إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن أظهر الله عز وجل براءة يوسف عليه السلام مما اتهمته به امرأة العزيز رأى العزيز ومن معه أن يسجن يوسف عليه السلام، حتى ينسى الناس هذه القصة وتنمحي من أذهانهم، فدخل السجن ودخله معه فتيان ممن كانوا يخدمون الملك، ولما رأيا ملامح العلم، وسيما الصلاح في يوسف أرادا أن يجرباه في تأويل رؤياهما، فلما سألاه بدأ أولاً ببيان عقيدة التوحيد لهما، ثم بدأ يفسر لكل واحد منهما ما تحمله رؤياه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [يوسف:35-38].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف:35].

    بدا لمن؟ للسلطان.. للعزيز ورجاله ومستشاريه وأهل الحكم معه.

    بَدَا لَهُمْ [يوسف:35] ظهر بوضوح، أولاً: يكفيهم شهادة الطفل التي شهدها، وهو شاهد يوسف.

    ثانياً: أن القميص قد من دبر.

    ثالثاً: النسوة اللائي قطعن أيديهن.

    إذاً: لهذه الأحداث كلها ظهر لهم أن يدخلوه السجن.

    ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ [يوسف:35] العلامات الدالة على صدق يوسف ونجاته، ومع هذا قالوا: والله! لنسجننه.

    هل هذا من تأثير زليخا ؟ بالأمس قالت: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف:32]، أو كان الأمر من الخبراء والمسئولين، قالوا: قطعاً لدابر هذه الفتنة وإنهاء لها بين الناس ندخله السجن؛ إذ لو بقي خارج السجن لتجمعت عليه النساء والرجال، وما في ذلك شك، فرأوا أن يسجنوه، والسجن معروف: مكان يسجن به المرء، ولا يسمح له بالخروج منه إلا بإذن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ودخل معه السجن فتيان...)

    قال تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36].

    وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ [يوسف:36] حسب قدر الله وتقديره في الوقت الذي أرادوا أن يسجنوه قضى الحاكم بسجن هذين الفتيين فدخلا معه السجن.

    والفتيان واحدهما: فتى، وهما في الحقيقة عبدان، لكن لشبابهما قيل فيهما: فتيان، ويطلق الفتى على العبد الخادم أيضاً ولا حرج، وكانا يعملان في قصر الملك، أحدهما يسقيه الماء والشراب بأنواعه، والثاني يقدم له الرغيف والخبز والعيش، فمكرا فيما بينهما بالملك، فأرادا أن يقتلاه بالسم في الشراب أو الطعام، وفضحهما الله عز وجل، فامتنع صاحب الطعام وأصر صاحب الشراب، فأعلم صاحب الطعام الملك أنه يريد به كذا، فقال: إذاً: أدخلوهما السجن إلى حين؛ حتى ينظر في قضيتهما.

    وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ [يوسف:36] وبعد يوم.. يومين.. عشرة قالا ما سيأتي ذكره.

    وقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف:35] كم هذا الحين؟ لوقت غير معلوم، والحين يكون أربعين سنة، ويكون سنة، ويكون أشهراً معدودة، ويكون وقتاً قصيراً أو طويلاً، على كل هم قالوا: نسجنه مؤقتاً، حتى تنتهي هذه المشكلة ويخرج، فما حددوا له سنة ولا عشر سنين، حتى حين من الأحيان ووقت من الأوقات المناسبة.

    وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36] لما شاهدا حسن وكمال وعلم ونور يوسف كأنه البدر يوحى إليه، حيث أخذ الوحي ينزل عليه في السجن، فلما شاهدا ذلك الكمال قالا: هيا نجرب هذا الرجل، وقال أحدهما: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36] في منامي، وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36]، فالقضية بالفعل أرادا فعلها، أراد أحدهما أن يجعل السم في الخمر.. في العنب، وهذا يجعله في الخبز، فأرادا أن يمتحنا يوسف في هذه القضية، ادعيا أنهما رأيا في منامهما، هذا رأى في منامه أنه يعصر خمراً، أي: عنباً لتكون خمراً، وهذا يحمل على رأسه خبزاً، ليطعمه من يطعمه، فقالا: هكذا رأينا في منامنا، فعبر لنا هذه الرؤيا؛ لكمالك وعلمك وصلاحك. وشاهدا هذا بأعينهما، نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:36] بما يئول إليه هذا المنام، إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] والمحسنون أهل لمثل هذا، وما هم من المسيئين لا في سلوكهم ولا في أقوالهم ولا في معتقداتهم وأعمالهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله...)

