إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رجع إخوة يوسف عليه السلام مع أخيهم من أبيهم طمعاً بحمل البعير الزائد، عند ذلك دبر يوسف عليه السلام خطة محكمة لاستبقاء أخيه بنيامين عنده وعدم إرجاعه معهم إلى أرض كنعان، فاستضافهم ليلتهم وقسمهم على غرف خمس، جعل في كل منها اثنين منهم، وبقي أخوه وحده فآواه إليه، وبين له الحال وما عزم عليه يومها، وفي اليوم التالي وضع صواع الملك في رحل أخيه، وعندما عزموا على المسير نادى مناد فيهم أن أحدهم قد سرق صواع الملك، وقدم يوسف مكافأة لمن يأتيه به حمل بعير إضافي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:68-72].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ [يوسف:68]، من هؤلاء الداخلون؟ هؤلاء إخوة يوسف العشرة رجال، والآن هم مع بنيامين، فهم أحد عشر رجلاً.

    وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ [يوسف:68] من أبوهم؟ يعقوب عليه السلام نبي الله ورسوله ابن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً السلام.

    وهل أمرهم أبوهم أن يدخلوا دخولاً خاصاً؟ بالأمس قال لهم: يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:67].

    إذاً: نفذوا وصية والدهم.

    وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ [يوسف:68]، أي: توزعوا على أبواب المدينة ودخلوا.

    وقد يقول قائل -كما يوجد في التفاسير-: أراد بهذا ألا يفزعوا الملك ورجاله إذا شاهدهم جماعة كثيرة، ولا داعي إلى هذا، وإنما خاف يعقوب على أولاده العين أن يحسدوا فيهلكوا؛ لأن العين تدخل الرجل القبر، وتدخل البعير القدر كما أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:68]، ما كان هذا الدخول يغني عنهم من الله من شيء لو أراد الله أن يصيبهم أو أن يهلكهم، اللهم إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا [يوسف:68]، ما هي إلا هذه، في نفسه خوف من عين تصيب أولاده، فنصح لهم بأن يدخلوا من أبواب متفرقة حتى لا يصابوا بالعين فقط، لكن لو أراد الله لكان، هكذا يقول تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا [يوسف:68] أنفذها وأتمها.

    معنى قوله تعالى: (وإنه لذو علم لما علمناه)

    قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ [يوسف:68]، هذا ثناء الله على عبده ورسوله يعقوب بأنه صاحب علم.

    وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ [يوسف:68]، والتنكير للتفخيم، ومصدر هذا العلم الله عز وجل.

    قال: لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68]، وهنا يدخل في هذا كل علم من لدن الله عز وجل، فصاحبه يثنى عليه بخير، وأنتم تعرفون قيمة أهل العلم عند الله عز وجل.

    إذاً: العلم هذا هو علم بمعرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته، بجلاله وكماله، بعظمته ووجوده، وعلمه بمحابه من الأقوال والأفعال والمعتقدات كذلك.

    هذا العلم هو العلم الشرعي، العلم الذي أوحاه الله إلى رسله، وأنزل به كتبه.

    هذا العلم الذي أثنى الله به على يعقوب عليه السلام بقوله: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68]، فمن لم يسأل الله العلم لن يتعلم، من لم يقرع باب العلم وسأل العلم فلن يتعلم؛ لأن العلم بيد الله يعلم من يشاء.

    لكن من الذي يشاء تعليمه؟ ذاك الذي يطلبه ويرحل إليه، ويقف أمام أبواب العلماء يسألهم حتى يتعلم.

    معنى قوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

    قوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68] حقاً وصدقاً، والله! إن أكثر الناس لا يعلمون، ملايين الخلق لا يعرفون ما الله، ولا أسماء الله ولا جلاله ولا كماله، ولا ما عنده لأوليائه، ولا ما لديه لأعدائه، ولا ما يحبه ولا ما يكرهه أبداً!

    ملايين الآن في هذه الساعة يجهلون هذا، وصدق الله العظيم القائل: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68] حتى في المسلمين والمؤمنين أكثرهم لا يعلمون؛ لأن العلم يحصل عليه صاحبه بالنية الصادقة والطلب الجاد.

