إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما جاء يوسف عليه السلام إلى أبيه يعقوب قاصاً عليه تفاصيل الرؤيا التي رآها في منامه، عرف يعقوب عليه السلام أن هذه الرؤيا ستكون نقطة تحول في حياة ابنه يوسف، فأمره ألا يقص هذه الرؤيا على أحد من إخوته، ولا حتى شقيقه بنيامين، وذلك خوفاً من أن يدخل الشيطان فيسول لإخوته أن ينالوه بأذى أو ضرر، وعلم عليه السلام أن منتهى هذه الرؤيا أن ابنه يوسف سيكون نبياً في يوم من الأيام، كما كان حال أبيه يعقوب، وجده إسحاق وجده الأعلى إبراهيم عليهم السلام جميعاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع فاتحة سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، تلكم السورة التي حوت أحداث أربعين سنة.

    تلكم السورة التي نزلت مرة واحدة بكاملها على الحبيب صلى الله عليه وسلم، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات الثلاث ثم نتدارسها بعد ذلك، والله نسأل أن يفتح علينا وأن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:4-6].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ [يوسف:4] أي: اذكر يا رسولنا والمبلغ عنا، اذكر إذ قال يوسف لأبيه وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، اسمه يعقوب ويلقب بإسرائيل.

    اذكر إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ [يوسف:4] والأصل: (يا أبي)، فحذفت الياء واستبدلت بالتاء، ولا يجوز الجمع بينهما، فلا تقل: (يا أبتي) بل قل: (يا أبتِ)، أما أن تجمع بين الياء والتاء فلا ينبغي، فإما أن تقول: (يا أبي) أو (يا أبتِ).

    يَا أَبَتِ [يوسف:4] ناداه ليلفت نظره إليه وليصغي إليه ليعلمه ما يلي: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4].

    أنواع الرؤيا

    والرؤيا هنا رؤيا منامية، والكلام على الرؤى المنامية كثير، وأحسن ما أفيدكم به: أن الرؤى ثلاثة أنواع:

    الأول: رؤيا من تهاويل الشيطان ليحزن المؤمن ويكربه، وهذا هم الشيطان.

    الثاني: ما اهتم به الإنسان في يقظته في يومه فيراه في منامه، الشئون والأمور التي يهتم بها طول نهاره إذا نام تعرض عليه ويراها.

    الثالث: رؤيا من الرحمن عز وجل، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.

    وأما تعبير الرؤى فقد سئل مالك رحمه الله عمن يعبر الرؤى ويقول فيها بدون علم، فقال في الرد على من سأل: أبالنبوة تلعب؟!

    ومعنى هذا: أنه ليس لكل أحد أن يعبر الرؤيا ويفسرها، بل لهذا أفراد خصوصيون يوجدون هنا وهناك، وقد ظهر في الأمة في السلف الصالح الحسن البصري كان يعبر الرؤى، والحبيب صلى الله عليه وسلم كان يجلس بعد صلاة الصبح ويقول: ( من رأى منكم رؤيا فليقصها ) ويعبرها له.

    ذكر الآداب التي تلزم من رأى رؤيا

    والذي يرى رؤيا كيف يصنع؟

    الجواب: إن كان فيها خير وانشراح صدر وطيب نفس فله أن يقصها على من يحب من إخوانه، وإن كان فيها مكروه فلا يعبرها ولا يقصها حتى لا تقع، فقد قالوا: الرؤيا على رجل طائر متى عبرتها وقعت. فاتركها إذاً.

    ومن رأى رؤيا أساءته فإنه يستعيذ بالله عز وجل وينفث عن يساره ويقول: أعوذ بالله من شر ما رأيت في رؤياي أن يضرني في ديني ودنياي. ثلاث مرات.

    ولا يعبرها ولا يعرضها على أحد، بل ينفث عن يساره بعدما يستيقظ من نومه ويقول: أعوذ بالله من شر ما رأيت في رؤياي أن يضرني في ديني ودنياي. وإن شاء الله لا تضره ما دام لجأ إلى الله بصدق واستعاذ بجنابه؛ فإن الله يحفظه منها ولا تضره.

