إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (14)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما برّأ الله عز وجل يوسف عليه السلام، واعترفت النسوة وامرأة العزيز بما دبرنه، طلب الملك لقاء يوسف عليه السلام ليستخلصه لنفسه، ويجعله مستشاراً له، فلما عرض على يوسف هذا المنصب طلب إليه يوسف أن يجعله على خزائن مصر لحفظه وأمانته عليه السلام، ولعلمه بكيفية تدبير أمورها، فكان هذا بداية التمكين ليوسف عليه السلام بعد صبره وتحمله لكل ما مر به في حياته من مصاعب وابتلاءات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ... )

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يوسف:53-57].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53] علمنا أن هذا من كلام يوسف، وهو الذي رجحه إمام المفسرين ابن جرير .

    ورده آخرون وقالوا: هذا من قول زليخا امرأة العزيز، والذي فتح الله به علينا وآثرناه: ترجيح قول إمام المفسرين، وهو أن مثل تلك المرأة التي فعلت ما فعلت ليست أهلاً لأن تقول مثل هذا الكلام، ما هي متأهلة له، لا إيمان ولا إسلام، بل كافرة، فكيف تقول: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:52-53] هذا لا تقوله امرأة كهذه، بل هذا قول يوسف عليه السلام وهو أهل له فهو نبي الله ورسوله. ‏

    مراتب وحالات النفس البشرية

    وبالأمس ذكرت لكم تعليماً: أن للنفس مراتب أو حالات أو مقامات:

    فالحالة الأولى أو المقام الأول أو المرتبة: أن النفس إذا خلت من هداية الله نفس شريرة، لا تأمر إلا بالسوء. والشاهد في قوله: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53]، أمارة أي: فعالة، كثيرة الأمر ليل نهار.

    بِالسُّوءِ [يوسف:53] كل ما يسوء من سائر الذنوب والآثام.. من سائر المعاصي والجرائم والموبقات.

    إذاً: فمن أقبل عليها يؤدبها، يربيها، يهذبها، يروضها، يقضي مرحلة معها فيشعر بأنها انصاعت وأصبحت لا تأمر بالسوء إلا نادراً، وإذا أمرت به ندمت ولامته على فعله.

    هذه المرحلة الثانية: النفس اللوامة، وصاحبها ذاك الذي أخذ يربي نفسه ويؤدبها ويهذبها فانتقل من تلك المرحلة إلى ثانية تصبح تلومه إذا فعل سوءاً أو ترك واجباً أو فعل محرماً، إذ السوء ما يسيء إلى النفس البشرية، والذي يسيء إلى النفس فيؤثر فيها بالظلمة والعفن والنتن هو معصية الله ورسوله، سواء كان من الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات.

    المرحلة الثالثة جاءت في قول الله تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    هذه النفس عندما تؤخذ من جسم الآدمي تنادى بهذا النداء، النفس المطمئنة، وهي التي روضها صاحبها ودربها على العبادة، على الطاعة، على كره الحرام والكذب والباطل وعلى حب الخير والمعروف، فبلغت مستوى أصبحت لا يستطيع صاحبها أن يقول سوءاً ولا يقدر أن يفعل منكراً، كانت في المرحلة الثانية تلومه، فانتقل إلى مستوى المطمئنة تمام الاطمئنان إلى طاعة الله ورسوله، تفرح بالعبادة فرحاً شديداً ولا ترضى أبداً عن المعصية بحال من الأحوال، فتنادى عند نزعها وعند لقاء ربها: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    وكان الحبيب صلى الله عليه وسلم يسأل: ( اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك ).

    فلنسأل الله هذا السؤال: اللهم إنا نسألك نفساً مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك ولو خبز الشعير ولو حفنة التمر، راضية مطمئنة.

    لنذكر هذا الذي علمناه: أن للنفس ثلاث حالات:

    الأولى: أمارة بالسوء.

