إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من سمات أهل الكتاب أنهم لا يكادون يضبطون الأحداث التاريخية، ومن ذلك كلامهم في عدة أصحاب الكهف، ومقدار لبثهم في كهفهم، فذكر بعضهم في عدتهم أنهم ثلاثة فتية والكلب رابعهم، وبعضهم قال: بل هم خمسة وسادسهم كلبهم، ولكن الله عز وجل بين أنهم كانوا سبعة والثامن الكلب، ثم اختلفوا في مدة بقائهم في الكهف، فقال بعضهم أن ما ذكره الله من الثلاثمائة وتسع سنين، إنما هو الوقت بين وجودهم في الكهف وحديث النبي عنهم، فرد الله قولهم مثبتاً أن هذه المدة إنما كانت مدة مكثهم في الغار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا * وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:22-26].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم واحفظوا ما تسمعون: سورة الكهف لها سبب في نزولها، والسبب هو أن كفار قريش بعثوا وفداً من مكة إلى اليهود بالمدينة، وهذا الوفد يقول لليهود: ما تقولون في هذا الذي يدعي النبوة والرسالة في مكة؟ هل هو نبي ورسول؟ ماذا ترون فيه؟ فقال علماء اليهود للوفد: -وفيهم علماء، ومن أفضلهم من أسلموا كـعبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه- سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عنها فهو نبي ورسول، وإن لم يجب عنها فهو ليس بنبي ولا رسول، وروا رأيكم فيه كما تريدون، وقالوها في صدق، ولذلك لما جاء الوفد اتصلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: نسألك عن ثلاثة أشياء: عن الروح؟ وعن فتية في الزمن الماضي لهم شأن؟ وعن ملك ملك الشرق والغرب؟

    فاستعجل صلى الله عليه وسلم لبشريته فقال: ( غداً أجيبكم عما سألتم )، فمن ثم أدبه ربه فمنع عنه الوحي والله خمسة عشر يوماً، وكان في هم وكرب عظيم، وقد أزال الله كربه وهمه فأنزل عليه سورة الضحى، واسمعوا إلى الصيغة، فهي صيغة عتاب وإزالة العتاب: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]، وهذه يمين، قم قال: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3]؛ لأن أم جميل امرأة أبي جهل أصبحت تقول: مذمماً أبينا ودينه قلينا، ثم قال تعالى: وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:4-11]، فهذه السورة نزلت من أجل مسح دموع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكربه الذي أناله بسبب انقطاع الوحي نصف شهر، وعند ذلك قالوا: إن محمداً يكذب علينا، إذ إنه ما أجاب عما سألناه، وبالتالي ليس هو بنبي ولا رسول.

    ثم أنزل الله تعالى سورة الكهف وفيها الإجابة عن الفتية، وعن الملك الذي ملك الشرق والغرب، كما أنزل من سورة الإسراء قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، أي: هو أعلم بها، إذ الروح من أمر الله وشأنه، فماذا تعرف عن الروح في الجسد؟

    ونحن لا زلنا مع الفتية الذين ضايقهم مواطنوهم وشددوا عليهم، ومشوا بهم إلى الملك الحاكم، وأرادوا أن يحملوهم على الكفر والشرك، فعزموا على الهجرة وترك البلاد، إذ الهجرة واجبة وفريضة إذا حيل بينك وبين عبادة ربك، إذ أنت مخلوق لهذه العبادة، فإن حال بينك وبينها من يحول وجب أن تهجر البلد لتعبد الله عز وجل، فخرج الفتية هاربين من ذلك البلد وأهله، فأووا في المساء إلى جبل فيه كهف ودخلوا فيه، وكان معهم كلب يمشي معهم، فأنامهم الله ثلاثمائة سنة وتسع سنين، قال تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ [الكهف:25]، وتسع سنين، وهذا بحساب القمر، وأما بحساب الشمس فثلاثمائة سنة فقط، فالتسع السنين زائدة؛ لأن شهر القمر أكثر، فكل ثلاثين سنة سنة.