    فهذا يوسف الكريم ابن الكريم والصديق ابن الصديق يرى رؤيا فيقول لوالده يعقوب عليه السلام: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4] أي: رأى ذلك في المنام.

    وأما الأحد عشر كوكباً فهم إخوته؛ لأن أولاد يعقوب اثنا عشر ولداً، أحد عشر منهم أبوهم يعقوب وأمهاتهم تختلف، وبنيامين ويوسف أمهما واحدة، فقال: أحد عشر كوكباً. يعني: إخوته الأحد عشر، وهو لا يدخل في هذا لأنه صاحب الرؤيا، رأى أحد عشر كوكباً، والكوكب معروف في السماء منير ومشرق، ورأى الشمس والقمر، رأى الكل ساجدين على الأرض، ساجدين ليوسف وهو غلام في الثانية عشرة وأقل، رؤيا عجب!

    وتمضي أربعون سنة وتتمثل الرؤيا على واقعها، وبعد تلك الأحداث الجسام والابتلاءات العظام يجمع الله شمل يوسف بأبويه وإخوته ويسجد الكل ليوسف، ثم لما خروا له ساجدين قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    متى قال هذا؟ لما جلس على أريكة الملك وحكم الديار المصرية وجمع الله شمله بأهله وسجد له أبواه وإخوته، حينها تاقت نفسه إلى الملكوت الأعلى، فرغ من الدنيا، وستمر بنا أحداث عاناها معاناة قل من يصبر على ذلك ويستطيعه.

    أيها المؤمنون والمؤمنات! هذه السورة عجب، فهي تشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله! إن محمداً لرسول الله، فكيف لا يكون رسول الله وهذا الوحي الإلهي ينزل عليه؟!

    كيف لا يكون رسول الله وهو يرتل هذه السورة العجب العظيمة بكل أحداثها وهو لا يقرأ ولا يكتب، وما استطاع اليهود أن يردوا مسألة واحدة من هذه الحوادث؟!

    قولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله! لا إله إلا الله الذي أنزل هذا الكتاب على هذا الرسول، فلا إله إلا الله محمد رسول الله!

    حكم السجود لغير الله تعالى

    السجود لله رب العالمين، فلا يحل لأحد أن يسجد لأحد، لا لأمه ولا لأبيه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، ولكن لا سجود إلا لله.

    والسجود ليس معناه دائماً وضع الجبهة والأنف على الأرض، بل الانحناء والانكسار، والعرب تقول: سجد البعير إذا برك على ركبتيه، لا أنه وضع جبهته على الأرض، فلهذا سجود الشمس والقمر والكواكب ليس معناه أنها وضعت جباهها وخرت ساجدة بين يديه.

    وهنا أحذر الأبناء أن يسجد أحد لأحد، حتى إذا رأينا بعض العساكر يسجدون لرؤسائهم لا نسجد أبداً.

    ومن اللطائف التي أنعم الله بها علينا ووفقنا لها: أن الجندي عندنا يقف للتحية بحزم، فقلنا: أضيفوا إليها (السلام عليكم)، أما بدون سلام هكذا فهذا تشبه بالكافرين، واستجاب الأمير سلطان بن عبد العزيز حفظه الله وأطال في عمره، وأصدر أمره لرجاله أنه لا يسلم جندي على رئيس ولا جندي إلا بالسلام عليكم، تحية الإسلام، أما تحية الانحناء والانكسار فلا، ولكنه يوجد في بعض البلاد، ولا يصح السجود إلا لله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً ...)

    إذاً: بم أجاب يعقوب ولده؟ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5].

    (يا بني) أي: يا ولدي، و(بني) تصغير (ابن)، قال: يا (بني) أي: يا ولدي، لكن من باب التدليل والإكرام وإظهار الحب والعاطفة صغر وقال: (يا بني) يا محبوب.

    يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ [يوسف:5] لا تقصص هذه الرؤيا التي رأيتها أبداً على إخوتك لا بنيامين ولا غير بنيامين، وذلك لفقه يعقوب، وكيف لا وهو رسول الله؟ وذلك لعلمه ومعرفته أنه لو قصها لدخل الشيطان في قلوب إخوانه وكادوا ومكروا به فيحملهم على ذلك الحسد، والشيطان هو الذي يزين لهم هذا كما زين لحواء وآدم الأكل من الشجرة فأخرجهما من الجنة.

