إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن علم الله عز وجل وكلماته لا حصر له، ولا يحيط به أحد من خلقه، وإنما يرسل الله الرسل ليبلغوا عنه سبحانه وتعالى ما شاء لهم أن يبلغوه، وينذروهم لقاء الآخرة والوقوف بين يدي الله سبحانه، فمن آمن وعمل الصالحات نجا وأفلح، ومن أعرض عن آيات ربه وكذب بها خاب وخسر، وكان مصيره نار جهنم خالداً فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا * قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:107-110].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لما ذكر تعالى جزاء الكافرين الذين كفروا بالله واتخذوا آياته ورسله هزواً، ذكر هنا جزاء المؤمنين المتقين، إذ إن القرآن ترغيب وترهيب، فيرهب من عذاب الله ويرغب في نعيم الله تعالى، فالراهبون يخافون ربهم فلا يعصونه، وبذلك يسعدون ويكملون، وغير الراهبين المتعنترين والمعاندين مصيرهم جهنم وبئس المصير.

    فقول ربنا جل ذكره في هذا الخبر العظيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، إنه خبر عظيم، فمن المخبر؟ إنه الله عز وجل، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:107]، ما لهم؟ أخبرنا عنهم يا رب؟ قال: كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107].

    معشر المؤمنين والمؤمنات! الإيمان والعمل الصالح دائماً شرط في دخول الجنة، ومن تتبع القرآن بكامله يجد: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ... [لقمان:8]، وذلك في آيات عديدة، وقد عرفتم سر ذلك وأصبحتم عارفين، وهو أن الإيمان والعمل الصالح يزكيان النفس البشرية فيطيبانها ويطهرانها فتصبح كأرواح الملائكة، وهؤلاء يسكنون الجنة بفضل الله تعالى، وأهل الكفر والشرك والمعاصي نفوسهم خبيثة عفنة منتنة، وهؤلاء يسكنون والعياذ بالله مع الشياطين في الجحيم.

    إذاً الإيمان بالله والعمل الصالح أداة لتزكية وتطهير النفس، وهنا لا بد من تحقيق الإيمان بالله تعالى، ولا بد من العمل الصالح الذي شرعه الله لتزكية النفوس، ولا بد من فعله كما بين رسول الله بلا زيادة ولا نقصان حتى يثمر هذه الثمرة، فيزكي النفس البشرية ويطهرها، واذكروا قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، فنسب التزكية إلينا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ [الشمس:9]، زكى نفسه، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10]، كيف نزكي أنفسنا يا ربنا؟ آمنوا واعملوا الصالحات فتزكو نفوسكم، وكيف تتدسى نفوسنا؟ اكفروا واعملوا المحرمات والسيئات تتدسا نفوسكم، وهذه سنة الله التي لا تتبدل.

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، أي: دار إضافة وتكريم، ومنزل إكرام وإنعام، وهنا أسمعكم ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس وتأملوا! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( جنان الفردوس )، والجنان جمع جنة، والفردوس هي أعلى الجنة وأوسطها، ( جنان الفردوس أربع )، أي: جنان جنة الفردوس أربع، وهذه الفردوس هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس )، ومع الأسف ضيعنا هذا، ( إذا سألتم الله تعالى الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلاها وأوسطها )، ( جنان الفردوس أربع: ثنتان من ذهب، حليتهما وآنيتهما وما فيهما )، أي: حليتهما وآنيتهما وما فيهما كله من ذهب، ( وثنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء )، أي: ليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء.

    إذاً عرفنا أن الفردوس ليست جنة واحدة، وإنما هي أربع جنان، وهي أعلى الجنان، وهي جنتان حليتهما وآنيتهما من ذهب، وجنتان حليتهما وآنيتهما من فضة، فهذه هي الحقيقة، والحديث في الصحيحين.

    وهذا حديث آخر: يقول صلى الله عليه وسلم: ( الجنة مائة درجة )، أتعرفون الدرجات؟ طابق فوق طابق، ثم قال: ( ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض )، أي: الجنة درجات، وما بين الدرجتين السفلية والعلوية فوقها كما بين السماء والأرض، والحديث أيضاً في صحيح البخاري، ( ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس )، اللهم إنا نسألك الفردوس يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الفردوس يا رب العالمين، لنا ولآبائنا ولأمهاتنا وللمؤمنين، اللهم إنا نسألك الفردوس يا رب العالمين، واجعلنا من أهله يا حي يا قيوم!

