إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رجع إخوة يوسف إلى أبيهم حاملين رسالة يوسف بألا يعودوا مرة أخرى إلا بأخيهم من أبيهم، وأخذوا في تطمين أبيهم على ابنه وتطميعه في كيل البعير الزائد، وبعد ذلك فتحوا متاعهم ووجدوا فيها أموالهم قد أعيدت إليهم، فعزموا عندها على العودة إلى مصر وأخذ أخيهم معهم بعد أن أعطوا والده المواثيق المغلظة على المحافظة عليه والرجوع به معهم من مصر، عندها أوصاهم والدهم بألا يدخلوا من باب واحد، وإنما يتفرقون على أبواب المدينة الأربعة خشية عليهم من الحسد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف:63-67].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ [يوسف:63]، من هم الذين ذهبوا عن أبيهم ورجعوا إليه؟ إنهم إخوة يوسف العشرة رجال.

    فَلَمَّا رَجِعُوا [يوسف:63]، أي: من ديار مصر إلى أرض كنعان، حيث بالأمس كانوا في مصر تجاراً يطلبون الزرع والحب، ووصلوا إلى ديارهم بأرض كنعان.

    لما وصلوا: قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ [يوسف:63]، لقد أخبرهم بهذا يوسف عليه السلام: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ [يوسف:60]، إن لم تأتوني بأخيكم بنيامين الذي يحبه والده حباً جماً، وأنا أرغب في أن أراه لأعرف أسباب هذا الحب، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ [يوسف:60]، لا أبيعكم الحب والزرع ولا أسمح لكم بالقرب مني.

    فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ [يوسف:63]، إذاً: فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا [يوسف:63] من أخوهم هذا؟ أخوهم بنيامين، وهو شقيق يوسف عليه السلام الكريم ابن الكريم، أمهما واحدة وأبوهما واحد.

    قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ [يوسف:63] وجزم الفعل؛ لأنه في جواب الشرط: أرسل نكتل، والأصل: نكتال من الكيل والاكتيال؛ إذ وعدهم إذ جاءوه بأخيهم أن يبيع لهم الزرع والحب.

    وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63]، أي: والله! إننا لحافظون لبنيامين، لا يمسه سوء حتى يعود إليك.

    وقالوا مؤكدين هذا الخبر: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63]؛ لما في نفوسهم من أنهم ما حفظوا يوسف لما أعطاهم إياه وسمح لهم بالذهاب به إلى الصحراء، وفعلوا به ما فعلوا، حيث باعوه بعد أن ألقوه في غيابة الجب.

    فالآن هم واعون وبصراء، فقالوا: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ...)

    فبم أجابهم يعقوب عليه السلام؟

    أجابهم بقوله: قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ [يوسف:64]، أي: ما آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل، ما عندي أكثر من هذا، فوضت أمري إلى الله ووهبتكم إياه وفعلتم ما فعلتم، والآن هذا الذي أقول: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ [يوسف:64]، يعني يوسف، وهو الملك الآن.

    فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا [يوسف:64]، وفي قراءة نافع السبعية: (فالله خير حفظاً)، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64]، هو الذي يحفظه ويتولاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ...)

    إذاً: ولما فرغوا من الحديث، وكأنهم ابتدءوا بالدعوة إلى أن يرسل معهم أخاهم مشغولين عن تجارتهم وأموالهم، فلما فرغوا ورضي الوالد بأن يعطيهم بنيامين فتحوا بضاعتهم: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ [يوسف:65]، لما فتحوا تلك الغرائر والأكياس وجدوا دراهمهم ودنانيرهم موجودة فيها.

    بالأمس يوسف قال لفتيانه: اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ [يوسف:62] لماذا؟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [يوسف:62] لهذه العلة.

    فلما فرغوا من الحديث مع والدهم، حيث كانوا في سفر وفي تعب، وكانوا يرغبون في أن يعطيهم أخاهم في المستقبل ليذهبوا به، ففتحوا متاعهم ووجدوا بضاعتهم ردت إليهم.