    إذاً: من باب رعاية الابن والمحافظة عليه وأنه ولده وثمرة فؤاده قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:5] أي: لا تقصها حادثة بعد حادثة، لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ [يوسف:5] الرؤيا بالألف غير الرؤية بالتاء، رآى يرى رؤية بالعين، ورآه يراه رؤيا بالقلب بالألف لا بالتاء، فالرؤية بالعين، وأما الرؤيا فبالقلب في المنام.

    لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:5] وإخوته أحد عشر أخاً منهم شقيقه بنيامين، فأمهما واحدة، والباقون أمهاتهم شتى، والعجب أن كل هؤلاء الإخوة سيصبحون أنبياء يعبدون الله ويدعون إلى عبادته، عجائب القضاء والقدر في هذه السورة العجب!

    لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] كاد له: إذا مكر به.. إذا دبر له ما يؤذيه بكلمة أو بغيرها.

    فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] أي: إن أنت قصصت عليهم سيتعجبون منها ويندهشون! كيف يرى أبانا وأمنا ويرانا ساجدين له؟! وسيقولون: هذا سيكون ذا شأن كذا كذا، ويزين الشيطان لهم: هيا دبروا له وأبعدوه، وقد فعلوا، فصدق يعقوب فيما قال.

    فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] وعلل لذلك بقوله: إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5] أي: ظاهر العداوة بينها لا يشك في هذا إنسان، وحسبنا أنه أخرج أبوينا من دار السلام، زين لهما الأكل من الشجرة فأكلا فلم يصبحا أهلاً لدار السلام فأخرجا منها، وهو ما زال إلى الآن يعمل ليل نهار بجيشه وذريته وجنوده على إفساد بني آدم رجالاً ونساءً حتى لا ينجو أحد منهم ولا يدخل الجنة أحد، فقد قال يخاطب ربه: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث...)

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6] كما أراك هذه الرؤيا وفيها العجب يجتبيك ويصطفيك وينتقيك ويجعلك من أهل الوحي والنبوة والكتاب والرسالة.

    وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف:6] قال العلماء: بالنبوة والرسالة.

    وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ [يوسف:6] أي: يصطفيك وينتخبك ويختارك هكذا كما أراك الرؤيا في المنام.

    وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6] فأصبح يعبر ولا يخطئ أبداً في تعبير الرؤى، وسيأتي معنا رؤيا أصحاب السجن، كان معه رفاق في السجن فعبر رؤياهم فكانت كما عبر، وعبر رؤيا لملك مصر فكانت كما عبر، وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف:6] وهي الرسالة والنبوة.

    وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6] عرفنا تأويل الأحاديث وأنه يفسر الرؤى ويعبرها فتكون كما كان كما سيأتي معنا في ثنايا السورة.

    وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف:6] بالنبوة والرسالة والملك والسيادة والسلطان والطهر والصفاء.

    وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ [يوسف:6] إخوته أصبحوا أنبياء وملوكاً ورؤساء.

    كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:6] من أبواه؟ إسحاق أبوه الحق، وإبراهيم جده، فأبواه: أبوه وجده، أبوه هو إسحاق بن إبراهيم، وجده هو إبراهيم عليهم السلام.

    كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:6] فنبأهما.. أرسلهما.. فضلهما.. كل الكمالات أغدقها عليهما، وذلك لأن ربك عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6] عليم بخلقه، حكيم في تصريفه وتصرفه، يضع الخير حيث أهله ويضع الشر حيث أهله، يعطي ويمنع لعلم وحكمة؛ لأنه عليم حكيم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب:

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: إِذْ قَالَ يُوسُفُ [يوسف:4] هذا بداية القصص.

    أي: أذكر أيها الرسول إذ قال يوسف بن يعقوب لأبيه يعقوب: يَا أَبَتِ [يوسف:4] أي: يا أبي إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا [يوسف:4] أي: من كواكب السماء وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4]، أي: نزلوا من السماء وسجدوا له تحية وتعظيماً.