    الثانية: تتراجع وتلوم صاحبها على فعل السوء.

    الثالثة: تكره السوء وتفر منه ولا ترضاه أبداً، ولا تسعد ولا تطمئن إلا في العبادة والعمل الصالح، أسعد ما يكون المؤمن وهو في صلاته، هذه النفس المطمئنة التي سأل رسول الله ربه إياها: ( اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ... )

    ثم قال تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ [يوسف:54] هذا هو الريان بن الوليد، هذا فرعون مصر قبل الفرعون الأخير، وكل حكام مصر يسمون فراعنة.

    وَقَالَ الْمَلِكُ [يوسف:54] لرجاله.. لرجال دولته: ائْتُونِي بِهِ [يوسف:54] أي: أحضروا يوسف لدي وائتوا به عندي.

    ائْتُونِي بِهِ [يوسف:54] لماذا يا ريان ؟ قال: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [يوسف:54] أجعله من خواصي، فلا يشاركه أحد فيما اختص به. لماذا؟ لعلمه، لأنواره، لفقهه، لهدايته؛ لما شاهد وسمع ورأى من آيات الكمال في يوسف، وحسبنا تلك الرؤيا العجب التي حار فيها العلماء وتاهوا وقالوا: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [يوسف:44]، وعبرها أحسن تعبير، وكان -والله- كما كان وكما أخبر.

    والآن سيشاهدها الريان بن الوليد الملك كما أخبر يوسف: فسبع بقرات سمان هي سبع سنين كلها خصب، كلها حب وثمار، وبعد ذلك سبع بقرات تخرج من البحر عجاف تأكل تلك السبع، سبع سنين قحط وجدب لا تسأل كيف كانت حالهم في الديار المصرية، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:49].

    ودبر لهم كيف يفعلون بسنين الغلال والخصب وأنه يجب أن توفروا ما تبذرون، ولا تدرسوا كل الحبوب، دعوها في سنبلها كميات في أماكن معينة، وحين تأتي سنين القحط والجدب تأخذون من ذلك وتعيشون.

    فهذه الرؤيا جعلت الملك ينهار أمام يوسف عليه السلام، فقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [يوسف:54]، وجاءوا به بالفعل، قال تعالى: فَلَمَّا كَلَّمَهُ [يوسف:54]، أي: كلم يوسف الملك، بمعنى: شرح له الرؤيا كما كانت، وأوقفه على عناصرها ومبادئها ونهاياتها اندهش.

    إذاً: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف:54]، إنك اليوم عندنا لذو مكانة عالية سامية، أمين آمن من الخوف لا تخاف شيئاً أبداً، أنت في الأمن وفي المكان العالي والدرجة الرفيعة.

    هذه فضائل العلم والإيمان والتقوى، أنوار الطهارة والصفاء الروحي: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف:54].

    (مَكِينٌ): ذو مكانة، والمكانة: درجة ومنزلة ومنصب، (أَمِينٌ): لا تخاف، آمن من كل سوء، نحميك بجيوشنا ورجالنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)

    فأجابه الصديق قائلاً: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    هنا مسألة علمية: لا ينبغي للمسلم أن يطلب الوظيفة التي هي إمارة وقيادة وسيادة، لا تطلب من الحكومة أن تؤمرك على القرية الفلانية -أي: تجعلك أميراً- أو على الشعب الفلاني، أو على الفلانيين، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاءه أبو موسى الأشعري يسلم عليه وعن يمينه رجل وعن شماله رجل، فنظر الرسول إليهم فعرفهم، جاءوا لطلب الوظيفة، فسألهما فقالا: جئنا لنطلب عملاً في بلاد اليمن، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لن نستعمل على عملنا من أراده ) فالذي طلبه وأراده لا نوظفه فيه.

    وقال أيضاً: ( لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ) وكلك الله إليها ( وإن أعطيتها من غير مسألة أعانك الله تعالى عليها ).

    ( لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ) تركك الله لها تهلكك وتدمرك دنيا وأخرى، ( وإن أعطيتها من غير مسألة أعانك الله عليها ) أعنت عليها.

    فالحمد لله؛ ما بيننا من يطلب الإمارة، لكن على فرض أن إمام المسلمين أسند إليك إمارة وما طلبتها فأبشر فإن الله يعينك عليها ويحفظك وتكون من خير الناس، وإن أنت طلبتها واحتلت على الوصول إليها وكلك الله إليها وما نجحت ولا فزت.

    وهذا الصديق ابن الصديق سأل الإمارة أو لا؟ سألها. ماذا قال؟ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، اجعلني وزير المال والاقتصاد.

    والدولة كلها قائمة على المال والاقتصاد، أليس كذلك؟ بلى. فكيف سألها؟

    أولاً: نقول: هذا نبي الله ورسوله المعصوم لا يخاف عليه أبداً أن تغره الدنيا والمنصب والمال ويهلك، فهو محفوظ معصوم، والبلاد في حاجة إلى مثله، أليس كذلك؟ والله! ما وجدوا غيره ولا يوجد نظيره أبداً.

    فأنت الآن في الظرف هذا الذي نتكلم فيه إذا وجدت قرية أو بلاد لا يحسن الإدارة فيها أحد وعلمت يقيناً أنك تصلحها فيجب أن تطالب بالإمارة من أجل الإصلاح، تعينت عليك، عرفت أنه لا يصلح لها أحد وتتركها لتفسد؟!

    حينئذٍ إذا كنت على علم وقدرة تطالب من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل ونشر الفضيلة والكمال.

    فيوسف عليه السلام كان هذا موقفه، بلاد كفر وضلال وشرك، ثم جاءه الله بهذا الخير، فهل يرفضه؟

    قال: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55]، خزائن الأرض في مصر فقط، ولهذا قالوا: مصر خزينة الأرض إلى الآن؛ لأنه قال: خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55]، لا يعني بالأرض إلا مصر فقط، وهي إلى الآن لو استقام أهلها ووحدوا ربهم وأقبلوا عليه نساءً ورجالاً لوصلوا إلى مستوى لم تعرفه البشرية: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ [الأعراف:96]، فمصر خزينة الدنيا.

    وقوله تعالى: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].

    هل هنا زكى يوسف نفسه؟ مع أن التزكية ممنوعة، قال الله: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]، لا يجوز أبداً أن تقول: أنا أعلمكم، أنا أشرفكم، أنا أطهركم، أنا زكي، أنا نقي، أنا طاهر، أنا صالح، لا ينبغي؛ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ [النجم:32].

    وكيف يزكي يوسف نفسه؟ قال: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، حفيظ للأموال، عليم بتدبيرها وصيانتها وتوزيعها والعمل على إبقائها صالحة نافعة.

    نقول كما قلنا أولاً: يوسف لا تخشى أبداً عليه أن تنتفخ نفسه بالعجب من نفسه؛ لأنه معصوم، محفوظ، هو رسول الله ونبيه.

    ثم ما وجد من يتولى هذا المال، فالعزيز كان كما علمتم في ضعفه، ومات هذه الأيام أيضاً.

    ومن يتولى إدارة المال؟ ليس هناك من هو أهل في تلك الأمة أبداً في علم الله وفي نظر يوسف، فمن هنا رشح يوسف نفسه بقوله: إِنِّي حَفِيظٌ [يوسف:55] للمال عَلِيمٌ [يوسف:55] بتدبيره وكتابته وتقنينه، ولا حرج.

    فلو أن شخصاً -كما قدمنا- وجد مكاناً لا يصلح فيه أحد، وخشي ضياع أموال القرية وأهلها، ووجد في نفسه القدرة فإنه يجوز أن يقول: عينوني؛ لأني قادر على كذا وكذا، ولا حرج.

    قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55] خزائن مصر، إذاً: مصر خزينة الأرض. هكذا قال أهل العلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ...)

    ثم قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ [يوسف:56]، هكذا تدبير الله وقضاؤه وحكمه، كهذا التمكين مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ [يوسف:56]، أي: أرض مصر يَتَبَوَّأُ مِنْهَا [يوسف:56] ينزل حَيْثُ يَشَاءُ [يوسف:56].

    يَتَبَوَّأُ [يوسف:56] التبوء: النزول، تبوأ الدار والبيت والمكان حَيْثُ يَشَاءُ [يوسف:56]؛ لأنه أصبح الملك.

    فالملك تنازل، الريان قال: لا شأن لي بعد اليوم، اشتغل مع نسائه وترك كل شيء لدولة يوسف، والعزيز وزير المال مات، وزليخا تزوجها يوسف أيضاً بعد انتهاء عدتها، فشفى صدرها وعالج مرضها.

    إذاً: هكذا يقول تعالى: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ [يوسف:56]، أغلق الله كل باب وفتح بابه فقط، فإما أن تقرع باب الله، وإما أن الأبواب موصدة في وجهك.

    معنى قوله تعالى: (نصيب برحمتنا من نشاء)

    قوله تعالى: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ [يوسف:56]، من هو الذي يشاء الله إصابته بالرحمة؟

    ذاك الذي يقرع باب الله ويطرح بين يديه ويبكي بين يديه ويتضرع ويسأل ويلح في السؤال فيعطيه.

    وإن استكبرت فلم تلتفت إلى الله ولم تسأله ولم تطلب منه فوالله! لن يفتح لك الباب.

    نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ [يوسف:56] إصابته برحمتنا.

    من هو الذي يشاء الله إصابته برحمته؟ البيض؟ السود؟ الحمر؟ الصفر؟ الأغنياء؟ الفقراء؟ من هم؟

    الذين يقرعون باب الله، ويلازمونه ليل نهار طول العالم متضرعين باكين سائلين، هؤلاء يصيبهم الله برحمته، إيماناً وتقوى وطهراً وصفاء وغنى وكفاية في هذه الحياة.

    فالآية الكريمة تقول لكم: أقبلوا على ربكم! أما رأيتم ماذا أعطى يوسف؟ أصبح ملكاً! جاء عبداً مسروقاً وبيع واشتري وبعد ذلك أصبح ملك البلاد.

    قرع باب الله، ما تخلى عن ذكر الله إلا تلك اللحظة البسيطة وعوقب عليها سبع سنوات.

    ما تلك اللحظة؟ حين قال لزميله السجين لما عفي عنه وأخرج من السجن وعاد إلى وظيفته في القصر، قال له: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42]، فعاتبه الله فأنسى الله ذلك الفتى هذه الكلمة سبع سنوات وما تذكر، حتى رأى الملك الرؤيا، وقال: أنا آتيكم بمن يعبرها، فكيف بالذي يقول: نحن.. قوتنا.. رجالنا.. إراداتنا.. ولا يقول حتى: (إن شاء الله)؟ كيف ينجح هذا؟

    رسول الله صلى الله عليه وسلم مصطفاه وسيد أنبيائه وخاتمهم يعاقبه ربه بانقطاع الوحي نصف شهر، لو رأيته في تلك الأيام في مكة كيف يمشي؟! أم جميل العوراء تقول: قلاه ربه!

    خمسة عشر يوماً وهو في هم وكرب من أجل ماذا؟ هل ذبح واحداً؟ أخذ ماله؟ سب وشتم؟

    لا والله، بدل أن يقول: إن شاء الله، قال: سأخبركم غداً، لأجيبنكم عن سؤالكم غداً.