    من لم يطلب لا يحصل على علم أبداً، إنما العلم يحصل بالتعلم، وبدون تعلم لا يمكن، ليس هناك من يوحي الله إليه دون رسل الله وأنبيائه، فقرر تعالى هذه الحقيقة: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68]، يعلمون ماذا؟ كيف يطبخون؟ كيف يخلطون؟ كيف يبنون؟ كيف يهدمون؟

    ليس هذا هو العلم، هذه بالعادة البشرية تطلبه وتعرفه، بل العلم الذي هو معرفة الله بأسمائه وصفاته، معرفة ما يحب الله وما يكره الله، معرفة أوامره ونواهيه؛ هذا العلم الذي مصدره: قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا الذي يطلب ليل نهار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ...)

    ثم قال تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ [يوسف:69]، وصلوا من بلاد كنعان من فلسطين إلى مصر، ودخلوا على يوسف في قصره.. في دار ملكه.. في مكان يستقبل فيه الناس.

    وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ [يوسف:69] من أخوه؟ بنيامين شقيقه من أمه وأبيه، وباقي الإخوة إخوته من الأب، ولكن فيما بينهم أشقاء.

    كيف آواه إليه؟

    الجواب: أقاموا نهارهم وأكلوا وشربوا وعبدوا وصلوا، فلما جاء الليل وحان وقت النوم وساعة الراحة وزع عليهم غرفاً وقال: كل غرفة ينام فيها اثنان، جعل لكل اثنين غرفة وسريرين بها، فكانت خمس غرف بعشرة رجال.

    وبقي بنيامين فمن يكون معه؟ قال: هو معي، آواه إليه، قال: إذاً بنيامين ينام معي. أنتم ناموا كل اثنين في غرفة، وبنيامين وحده فهو معي.

    وهذا التدبير تدبير يوسف العليم الحكيم، حتى لا يعرفوا أنه يوسف وأنه أخو بنيامين.

    وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ [يوسف:69]، ثم حدثه فيما بينهما وهما في الغرفة: قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ [يوسف:69]، طول النهار ما كان يعرفه ولا أخبره مع إخوانه، فلما خلا به في الليل أعلمه، قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ [يوسف:69] يوسف بن يعقوب، حديثي كذا وكذا، وما تعلمونه عن شأني من كذا وكذا، هذا ليل طويل حدثه عن حقيقته، كيف ألقي في البئر، وكيف وكيف.

    قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ [يوسف:69] إذاً فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف:69]، لا تكرب ولا تحزن لا تبال بما كانوا يعملونه، أي: بما عملوه في من الخروج بي إلى البر، ثم إلقائي في البئر، ثم بيعي عبداً من العبيد.. وهكذا، لا تبال بهذا: فَلا تَبْتَئِسْ [يوسف:69] من البؤس، أي: لا تكرب ولا تحزن بما كانوا يعملونه فيما مضى. وأعلمه أنه يوسف وأنه الذي أصابه من الكرب كذا وكذا وكذا.

    إذاً: فلا تحزن ولا تكرب أو تبتئس بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف:69].

    ثم أقاموا ما شاء الله أن يقيموا آكلين شاربين فرحين مسرورين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ...)

    فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ [يوسف:70]، جاء وقت العودة فجهزهم وأعد لهم ما لهم إليه حاجة من طعام وشراب، جاءوا بنقود فأكرمهم وزادهم.

    فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ [يوسف:70] هذا تدبير ثانٍ.

    والسقاية: إناء من فضة أو ذهب أو منهما يشرب به الملك ويكيل به الأشياء التي يريد أن يكيلها هو، فهو صواع الملك وصاعه وسقايته.

    هذه السقاية وهذا الإناء وهذا الصاع أو الصوع اتفق يوسف مع بنيامين على أن يجعله في رحل بنيامين، في الغرارة أو الكيس الكبير، يجعله فيه في الليل.