    وعرفنا بالأمس لم ردها يوسف إليهم؛ حتى يرجعوا يقيناً؛ لأنهم لا يأكلون الحرام، فإذا وجدوا الدراهم في أكياسهم رجعوا بها ولم يستطيعوا أن يأكلوها.

    إذاً: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي [يوسف:65] بعد هذا هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا [يوسف:65]، ما عندنا شيء نطلبه بعد هذا أبداً، لا بد إذاً من الرجوع إلى مصر؛ للكيل والاكتيال والذهاب بأخينا؛ حتى نكتال معه ونأتي بكيل زائد.

    مَا نَبْغِي [يوسف:65] أي شيء نبغيه؟ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا [يوسف:65] أولاً، وثانياً: وَنَمِيرُ أَهْلَنَا [يوسف:65]، يعني: نأتي ببعير حادي عشر، كانوا عشرة فيصبحون أحد عشر.

    وَنَحْفَظُ أَخَانَا [يوسف:65] من أن يمسه سوء، وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ [يوسف:65]، كانوا عشرة فإذا مشى معهم بنيامين صاروا أحد عشر، وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف:65] ما هو بكبير.

    هكذا واجهوا أباهم بهذه المواجهة، وهي قولهم: يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف:65].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به ...)

    أجابهم يعقوب والدهم عليهم جميعاً ألف سلام وسلام: قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66].

    احلفوا لي وعاهدوني واحلفوا على عهدكم أنكم ستأتونني به إلا إذا أحيط بكم ببلاء وعمكم فناء فهلكتم أجمعين، فذلك أمر الله، (عبر) بـ(لن) النافية: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ [يوسف:66] أبداً، حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ [يوسف:66]، الموثق من الله: اليمين أو العهد المؤكد باليمين، العهد المؤكد بالحلف: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66].

    قال تعالى: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ [يوسف:66]، حلفوا له على أن يردوا إليه ولده ولو ماتوا دونه.

    قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [يوسف:66] هذا التوقيع الأخير، الله على ما قلت أنا وقلتم أنتم وكيل، نفوض الأمر إليه، إذ ما هناك شيء وراء هذا.

    إذاً: الأمر بعد ذلك لله، فالله على ما نقول وكيل، ومعنى هذا: أنهم راودوا والدهم ونجحوا وأعطاهم أخاهم بنيامين، وسوف يذهبون به إلى الديار المصرية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد ...)

    قال تعالى: وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67].

    وَقَالَ [يوسف:67]، أي: يعقوب عليه السلام يَا بَنِيَ [يوسف:67]، يا أولادي! والبنون: جمع ابن.

    يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ [يوسف:67]؛ وذلكم أن البلاد المصرية لها أربعة أبواب يدخلون منها، المدينة كان لها أربعة أبواب، الباب البصري والباب الشامي وغيرهما، فالديار المصرية لها أربعة أبواب، فخاف إذا دخلوا وهم أحد عشر رجلاً في زي واحد في جمال وكمال أن يحسدونهم، خوفاً عليهم من العين، والرسول الكريم يقول: ( العين حق)، وقال: (إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر)، وهذا شاهد ودليل.

    لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف:67] ثلاثة من هذا الباب، وأربعة من هذا الباب، وكذا حتى تستوفوا.

    وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء [يوسف:67]، كوني نصحت لكم بأن لا تدخلوا مجتمعين مخافة العين والحسد ليس معنى هذا أنني أملك مع الله شيئاً، فالأمر لله عز وجل: وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:67]، بمعنى: تبقى قلوبنا مرتبطة بالله، من شاء نجاه ومن شاء أهلكه، ومن شاء أعطاه ومن شاء منعه، نأخذ بالأسباب فقط والأمر إلى الله.

    وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:67]، وقرر ذلك بقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:67].

    أي: ما الحكم بالمنع والعطاء والنفع والضر إلا لله عز وجل، نحن نأخذ بالأسباب فقط، نأكل لنشبع، وقد لا نشبع، نتحاشى السم حتى لا نموت وقد نموت.. وهكذا؛ إذ الحكم الحق لله عز وجل عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67].

    هذه كلمات يعقوب الرسول عليه السلام، ما هي؟

    إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:67] وحده لا يشاركه فيه أحد، الحكم بماذا؟ بالعطاء والمنع، بالضر والنفع، بالإحياء والإماتة، بأن يردهم سالمين أو يهلكهم في الطريق.

    إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ [يوسف:67] وحده لا على سواه تَوَكَّلْتُ [يوسف:67]، أي: اعتمدت وفوضت أمري إليه، وَعَلَيْهِ [يوسف:67] جل جلاله: فَلْيَتَوَكَّلِ [يوسف:67] المؤمنون الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67]، من أراد أن يتوكل فعليه بالله عز وجل؛ إذ هو الذي يكفي من توكل عليه.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63]، أي: لأخينا. هذه هي المراودة في قولهم: قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ [يوسف:61].

    فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ [يوسف:63]، اسمه بنيامين، ولا تفهم أن (نكتل) هو أخوهم، فهذا جواب الشرط: فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا [يوسف:63] إن ترسل معنا أخانا نكتل، أي: يكال لنا الحب، وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63]، وعدوه بهذا.

    قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ [يوسف:64]، ما هناك إلا هذا، كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ [يوسف:64] يوسف من قبل كذلك آمنكم على بنيامين، ما عندي أكثر من هذا، إذاً: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64].

    وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي [يوسف:65]، ماذا نطلب الآن؟ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف:65]، أعلنوها فرحين لأبيهم وفرحين بأنفسهم.

    إذاً: قَالَ [يوسف:66] أي: يعقوب عليه السلام لأولاده، قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ [يوسف:66]، أي: لن أرسل معكم بنيامين لتذهبوا به إلى ملك مصر حيث طلب منكم ذلك.

    لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66]، لابد أن تعاهدوني عهداً تحلفون عليه بالله أنكم تردون إلي ولدي ولا يمسه سوء، إلا إذا كان قضاء وقدر بوفاته أو كذا فلا شيء بعد ذلك، إذا أحيط بكم من جماعة من اللصوص أو سيل جرفكم أو مرض اجتاحكم فهذا الأمر لله.

    فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ [يوسف:66] حلفوا له وأكدوا قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [يوسف:66] هذا الإمضاء الأخير.

    ثم قال لهم: يَا بَنِيَ [يوسف:67] أنصح لكم، هذه رحمة الأبوة تتجلى في هذا الموقف: لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ [يوسف:67]، أي: لا تدخلوا ديار مصر حين تصلون إليها من باب واحد، وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف:67] لماذا؟ حتى لا يحسدوا فيهلكوا.

    وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ [يوسف:67] وحده فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم الآيات مشروحة من الكتاب مبينة.

    معنى الآيات

    قال المؤلف: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وإخوته.

    قال تعالى مخبراً عن رجوع إخوة يوسف من مصر إلى أرض كنعان بفلسطين: فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ [يوسف:63] أي: يعقوب عليه السلام قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ [يوسف:63]، أي: منع منا ملك مصر الكيل، إلا أن نأتي بأخينا بنيامين، فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:63] أن يناله مكروه بحال من الأحوال.

    فأجابهم يعقوب عليه السلام بما أخبر تعالى عنه بقوله: قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ [يوسف:64]، أي: ما آمنكم عليه إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ [يوسف:64]، يعني: يوسف لما ذهبوا به إلى البادية، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64]، جرى هذا الحديث بينهم عند وصولهم وقبل فتح أمتعتهم.

    وأما بعد فتحها فقد قالوا ما أخبر تعالى به في قوله: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ [يوسف:65] أي: دراهمهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا [يوسف:65]، أي: فأرسل معنا أخانا نذهب به إلى مصر، وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف:65]؛ لأن الملك المصري لا يبيع للنفر الواحد إلا حمل بعير؛ نظراً لحاجة الناس إلى الطعام في هذه السنوات الصعبة] سنوات القحط والجدب، [ للجدب العام في البلاد.

    فأجابهم يعقوب بما قال تعالى عنه: قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ [يوسف:66]، أي: حتى تعطوني عهداً مؤكداً باليمين على أن تأتوني به، لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66] بعدو ونحوه فتهلكوا جميعاً، فأعطوه ما طلب منهم من عهد وميثاق.

    قال تعالى: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [يوسف:66]، أي: شهيد علي وعليكم، أي: فأشهد الله تعالى على عهدهم.

    ولما أرادوا السفر إلى مصر حملته العاطفة الأبوية والرحمة الإيمانية على أن قال لهم ما أخبر تعالى عنه: وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [يوسف:67]، أي: لا تدخلوا وأنتم أحد عشر رجلاً من باب واحد فتسرع إليكم العين، وإنما ادخلوا من عدة أبواب فلا ترون جماعة واحدة أبناء رجل واحد، فلا تصيبكم عين الحاسدين.

    ثم قال: وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:67]، وهو كذلك، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:67]، فما شاءه كان وما لم يشأ لم يكن، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [يوسف:67]، أي: فوضت أمري إليه، وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [يوسف:67]، أي: فليفوض إليه المتوكلون أمرهم]؛ لأنه الكافي، ولا كافي على الحقيقة إلا هو، عز جاهه وعظم سلطانه.

    لطيفة: التحرز من العين

    هنا مسألة فتأملوها:

    أولاً: علمتم أن يعقوب النبي الرسول خاف على أولاده من العين، وعلمنا وكل المؤمنين أن العين حق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر منها واستعاذ بالله منها، إذاً: فلنذكر هذه اللطيفة.

    قال: [ في هذه الآية دليل على ما يلي:

    أولاً: على التحرز من العين، يجب على المؤمنين أن يتحرزوا من العين] عين العائن الحسود، [والعين حق؛ لحديث: ( إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر )، ولتعوذ الرسول صلى الله عليه وسلم منها في غير ما حديث من الأحاديث.

    ثانياً: على المسلم]، وخذوا هذا للعمل به، إذا نظرت إلى شيء من سيارة إلى طيارة، من قدر إلى نعل، من إنسان إلى حيوان، وأعجبك فيجب أن تبرك بأن تقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، أو فيها، أو فيهم، أو في هذه، تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك في هذا أو في هذه.

    أقول: إذا أعجبك شيء من الناس، من الحيوان، من الأشياء المادية ففي هذه الحالة يجب أن تفزع إلى الله فتقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، أو فيها، أو فيهم.

    قال: [ على المسلم إن أعجبه شيء أن يبرك؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ألا بركت؟ ) قاله لرجل نظر إلى آخر وأصابه بعينه] حتى كاد يهلكه، كاد أن يموت، فقال له: ( ألا بركت ) لم ما بركت؟ هلا بركت؟ فكيف يقول؟ يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، أو فيها، أو فيهم، بحسب الواقع.

    والتبريك: أن يقول العبد: تبارك الله أحسن الخالقين، تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، أي: في ذلك الشيء الذي أعجبك وتحصنت بالله عز وجل بقولك: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه.

    [ ثالثاً: إذا أصاب العبد بعينه لأنه لم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ويجبر عليه ]، إذا نظر عبد إلى آخر وما برك وأصابه بعينه فجاءته الحمى أو كذا فيجب أن يغتسل: يغسل يديه ووجهه وإبطيه وتحت ركبتيه ورجليه، ويرش به المريض فجأة.

    بهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل بين يديه، فإذا نظر عبد فجأة إلى شيء فأصابه؛ لأنه ما برك؛ ففي هذه الحالة إذا كان معروفاً يؤتى به إلزاماً بالقضاء إذا رفض، ويغسل ما بيّن الرسول غسله: يغسل تحت إبطيه، ووجهه، وتحت ركبتيه، وتحت إزاره، ثم يرش به المريض فجأة وهو غافل، ويشفى بإذن الله على الفور.

    [ رابعاً: إذا عرف المرء بأذاه للناس] أي: إذا عرف في القرية أو في الحي رجل عائن، فماذا يصنع به؟ أهل العلم على أنه يفصل عن الناس، ولا يدخل السجن، بل يحبس في بيته وينفق عليه، ما دام أنه إذا خرج فكلما أعجبه شيء صرعه، فماذا يصنعون به؟ يحبسونه في بيته أو في بيت آخر مع مثله وينفقون عليهم، أما أن يرسلوه يأكل الناس بعينيه فلا يجوز، وعلى هذا عامة أهل العلم.

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان مدى توكل يعقوب عليه السلام على الله، وثقته في ربه عز وجل، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وكيف لا وهو أحد أنبياء الله ورسله عليهم السلام؟ ].

    توكل على الله عندما أخذوا يوسف وباعوه وحصل ما حصل، ومع هذا لما حن إلى يوسف ما استطاع أن يصرح، وتوكل على الله في إرسال بنيامين، وقال: أخاف عليه منكم، فافعلوا كذا وكذا وإني متوكل على الله وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم:12]، وأرسل معهم ابنه بنيامين، وهذا مظهر من مظاهر التوكل العظيم.

    [ ثانياً: جواز أخذ العهد المؤكد في الأمور الهامة، ولو على أقرب الناس كالأبناء مثلاً ]، جواز تأكيد العهود بالأيمان والحلف، ولو على الأبناء، وهو مأخوذ من هذه الآية الكريمة: حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ [يوسف:66]، ومنه أيضاً: أخذ الكفالة، من الآية أخذت الكفالة، يكفل فلان فلاناً في مال معين، فإذا ما أعطاه فإن الدائن يسترده منه.

    [ ثالثاً: لا بأس بتخوف المؤمن من إصابة العين، وأخذ الحيطة للوقاية منها مع اعتقاد أن ذلك لا يغني من الله شيئاً ].

    لا بأس أن يتخوف أحدنا من العين، وخاصة من شخص عائن معروف بهذا، فيبتعد عنه وما يكشف له عن شيء تحفظاً، وأخذاً للوقاية منها، مع اعتقاد أن ذلك لا يغني من الله شيئاً، وأن الحكم لله وحده في خلقه لا شريك له في ذلك.

    فنحن أمرنا أن نحتاط لنحفظ أنفسنا من الهلاك، ولا بد أن نموت، فالهلاك بيد الله، وعلينا الأخذ بالأسباب، ومن ترك الأسباب فسق، ولكن لا نتوكل على الأسباب فنكفر والعياذ بالله تعالى.

    الأخذ بالأسباب مأمور به المؤمنون، فإذا أهملوها وتركوها فسقوا وتركوا طاعة الله ورسوله، فإذا اعتمدوا على الأسباب فقط وأبوا أن ينظروا إلى الله وأن القدرة له والحكمة بيده وتوكلوا على الأسباب كفروا وعبدوا الأسباب كما هي حال العلمانيين والملاحدة.

    [ رابعاً: وجوب التوكل على الله تعالى وإمضاء العمل الذي تعين وتفويض أمر ما يحدث لله ].

    يجب التوكل على الله تعالى وإمضاء العمل، فإذا أراد أن يسافر إلى مكة فهزمه الخوف فليتوكل على الله عز وجل وليمض وهو يعلم أن أمره إلى الله عز وجل في كل الأمور.

    وفي شيء يريد أن يفعله يتوكل على الله ويفعله إذا أمر الله به وأذن فيه، ولا يرده الخوف في المستقبل من أن لا يفعل ما أمر الله، بل عليه أن يفعل وأن يتوكل على الله، أي: ويفوض أمره إلى الله عز وجل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.