إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أعلن عن سرقة صاع الملك وأوقفت القافلة للتفتيش أخذ إخوة يوسف يدافعون عن أنفسهم، وأنهم لم يأتوا للسرقة ولا للإفساد، وإنما جاءوا للتجارة والميرة، فسئلوا عند ذلك عن حكم السارق في شريعتهم، فأخبروا أنه يصير عبداً للمسروق، فأخذ يوسف يفتش أوعيتهم الواحد تلو الآخر حتى استخرج الصواع من متاع أخيه بنيامين، فاستحق أن يأخذه بناء على شريعة الكنعانيين، وهذا تدبير الله العزيز الحكيم ليوسف الصديق ليستبقي أخاه عنده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:73-76].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73].

    قول من هذا؟ قول إخوة يوسف العشرة، إذ بنيامين ويوسف ليسا في هذه القضية.

    وتذكرون أنه لما خلا يوسف بأخيه وشقيقه بنيامين أعلمه أنه سيدبر لإبقائه عنده؛ وذلك بأن يضع صواعه في رحله، وبالفعل وضع صواعه أو سقايته أو مكياله في رحل أخيه بنيامين، وفي الصباح أذن مؤذن: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ [يوسف:70-71]، أي شيء فقدموه وضاع منكم؟ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ [يوسف:72] مكيال الملك الذي يكيل به، والملك الآن يوسف، وقبله كان ملك مصر الريان بن الوليد .

    قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72]، جائزة وجعالة تجعل لمن يأتي به، يعطى حمل بعير من البر.

    وقال القائل: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72] أي: ضامن وكافل، لابد أن يعطى هذا القدر، إذاً: فبم أجاب إخوة يوسف وهم في المواجهة؟

    قَالُوا تَاللَّهِ [يوسف:73] أي: والله، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ [يوسف:73]، والإفساد في الأرض بم يكون؟ هل بهدم المباني؟ بإفساد الطرق؟ بتحطيم الجسور؟ بم يكون الفساد في الأرض؟

    يكون الفساد في الأرض بمعصية الله تعالى فيما أمر بفعله، وفيما نهى عن فعله؛ وذلك يشمل كل خير، فأمر الله تعالى يشمل كل خير في هذه الحياة، إذ ما أمر إلا بما فيه خير الإنسانية وسعادتها وكمالها، ولا نهى عن شيء إلا لأنه ضار بالإنسانية ومفسد لها.

    إذاً: فالإفساد في الأرض يكون بارتكاب الذنوب وغشيان المعاصي، وكل مرتكب للآثام والذنوب هو مفسد في الأرض؛ فالزاني مفسد.. المقامر مفسد.. المرابي مفسد.. الكذاب مفسد.. المخادع مفسد.. الغاش مفسد.. تارك الصلاة مفسد.. مانع الزكاة مفسد.. وهكذا.

    فهؤلاء قالوا وهم أبناء يعقوب: ما جئنا لنفسد في دياركم. أي: لنسرق بها، فالسرقة فساد، ولكن لفظ الفساد يعم مخالفة كل ما جعله الله هداية للبشرية وإصلاحاً لها، فمن عكس فترك ما أمر الله به وارتكب ما نهى عنه أفسد في الأرض، فهو مفسد، هذه كلمة الأنبياء: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ [يوسف:73] وهم يخاطبون يوسف ورجاله مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73]، ليس من شأننا أبداً أن نسرق بحال من الأحوال، فكيف إذاً تتهموننا وتطالبون بهذا الشيء؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين)

    قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ [يوسف:74]، القائل هنا يوسف ورجاله، هم الذين قالوا لهم: ما جزاؤه إن كنتم كاذبين؟

    أي: ما جزاء من وجد الصاع في رحله؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين)

    قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [يوسف:75]، هذه شريعة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم مطبقة في ديارهم، وهي أن السارق يسترق ويباع ويشترى كسائر الرقيق من الناس.. جزاء السارق الاسترقاق.

    قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ [يوسف:75]، ذاك الذي وجد في رحله يسترق ويبقى رقيقاً عنده، إن شاء باعه وإن شاء استخدمه كما هي سنة الله في الرقيق في تلك الأيام.

    قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي [يوسف:74-75] نحن، أي: يعقوب وأولاده، في بلادنا وفي دولتنا كهذا الجزاء نَجْزِي الظَّالِمِينَ [يوسف:75]، فبم أجاب يوسف؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ...)

    قال تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ [يوسف:76]، أخذ يوسف بنفسه يفتش في أوعية إخوته، والأوعية جمع وعاء، وهو الذي يوضع على الرحل من أكياس وغير ذلك، فكان يفتش الكيس الأول، ثم يقول: أستغفر الله، ثم يأتي للثاني ويفتشه، ويقول: أستغفر الله، ثم يأتي للثالث، ورأى أن يكون الكيس الذي فيه الصواع هو الأخير، وجعله في رحل أخيه بنيامين، فكان هو الأخير، حتى لا يفطنوا أن القضية مدبرة، فلو بدأ أول ما بدأ برحل بنيامين واستخرجه لقالوا: هذه مكيدة، والحقيقة أنها تدبير إلهي وكيد رباني، لكنه محمود لأنه بإذن الله عز وجل؛ إذ قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76]، من دبر له؟ ربه عز وجل، حتى يتمكن من الإبقاء على بنيامين عنده بحكم شرعي.

    إذاً: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا [يوسف:76] ما هي؟ السقاية.

    لو قال: (استخرجه) لكان الوعاء أو الصواع، لكن (استخرجها) أي: السقاية، استخرجها من وعاء أخيه بنيامين.

    قال تعالى وقوله الحق: كَذَلِكَ [يوسف:76] أي: كهذا الكيد كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76]، أي: دبرنا له بالوحي والإلهام ليفعل هذا حتى يستبقي أخاه معه بدون اعتداء ولا ظلم، وهذا من الحيلة المأذون فيها.

    حكم الحيلة في الشرع

    استنبط من هذا أولو العلم أحكام الحيل، ومن ذلك أنهم قالوا: هل يجوز للرجل أن يحتال على الزكاة قبل حلول شهر الزكاة، ففي آخر شعبان ينفق ذلك المال ويقرضه الناس، حتى إذا دخل رمضان لا يجد ما يزكي، أو يستعجل ويقول: رمضان اقترب والزكاة أوشكت، فيأخذ في شراء الملابس والفرش والسيارة.. وكذا حتى لا يزكي؟

    هذا عند أهل العلم وعلى رأسهم مالك أنه يجب عليه أن يزكيه، فهذه الحيلة ليست ممدوحة ولا مقبولة.

    مثلاً: ما هو شهر الزكاة؟ هو محرم مثلاً، فحين جاء ذو القعدة يقول صاحب المال: الآن أوشك المحرم أن يدخل، فهيا نتصرف في المال حتى نبعد عنه الزكاة؛ نقرضه لبعض الناس ونشتري أشياء لسنا في حاجة إليها خشية أن يدخل شهر الزكاة ونزكي؟

    فالإجماع -إلا من خالف من الحنفية- على أنه يجب أن يزكي ذلك المال وأنه في ذمته، والأحناف يقولون: آثم، ولكن لا زكاة عليه؛ لأن المال غير موجود، والصحيح ما سمعتم.

    فهذا المكر أو هذا الكيد ما دبره الله كما دبر ليوسف، هذا دبره الشيطان، قبل حلول شهر الزكاة يأخذ الرجل يشتري الأشياء والبضائع والسلع وكذا من أجل أن لا يزكي.