    إذاً: دبر هذه الفكرة، قال: اجعلوا هذا الصاع في كيس بنيامين، ففعلوا كما فعلوا أولاً، لما قال لهم: اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا [يوسف:62]، كذلك قال: اجعلوا هذا في كيس بنيامين.

    فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ [يوسف:70]، ثم لما أرادوا السفر وركبوا وحملوا نادى منادٍ: أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ [يوسف:70]، أي: يا أهل القافلة إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]، لا إله إلا الله! هذا يوسف عليه السلام، فأذن مؤذن بأعلى صوته: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]، بلام التوكيد: لَسَارِقُونَ [يوسف:70].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون)

    فاندهشوا: قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ [يوسف:71]، أقبلوا على المؤذن ورجاله ومن معه، وليس وحده، وذلك حين أوقفوا القافلة حتى لا تمشي وقالوا لهم: إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]، فقالوا: مَاذَا تَفْقِدُونَ [يوسف:71]؟ أي شيء فقدتموه وادعيتم أننا سرقناه؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير ...)

    قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ [يوسف:72] فقدنا ونفقد وما زلنا نفقد صواع الملك، أي: صاعه الذي يكيل به، أو سقايته التي يشرب بها، وهو إناء من ذهب وفضة أو من فضة خاص بالملوك كالتاج، يشرب فيه فقط، وإذا أراد أن يكيل لشخص يكيل به ولا حرج.

    قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ [يوسف:72]، ثم قالوا: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72]، والذي يجيئنا به له جائزة حمل بعير، بقدر ما يحمل البعير من بر وطعام وشعير.

    هذه الجعالة التي جعلوها.

    وهنا قالت العلماء: شرعت الجعالة، تقول للحاضرين: من يأتيني غداً بكذا فله كذا. إذا جاء به فله كذا وله الحق أيضاً ولا حرج؛ لأنهم قالوا ماذا؟ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72] ما يحمله بعير من طعام أو ثياب أو ما إلى ذلك.

    وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]، هذا أيضاً دليل الكفالة والزعامة، وأنا به كفيل، أي: ضامن، وأنا ضامن بهذه الجعالة أن تجعل لصاحبها.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    هيا بنا نردد الآيات فتأملوا:

    وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ [يوسف:68-69] كيف آواه إليه؟ هل بمجرد أن دخلوا ضمه إليه وقال: أخي؟ الجواب: لا، وإنما عندما جاء الليل أسكنهم في غرف، كل اثنين في غرفة، وبقي بنيامين وحده فمن يكون معه؟ قال: أنا أولى به فليكن معي، ومن ثم حدثه وقص عليه وعلمه ما لم يكن يعلم من أحداث إخوانه.

    وقال: فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف:69]، ثم لما جاء وقت الرحيل: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ [يوسف:70]، السقاية ما هي؟ آلة السقي، إناء، سماه الصاع والصواع والسقاية، من فضة أو ذهب، وهو من أشياء الملك.

    جَعَلَ السِّقَايَةَ [يوسف:70] أين جعلها؟ فِي رَحْلِ أَخِيهِ [يوسف:70]، مَن من إخوته؟ بنيامين قطعاً.. شقيقه.

    ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ [يوسف:70] أعلن معلن ولكن بأعلى صوته، من الأذان الذي هو الإعلام بالصوت العالي، ومنه أذان الصلاة، أذن مؤذن فماذا قال في أذانه؟ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]، أَيَّتُهَا الْعِيرُ [يوسف:70]، يعني: يا أهل العير، والعير: الإبل والبغال والحمير التي تحمل البضائع.

    إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]، فما كان من الإخوة إلا أن قالوا: وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ [يوسف:71]، ما الذي فقدتموه وظننتم أننا سرقناه وهو عندنا، دلونا عليه ما هو؟

    قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ [يوسف:72]، الذي فقدناه صواع الملك الخاص به، الصاع والصواع بمعنى واحد، والصاع والسقاية، صُوَاعَ الْمَلِكِ [يوسف:72].

    وشيء ثان: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72]، هذه تسمى جائزة أو جعالة كذلك، وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72] أي: ضامن.

