إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أرسل إلى قومه كما أرسل النبيون من قبله، وما كان رسل الله إلا رجالاً ليسوا من أهل البادية، وفي هذا الإخبار منه سبحانه رد على من ينكرون أن يكون الرسول بشراً من الناس، وفي نفس الوقت يبعث سبحانه تحذيراً للمشركين الذين لم يخلصوا إيمانهم لله من أن تغشاهم القيامة بغتة، فلا يشعرون إلا وقت قامت فتعظم عليهم البلية وتشتد عليهم الرزية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ [يوسف:107-109].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن السور المكية -أي: التي نزلت بمكة المكرمة- تعالج العقيدة بأركانها الستة، ومن أبرز ذلك:

    أولاً: تقرير توحيد الله عز وجل، وهو معنى لا إله إلا الله.

    ثانياً: تقرير الوحي وإثباته لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو حقاً رسول الله.

    ثالثاً: الكتاب المنير المنزل القرآن الكريم كلام الله ووحيه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    رابعاً: البعث الآخر.. الحياة الثانية وما يتم فيها من جزاء إما بالنعيم المقيم وإما بالعذاب المهين.

    هذا شأن السور المكية، وسورة يوسف مكية من المكيات.

    وقول ربنا جل ذكره: أَفَأَمِنُوا [يوسف:107] من هؤلاء؟ هؤلاء هم المشركون الكافرون، هؤلاء هم المعرضون عن آيات الله الكونية فلا ينظرون إليها ولا يتدبرون فيها ليؤمنوا أنه لا إله إلا الله.

    هؤلاء المشركون في عبادتهم لربهم؛ إذ تقدم ذكرهم في قوله عز وجل وقوله الحق: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:105-106].

    هؤلاء الأصناف الثلاثة من أمنهم أن يأتيهم عذاب الله بغتة؟ أي: فجأة، فتأتيهم غاشية -واقعة.. حادثة- تغشاهم وتغطيهم من أسفلهم إلى أعلاهم بالعذاب الأليم.

    من أمنهم؟ هل أمنوا؟ والله! ما أمنوا.

    وفي هذا تهديد ووعيد ترجف منه قلوب العقلاء البصراء المؤمنين الموقنين.

    العالم الآن بشركه.. بكفره.. بإعراضه -كما تشاهد- من أمنهم من أن ينزل الله بهم صاعقة في يوم من الأيام؟! أو حرب مدمرة تأتي على الأخضر واليابس؟ غاشية تغشاهم من فوقهم ومن تحتهم؟ من أمنهم؟ هل عندهم صك من الله أنهم آمنون؟

    فلم -إذاً- يواصلون الكفر والشرك والإعراض والكبرياء والظلم والشر والفساد؟

    سلوهم: هل هناك من أمنهم ووعدهم أن لا ينزل بهم عذاب وأن لا تحل بهم نقمة؟ والله! لا أحد.

    إذاً: المفروض أن يرجعوا إلى الحق.. أن يسألوا عن الله وعن أسمائه وصفاته ويعرفوه ثم يفعلوا ما يحبه ويترك ما يكره، وهذا هو سبيل النجاة، هذا طريق سلامتهم.

    أما الإصرار على الكفر والشرك والإلحاد والعناد والظلم والشر والفساد فوالله! إنه ليتوقع أن ينزل بهم العذاب، والآية كافية: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ [يوسف:107] أي: القيامة بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:107].

    واحدة من اثنتين: إما أن ينزل الله بهم العذاب المدمر الذي يكربهم ويحزنهم ويقضي على وجودهم، وإما أن يتركهم ويمهلهم ثم تأتي الساعة أيضاً.. ساعة الفناء ونهاية الحياة والدمار، واحدة من الاثنتين.

    فلم لا يرجعون إلى الحق ويطلبون الهدى ويهتدون؟ لم يصرون على الجهل والكفر والشرك والفساد؟

    هذا خطاب للبشرية كلها: أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ [يوسف:107] مصيبة.. نكبة.. نقمة تغشاهم وتغطيهم من أعلاهم إلى أسفلهم من عذاب الله، وعذاب الله أصناف وأنواع.