    فأجابهما يوسف عليه السلام بقوله: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ [يوسف:37] غداء أو عشاء إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37] كما كان عيسى عليه السلام يخبرهم بطعام الغد وبعد غد، لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:37] بحاله ووصفه ووقته قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37]، فقالا: إذاً: أنت كاهن، أنت ساحر، أنت كذا.

    أخذا يبحثان عن سبب هذا العلم، كيف يتم هذا؟ نحن اخترعنا هذه الرؤيا وهي دعوى ادعيناها، وهو يقول: أنبئكما بكل ما تقولان، بل غداؤكما وعشاؤكما غداً أنبئكم به!

    فلما وضعاه هذا الموضع: أنت ساحر أو كاهن أو دجال تقول هذا الكلام؟ أجابهما قائلاً: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف:37]، وعلل لذلك فقال: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37] وبهذا وجد طريقاً لدعوتهم إلى الله.

    أولاً: علل كيف هذا العلم وهذه المعرفة؟ وأنه وحي يوحى إليه، وأصبح يوحى إليه في السجن!

    وقد ألهم في البئر.. في غيابة الجب إلهاماً، والآن وحي يوحى إليه؛ لأنه بلغ سن التكليف.. سن الرجولة.

    فقال لهما: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ [يوسف:37] أي: تأكلانه إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37]، وعلل لذلك فقال: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف:37] أي: خالقي ورازقي ومدبر حياتي، ومالك أمري ومعبودي الذي لا معبود لي سواه، وهم يؤمنون بالرب، ولكنهم يشركون الأصنام والأحجار والشمس والقمر، وما إلى ذلك، لكن الإيمان بوجود الله ما نفي ولا كفر به إلا هذه الأيام، في عهد البلاشفة الروس فقط، قالوا: (لا إله والحياة مادة)، وإلا فكل الخليقة تؤمن بوجود الله عز وجل.

    ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف:37] وعلل فقال: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ [يوسف:37] أي: دين قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37] في مصر وفي بيت المقدس.

    في بيت المقدس.. في الشام الكنعانيون مشركون إلا من نجى الله، والمصريون مشركون يعبدون أنواعاً من الآلهة، وهكذا فتح الباب للهداية لهما فقال: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37].

    أما الكفار بالآخرة فهذا موجود؛ لأن أمرها صعب، وأدلتها وبراهينها عقلية، أما الإيمان بالله فكل من نظر إلى الكون يعرف أن له خالقاً، ينظر إلى أصبعه: لماذا جاء مختلفاً؟ يعرف أن الخالق فعل هذا.

    لكن الآخرة وما يجري فيها من جزاء بالنعيم المقيم أو العذاب الأليم هذا يتوقف على الأخبار الإلهية والنبوات والرسالات النبوية.

    ومع هذا من السهل أيضاً أن يفهم العاقل أننا ما خلقنا هنا إلا للعمل، وأين الجزاء؟ إذاً: هناك دار أخرى، وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ...)

    وقال لهما: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:38] في الحقيقة أبوه يعقوب ثم إسحاق ثم إبراهيم، لكن بدأ بجده، وهذا جائز، فهم آباؤه كلهم، أبو أبيك أبوك.

    وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ [يوسف:38] لو سألاه: ما هذه الملة؟ كيف تتبعها؟ لكان يقول: كذا وكذا، يعلمهما، فأوجد في نفوسهما علماً حتى يتساءلا.

    وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:38] ثم قال لهما: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:38] أبداً، ولن يكون من نصيبنا هذا، أو مما نميل إليه أو نقبله.

    مَا كَانَ لَنَا [يوسف:38] نحن المسلمين أولاد إسحاق ويعقوب وإبراهيم مَا كَانَ لَنَا [يوسف:38] ولن يكون أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:38] من الشرك، لا شمس ولا قمر ولا كوكب ولا صنم ولا حجر ولا إنسان ولا حيوان أبداً، وبأي نوع من أنواع الشرك.

    ثم قال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا [يوسف:38] وهذا هو الواقع.

    أسألكم بالله: هل أنتم كنتم كفاراً وأسلمتم؟ الجواب: لا، لولا نعمة الله عز وجل لكان ثلثانا كفاراً!

    لو كانوا آباؤنا كافرين فهل سيسلم هذا العدد منهم؟ هذا فضل الله عز وجل.