    والزعيم يطلق أيضاً على زعيم القوم، ويطلق على الكفيل والضمين والحميل والقبيل الذي يقبل ويكفل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال المؤلف:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في الحديث عن إخوة يوسف ] أحد عشر رجلاً ما بينهم فتاة أو امرأة، كلهم رجال، [ فقد عهد إليهم إذا هم وصلوا إلى ديار مصر ألا يدخلوا من باب واحد بل من أبواب متعددة ] لماذا؟ [ خشية العين عليهم ]، وقد عرفنا أن العين حق، [ وقد وصلوا وعملوا بوصية أبيهم، فقد قال تعالى مخبراً عنهم: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ [يوسف:68] أي: دخلوهم من أبواب متفرقة مِنَ اللَّهِ [يوسف:68] أي: من قضائه مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً [يوسف:68]، أي: لكن حاجة في نفس يعقوب، وهي الخوف من العين عليهم، قَضَاهَا [يوسف:68] أي: لا غير]، حاجة في نفسه أكملها وأتمها، ما يملك غير هذا.

    [ وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68] ثناء] عطر على من؟ [ على يعقوب، أي: إنه لصاحب علم وعمل لتعليمنا إياه]، وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68]، ولماذا أضفنا العمل؟ مستحيل أن يكون عالماً وغير عامل ويصل إلى هذا المستوى، فالعلم أولاً والعمل تابع له، ولا يصح عمل بدون علم، ولا يكمل علم بدون عمل، ولا يسمى صاحبه عالماً أبداً إلا إذا عمل، وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف:68]، أي: لصاحب علم وعمل لتعليمنا إياه.

    [ وقوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68] هو كما أخبر عز وجل، أكثر الناس لا يعلمون عن الله تعالى صفات جلاله وكماله، ومحابه ومساخطه، وأبواب الوصول إلى مرضاته، والحصول على رضاه ومحبته، وما يتقى مما حرم على العبد من ذلك. هذا ما دلت عليه الآية الأولى ].

    أقول: قوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68] هو كما أخبر عز وجل، أكثر الناس لا يعلمون ماذا؟ لا يعلمون عن الله تعالى صفات جلاله وكماله، ومحابه ومساخطه، وأبواب الوصول إلى مرضاته، والحصول على رضاه ومحبته، وما يتقى مما يحرم على العبد من ذلك.

    وعندنا سؤال: هل لله محاب ومكاره؟

    الجواب: نعم، فمن الأقوال: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، من محاب الله.

    وكلمة السوء من مكارهه: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ [النساء:148]، وكل كلمة سوء يكرهها الله عز وجل، وهي من مكارهه، وكل ما أمر الله به من قول أو عمل أو اعتقاد في الكتاب أو في السنة إلا والله يحبه.

    وكل ما نهى عنه وحرمه وتوعد عليه بالعذاب أو بإقامة حد والله مكروه لله، وهو من مكاره الله عز وجل، فيجب أن يعرف المسلمون هذا.

    قال: [ أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى أن إخوة يوسف لما دخلوا عليه في منزله آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ [يوسف:69] أي: شقيقه وهو بنيامين؛ وذلك لما جاء وقت النوم جعل كل اثنين في غرفة، وهم أحد عشر رجلاً، وبقي بنيامين، فقال: هذا ينام معي ] حتى لا يشعرهم بأنه اختاره، [ وأنه لما آواه وضمه إليه في فراشه أعلمه أنه أخوه يوسف، وأعلمه أنه لا يحزن بسبب ما كان إخوته قد عملوه مع أبيهم ومع أخيهم يوسف، وأعلمه أنه سيحتال على بقائه معه ]، أعلم يوسف بنيامين أنه سيحتال -أي: يستعمل الحيلة- على بقائه معه، [ فلا يرجع إلى بلاده كنعان، حتى لا يكترث بذلك ولا يكرب، ولا يخبر إخوته بشيء من هذا ]، وصاه أن لا يخبر إخوانه بشيء من هذه الحادثة.

    [ هذا ما دلت عليه الآية الثانية، وهي قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [يوسف:69].

    أما الآية الثالثة فقد تضمنت الإخبار عن تدبير يوسف لبقاء أخيه معه دونهم ] دون إخوته العشرة، [ وذلك أنه لما جهزهم بجهازهم -أي: كال لهم الطعام وزودهم بما يحتاجون إليه بعد إكرامه لهم- جعل بطريق خفي لم يشعروا به سقاية الملك، وهي الصاع أو الصواع، وهي عبارة عن إناء من ذهب كان يشرب فيه، ثم جعل آلة كيل خاصة بالملك عرفت بصواع الملك أو صاعه؛ جعلها في رحل أخيه بنيامين، ثم لما تحركت القافلة وسارت خطوات نادى منادٍ قائلاً: أَيَّتُهَا الْعِيرُ [يوسف:70] أي: يا أهل القافلة! إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70].

    هذا ما تضمنت الآية الكريمة، إذ قال تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]، قال تعالى إخباراً عنهم: قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ [يوسف:71]؟ فأجابوا بقولهم: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [يوسف:72]، أي: مكافأة له] جائزة [ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]، أي: وأنا بإعطائه حمل البعير كفيل، لا بد وأن أنفذه ].

    هداية الآيات

    هيا مع هداية الآيات لنطلع عليها. قال المؤلف: [ هداية الآيات: من هداية الآيات: أولاً: بيان فضل العلم وأهله ]، وأخذنا هذا من ثناء الله تعالى على يعقوب عليه السلام: (( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ))[يوسف:68]، فالعلم الذي لا يعلمه الله عبده هل يسمى علماً؟ لا. يسمى صناعة من الصناعات، مهنة من المهن، سواء كان طبيباً أو كان طياراً في السماء، لكن العلم الإلهي هو علم الكتاب والسنة. لماذا؟ لأن الله بين ما يحب وما يكره، وأمر ونهى وبشر وحذر وأنذر، إذاً: هذا هو العلم؛ علم الكتاب والسنة. [ ثانياً: تقرير حقيقة، وهي أن أكثر الناس لا يعلمون ]. حقيقة قررتها الآية وهي كما قررت، أكثر الناس لا يعرف في أي مكان وفي أي أرض كانوا، هذا نص كتاب الله: (( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ))[يوسف:68]. [ ثالثاً: حسن تدبير يوسف للإبقاء على أخيه معه بعد ذهاب إخوته ]. كيف دبر؟ أولاً: أدخلهم كل اثنين في غرفة، فلما بقي واحد فقط لأنهم أحد عشر رجلاً قال: هذا معي أنا، ينام معي. فلما خلا معه عرفه بكل الأحداث، أحداث والده التي أصابته، وأحداث يوسف، وقال: أنا يوسف (( أَنَا أَخُوكَ ))[يوسف:69]، ثم دبر كيف يستطيع أن يبقيه عنده. قد يقول القائل: ألا يرحم والده من أن يزيد كربه وحزنه، فقد ذهب الأول ويزيد الثاني؟ كيف يفعل هذا مع إخوته؟ نقول: لعلمه أن هذا الكرب قد تم وحصل وعما قريب يزول، هذه خطوات لإزالة ذلك الكرب، وقد أوشكت على النهاية إذاً: حسن تدبير يوسف للإبقاء على أخيه، فلو أراد أن يبقيه بدون هذا التدبير فكيف سيبقيه؟ هل بالقوة؟ سيقولون: هذا ملك ظالم إذاً، يرجعون يصرخون ويدعون عليه وهم إخوته، فلا تنفع القوة هنا أبداً، إلا بهذا التدبير الرحيم فقط. [ رابعاً: مشروعية إعطاء المكافآت لمن يقوم بعمل معين، وهي الجعالة في الفقه]. معروفة في كتب الفقه، والآن يعطون أصحاب الصحف كذا من أجل الترويج للجريدة، فالجعالة جائزة، تقول: من يقوم بكذا سأعطيه كذا، فإذا قمت به فيجب أن يعطيك. [ خامساً: مشروعية الكفالة والكفيل غارم ]، الكفيل غارم، فإذا فقد ما كفله وجب أن يغرمه، فالكفيل غارم، وبهذا العمل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.