    وسيظهر تأويل هذه الرؤيا بعد أربعين سنة، حيث يجمع الله شمله بأبويه وإخوته الأحد عشر ويسجد الكل له تحية وتعظيماً.

    وقوله تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ [يوسف:5] أي: قال يعقوب لولده يوسف: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:5] وهم إخوة له من أبيه دون أمه، فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5] أي: يحملهم الحسد على أن يكيدوك بما يضرك بطاعتهم للشيطان حين يغريهم ويحرشهم بك.

    إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يوسف:5] إذ أخرج آدم وحواء من الجنة بتزيينه لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عن الأكل منها ]، زينها وحسنها فقال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طه:120] هذه من كلماته.

    [ وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ [يوسف:6] وكما أراك ربك الكواكب والشمس والقمر ساجدين لك (يجتبيك) أي: يصطفيك له لتكون من عباده المخلصين.

    وقوله: وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6] أي: ويعلمك معرفة ما يئول إليه أحاديث الناس ورؤياهم المنامية.

    وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [يوسف:6] بالنبوة وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ [يوسف:6] أي: أولاده الاثني عشر كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ [يوسف:6]، إسحاق جد يوسف الأدنى وإبراهيم جده الأعلى، حيث أنعم عليهما بإنعامات كبيرة أعظمها: النبوة والرسالة.

    وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ [يوسف:6] أي: بخلقه حَكِيمٌ [يوسف:6] أي: بتدبيره، فيضع كل شيء في موضعه فيكرم من هو أهل للإكرام ويحرم من هو أهل للحرمان لعلمه وحكمته.

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: ثبوت الرؤيا شرعاً، ومشروعية تعبيرها] ثبوت الرؤيا شرعاً، وجواز تعبيرها، وقد أخذنا هذا من قوله: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [يوسف:4] وقد فسرنا وقلنا: الرؤى ثلاثة أنواع: رؤى حلم من الشيطان.. فتنة، ورؤى أحداث الإنسان في يومه، ورؤى من الرحمن عز وجل، وهي جزء من الستة والأربعين جزءاً من النبوة.

    وقال مالك : أبالنبوة يلعب؟ يعني: لا يجوز لأي إنسان أن يعبر الرؤى بدون علم ولا بصيرة؛ لأنها كالوحي، فكيف يلعب بها؟!

    [ ثانياً: قد تتأخر الرؤيا فلا يظهر مصداقها إلا بعد السنين العديدة]، قد ترى الليلة رؤيا ولا يظهر تعبيرها إلا بعد عشرين سنة، أو عشر سنين أو أقل أو أكثر؛ لأن رؤيا يوسف هذه ظهرت بعد أربعين سنة، لما خروا ساجدين بين يديه في مصر بعد أحداث أربعين سنة، فقد تتأخر الرؤيا ولا يظهر مصداقها إلا بعد السنين العديدة.

    [ ثالثاً: مشروعية الحذر والأخذ بالحيطة في الأمور الهامة ]، وقد أخذنا هذا من قوله: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ [يوسف:5] من باب الحذر والاحتياط خشية أن يقص عليهم القصة فيطيشون ويأخذون يمكرون به.

    إذاً: مشروعية الحذر في الحياة كلها والأخذ بالحيطة في الأمور الهامة، أما في التوافه فلا قيمة لها، ولكن في أمر هام يجب أن تكون حذراً محتاطاً فيه، وهذا شأن المؤمنين العالمين العارفين.

    [ رابعاً: بيان إفضال الله على آل إبراهيم بما أنعم عليهم، فجعلهم أنبياء آباء وأبناءً وإخواناً وأحفاداً].

    هذا إنعام، فقد جعلهم أنبياء آباء وأبناء وأحفاداً، كلهم أنبياء، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فسلوه من فضله يعطكم، وإياكم أن يحرمكم الشيطان من الدعاء، فادعوا الله واسألوه فإنه يهب ما يشاء لمن يشاء، فاللهم هب لنا رحمتك ولطفك وإحسانك.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.