    وبعد العتاب الشديد نزلت سورة: وَالضُّحَى [الضحى:1]، اسمع الرب يقسم: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]، يقسم على ماذا؟ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3]؛ لأن العاهرة أم جميل كانت تغني بالشوارع وتقول: تركه ربه وقلاه! مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3].. إلى آخر السورة، فطابت نفسه وزكت روحه وعادت إليه روحه وحياته.

    من أجل ماذا؟ قال اليهود لأهل مكة: اسألوه عن ثلاثة: اسألوه عن الروح ما هي؟ وأين هي؟ وكيف هي؟

    واسألوه عن فتية كانوا كذا وكذا في الزمان الأول؟

    واسألوه عن رجل طاف المشرق والمغرب؟

    فجاءت الأسئلة وسورة الكهف ما نزلت، فقال للسائل: (غداً أجيبك)، فعاقبه ربه نصف شهر بانقطاع الوحي.

    ونزل بعد ذلك: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]، فما سمع رسول الله يقول في شيء في المستقبل قط إلا قال: إن شاء الله، في أي شيء مستقبلاً: غداً نسافر إن شاء الله، أذهب أتوضأ إن شاء الله، الليلة نجلس إن شاء الله، دائماً إذا كان في المستقبل قال كلمة (إن شاء الله) إذ هو الحق، إذا لم يشأ الله فهل يقع فعلك أنت وتأتي به؟ مستحيل حتى يشاءه الله عز وجل.

    قال: وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ [يوسف:56]، إذاً: من هم الذين يشاء الله إصابتهم بالرحمة؟

    الذين يطرحون بين يدي الله ويبكون بين يديه ويسألونه الليل والنهار الهداية، هؤلاء الذين يهديهم.

    أما المتكبرون، أما الجاهلون، أما الناسون المعرضون فوالله! ما هم بأهل لهداية الله.

    معنى قوله تعالى: (ولا نضيع أجر المحسنين)

    قوله تعالى: وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:56]، من هم المحسنون؟ ما حقيقة الإحسان؟

    الإحسان: هو التجويد والإتقان وأداء العمل على أكمل وجوهه وأحسنها، حتى ولو خياطة ثوب، حتى ولو طبخ شاي، حتى ولو كذا.

    الإحسان: إتقان العمل وتجويده وتحسينه من أجل الله، هذا هو الإحسان، فكل عبد يحسن ويجود ويرتب وينظم أعماله حسب مراد الله تعالى يكون من المحسنين.

    وها هو ذا جبريل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال له في الجواب العام الكامل الشامل: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ).

    أولاً: ( أن تعبد كأنك تراه )، تتوضأ وكأنك أنت تنظر إلى الله فلا تسيء في وضوئك، هل تعبث فيه وتزيد وتنقص؟ الجواب: لا، فأنت تنظر إلى الله ( كأنك تراه ).

    تدخل في صلاتك فهل تستطيع أن تخرج منها أو تأتي بما يتنافى مع الخشوع فيها وأنت كأنك تنظر إلى الله؟!

    تحمل سلاحك وتريد الجهاد في سبيل فهل تقصر أدنى تقصير وأنت تشعر أنك مع الله؟!

    كل من قدر على أن تكون حياته يرى فيها الله فإنه يتقن أعماله كلها ولا يسيئها ولا يفسدها ولا ينقص فيها ولا يزيد حتى تثمر له زكاة النفس وطهارتها.

    ثم هذه المرتبة ما كل واحد يصل إليها، فدونها مرتبة عامة، وهي: قوله: ( فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، أنت الآن تصلي فاعلم أن الله يراك وإن لم تره أنت، أنت الآن تتكلم في مجلس فاعلم أن الله يراك فأحسن كلامك وأتقن وجود ما تقول، إبرة في يدك تخيط بها فاعلم أن الله يراك فأحسن خياطة هذا الثوب.

    هذا المبدأ من عرفه وعاش عليه ما أساء طول حياته أبداً، مع أنه الواقع أحببت أم كرهت.

    هل ترى أن الله لا يراك؟ كلا. ألا يكون معنا وهو القائل: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى [المجادلة:7] من الثلاثة وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] في البر أو البحر، في السماء أو في الأرض.

    وبينا لكم حقيقة: وهي أن العالم هذا كله في قبضة الله، والسموات مطويات بيمينه، فأين يغيب عنه شيء؟!

    وضربنا لذلك مثلاً بالنملة بين يديك أنت محيط بها من فوقها ومن تحتها ومن كل جهاتها؟ أليس كذلك؟ لقدرتك وعلمك وكمالك وضعفها وعجزها.

    فمن عرف هذا وما نسيه والله! لا يسيء في قول ولا عمل؛ لأنه يراقب الله عز وجل.

    فماذا قال تعالى؟ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ [يوسف:56] أي: ثواب الْمُحْسِنِينَ [يوسف:56] لأعمالهم.

    هيهات هيهات أن تصلي ولا تجزى عن صلاتك! أن تزكي ولا تجزى عن زكاتك! أن تجاهد ولا تجزى عن زكاتك!

    اللهم إلا إذا أسأت صلاتك وجهادك وزكاتك وما أحسنتها فلا ثواب.

    وعد الله صدق، فهو يجزي المحسنين، أما غير المحسنين فلا يجزيهم، يعملون وأعمالهم باطلة؛ لأنهم أساءوها وما جودوها ولا أتقنوها.

    والسؤال الذي يطرح نفسه: الذي لا يعرف العبادات وقوانينها وأوقاتها وظروفها وهيئاتها كيف يحسن؟

    لهذا يجب أن نتعلم كيف نعبد الله عز وجل؛ حتى نتقن تلك العبادة ونحسنها؛ لنزكي أنفسنا ونطهرها.

    كن من المحسنين في القول إذا قلت، وفي العمل إذا عملت، ولن تكون محسناً إلا إذا كنت تعرف القول الذي يرضى الله به ولا يكرهه والعمل الذي يطلبه منك ويريده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون)

    ثم قال تعالى: وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يوسف:57]، لا يضيع أجر المحسنين في البناء والحصاد والزرع والعمل، كل هذه لا يضيع أجرهم فيها.

    والآخرة هي ثمار الدنيا ونتائج الحياة الدنيا التي أحسنت فيها: وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ [يوسف:57]، خير بمعنى: أخير، ولكثرة تداول الكلمة تركوا (أخير) واستغنوا بـ(خير)، فهو اسم تفضيل من (أخير)، أخير من خير الدنيا وعملها.

    وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ [يوسف:57]، لمن؟ لبني هاشم؟ لبني تميم؟ للأغنياء؟ للفقراء؟ للعلماء؟ لمن؟

    قال: لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يوسف:57] آمن واتق فأنت ولي الله، والآخرة -والله- خير لك من الدنيا بما فيها.

    فقدت مالاً.. فقدت أولاداً.. فقدت زوجة.. فقدت وظيفة.. فقدت كل شيء فلا قيمة له؛ لأن الآخرة خير، فقط آمن واتق.

    حقيقة أولياء الله

    وقد تكرر القول عندنا، ونقول: من هم أولياء الله؟ هل هو سيدي عبد القادر؟ هل مولاي إدريس ؟ هل عبد الحفيظ؟ من هم أولياء الله؟

    نقول: كنت تدخل دمشق في ظروف مضت وتسأل من تلقاه في أول الشارع: أنا جئت من بلاد بعيدة أريد أن أزور ولياً من أولياء الله. فوالله! لن يأتي بك إلا إلى ضريح!

    تدخل القاهرة وما هي دمشق الصغيرة، وتقول لأول من تلقاه: السلام عليكم. أنا جئت من كذا وأريد أن أزور ولياً من أولياء الله في هذه البلاد.

    فوالله! لا يوصلك إلا إلى ضريح! لا يفهم أن ولياً بين الناس في السوق أو في المسجد يأكل ويشرب.

    وهكذا قل في كراتشي ومراكش والعالم الإسلامي بكامله!

    مضت سنون جهل كامل، ودليل هذا: استعمار الغرب واستذلاله لهم وتحكمهم فيهم، ولو كانوا أولياء الله لا يسلط عليهم أعداءه، حاشا لله ومعاذ الله! لكن جهلونا وأبعدونا عن الطريق فأصبحنا أهلاً لأن نذل وننكسر.

    من هم أولياء الله؟

    أجاب الله بنفسه عن أوليائه، اسمع هذا البيان من سورة يونس: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، من هم يا رب؟! الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]؛ لأن الآية أجابت جواباً بيانياً عن سؤال مفروض: من هم أولياء الله؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

    ما هو بمؤمن فكيف يكون ولياً لله؟!

    ما هو بمتق، فكيف يكون ولياً لله؟

    حاشا لله، لا بد أن يكون مؤمناً تقياً.

    والإيمان كذلك، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، آمنت بالله وبما جاء عن الله فأنت مؤمن.

    والتقوى تتطلب منك أن تعرف محاب الله محبوباً بعد محبوب، ومكارهه تعالى مكروهاً بعد مكروه، فتؤدي تلك المحاب في أوقاتها وظروفها وهيئاتها، وتتجنب تلك المكاره وتبتعد عنها، وبذلك تكون قد اتقيت ربك وأصبحت تقياً، وساعتها أنت ولي الله.

    من ولي الله؟ كل مؤمن تقي، وهل هو أبيض أسود، غني فقير؟ لا تسأل.

    هل الجاهل يكون ولياً لله؟ لا يكون. لماذا يحرمه الله من الولاية؟ لأنه ما عرف كيف يتقي الله وبم يتقيه؟ فلابد أن يتعلم.

    ولهذا قال بعض أهل العلم: ما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علمه! والصوفية يقولون: علمه بالإلهامات اللدنية، وهذا خطأ، إذا أرادك الله ولياً هداك إلى أن تسأل أهل العلم، إلى أن تجالس العلماء، إلى أن تمشي وراءهم حتى تتعلم.

    إذ أرادك ولياً علمك، أما الجاهل الذي ما عرف الله ولا جلاله ولا كماله ولا محابه ولا مساخطه فكيف يصبح ولياً؟ ومن هنا وجب طلب العلم.

    وأبشركم أننا بشرنا من ثلاث ليالٍ من أحد الصالحين الصادقين، قال: يا شيخ! توجد قرية في الجنوب يجتمع أهلها رجالها ونساؤها وأطفالها كل ليلة وطول العام في المسجد من المغرب إلى العشاء وبين أيديهم (كتاب المسجد وبيت المسلم)، وقد قلت يا شيخ: إنك ستحج هذه القرية. فقلت له: نعم سأحجها. قال: يوم كذا سنمشي إليها. ويحلف بالله أنهم أصبحوا كالشخص؛ كالجسم الواحد، علموا نساءً ورجالاً وأطفالاً، فهذا هو طريق العلم.

    إذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف العمل كما يقف عند اليهود والنصارى ويذهبون إلى المراقص والمقاصف، يقف العمل وتغلق الدكاكين ويوضع كل شيء، ونقبل على بيت الرب نساؤنا وأطفالنا معنا، للنساء مكان وللأطفال مكان، وليلة آية وليلة حديث كهذا الحديث وكهذه الآية، فهل نبقى جهالاً؟ مستحيل.

    فإذا زال الجهل هل يبقى الفسق والفجور؟ والله! لا يكون، ما يجتمعان أبداً؛ إذ علة الفسق والظلم والفجور هي الجهل والعياذ بالله.

    وسوف أزور هذه القرية إن شاء وأخبركم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.