    وشاء الله بعد هذه الفترة أن يوقظهم، فاستيقظوا وأجسامهم سليمة كأنهم ناموا من الصباح، وكذلك ثيابهم كما هي، ما أثر فيها الأرض أبداً ولا أكلتها، ومن تدبير الله أنه كان يقلبهم يميناً وشمالاً، فلما استيقظوا بعثوا أحدهم بنقود كانت في جيوبهم، وهذه النقود هي دراهم أو فضة ليأتيهم بالرزق الطيب، ولما دخل أنكره أصحاب البيع والشراء وتعجبوا، فمشوا وراءه فعثروا عليهم، وكان الوضع قد اختلف، فالآن الملك مسلم والشعب أيضاً أكثره مسلم، كما اختلفوا في عددهم وفي المدة التي لبثوا فيها، واسمعوا إلى جواب الله تعالى.

    قال تعالى وقوله الحق: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22]، أي: سيقول المختلفون من أهل البلاد: هم ثلاثة والرابع هو الكلب، والبعض الآخر يقول: هم خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ [الكهف:22]، أي: قول بدون علم ولا يقين، إذ يرمون الكلمة هكذا وليس عن علم.

    ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22]، والقائل بهذا قد أصاب، قال ابن عباس: أنا كنت ممن قال الله: مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف:22]، فأنا من هذا القليل، إنهم سبعة والكلب هو الثامن.

    إذاً: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ [الكهف:22] لا بعلم ويقين، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ [الكهف:22]، يا رسولنا والمبلغ عنا: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ [الكهف:22]، أي: بعددهم، مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف:22]، ومن القليل رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عباس كذلك، فقد قال: أنا من القليل، والظاهر أنهم كانوا سبعة وكلبهم هو الثامن.

    ثم يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَلا تُمَارِ فِيهِمْ [الكهف:22]، أي: لا تجادل اليهود في هذه القضية، إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا [الكهف:22]، كما هو في الآية، وبالتالي فلا حاجة إلى الجدال مع هؤلاء؛ لأن بعضهم يقول كذا، وبعضهم يقول كذا، وشاع ذلك في البلاد، ولستَ في حاجة إلى هذا.

    ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:22]، أي: لا تسأل يهودياً في المدينة أو في غيرها مهما كان علمه، إذ ما يعلمون إلا قليلاً، وقد أعلمك الله وعلمك، فهل فهمتم هذا الخطاب الإلهي؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً...)

    ثم قال تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]، وقد سبق أن علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكفار قريش: ( غداً أجيبكم )، فأخطأ في هذه وعاتبه ربه ومنع الوحي عنه، والآن علمه كيف يفعل، فقال: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا [الكهف:23]، إلا أن تقول: إن شاء الله، وهذا منهج الرسول وأتباعه، ولذا فما منا من أحد يقول: سأسافر غداً إلا قال: إن شاء الله، أو قال: سأتزوج العام المقبل يقول: إن شاء الله، أو قال: سأسافر يقول: إن شاء الله، ومن نسي وذكر بعد ذلك فليقل: إن شاء الله ولو بعد عام، فإن كان اليمين فلا بد وأن يقول: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله باتصال، وإلا تجب عليه الكفارة، فمثلاً قلت: والله لا أكلمك، فإن قلت: إلا أن يشاء الله فقد انتفى بهذا الاستثناء، لكن إن قال بعد ساعة أو ساعتين: إلا أن يشاء الله لا ينفعه، وبالتالي يجب عليه الكفارة.

    مرة أخرى: إذا أراد أحدنا أن يفعل شيئاً في المستقبل فيجب عليه أن يقول: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، فإن نسي وما قالها وتذكر بعد شهر أو بعد عام، وقال: أنا قلت كذا وما قلت: إن شاء الله، فله أن يقولها الآن وتقبل منه، ويستثنى من هذا: الحلف أو اليمين، فإن قلت: والله لا آكل طعامك إلا أن يشاء الله، فلك أن تأكل بعد ذلك، أما إذا قلت: والله لا آكل هذا الطعام وسكت، ثم بعد ساعة أو ساعتين قلت: إلا أن يشاء الله لا ينفع، وبالتالي تجب عليك الكفارة إذا أردت أن تأكل.