    أو تأتيهم الساعة وهي ساعة نهاية هذه الحياة وإقبال الحياة الثانية بغتة أيضاً.. فجأة وهم لا يشعرون، وإذا بالزلزال، وإذا بالشمس تكور، وإذا بالقمر ينطفئ، والهول كله في تلك الساعة.

    هذه دعوة الله عز وجل لعباده من أجل ماذا؟ من أجل أن يؤمنوا به ويعبدوه وحده؛ ليكملوا في حياتهم هذه ويسعدوا؛ إذ -والله- لا كمال ولا سعادة إلا بالإيمان وتقوى الرحمن، أي: بعبادة الله وحده لا شريك له حق العبادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ...)

    ثم قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، قال له: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] التي أدعوكم إليها: أن تؤمنوا بأن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتعملوا بما أمركم الله، وتتركوا ما نهاكم الله عنه؛ إذ هذا نظام الحياة كلها، شرع الله نظام الحياة، وبين الله تعالى ما ينفع وما يضر من النظرة إلى المشية، شريعة الله قانون ونظام أنزله من أجل إسعاد البشرية؛ لتكمل في آدابها وأخلاقها، وتسعد في أبدانها وأرواحها.

    فالخطوة الأولى: يجب أن يؤمنوا بالله رباً لا رب غيره، وإلهاً لا إله سواه، ثم يبحثوا عمن يبلغهم محاب الله ومكارهه، فيرشدوا إلى خاتم الأنبياء.. إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد مات، ولكن بيانه لكتاب الله وتفصيله للشرائع قائم ثابت إلى يوم القيامة.

    يقول تعالى له: قل يا رسولنا: هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] أي: على علم.

    هذه طريقتي: وهي أني أدعو إلى الله لأن يعبد وحده ويطاع فلا يعصى، وإني على بصيرة في ذلك، أي: على علم ومعرفة إلهية، لست داعياً على جهل ولكن على علم.

    أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] كذلك، ولهذا نجد أنفسنا موبخين، لماذا لا ندعو كما كان رسولنا يدعو ونحن ندعي أننا مؤمنون مسلمون؟!

    الرسول أخبر بأمر الله له: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] والذين اتبعوه رضوان الله عليهم قاموا بالدعوة كما كان يدعو، وانتهوا بالإسلام إلى أقصى الشرق وإلى أقصى الغرب، ولكن بعدهم هل نحن داعون؟

    الواجب أن نكون داعين كما كان رسولنا يدعو؛ إذ قال: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، فواجب المؤمن أن يدعو إلى الله عز وجل في حدود طاقته وعلى قدر قدرته، يبدأ بنفسه ثم بمن يليه، وإذا كان مع مشركين.. مع كافرين يدعوهم أيضاً بالكلمة الطيبة والوجه الباش الهاش: لم لا تؤمنون؟ لم لا تعبدون ربكم؟ لم لا تخرجون من هذه الفتنة؟ فيسمعه من أراد الله أن يسمعه، ويستجيب من أراد الله أن يستجيب.

    أما أن يغلق المسلمون باب الدعوة ولا يدعون أبيض ولا أصفر، لا عربي ولا أعجمي؛ فقد خرجوا عن دائرة كونهم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأمته.

    أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] يجب أن تكون الدعوة على علم.

    ومن هنا يجب على كل مؤمن أن يكون عالماً، إي والله، طلب العلم فريضة على كل مسلم، فأنت تدعو الناس إلى الجنة وأنت لا تعرف الجنة، فكيف تصفها لهم؟! تدعوهم إلى طاعة الله وأنت لا تعرف ما هي طاعة الله وبم تكون طاعة الله؟!

    فلا بد من العلم الضروري، فإذا قلت: اشهدوا أنه لا إله إلا الله؛ تبين لهم أن هذا الكون من خلقه؟ من أوجده؟ فإن قالوا: ما ندري. فقل: إذاً: الله هو الخالق الموجد.

    هل يحب أشياء ويكره أخرى؟ نعم. يحب الحق ويكره الباطل.. وهكذا تعلمهم.

    فلا بد من العلم فتعرف ما يحب وما يكره من الأقوال والأفعال والصفات والذوات، فتحببهم فيما يحب وتبغضهم فيما يكره، وتلك هي دعوة الله عز وجل لعباده المؤمنين ودعوة المؤمنين لعبادة ربهم.

    قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] فكل من اتبع رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم ومشى وراءه وآمن واتقى يجب أن يدعو إلى ما كان يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولا تفهم أنه لا بد أن تطير في الشرق والغرب، بل ابدأ بنفسك وبأولادك وأسرتك وإخوانك وجيرانك ومن معك فادعهم بما كان يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فمن ارتكب منكراً فقل له: هذا لا يحل لك ولا يجوز، من ترك واجباً قل له: لا يحل أن تترك هذا أبداً، افعله فتكون قد أديت ما أوجب الله عليك.

    وصدق الله في قوله: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] فأنت ممن اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: (وسبحان الله وما أنا من المشركين)

    قوله تعالى: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] وأقدس ربي وأنزهه عن كل النقائص.. عن الإلهية لغيره.. عن الشرك به، عن كل المفاسد.

    أسبح ربي: أي: أقدسه وأنزهه أولاً عن الشريك والولد؛ حيث تورط المشركون في الشريك والنصارى واليهود في الولد.

    وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] أعلن براءته صلى الله عليه وسلم من المشركين، لا يحبهم، ولا يمشي وراءهم، ولا يقبل آراءهم، وقد ردها كاملة؛ لأنه بريء من المشركين.

    من هم المشركون؟ الذين يؤمنون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت بيده كل شيء وإليه مصير كل شيء ويزين لهم الشيطان عبادة غيره فيعبدونه معه.

    حكم صرف نوع من أنواع العبادة لغير الله

    بالأمس بينا أن المسلمين الجهلة والجاهلات يدعون غير الله، يذبحون لغير الله، ينذرون النذور لغير الله، يحلفون بغير الله، وذهبنا إلى أبعد من هذا، وذلك في الذي يقول: سأفعل ولا يقول: إن شاء الله، أيضاً أشرك وهو لا يدري.

    والشرك شرك أصغر وأكبر، وعلينا أن ننزه نفوسنا من الشرك وأن نبعدها من ساحته.

    كم مرة أقول لكم: الرجل يذكر الله والمسبحة في يده: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، فتأخذه غفوة من نوم فتسقط المسبحة من يده فيقول: يا رسول الله!

    كيف هذا؟! هو يذكر الله: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، فتسقط المسبحة فيقول: يا سيدي عبد القادر!

    وهذا هو الشرك الأكبر، وقد تورطت فيه أمة الإسلام بعد أن انحطت من سمائها وعليائها وهبطت إلى الأرض فانتشر فيهم الشرك، يعبدون القبور.

    والآن هناك نوع من البصيرة ونوع من الهداية، ومع هذا فهم -والله- لموجودون أيضاً، لو ابتعد العسكر عن الروضة الشريفة وعن القبر الشريف لرأيت من يسجد ويخر ساجداً عند القبر، أما الصياح والدعاء: يا رسول الله.. يا كذا؛ فلا تسأل.

    لم؟ لأنهم ما عرفوا.. ما علموا، ما علموهم وما عرفوهم.

    إذاً: ينبغي أن نتبرأ من المشركين، فكيف نكون معهم؟ كيف نحبهم؟ كيف نواليهم والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له ربه: قل: وما أنا من المشركين؟ من أمره بهذا؟ الله. قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، وقل: وَسُبْحَانَ اللَّهِ [يوسف:108] وقل: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] أنا لا أعبد إلا الله رب العالمين، فلا أعتقد أن هناك من يعطي أو يمنع أو يضر أو ينفع إلا الله عز وجل، الهج بهذه العقيدة: لا إله إلا الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109] لأن المشركين قالوا: كيف يكون بشر رسولاً؟! إنسان آدمي مثلنا يكون رسولاً؟!

    يريدون أن يكون ملكاً أو جنياً! هذه تغنوا بها ولهجوا بها وقالوها: كيف يكون رسول الله بشراً مثلنا؟

    فأكذبهم الله عز وجل وأقر هذه الحقيقة فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ [يوسف:109] من آدم إلى عيسى ابن مريم من أنبياء ورسل إلا رجالاً، فكيف ينكر عليك أن تكون رجلاً؟ هل بعث الله امرأة وأرسلها؟

    الجواب: لا. كيف إذاً يجوز لهم أن يقولوا: كيف نمشي وراء إنسان مثلنا، فلو أرسل الله ملكاً من الملائكة؟!

    فأبطل الله هذه العقيدة الفاسدة وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109] أي: من أهل العواصم والحواضر والمدن، لا من أهل البوادي والصحارى؛ لأن أهل الحواضر والعواصم والمدن أعقل وأفضل وأفهم من أهل البادية، فأهل البادية جهال وضلال لا يفهمون ولا يقبلون.

    بطلان حديث: (إن في النساء نبيات ... )

    هنا لطيفة: ورد حديث ضعيف باطل: ( إن في النساء نبيات، وهن حواء ) أم البشر ( وآسية بنت مزاحم ) امرأة فرعون ( وأم موسى ) التي أوحى الله إليها أن ألقيه في البحر ( ومريم بنت عمران )، وهذا الحديث باطل؛ فما أرسل الله رسولاً إلا رجلاً، ما أرسل امرأة إلى قوم أبداً.

    وكونه سبحانه يلهم بعض من شاء كما ألهم مريم .. كما ألهم أم موسى.. كما ألهم آسية فهو ذلك الإلقاء في قلوبهن عن الله، فيفهمن، لكنه ما بعثهن رسولات يبلغن دعوته إلى البشر، ما كان هذا أبداً.

    لماذا؟ لضعف المرأة حسب خلقة الله تعالى لها، ليست أهلاً لأن تبلغ دعوة الله، فهي ناقصة.

    معنى قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً)

    قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف:109] وقد عرفنا أن الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، أما الأنبياء فمائة وأربعة وعشرون ألف نبي، ما فيهم امرأة أبداً.

    وقوله: مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109] لماذا قال: من أهل القرى؟ لأن الحواضر أهلها أذكى وأقدر على أن يفهموا ويعملوا، أما أهل البادية فحالتهم ضعيفة، ما يستطيعون.

    يقول لرسوله: قل لهم: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [يوسف:109] كيف كانت عاقبة قوم عاد؟ ريح صرصر عاتية دمرتهم وقضت على وجودهم، وصيحة قوم صالح ثمود في الشمال قضت عليهم ونجى الله المؤمنين فقط.

    وهكذا فليمشوا في القرى والعواصم وليشاهدوا، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [يوسف:109] كانت دماراً وخراباً وهلاكاً وفناءً.

    معنى قوله تعالى: (ولدار الآخرة خير للذين اتقوا)

    وأخيراً يقول تعالى: وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ [يوسف:109] والله! لخير، دار الآخرة خير؛ لأنها دار الخلد والبقاء، ليس فيها هرم ولا كبر، ليس فيها ضعف ولا عجز، ليس فيها موت ولا مرض، ليس فيها فقر ولا حاجة، ليس فيها ذل ولا مسكنة.. دار الآخرة دار الخلد والبقاء، يعني بذلك الجنة، الجنة هي دار الآخرة خير بألف مليون مرة من هذه الدار ولو كنت غنياً ثرياً عزيزاً كريماً، مهما كان فسوف تمرض وتموت أو تكبر وتعجز وتصبح لا تقوى حتى على المشي.

    إذاً: يا عقلاء! اطلبوا الدار الآخرة فهي خير؛ لأن هذه الدار فانية وزائلة ولا قيمة لها.

    وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ [يوسف:109] خير لمن؟ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [يوسف:109] اتقوا من؟ الله عز وجل. وكيف يتقونه؟

    نضرب مثلاً: البرد بم تتقونه؟ بالملابس الدافئة والمدفئات. والجوع بم تتقونه؟ بالطعام، وهكذا.

    والله عز وجل بم نتقيه؟ بطاعته فيما أمر به من الإيمان وصالح الأعمال، وفيما نهى عنه من الشرك وفاسد الأعمال والأقوال، الله ما يتقى عذابه ولا نقمه ولا بلاؤه أبداً إلا بطاعته، وذلك بعد الإيمان به وبكتابه ورسوله ثم بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه.

    معنى قوله تعالى: (أفلا تعقلون)

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    تأملوا شرح هذه الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق ] سياق الحديث [ في الدعوة إلى الإيمان بالوحي الإِلهي والتوحيد والبعث والجزاء، وهي أركان الدين العظمى ]، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث حق، وأن الجزاء حق، هذه أركان هذه الدعوة.

    [ فقال تعالى: أفأمن هؤلاء المشركون والذين لا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، والذين يمرون بالكثير من آيات الله وهم معرضون؛ أفأمن هؤلاء أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ [يوسف:107]؟ أي: عقوبة من عذاب تغشاهم وتجللهم بالعذاب الذي لا يطاق. أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ [يوسف:107] أي: القيامة بَغْتَةً [يوسف:107] أي: فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:107]، وهم لا يشعرون بوقت مجيئها، فتعظم البلية وتشتد عليهم الرزية.

    وكيف يأمنون؟ وهل يوجد من يؤمنهم غير الله تعالى؟ فما لهم -إذاً- لا يؤمنون ولا يتقون حتى ينجوا مما يتوقع لهم؟ هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    أما الثانية فقد أمر الله تعالى رسوله ] محمداً صلى الله عليه وسلم [ أن يواصل دعوته دعوة الخير هو والمؤمنون معه، فقال: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي [يوسف:108] أي: قل أيها الرسول للناس؛ قل للناس: هذه سبيلي، أي: طريقتي في دعوتي إلى ربي بأن يؤمن به ويعبد وحده دون سواه.

    أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] أي: على علم يقين بمن أدعو إليه، وبما أدعو به، وبالنتائج المترتبة على هذه الدعوة من سعادة أو شقاء.

    أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] من المؤمنين، كلنا ندعو إلى الله على بصيرة ]، كلنا ندعو إلى الله ليعبد وحده ويطاع فلا يعصى، (على بصيرة) أي: على علم ومعرفة.

    [ وقوله تعالى: وَسُبْحَانَ اللَّهِ [يوسف:108] أي: وقل يا رسولنا: سبحان الله، أي: تنزيهاً له عن أن يكون له شريك أو ولد، وقل كذلك معلناً براءتك من الشرك والمشركين: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79] هذا ما دلت عليه الآية الثانية.

    أما الآية الثالثة فإن الله تعالى يخبر رسوله بأنه ما أرسل من قبله من الرسل -وهم كثر- إلا رجالاً، أي: لا نساء ولا ملائكة ] ولا جن، [ نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109] أي: الأمصار والمدن. وهذا إبطال لإِنكارهم أن يكون الرسول رجلاً من الناس.

    وقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا [يوسف:109] أي: هؤلاء المكذبون من قريش وغيرهم فِي الأَرْضِ [يوسف:109] للاعتبار فَيَنْظُرُوا [يوسف:109] كيف كان عاقبة من سبقهم من الأمم كعاد وثمود، فإنا أهلكناهم ونجينا أهل الإيمان والتوحيد من بينهم مع رسلهم، هذه النجاة ثمرة من ثمرات الإيمان والتقوى، وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [يوسف:109] فإنها دار النعيم المقيم والسلامة من الآهات والعاهات والكبر والهرم والموت والفناء.

    وقوله تعالى في نهاية الآية: أَفَلا تَعْقِلُونَ [يوسف:109] يوبخ أولئك المشركين المصرين على التكذيب والشرك على عدم تعقلهم وتفهمهم لما يتلى عليهم وما يسمعون من الآيات القرآنية وما يشاهدون من الآيات الكونية ]، هذا كلام الله.. هذا كتاب الله.

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [هداية الآيات] إذ لكل آية هداية تهدي صاحبها إلى الصراط المستقيم.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: التحذير من العقوبات المترتبة على الشرك والمعاصي ]، أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:107].

    إذاً: هداية الآية الأولى: [ التحذير من العقوبات المترتبة على الشرك والمعاصي ]، وإننا لنتوقع أن تنزل بالبشرية محنة.. مصيبة.. عذاب ما عرفوه؛ وذلك لإصرارهم على الشرك والإلحاد والكفر والشر والفساد والخبث مدة طويلة، وما فكروا ولا تدبروا ولا تراجعوا، فهل يبقيهم الله هكذا؟ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:132]، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.

    [ ثانياً: تقرير عقيدة البعث الآخر ]، تقرير وإثبات وتأكيد أن اليوم الآخر يوم القيامة آت لا محالة، وأن الجزاء يتم فيه، فإن كان العامل عمل خيراً أسكنه الله جنته، وإن كان عمل سوء أنزله دار البوار جهنم وبئس القرار.

    [ تقرير عقيدة البعث الآخر ]، وأركان الإيمان ستة، من بينها: الإيمان باليوم الآخر، فالذي لا يؤمن باليوم الآخر يستحيل أن يستقيم في هذه الحياة.

    لو تجعل بين يديه شرطيان طول العام فوالله! لا يطيع الله، فحيثما وجد الفرصة يعصي، لماذا؟ لأنه لا يؤمن بلقاء الله ولا بالجزاء على عمله في هذه الدنيا.

    أعظم أركان الإيمان الستة ركنان: أولهما: الإيمان بالله عز وجل، والملاحدة والفلاسفة الذين لا يؤمنون بالله والله! لن يستقيموا على منهج الحق في هذه الدنيا.

    والركن الثاني: الإيمان بالبعث الآخر بيوم القيامة، فالشخص الذي لا يؤمن بأنه يحاسب ويجزى على عمله والله! لا يستقيم، وإن استقام بالتهديد والخوف فعندما يجد فرصة يعود إلى الباطل والشر والفساد.

    ولا تفهم أبداً أن شخصاً لا يؤمن بلقاء الله.. بالحساب والجزاء وتريد أن تهديه ويستقيم فلا يكذب ولا يسرق ولا يفجر، والله! ما كان ولن يكون.

    [ ثالثاً: تعين الدعوة إلى الله تعالى على كل مؤمن تابع للرسول صلى الله عليه وسلم ]، كل مؤمن ومؤمنة تابع للرسول يمشي وراءه على شرعه ودينه عليه أن يدعو إلى الله، وقد بينا لكم أنه يبدأ بنفسه يدعوها إلى الله ثم بمن حوله ثم بمن يلاقي ثم بمن يقدر على أن يبلغه، لا بد أن يراك الله تدعو كما كان الرسول يدعو؛ إذ أثنى تعالى عليك في ذلك وقال: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108].

    [ تعين الدعوة إلى الله تعالى على كل مؤمن ]، فإن كان ابنك لا يصلي فكيف تسكت؟! ابنك يبيت في الشوارع يفسق ويفجر فكيف تسكت؟! أين دعوتك؟ زوجتك تتطاول وترفع رأسها وتكشف عن وجهها وتخرج للشوارع فأين أنت؟

    ادع، لا بد أن ندعو إلى الله كما دعا رسولنا صلى الله عليه وسلم، وإن قدرنا على أن ندعو المشركين والكافرين فذلك أمر أعظم، لكن الذي في طاقتنا أن ندعو أنفسنا ومن يلينا ومن نقدر على دعوته، فقد قال: أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] إذا قلت: أنا لا أتبع محمداً؛ فحينئذ لا تطالب أبداً.

    قال: [ رابعاً: تعين العلم اليقيني للداعي إلى الله؛ إذ هو البصيرة المذكورة في الآية ].

    حين تدعو ولدك إلى الصلاة تكون على علم بأن الصلاة فريضة.. قاعدة في الإسلام، صلة العبد بربه، وتاركها كافر، تاركها لا خير فيه، وتعرف كيف تتوضأ.. كيف تغتسل.. كيف تصلي، وتدعو كذلك.

    لا بد من البصيرة، تدعوه إلى أن يصوم وتبين له أن الصوم قاعدة في الإسلام، وأنه يزكي النفس ويطهرها، وأنه وأنه؛ حتى يصوم على علم.

    [ تعين العلم اليقيني للداعي إلى الله؛ إذ هو البصيرة المذكورة في الآية الكريمة] أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108].

    [ خامساً: وجوب توحيد الله تعالى ] أولاً [ في ألوهيته ] فلا يعبد معه غيره، [ وفي ربوبيته ] ثانياً، بأن لا يكون معه خالق ولا رازق ولا مدبر ولا كائن، يعطي ويمنع، [ وفي أسمائه وصفاته ] يوحد في ذلك كله.

    توحيده في العبادة فلا يعبد معه غيره ولو بكلمة فقط.. كلمة واحدة، وتوحيده في ربوبيته بألا تعتقد أن هناك من يحيي أو يميت أو يعطي أو يمنع أو يضر أو ينفع في الكون كله سواه تعالى.

    وتوحيده في أسمائه وصفاته، أسماء الله وصفاته تثبتها وتقولها كما هي، فلا توؤل ولا تحرف ولا تزيد ولا تنقص.

    [ سادساً: الرسالة من خصوصيات الرجال، وليس في النساء رسولة ].

    عرفتم أربع نسوة قالوا عنهن أنهن نبيات، من هن؟ حواء وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وأم موسى عليه السلام ومريم، وهذا الحديث موضوع وما هو بصحيح؛ لأنه يتعارض مع هذه الآية، قال تعالى: إِلَّا رِجَالًا [يوسف:109] بهذه الصيغة.

    إذاً: الرسالة من خصوصيات الرجال وليس في النسوة أو في النساء رسولة بعثها الله إلى قرية أو إلى أمة تعلمها.

    [ سابعاً: بيان ثمرات التوحيد والتقوى في الدنيا والآخرة ] أي: الجنة دار السلام.

    ففي الدنيا العز والكرامة والطهر والصفاء، وذهاب الخوف والحزن من أهل التوحيد.

    والله تعالى أسأل أن نكون منهم وأن يحشرنا في زمرتهم.

    1.   

    دعاء

    معاشر المؤمنين! بلغنا أن سماحة الشيخ عطية أحد مدرسي المسجد النبوي مريض في المستشفى، وأمس كلمنا أحد الطلبة وطلب منا أن ندعو لمريضة ونسينا، فهيا لندعو الله لهما ولكل مريض ومريضة في المؤمنين:

    اللهم يا حي يا قيوم! يا بديع السماوات والأرض! يا مالك الملك! يا ذا الجلال والإكرام! هذه أكفنا قد رفعناها إليك سائلين ضارعين، فاكشف اللهم ضر عبدك عطية يا ألله، ونجه مما ألم به.

    واكشف ضر هذه المؤمنة التي طلب أحدهم أن ندعو لها، واكشف ضر كل مؤمن ومؤمنة بيننا وفينا وفي بيوتنا.

    اللهم اكشف ضرنا واشفنا بشفائك الذي لا يغادر سقماً.

    اللهم اشف كل مؤمن ومؤمنة، واشفنا ظاهراً وباطناً، وطهرنا يا ربنا، وزكنا أنت خير من يزكي يا رب العالمين.

    واختم لنا بخاتمة السعادة يا رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.