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، أي: مقر ضيافة وإكرام وإنعام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً)

    قال تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108].

    خَالِدِينَ فِيهَا [الكهف:108]، فلا يخرجون منها ولا يموتون ولا يمرضون ولا يكبرون فيها أبداً، فسبحان الله العظيم! وآيات الله الدالة على هذا موجودة فينا نشاهدها في هذه العوالم فوقنا ومن تحتنا، فمن أوجد هذا قادر على أن يوجد حياة في مكان ما لا موت فيها أبداً.

    لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108]، أي: لا يطلبون عنها تحولاً أبداً، إذ كيف يطلبون التحول من الجنة؟ أبداً لا يطلبون.

    وهنا لطيفة في هذا الباب: لاحظ الذين يسكنون في القاهرة لما يسمعون بباريس يتمنون أن لو شاهدوها، والذين يسكنون في لندن يسمعون عن القاهرة يتمنون أن لو شاهدوها، وهكذا ما فيه من في مكان لا يبغي عنه حولاً في هذه الدنيا إلا المدينة النبوية؛ لأن فيها قطعة من الجنة، ألا وهي الروضة الشريفة، فأهل الإيمان قد عرفناهم وعاشرناهم، فلا يبغون التحول عن المدينة أبداً، بل لو يعطون ما يعطون، والسر في هذا أن في المدينة قطعة من الجنة، وأهل الجنة لا يبغون عنها حولاً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، فقلنا: إن شاء الله يكون هذا القول سليماً، وقد رأينا أناساً يخرجون من المدينة والله يبكون، وذلك لهذه الفضيلة العظيمة، لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108]، أي: تحولاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي...)

    ثم قال تعالى بعد ذلك: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:109]، هذه الآية نزلت لما طالب المشركون بالجواب عن المسائل الثلاث، وبلغ اليهود أن الرسول أجاب عنها فقال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فقالوا: كيف ما أوتينا من العلم إلا قليلاً ونحن نحمل التوراة؟! فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل لهم: لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا [الكهف:109]، أي: حبراً لكتابة كلمات ربي لنفذ البحر أن تنفذ كلمات ربي، فأين علمكم في التوراة أو في الإنجيل أو في غيرهما؟

    قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:109]، أي: ولو قطعنا أشجار العالم كلها وصيرناها أقلاماً وكتبنا بها ما انتهت كلمات الله أبداً، فوالله ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً، فكان في هذا رد على اليهود، قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:109]، أيضاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد ...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110]، ولست بملك من الملائكة، ولكني بشر مثلكم آكل وأشرب، وأذكر وأنسى، وأصح وأمرض، وما هناك فرق إلا أنه يوحى إليَّ، ومن هنا فالرسول متواضع شاكراً لربه معترفاً بآلائه وإنعامه عليه، فلا يخطر بباله كبر ولا تعالي ولا زهو أبداً، إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ [الكهف:110]، أي: إنسان مثلكم، والفرق بيني وبينكم أنه يوحى إليَّ فقط، والوحي هو إعلام سريع خفي، فأحياناً بواسطة الملك جبريل، وأحياناً بما يلقي الله تعالى في روع الرسول صلى الله عليه وسلم فيفهم الكلمة، قال تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل:68]، أي: أعلمها وأوقع في نفسها أن تأكل لتلد.

    وأحياناً يأتي جبريل عليه السلام في صورة ملك، وأحياناً يأتي في صورة إنسان، فإذا جاء في صورة الملك فالرسول يكاد أن يذوب، قالت عائشة: ( وإنه لينصرف عنه وجبينه يتفصد عرقاً )؛ لأنه يواجه النور العظيم، فينبغي أن يفهم عنه، ( وإنه لينصرف عنه وإن جبينه يتفصد عرقاً )، وأحياناً يأتي في صورة رجل وهو دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان من أجمل الرجال وأحسنهم، وأحياناً يلقى في روعه فيفهم الكلام عن الله بلا واسطة، فهذا هو الوحي بطرقه الثلاثة، أي: أحياناً يأتي جبريل في صورة الملائكة، وأحياناً يكون في صورة إنسان، وأحياناً يلقى في الروع أو في القلب ومحل الفقه والفهم.

    ثم قال: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110]، فما معنى إلهنا إله واحد؟ يا بني آدم! يا بني الناس! يا بني الجن! إن معبودكم الذي يجب أن تعبدوه واحد لا ثاني له، وإذا كان لا ثاني فلا ثالث له من باب أولى، فلماذا معبودنا واحد؟ لأنه هو الذي يخلقنا ويرزقنا ويحفظنا ويكلأنا ويميتنا ويحيينا ويعطينا ويمنعنا، وغيره والله ما يفعل هذا أبداً، فالذي خلقكم والذي يميتكم والذي يحييكم والذي يجزيكم والذي يرفع درجاتكم أو يضع منازلكم واحد، إذاً فإلهنا والله واحد، ولو كان بنو الأصفر أو بنو فلان خلقهم غير الله تعالى لقالوا: إلهنا نعبده، فهو الذي خلقنا، ولو كان الصين أو اليابان لهم إله خلقهم ورزقهم لقالوا: إلهنا، والكل مطأطئ رأسه أنه لا خالق إلا الله، ولا مدبر إلا الله، ولا رازق إلا الله، وبالتالي فلا يعبد إلا هو عقلاً وشرعاً ومنطقاً، ولا يستحق العبادة إلا الله تعالى، فأنت تعبد بمعنى تذل وتنحني وتطيع وتحب وترهب وتخشى ذاك الذي بيده مصيرك وإليه مصيرك، وهو الذي خالقك وأوجدك، وأنت لولاه ما كنت ولا وجدت، وهو الذي تذل له وتخضع وتعبده، أما الذي يساويك في الخلق فهو مخلوق مثلك، فكيف يكون إلهاً؟!

    مرة أخرى: لماذا كان الله الإله الواحد؟ لأنه لا خالق إلا هو، ولا موجد لهذه الأكوان إلا هو، ولا يميت البشرية ويردها إليه إلا هو، فمن أين يأتي إله آخر؟ وبأي وجه؟ وبأي حق،؟ حقاً والله لا إله إلا هو، أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110]، لا ثاني له، فبطلت المسيحية والصليبية بالمرة، وانتهت أنواع الشرك والوثنية، والذين يعبدون الشهوات والفروج والمادة حيوانات لا عقول لهم، بل ليسوا بشراً، إذ المعبود الحق هو الذي خلقني ورزقني وبيده المصير، إن شاء الآن قبض روحي وإن شاء تركها، فهذا الذي أؤلهه وأذل له وأخضع بين يديه وأركع وأسجد وأدعوه وأسأله، أما الذي لا قدرة له علي ولا يملك شيئاً من أمري فكيف أعبده؟! وقد ضللت الشياطين البشرية فألهوا الأصنام والأحجار وصنعوا التماثيل وعبدوها! وكل ذلك كفر بالله وجحود به وعدم اعتراف برب العالمين والعياذ بالله.

    فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ [الكهف:110]، يا أيها المؤمنون! فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا [الكهف:110]، أي: أنه سيموت ويقف بين يدي ربه، ماذا نصنع له أو ننصح له؟ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110]، وهذه هي الحقيقة، فالمؤمنون الصادقون في إيمانهم هم الذين يعبدون الله الليل والنهار، ووالله ما يستطيعون أن يتركوا عبادته، وإذا أُلزموا بتركها في السجن أو في الحبس أو في الرباط والله يعدون ذاك أشقى حال؛ لأن همهم أن يعبدوا ربهم.

    إذاً: من كان يرجو حقيقة أنه سيقف بين يدي الله ويسأله ويجزيه على عمله في الدنيا، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110]، فما هو العمل الصالح؟ يا أبناء الإسلام! لا بد من العلم، إذ لا نعرف العمل الصالح إلا بالكتاب والسنة، إذ إن في القرآن الكريم والسنة النبوية بيان للأعمال الصالحة من الوضوء والصلاة والصيام والجهاد والرباط وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله وفعل الخيرات كلها، فهذه كلها أعمال صالحة لا تعرف إلا من طريق قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، والأعمال الصالحة كما عرفتم ما تنتج ثمرتها إلا إذا أُديت على الوجه المطلوب، فإن أديت على الوجه غير المطلوب فلا تنفع أبداً، فلو أنك قمت وصليت الآن إلى الصبح وأنت لا تعرف الركوع ولا السجود، فإنك لا تثاب على ركوعك وسجودك، وبالتالي فلا بد من معرفة العمل الصالح، إذ هي عبادات شرعها الله في كتابه وألزم رسوله ببيانها فبينها وفعلها للناس وفهموها.