    ومرة أخيرة: إذا أردت أن تفعل شيئاً في المستقبل فلا بد وأن تقول: إن شاء الله؛ لأن المشيئة لله فقط لا للعبد، ولذلك لما تقول: غداً سأتزوج؛ فهل تملك نفسك حتى تحيا إلى غد؟ فاستح وقل: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، ثم إذا نسيت هذا الاستثناء أو غفلت عنه ثم تذكرت، ففي أي ساعة قله يقبل منك، ولو بعد عام، اللهم إلا الحلف، فمن قال: والله لا أقف هذا الموقف، فإن قال: إلا أن يشاء الله فله أن يقف أو لا يقف، وإن سكت وما استثنى ومضت ساعة من الزمن وقال: إن شاء الله لا ينفعه ذلك، ووجبت عليه كفارة اليمين، وهي: إن كان هناك عبيد يعتق عبداً، فإن لم يوجد عبيد يكسو عشرة بالثياب والعمائم أو يطعم عشرة مساكين من قوت أهل البلد، ككيلو دقيق أو كيلو تمر أو كيلو رطب أو كيلو أرز، فإن لم يستطع صيام ثلاثة أيام.

    ثم اعلموا أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحلف بغير الله تعالى، ومن حلف بغير الله والله لقد أشرك، إذ هذا المحلوف به أشركه في عظمة الله وجلاله وكماله، وسوَّاه بالله وحلف به، والحلف بالله أن يقول: والله أو بالله أو تالله لأفعلن أو لا أفعلن، وهذه ثلاث صيغ، فإن استثنيت وقلت: إلا أن يشاء الله نجوت، فإن لم تستثني وحنثت فيلزمك الكفارة، وهي التخيير بين أن تطعم أو تصوم ثلاثة أيام.

    فهيا بنا نقرأ الآية الكريمة من سورة المائدة المباركة: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89]، والشاهد عندنا هذه المطلوبة الأربعة: فأولاً: العتق، لكن لا وجود للرقيق عندنا، ثم لو وجد وهو مخير بين هذا وذاك، لكن المهم العتق ثم الكسوة، أي: كسوة الرجل ثوب يستر به جسمه، وشيء يضعه على رأسه، وكسوة المرأة خمار يغطي رأسها، وثياب تستر جسمها، فإن ما استطاع هذا ولا ذاك يطعم عشرة مساكين، فإن ما استطاع يصوم ثلاثة أيام، فهذه هي كفارة اليمين، وسميت كفارة لأنها تكفر، أي: تغطي الإثم وتستره، وذلك لما تجاهل العبد وحلف بالله وحنث إذاً تأثم أو علق بنفسه إثم، وهذا الإثم ما الذي يزيله؟ الماء والصابون؟ والله ما ينفعان، إذاً بم يمحى؟ يُكفَّر بما بين الله تعالى من التخيير بين ثلاثة أمور، فإن لم يستطع صام ثلاثة أيام.

    إذاً: يقول تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]، فعلم الله رسوله كيف يفعل؛ لأنه أخطأ في المرة الأولى.

    ثم قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:24]، فمن نسي الاستثناء وذكر بعد ذلك فليقل: إن شاء الله ولو بعد عام، إلا أن الاستثناء إذا لم يكن متصلاً باليمين فإنه لا ينفع، فلو أنه انقطع بفترة من الزمن واستثنى فله أجر ولكن الكفارة لازمة له.

    وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف:24]، فأعلن عن رجائك لله أن يهديك للعلوم والمعارف والهداية الإلهية في رسالتك ونبوتك، وهذه ضربة على وجوه المشركين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين...)

