضوء إلا إذا أطفأ الضوء -الكهرباء- وتكلم معه فلا بأس، ويفعل هذا بعض الناس حتى لا يتكلم وجهاً لوجه.

    [ اختيار الليل للاعتذار دون النهار؛ لأن العين تستحي من العين كما يقال ]، هذا تقوله العامة، وهذا هو الحق، العين تستحي من العين، والآن التلفون ليس فيه عين، فيخاطبك.. يطلبك.. يسبك ولا يخاف؛ لأنه بعيد عن العين، ويرمي بالسماعة.

    قال: [ اختيار الليل للاعتذار دون النهار؛ لأن العين تستحي من العين كما يقال، وكما قيل:

    وكيف يرجو الحياء منه صديق ومكان الحياء منه خراب

    يريد: عيناه لا تبصران.

    [ رابعاً: فضيلة الصبر الجميل، وهو الخالي من الجزع والشكوى معاً ] إلا لله عز وجل.

    فالصبر الجميل هو الصبر الخالي من الجزع والشكوى إلا إلى الله، أما أن يشكو إلى أحد من الناس فلا، فإن جاع أو عطش لا يشكو إلا إلى الله.

    إذاً: الصبر الجميل هو الخالي من الجزع والشكوى معاً إلا لله عز وجل.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليماً.