إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (25)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصة يوسف عليه السلام هي من أعظم القصص، وقد حوت في ثناياها الكثير من الفوائد، وأول ذلك أن الغيبيات يطلع الله عليها من شاء من عباده، ومن ذلك إطلاع النبي محمد صلى الله عليه وسلم على هذه القصة بتفاصيلها التي لم يحط بها أحد، ومن ذلك أن ما وقع بين يوسف وإخوته من الحسد والبغض إنما كان بسبب نزغ الشيطان الذي يفسد بين العباد، ومن ذلك أن الصبر على البلاء والإحسان إلى العباد عاقبته حميدة دائماً وأبداً.

    1.   

    ملخص لأحداث قصة يوسف عليه السلام

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع خاتمة سورة يوسف الكريم ابن الكريم، والصديق ابن الصديق، تلكم السورة التي حملت قصة من أعظم القصص، وحسبنا منها أن نلخص ما يلي:

    حسد إخوته له ومكرهم به

    أولاً: معاشر الأبناء والإخوان، ومعاشر المستمعات! الحسد صاحبه لا يسود، الحسد داء الأمم، ما كان في قلب إلا أحرقه.

    ومن الحسد العين، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نعالج عين العائن؛ لأن العين حق تدخل الرجل القبر والبعير القدر.

    ويوسف الصديق ابن الصديق كان طفلاً ومعه إخوته أحد عشر أخاً بعضهم أمهم واحدة وبعضهم أمهاتهن مختلفات، لكن الأب واحد ألا وهو يعقوب عليه السلام.

    يوسف عليه السلام أخوه بنيامين وأمهما واحدة، فيوسف رأى رؤيا عجب وقصها على والده يعقوب الرسول الكريم عليه السلام.

    ما هذه الرؤيا؟ بينها تعالى لنا في هذه السورة فقال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4]، رؤيا عجب: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [يوسف:4] رأيت الجميع لي ساجدين على الأرض.

    فلما سمع يعقوب عليه السلام ذلك من ابنه كاد يدخل ابنه في قلبه، وقال له: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5].

    إذاً: وأقبل يعقوب على يوسف وامتلأ قلبه بحبه، فشعر إخوته بأن الوالد قد أخذه يوسف، فما أصبح ينظر إليهم ولا يقبل عليهم، فقالوا: كيف نتخلص من هذه المحنة؟ هيا نبعد يوسف عن أبيه، وبعد ذلك يقبل علينا ويفرح بنا ونسر به ونسعد معه، فماذا نصنع؟ نرتكب هذا الإثم أحسن من أن نبقى في إثم دائم. هذه هي النظرية.

    نرتكب هذه الجريمة بإبعاد يوسف عن أبيه، وبعد ذلك نقبل على أبينا ويقبل علينا، أما أن نبقى هكذا في هذا الكرب فإلى متى؟ ونكون من بعده قوماً صالحين.

    المهم: دبروها وكادوا، وطلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف للبر للتنزه والترويح عن النفس بالرماية والمسابقة كعادة أهل البلاد يخرجون إلى البر لهذه الأغراض.

    فتخوف يعقوب وما فرح بهذا الطلب، ولكن راودوه، ووافق وأرسل ولده يوسف معهم، فلما انقطعوا في الصحراء ألقوه في بئر وقالوا: هذا أحسن من قتله، وكان أحدهم من كبارهم قال لهم: نلقيه في بئر فذلك أحسن من أن نقتله. واتفقوا على إلقائه في بئر في غيابة الجب في ظلمة البئر، وشاء الله عز وجل أن يلهمه بأنه ناج وسينبئهم في يوم من الأيام بأعمالهم هذه، فما تألم ولا كرب ولا حزن، وبقي في البئر، فجاءت سيارة من القوافل فبعثوا واردهم ليأتيهم بالماء فأدلى دلوه، فأمسك يوسف بالدلو وخرج مع الدلو، فشاهده إخوته من بعيد وجاءوا يجرون وقالوا لهم: هذا عبد من عبيدنا مكر بنا وغشنا وهرب منا وقع في هذا البئر، نبيعه لكم بيعاً، فباعوه بثمن زهيد قليل.

    وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف:20] لا قيمة له، المهم أن يتخلصوا منه، فباعوه لقافلة في طريقها إلى مصر.

    إذاً: فأخذته القافلة ودخلوا به الديار المصرية وباعوه للعزيز وزير المال والاقتصاد في الحكومة المصرية.

    وهذا تدبير الله عز وجل، ألقاه في دار الكرامة .. الطعام والشراب واللباس والراحة والسعادة، وأدخل حبه في قلب امرأة سيده وأصبح أسعد ما يكون.

    مراودة امرأة العزيز له عن نفسه

    وبعد ذلك ابتلي ابتلاءً آخر: وهو أن امرأة العزيز زليخا عليها السلام أحبته حباً عجباً وراودته عن نفسه.. أن يأتي منها ما يأتي الرجل من امرأته.