    قال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [يوسف:38] والله! كأنها تعنينا نحن! فالحمد لله، ما جرينا وراء الإسلام وطلبناه بالشرق والغرب، ولا صعدنا السماء ولا دخلنا البحر، وإذا بنا مسلمين، فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون، فهيا نشكر الله عز وجل أولاً بكلمة: الحمد لله، لا تفارقنا أبداً.

    ثانياً: بالحفاظ على هذه الملة والدفاع عنها والانخراط فيها، وإقامة حدودها والقيام بواجباتها وما حرمت وما نهت، حتى نكون من الشاكرين.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    نسمع الآيات مرة أخرى: يقول الله تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ [يوسف:35] بدا: ظهر لهم مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ [يوسف:35] الآيات: العلامات الدالة على الشيء، هذه الآيات حسبهم منها شهادة الطفل الرضيع الذي شهد بها.

    إذاً: ماذا قالوا؟ حلفوا. لنسجننه.

    ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف:35] ما حددوا الوقت؛ لأنهم لا يعلمون.

    وقد بينت لكم سر هذا: حتى تنطفئ الفتنة، فعشر نساء أو اثنتا عشرة امرأة قطعت أيديهن، وأزواجهن ما يتكلمون! الوزراء والدنيا قائمة، فما هو الحل الوحيد؟ أن نستر هذا، ستره في السجن وانقطاع الناس عنه.

    وشاء الله وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ [يوسف:36] بتدبير الله عز وجل، وقد بينت لكم ما قال أهل العلم في الفتيين: كانا يعملان في قصر الملك، وتآمرا على قتله بالسم في الطعام أو الشراب، ثم بعد ذلك انهزما وتم نقلهما إلى السجن، وسيأتي بيان هذا في المستقبل، يعبر لهم الرؤيا كما هي.

    إذاً: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا [يوسف:36] بعد ما شاهدا صلاح يوسف وكماله وصدقه وأعجبا به قالا: هيا نمتحنه ونختبره، قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي [يوسف:36] أي: في منامي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف:36] وهل الخمر تعصر؟ يعني عنباً ينقلب إلى خمر، يصبح خمراً.

    وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف:36] فسر لنا وعبر لنا، نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] ووالله! إنه لمنهم، بل وسيدهم.

    فهذه الصحبة في السجن نعم الصحبة، فلهذا السجن يدخله البر والفاجر، يدخله الولي والعدو لله عز وجل، ليس معناه أنه دائماً مقر الظلمة والفجرة، بل ويدخله الصالحون.

    قالا: نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] فأجابهما قائلاً: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37]، وقد ذكرت لكم أن عيسى أيضاً كان يخبرهم عن الطعام الآتي غداً، والعشاء وما فيه، وهذا بالوحي الإلهي وبالتعليم الرباني، فتجلت بذلك نبوته ودعوته ورسالته.

    وبين لهما فقال: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف:37] ما أنا بدجال ولا بكاهن ولا بساحر فبين لهما أن هذا مما علمه ربه.

    لم فاز بهذا العلم دون غيره؟ علل يا يوسف؟! قال: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ [يوسف:37] أي: دين قوم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37] كالمصريين والكنعانيين، الكل هكذا، تخلى عن دين الفراعنة ودين الكنعانيين.

    وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي [يوسف:38] مشيت وراء ما تركه آبائي وأجدادي من الملة الحنيفية، من الإسلام والدعوة إلى الله وعبادته وحده، وبين لهم آباءه، فقال: إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:38] يعقوب أبوه، وإسحاق جده، وإبراهيم جد أبيه.

    وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:38]، والله! لهذا كلام لنا، والله! ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء بعدما أكرمنا الله بالإسلام وأكرم آباءنا وأجدادنا، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، والله! لا ندعو ميتاً ولا نسأله ولا نحلف به، ولا نستعيذ به، ولا ندعو قبة ولا نجلس تحتها أبداً، وكيف وقد أنعم الله علينا بالإسلام؟!

    مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:38] لو ما علمنا الله لكنا نعبد سيدي عبد القادر وسيدي فلاناً وفلاناً، لكن فضل الله علينا

    فقال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [يوسف:38] وهي سنة ثابتة، أكثر الناس لا يشكرون نعم الله التي أنعم بها عليهم: الدين والدنيا معاً.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب أيضاً. ‏

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق ] سياق الحديث [ عن يوسف عليه السلام، وما حدث له بعد ظهور براءته من تهمة امرأة العزيز ] امرأة السلطان، واسمها زليخا .

    [ قال تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ [يوسف:35] أي: ثم ظهر للعزيز ومن معه من بعدما رأوا الدلائل الواضحة على براءة يوسف، وذلك كقد القميص من دبر، ونطق الطفل وحكمه في القضية ] بقوله: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف:26] إلى آخره، [ ومن أدلة كافية في براءة يوسف، إلا أنهم رأوا سجنه إلى حين ما، أي: ريثما تسكن النفوس، وتنسى الحادثة، ولم يبق لها ذكر بين الناس.

    وقوله تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ [يوسف:36] أي: فقرروا سجنه وأدخلوه السجن، ودخل معه فتيان. أي: خادمان كانا يخدمان ملك البلاد بتهمة وجهت إليهما فدخلا السجن.

    وقوله تعالى: قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36]، وكان هذا الطلب منهما بعد أن أعجبا بسلوك يوسف مع أهل السجن وحسن معاملاته، وسألاه عن معارفه ] كيف حصلت؟ [ فأجابهم بأنه يعرف تعبير الرؤى، فعندئذ قالا: هيا نجربه، فندعي أنا رأينا كذا وكذا، وسألاه بالفعل فأجابهما بما أخبر تعالى به في هذه الآية، فقال: لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37] واللفظ محكم لما يأتيهما في المنام أو اليقظة، وهو بما علمه الله تعالى يخبرهما به قبل وصوله إليهما، وبما يئول ويرجع إليه الأمر، وعلل لهما مبيناً سبب علمه هذا بقوله: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37] وهم الكنعانيون والمصريون، إذ كانوا مشركين يعبدون الشمس وغيرها.

    تركت ملة الكفر واتبعت ملة الإيمان بالله واليوم الآخر، ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم واصل حديثه معهما دعوة لهما إلى الإيمان بالله والدخول في الإسلام، فقال: مَا كَانَ لَنَا [يوسف:38] أي: ما ينبغي لنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:38] فنؤمن به ونعبده معه، ثم أخبرهما أن هذا لم يكن باجتهاد منه ولا باحتيال، وإنما هو من فضل الله تعالى عليهم، فقال: ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ [يوسف:38] إذ خلقهم ورزقهم وكلأهم ودعاهم إلى الهدى، وبينه لهم، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ [يوسف:38] فهم لا يؤمنون ولا يعبدون ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: دخول يوسف السجن بداية أحداث ظاهرها محرق وباطنها مشرق ]، ظاهر الأحداث أنها محرقة، وباطنها مشرق، وسوف يأتي الكلام في الدرس الآتي إن عشنا.

    [ ثانياً: دخول السجن ليس دائماً دليلاً على أنه بيت المجرمين والمنحرفين، إذ دخله صفي الله تعالى يوسف عليه السلام ] كما بينت لكم.

    [ ثالثاً: تعبير الرؤى تابع لصفاء الروح ]، تعبير الرؤى ذاك التعبير الصادق الذي قلما ينحرف عن الموضوع، ذاك التعبير الصادق ناتج عن صفاء الروح، [ تابع لصفاء الروح وقوة الفراسة، وهي في يوسف علم لدني خاص ]، أي: علم من الله عز وجل، وفي أول السورة قال تعالى: وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:21].

    [ رابعاً: استغلال المناسبات للدعوة إلى الله تعالى ] فالداعي إلى الله يستغل المناسبة، حفل فيه عشاء أو غداء يجد الفرصة، اجتماع.. لأمر ما اجتمع أهل القرية فيجد الفرصة، يدخل في ذلك ويبين لهم الطريق.

    من أين أخذنا هذا؟ من قوله: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37]، اغتنم الفرصة.

    إذاً: استغلال المناسبات للدعوة إلى الله تعالى كما استغلها يوسف عليه السلام، وما زال في الآيات يدعوهم ويبين لهم.

    [ خامساً: وجوب البراءة من الشرك وأهله ]، من أين أخذنا هذا؟

    من قوله تعالى: مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [يوسف:38]، وجوب البراءة من الشرك وأهله، فلا يحل لمؤمن موحد أبداً أن ينتمي إلى جماعة الشرك أو إلى أعمالهم أو يرضى عنهم.

    [ سادساً: إطلاق لفظ الآباء على الجدود ]، إذ قال: (آبائي) وأراد إسحاق وإبراهيم، [ إطلاق لفظ الآباء على الجدود، إذ كل واحد هو أب لمن بعده ].

    هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.