    فبهذه النية والله! ما صح له ذلك ولا جاز، ولو كان اشترى أو أنفق بدون هذه النية فلا بأس، أنفق على نفسه، على أهله.. اشترى شيئاً هو في حاجة إليه وليس في قصده أبداً أن شهر الزكاة قد دخل أو أوشك فهو ينفق المال.

    نسخ الإسلام لأحكام السرقة في الشرائع السابقة بتشريع حد القطع

    قوله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76] من علمه؟ من ألهمه هذه الحيلة ليبقي على أخيه؟ الله عز وجل.

    كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76]، دين الملك المصري: هو أن السارق يغرم ضعفي السرقة مع الضرب، يؤدب بالضرب ويغرم ضعفيها، سرق ألفاً فيعطي ثلاثة آلاف، سرق شاة فيعطي ثلاث شياه.. وهكذا.

    هذا في دين ملك مصر الريان بن الوليد ، لكن يوسف قائم مقامه، ضعف ذاك واستقل يوسف وصار هو الملك، فانظر: الحكم في ديار فلسطين: أن السارق يسترق، وفي ديار مصر شريعة أخرى: السارق يغرم ضعفي السرقة ويؤدب، وهذا الحكم نسخه الله عز وجل بالشريعة الإسلامية؛ بقوله تعالى من سورة المائدة: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، قبل نزول هذه الآية كان كل جيل أو أي قبيل يطبقون قاعدة على السراق، والآية أفادتنا ما كان في مصر وما كان في أرض كنعان في فلسطين؛ فالمصريون يؤدبون بالضرب ويغرمونه ضعفي المسروق، وفي أرض كنعان بفلسطين يسترقونه ويجعلونه رقيقاً يأخذونه، سرقت منه بقرة فيأخذك فتصبح عبده، يبيعك إذا شاء، لا ضرب ولا تغريم، وجاء الإسلام فنسخ تلك الشرائع كلها، ما كان صحيحاً منها وما كان فاسداً، لماذا؟ لأنه شريعة العالم بأسره، كانت الشرائع تختلف من إقليم إلى إقليم، إذ الرسل هذا موجود في بلاد وهذا في بلاد، لكن لما أراد الله ختم الرسالات كلها والشرائع كلها حصرها في شريعة واحدة.

    إذاً: ما بقي أبداً أي بلد يستقل ويطبق شريعة على هواه ومراده، لا بد من تطبيق شريعة الإسلام.

    الآن لو يسلم العالم كله فسيطبق شريعة الإسلام: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، لا يقول: كنا كذا أو كنا كذا.

    قال تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ [يوسف:76]، قال الله جل جلاله: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [يوسف:76]، وقد شاء الله أن يأخذه، وليس ذلك في دين الملك، بل في دين أهل فلسطين، فسبحان الله العظيم! مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76]، أخاه سرق، وحينئذ يضربه ويغرمه، فكيف يأخذه رقيقاً؟! لكن إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [يوسف:76] فشاء الله أن يكون في دين الفلسطينيين أو الكنعانيين أن السارق يسترق، كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [يوسف:76].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم)

    ثم قال تعالى: (نرفع درجاتِ من نشاء) كما في قراءة سبعية، والأخرى: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [يوسف:76]، رفع يوسف، أين هو الآن؟ إنه ملك الديار المصرية، من رفعه؟ من أعزه؟ من أكمله؟ الله.

    وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] قاعدة: كل صاحب علم يوجد عليم أكثر منه إلا الله عز وجل، حتى ينتهي العلم إلى الله معلم الخليقة.

    وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، لا يؤتى بعالم إلا وهناك أعلم منه وفوقه عليم لا عالم فقط، إلى أن ينتهي هذا إلى الله عز وجل، فأصبح كالقاعدة: وفوق كل ذي علم عليم.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73]، وهذا صحيح، علم يوسف ورجاله أن إخوته جاءوا للميرة وللبيع والشراء، ما جاءوا لغير ذلك، ما جاءوا للفساد في الأرض، لا للقمار ولا للربا ولا للسرقة وللكذب.

    قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ [يوسف:74] إن ضبطنا هذا الوعاء عند أحدكم؟ قَالُوا جَزَاؤُهُ [يوسف:75] في قانوننا في شريعتنا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ [يوسف:75] الذي وجد في رحله هو الذي يؤخذ به، إذ السارق يسترق في قانون يعقوب، كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [يوسف:75] ليس الآن فقط، هذه شريعتنا، كل من سرق يؤخذ بالسرقة.

    إذاً: قال تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ [يوسف:76]، الأوعية جمع وعاء، وهي الأكياس في الرحل.

    من بدأ بأوعيتهم؟ هذا يوسف بنفسه تولى البحث، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ [يوسف:76] أي: بنيامين ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ [يوسف:76]، فقالوا: يا بنيامين! أي يوم هذا؟ ما رأينا يوماً قط أعظم من هذا اليوم! نعم أصابهم كرب وهم وغم، ما كانوا يظنون هذا.

    إذاً: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76] من القائل هذا؟ من الكائد؟ الله عز وجل، كاد: دبر، يدبر الحكيم العليم، كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه بنيامين في دين الملك المصري أبداً، ولكن دبر الله فكان في دين الفلسطينيين أنه يؤخذ، وهذا الذي أراده يوسف، دبر الله له ذلك، هو الذي ألهمه أن يجعل الوعاء في رحل أخيه.

    فهذا تدبير من؟ تدبير الله عز وجل، وهكذا: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [يوسف:76] وقد شاء الله، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، كل صاحب علم فوقه من هو أعلم منه، ولا ينتهي هذا إلا إلى الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب:

    معنى الآيات

    قال المؤلف:

    [ معنى الآيات:

    مازال السياق في الحديث عن يوسف وإخوته، إنه لما أعلن عن سرقة صاع الملك وأوقفت القافلة للتفتيش، وأعلن عن الجائزة لمن يأتي بالصواع، وأنها مضمونة، هنا قال إخوة يوسف ما أخبر به تعالى عنهم بقوله: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ [يوسف:73] أي: بالسرقة وغشيان الذنوب، وإنما جئنا للميرة، أي: للتجارة وشراء الطعام، وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73] أي: في يوم من الأيام.

    وهنا قال رجال الملك رداً على مقالتهم بما أخبر تعالى به: قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ [يوسف:74]، فأجاب الإخوة بما أخبر تعالى عنهم بقوله: قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ [يوسف:75]، يريدون أن السارق يسترق، أي: يملك بالسرقة.

    وقوله: كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [يوسف:75] أي: في شريعتنا اليعقوبية الإبراهيمية، وهنا أخذ يوسف بنفسه يفتش أوعية إخوته بحثاً عن الصواع، وبدأ بأوعيتهم واحداً بعد واحد، وأخر وعاء أخيه بنيامين؛ دفعاً للتهمة والتواطؤ في القضية، حتى استخرجها من وعاء أخيه الذي كان في رحله.

    هذا ما دل عليه قوله تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ [يوسف:76].

    وقوله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76]، أي: هكذا يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود غير مذموم]، وهنا بينت لكم الاحتيال واستعمال الحيلة إذا كان يحقق خيراً وفضيلة وهدى فلا بأس به، أما إذا كان يعطل الشريعة أو يأخذ حقوق الناس فلا يصح، وضربت له المثل بالزكاة، فلا تنفق قبل حلول الوقت.

    قال: [ وقوله تعالى: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76] أي: لم يكن في شرع مصر أن يأخذ أخاه عبداً بالسرقة، بل السارق يضرب ويغرم، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [يوسف:76] أمراً فإنه يكون، وقد كان.

    وقوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [يوسف:76] أي: في العلم كما رفعنا يوسف، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] من الناس إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى، فهو العليم الذي لا أعلم منه، بل العلم كله له ومنه، ولولاه لما علم أحد علماً ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [ هداية الآيات]

    الهدايات جمع هداية، وهو ما يستنبط من الآيات، وهو يهدي السامعين والعالمين إلى ما يحب الله ويرضى.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: جواز الحلف بالله تعالى للحاجة ] ولا يجوز أن تحلف بالله بدون حاجة تضحك وتلعب، لا يجوز، لا بد أن تحلف بالله لحاجة استدعت اليمين، وكونك فقط تتحدث وتحلف بالله لا يجوز؛ لأن الله عز وجل الحلف به تعظيم وإجلال له، فكيف تجل وتعظم وأنت تعبث؟ لا بد من حاجة تستدعيك إلى أن تحلف، والحلف بغير الله -كما علمتم- لا يحل أبداً، وأنه من الشرك في عظمة الله عز وجل؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، وفي رواية: ( فقد كفر )، ووجه الشرك واضح، لا يحلف إلا بشيء عظيم، فمن أعظم من الله؟ الله أكبر، الله أعظم، فإذا حلفت بمخلوق فقد سويته في العظمة مثل الله، وأشركته في عظمة الله، وهؤلاء إخوة يوسف قالوا: تَاللَّهِ [يوسف:73] وتالله بمعنى: والله.

    إذاً: جواز الحلف بالله تعالى للحاجة أما لغير الحاجة وهو يضحك ويلعب فلا يجوز.

    [ ثانياً: مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [يوسف:73] دفعاً للتهمة، فيجوز للمؤمن إذا اتهم أن يدفع تلك التهمة بما استطاع أن يدفع به.

    إذاً: مشروعية دفع التهمة عن النفس البريئة، أما إذا كان ما هو ببريء فماذا يدفع؟ معناه أنه يدفع الحق، فيجب أن يعترف بأنه مخطئ سارق أو كاذب، فالنفس المأثومة لا يجوز طلب البراءة لها ما دامت متهمة.

    [ ثالثاً: معرفة حكم السرقة في شريعة يعقوب عليه السلام ] وهي أن يسترق السارق، هذا الذي دبره الله ليوسف حتى يأخذ أخاه بكونه سرق، وهذا تدبير الله العزيز الحكيم.

    [ رابعاً: بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76]، الله يدبر لأوليائه العجائب والغرائب لينجيهم.. ليرفعهم.. ليسعدهم.. ليبعدهم عن المهالك بما يشاء؛ لأنه وليهم، إذ قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:76]، أي: دبرنا له مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف:76] المصري.

    [ خامساً: بيان حكم السرقة في القانون المصري على عهد يوسف عليه السلام ] وهو أن يغرم ويضرب، والآن قد يفعلون به هكذا ولا تقطع يده، وهل يجوز هذا؟ الجواب: لا. كيف نطبق قانوناً مضى عليه سبعة آلاف سنة؟ لا يجوز.

    والآن العالم الإسلامي بكامله يجب أن يطبق حد السرقة، إذا ثبتت السرقة ثبوتاً شرعياً حقيقياً وما تنازل المسروق وما عفا ولا صفح ورفعت للقاضي يجب أن تقطع يد السارق أو يغضب الجبار جل جلاله وعظم سلطانه.

    [ سادساً: علو مقام يوسف عليه السلام في العلم ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ [يوسف:76] في العلم مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    [ سابعاً: تقرير قاعدة، وهي: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76] إلى أن ينتهي العلم إلى الله عز وجل ].

    بمعنى: إذا قيل: البلد الفلاني فيه عالم فاعلم أن فوق هذا العالم من هو أعلم منه.. وهكذا إلى أن ننتهي إلى الله عز وجل، ما هناك عالم فوق كل ذي علم إلا الله، وإلا فكل ذي علم فوقه من هو أعلم منه.. وهكذا إلى الله عز وجل، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].