    ثم قال تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ [الكهف:25]، من هم الذين لبثوا في كهفهم؟ أصحاب الكهف السبعة مع الكلب.

    وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [الكهف:25]، فاليهود على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: لا، إنما هذه الثلاثمائة من يوم ما كانوا في الغار إلى اليوم، أي: على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجادلوا رسول الله وقال الله لنبيه: لا تجادلهم، وهم مخطئون في ذلك، إذ إنهم أرادوا أن يبطلوا أنهم مكثوا في الغار ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فقالوا: هذه الفترة معناها: من يوم ما خرجوا من الغار إلى اليوم، والآية تنزل.

    مرة أخرى: اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -ولعلهم إلى اليوم- لا يؤمنون بأن الفتية مكثوا في الغار ثلاثمائة وتسع سنين، وإنما قالوا: هذه الفترة أو هذا العدد من الزمن من يوم ما دخلوا الغار إلى اليوم الذي نزلت فيه سورة الكهف، وقولهم هذا باطل، والله تعالى يقول: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف:25]، وهذا بحساب القمر، وأما بحساب الشمس فثلاثمائة فقط، إذ كل ثلاثين سنة فيها سنة زائدة، فثلاثمائة سنة بتسع سنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل الله أعلم بما لبثوا...)

    قال تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26].

    ثم قال تعالى لرسوله: قُلِ [الكهف:26]، أي: قل لهم، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا [الكهف:26]، وقد أخبرنا بأنها ثلاثمائة وتسع سنين، فهل بقي من يتكلم من اليهود أو غيرهم؟ أليس الله أعلم بما لبثوا؟ وقد قرر أنها ثلاثمائة وتسع سنين، فكيف يقبل كلام المبطلين والضالين في هذا؟!

    لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف:26]، فما غاب في الملكوت الأعلى كله عليم بدقائقه وذراته، فهل يخفى عليه مكث تسعة أو ستة أو سبعة أنفار في غار؟ هل يجهل الوقت؟ أعوذ بالله، وهذه صفعة لليهود.

    قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا [الكهف:26]، فأولاً: لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف:26]، إذ كيف لا يعرف؟ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [الكهف:26]، فما أبصره وما أسمعه، فكيف يجهل هذا؟ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ [الكهف:26]، أي: ينصرهم ويتولاهم.

    وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، فأولاً: لا يوجد ولي دون الله ينصرك، فإن خذلك الله فلن تنتصر أبداً، إذ الولاية ولاية الله تعالى، وليس هناك ولي من دون الله إلا من والاه الله تعالى.

    وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26]، فإذا حكم ليس هناك من يشاركه في الحكم فيقول: زد أو نقِّص، قدَّم أو أخِّر، إذ الحكم له، ألا لله الحكم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن مع هداية هذه الآيات، فما معنى من هداية الآيات؟ إن كل آية لها هداية، فتهدي إلى أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق، فمثلاً: هذه الآية: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف:25]، من أنزلها؟ الله، إذاً الله موجود، فهل يعقل أن يوجد كلام بدون متكلم؟ محال، إذاً من تكلم بهذه الآية؟ الله، إذاً هذا كلامه، فهل ادعى مخلوق فقال: إن هذا كلامي؟ والله ما كان لا من الإنس ولا من الجن، إذاً هذا كلام الله تعالى، وبالتالي فالله موجود.

    ثانياً: الله عليم حكيم ورءوف رحيم ذو الصفات والكمال، وإلا لمَ يهد الناس بهذا القرآن؟

    ثالثاً: هذه الآية على من أنزلت؟ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً: فمحمد والله لرسول الله، إذ كيف ينزل عليه القرآن وما هو برسول؟ هل يعقل أن يقال هذا؟ إذاً كل آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذاً فلمَ أرسل الله رسوله وأنزل كتابه؟ من أجل أن يعلم الناس، ومن أجل أن يسعدوا في الحياة الآخرة الأبدية الدائمة، إذ لا بد من الحياة الآخرة حتماً، وقد قضى الله عز وجل بذلك.

    ودائماً نقول: هذه الدار دار عمل، أو هذه الحياة حياة عمل خيراً أو شراً، والدار الآخرة دار جزاء خيراً بالجنة أو شراً بالنار، وثقوا واطمأنوا بذلك، فمن عمل صالحاً ورث دار السلام الجنة، ومن عمل سيئة ورث دار النار الوبار والخسران والعياذ بالله، وهذه الدار تنتهي لأنها دار عمل، فتشتغل أربع وعشرين ساعة أو ستة أشهر أو سنة وتأخذ أجرتها، فهل هناك من يطالب بالأجرة قبل نهاية العمل؟ لا يعقل أبدً، فلهذا اعملوا، والجزاء المقابل هو في الدار الآخرة لا في هذه الدار، فهل عرفتم ما معنى الهداية؟ إن كل آية تهدي إلى أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وفي القرآن ستة آلاف ومائتين وأربعين آية.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان اختلاف أهل الكتاب وعدم ضبطهم للأحداث التاريخية ]، بيان اختلاف اليهود والنصارى، وبيان ضعفهم وجهلهم، وأنهم لا علم سليم لهم، وإنما يتخبطون، فهذا يقول كذا وهذا يقول كذا، ويكذب بعضهم بعضاً؛ لأن العلم الصحيح نتلقاه من الله بالوحي الإلهي، أما اجتهاد المؤرخين وكلامهم فدائماً فيه الزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، وأخذنا هذا من قول الله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا [الكهف:26].

    قال: [ ثانياً: بيان عدد الفتية أصحاب الكهف وأنهم سبعة وثامنهم كلبهم ]، فالآن نحن نوقن أن فتية أصحاب الكهف كانوا سبعة والثامن هو الكلب، ولا نقبل القول بأنهم ستة والسابع الكلب، أو أنهم خمسة والسادس الكلب، أو أنهم ثلاثة والرابع الكلب، إذ إن هذا كله من ترهات اليهود وأباطيلهم، وقد وقرر تعالى أنهم سبعة وثامنهم كلبهم.

    قال: [ ثالثاً: من الأدب مع الله تعالى ألا يقول العبد سأفعل كذا مستقبلاً إلا قال بعدها: إن شاء الله ]، فنعيش عليها يا أبناء الإسلام ويا أمهات المؤمنين! فإذا كان الشيء مستقبلاً فإياك أن تنسى كلمة: إن شاء الله، فمثلاً: أقول: الآن سنصلي العشاء، بعدها مباشرة أقول: إن شاء الله، إذ لو ما شاء والله ما صلينا، ومن نسيها وتذكرها يقولها ولو بعد عام، فيعترف بخطئه ويقولها، لكن في كفارة اليمين لا تنفع قولها بعد فترة؛ لأنها ما اتصلت، فمثلاً: أقول: والله لا أقول كذا إلا أن يشاء الله، فإنها تنفع، أما أقولي: والله لا أقول كذا، ثم بعد ساعة قلت: إن شاء الله، لا ينفع ذلك.

    قال: [ رابعاً: من الأدب من نسي الاستثناء أن يستثني ولو بعد حين، فإن حلف لا ينفعه الاستثناء إلا إذا كان متصلاً بكلامه ]، فنحن معاشر المؤمنين والمؤمنات! دائماً نستثني بتعليم الله لرسولنا؛ إذ قال له: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]، ونحن أتباعه، فكل قول أو عمل في المستقبل نستثني، ومن استثنى نفعه استثناؤه، ومن نسي الاستثناء وتذكر بعد حين ينفعه فيقول: إن شاء الله، اللهم إلا في اليمين، فلا بد من الاستثناء المتصل مع الكلام، إذ لو سكت لحظة لأجل أن يتنهد أو عطس أو سعل فمعفو عنه، لكن إذا كان هادئاً وما قال: إن شاء الله، لزمه الكفارة.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.