    وكيف وهو نبي الله ورسوله مهيأ للكمال؟ فصرفه الله عنها صرفاً عجباً وهرب، فلما شرد جرت وراءه وجرته من ثوبه فتمزق وخرج وهي وراءه، ووجد عند الباب سيدها، فقالت: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [يوسف:25]، وهذا من كيد النساء إن كيدهن عظيم.

    شهادة الطفل الرضيع ببراءة يوسف

    وآية أخرى تتجلى في طفل صغير في يد أبيه أو أمه، حيث قال: أنا أحكم بينكم: إذا كان قميصه مقطعاً من أمامه فهو الظالم، وإن كان مقطعاً من ورائه فهي الظالمة.

    لو أقبل عليها ومزقته من أمامه فهو المعتدي، لكن الثوب ممزق من ورائه، فمعناه: أنه هرب وهي جرت وراءه ومزقته.

    قال: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف:26-27]، وانكشفت الحقيقة للعزيز فما كان منه إلا أن لامها وعتب عليها وتركها.

    إذاً: ما اطمأنت ولا سكنت نفسها، وقد أشيع في نساء الأمراء ونساء الأغنياء أن زليخا راودت خادمها عن نفسه، وأن الحادثة كبيرة.

    وأخذت النسوة أيضاً يتآمرن، فقلن: لا بد أن نرى يوسف أيضاً. فلما انتشر هذا الخبر بين النساء رأت زليخا أن تطفئ هذه الفتنة عنها وتجعلها على غيرها، فدعت النساء إلى مأدبة فاخرة في بيتها، وأجلست النسوة على الكراسي كما هي عادتهن، وأعطت كل واحدة سكيناً وبين يديها فاكهة تأكل، وقالت ليوسف: اخرج عليهن. فلما خرج كالقمر ما شعرن بما في أيديهن فقطعن أيديهن وهن ينظرن، بدل تقطيع التفاحة قطعن أيدهن وهن ينظرن إليه، قال تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31] قلن: ما هذا بشراً، ما هو بإنسان عادي.

    والشاهد عندنا أن العزيز قال: نسجنه، ما دامت الفتن تتكرر به فنسجنه ونستريح.

    دخوله السجن عليه السلام

    قال يوسف: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف:33] أسجن أفضل لي من أن آتي الفاحشة وأرتكب ما لا يحل لي.

    ودخل السجن، وشاء الله أن يدخل السجن معه في يومه رجلان كانا في قصر الملك، أحدهما ساقٍ يسقي الملك والثاني خباز يخبز له الخبز، اتهما بمكرهما بالملك وأنهما يريدان اغتياله فدخلا السجن.

    فقالا ليوسف: رأينا كذا وكذا فعبر لنا هذه الرؤيا، ودعاهما إلى لا إله إلا الله، ووجد الفرصة في السجن: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:39-40]، أتيحت له الفرصة في السجن فأصبح داعية يدعو إلى الله عز وجل.

    وبعد ذلك قال للفتيين: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ [يوسف:41] فلما عبر الرؤيا قالا: ما رأينا. كذبنا. قال: كذبتما وصدقتما قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41]، وبالفعل، فالذي كان خبازاً قطع رأسه؛ لأنه تبين أنه يريد أن يقتل الملك أو يجعل له سماً في الطعام، والآخر بريء، فبقي يعمل في القصر ويسقي الملك.

    تعبيره عليه السلام لرؤيا الملك وتوليه الملك بعد ذلك

    ومرت السنون وإذا بالملك يرى رؤيا عجب وهو كافر، فماذا رأى؟

    رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، فجمع رجاله من أهل العلم والبصيرة فقالوا: أضغاث أحلام. ما عندنا ما نفسر به هذه، هذه أحلام النوم فقط.

    فما كان من الفتى الذي هو الساقي وقد كان مع يوسف في السجن إلا أن قال: أنا أنبئكم بالقضية، أرسلوني إلى يوسف في السجن. فأرسلوه إلى يوسف فقال: يا يوسف! إن الملك يرى كذا وكذا وكذا فعبر لنا هذه الرؤيا. قال: قل له: ستأتيكم سبع سنين خصب.. أمطار ومياه وزرع وكذا، سبع سنوات أحسن ما تكون، وستأتي بعدها سبع سنين عجاف يأكلن كل ما جمعتم وادخرتم، سبع سنين سمان وسبع سنين عجاف، سبع بقرات سمان وسبع بقرات عجاف.

    وفرح الملك بهذا التعبير، وقال: ائتوني به، فجاءه الرسول إلى السجن: الملك يريدك. قال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [يوسف:50] أي: سيدك فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50] فأمر الملك بجمع النسوة كلهن اللائي قطعن أيديهن، وامرأة العزيز معهن، واجتمعن، وأخذن يقصصن.

    فامرأة العزيز قالت: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف:51].

    وكان يوسف قد أبى أن يخرج من السجن، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي

    لبث سبع سنين، فقال: لا أخرج حتى يتبين الحق. إذاً: لم فعلت يا يوسف هذا؟ قال: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يوسف:52]، أي: لم أخن العزيز في امرأته بالغيب، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي [يوسف:52-53] أيضاً إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53].

    وهنا تجلت حقيقة يوسف، وقال الملك: ائتوني به ليكون هو وزير المال والاقتصاد، فعينه بدل العزيز وزير المال والاقتصاد.

    وقال: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، يعني: أحسن تدبير المال والمحافظة عليه. فأصبح وزيراً.

    لقاء إخوانه وأبيه وأهله بعد الفراق الطويل

    وتمضي الأيام وتنتهي السبع السنين السمان، وتأتي العجاف، ويجدب أهل الشام وفلسطين، وتأتي قافلتهم يطلبون البر والشعير من مصر، هذه القافلة على رأسهم إخوة يوسف، فما إن دخلوا حتى شاهدهم وعرفهم.

    قال: ألكم أخ غيركم؟ قالوا: عندنا أخ، وهذا البعير جئنا به لنحمل له. قال: ائتوني به في المرة الثانية، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ [يوسف:60-61]، وبالفعل عادوا إلى أرض فلسطين، وقصوا القصة على والدهم يعقوب عليه السلام، وقالوا: لا بد أن ترسل معنا أخانا حتى لا نحرم كيل بعير، والبلاد كما تشاهد من الجدب والقحط، وراودوه فقبل، ووصاهم فقال: لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف:67]؛ خشية أن يحسدوا إذا دخلوا من باب واحد وكلهم إخوة أحد عشر، يسهل على الحاسد أن يحسدهم، فقال: ادخلوا من أبواب متفرقة في المدينة، قال هذا فقط، والعلم لله عز وجل: وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ [يوسف:67] وإنما هي الأسباب فقط، نأخذ بالأسباب.

    وبالفعل جاءوا ببنيامين أخي يوسف وشقيقه، فلما جاء الليل أعطى لكل اثنين غرفة وفراشين وهم أحد عشر رجلاً، وبقي بنيامين فقال: هذا مع من يكون، لا بأس يكون معي أنا، هو معي في فراشي الليلة، فبات معه وقص عليه قصته من أول الأحداث إلى تلك الساعة.

    وقال: اسمع، أنا سوف أبقيك عندنا وندبر لبقائك تدبيراً حكيماً، عندنا في بلاد فلسطين السارق يسترق، يباع عبداً، والحكم عندنا في مصر أنه يغرم فقط ويضرب ويعذب.

    إذاً: سألقي بصواعنا أو بآلة الكيل عندنا في رحلك، ونبحث ونفتش، ثم نعلن أنا وجدناها في رحلك وألقينا عليك القبض، وأنت لا تكرب، ودبرها بنفسه عليه السلام، وأخذ صواع الملك -أي: مكياله- ووضعه في رحل أخيه بنيامين، ولما شدت القافلة ماشية نادى منادٍ: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ [يوسف:70-72] جائزة حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72]، وأنا ضامن وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72].

    قالوا: تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ [يوسف:73] لنسرق أو لنفسد، كيف تتهمونا بهذا؟ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73]، فقالوا: يبدأ التفتيش. وأخذ يوسف ورجاله يفتشون القافلة رحلاً بعد رحل، وأخروا رحل بنيامين إلى الأخير، واستخرجوا منه الصواع.

    وكانوا قد قالوا لهم: فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ [يوسف:74-75]، يؤخذ، هذا حكمنا والقانون عندنا: السارق يسترق ويؤخذ.

    وهذا تدبير العزيز الحكيم كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [يوسف:76]، لو طبق عليه قانون مصر فلن يؤخذ، يغرم فقط ويضرب، لكنه تدبير الله!

    سأل إخوته: ما حكم السارق عندكم في بلادكم؟ قالوا: يسترق.. يباع عبداً.

    إذاً: انظم بنيامين إلى شقيقه يوسف، فلما خرجوا في طريقهم قالوا: كيف نواجه أبانا؟ فقال كبيرهم: قولوا له: ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا، واسأل العير التي كنا فيها.

    قال روبيل: أنا لا أمشي ولا أدخل على وجه أبي ولا أراه، أولاً أضعنا يوسف ثم نضيع بنيامين، فكيف أقابل وجه أبي؟

    دعوني هنا لا أمضي معكم أبداً، ومشوا وواجهوا والدهم، ومن شدة الحزن عمي وغلب البياض على بصره وقال: يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ [يوسف:84-85] تموت أيضاً قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:86].

    ثم أمرهم أن يذهبوا ليتحسسوا خبر يوسف وأخيه، فدخلوا على العزيز وطلبوا منه أن يزودهم بالكيل، ولما أخذ يوسف يستنطقهم قالوا: أأنت يوسف؟

    قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90].

    ثم قال لهم: اذهبوا فائتوا بأبيكم وأمكم وإخوتكم، وجاءوا كلهم في قافلة واحدة واستقبلهم يوسف خارج البلاد، وضم إليه أباه وأمه في خيمته، ثم دخلوا مصر، فلما جلس على أريكة الملك أجلس أباه من هنا وأمه من هنا، وإخوته بين يديهم، وخروا له ساجدين، قال: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100]، ورفع يديه إلى الله: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]. وانتهى القصص.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.