    فَمَنْ كَانَ [الكهف:110]، يا بني الناس! يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، وهذه الآية لها سبب نزول، فقد روي في سبب نزول هذه الآية ما يلي: أتى جندب بن زهير الغامدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أعمل لله تعالى، فإذا اُطلع علي سرّني ذلك العمل، أي: إني عمل لله من صلاة أو صيام أو صدقة أو رباط أو جهاد، فإذا اطلع عليَّ وعرفني الناس أنني أعمل هذا العمل فرحت بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً، ولا يقبل ما رئي فيه )، ونزلت هذه الآية: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

    فتأملوا هذا الكلام! ولذلك فإن بعض الناس قد يصلي فإذا شاهد من يشاهده فإنه يحسن صلاته، أو يقرأ، فإذا رأى من يسمعه فإنه يحسن قراءته، أو يتصدق، فإذا رأى من يراه استعجل الصدقة وهو يريد بذلك وجه الله تعالى، ولكن مع ذلك يرائي غير الله عز وجل، فهذه من أصعب ما يكون، ولهذا كان الصالحون يحزنون ويكربون إذا اطلع على عبادتهم أحد؛ لأنهم لا يريدون أن يعرف الناس ماذا يعملون؟ فإذا تصدق أحدهم بصدقة واطلع عليها الناس فإنه يكره ذلك ويتألم، إذ كيف اطلعوا على ذلك؟ وذلك حتى يكون العمل خالصاً لوجه الله فيزكي النفس ويطهرها.

    وهنا لطيفة: فقد شكاها أبو بكر الصديق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمه هذا الدعاء: ( اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم )، وذلك ليبعد عن نفسه الرياء والعياذ بالله، ولهذا ورد في السنة الصحيحة: ( الرياء من الشرك )، والرياء يعني مراءاة العمل الصالح للناس، وذلك ليحمدوا أو يثنوا بالخير على فاعله، والرياء أن تفعل خيراً وترائيه للناس ليحمدوك على ذلك ويشكروك، ولهذا كان الرجل الذي يدخل الجنة من السبعة الذي ينفق النفقة ولا تدري شماله ما أنفقت يمينه، وذلك للإخفاء والستر حتى لا يطلع أحد.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء ]، إذ الآية الأولى قررت البعث الآخر والجزاء على الكسب في هذه الدنيا.

    قال: [ ثانياً: بيان أفضل الجنان وهو الفردوس الأعلى ]، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الجنة مائة درجة، وما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض )، والفردوس هي الجنة العلياء.

    قال: [ ثالثاً: علم الله غير متناهي لأن كلماته غير متناهية ]، علم الله لا ينتهي أبداً؛ لأن كلماته لا تنتهي، وعلم البشر ينتهي وهو محدود.

    قال: [ رابعاً: تقرير صفة الكلام لله تعالى ]، فالله متكلم، إذ كلم رسله وسيكلمنا يوم القيامة في عرصات القيامة.

    قال: [ خامساً: تقرير بشرية النبي صلى الله عليه وسلم ] وليس هناك خلاف أبداً في أن محمداً بشر، وهو ليس من الملائكة أبداً، قال: [ تقرير بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس روحاً ولا نوراً فحسب كما يقول الغلاة الباطنية ]، إذ يقول غلاة المتصوفة: إن محمداً نور! والله يقول: هو بشر، ويقولون أيضاً: هو روح بلا جسد! والله يقول: هو بشر بجسمه وروحه، إلا أنه فضل بالوحي إليه فساد العالم بأسره، وكان سيد الخليقة أجمعين.

    قال: [ سادساً: تقرير التوحيد والتنديد بالشرك ]، تقرير التوحيد إذ قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].

    معاشر المؤمنين! أولاً: لا تنسوا دعاء الجنة من هذه الليلة، ولما تسألوا الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى.

    ثانياً: من أجل أن نحفظ أنفسنا من الرياء فلنستعيذ بالله حتى يحفظنا، وذلك بهذا الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا علم )، فالذي علمته أعوذ بك أن أفعله، وأستغفرك مما عملته وأنا لا أعلم، إذ قد يقع الإنسان في الشرك وهو لا يعلم.

    قال: [ سابعاً: تقرير أن الرياء شرك لما ورد أن الآية نزلت في بيان حكم المرء يجاهد يريد وجه الله، ويرغب أن يرى مكانه بين الناس، يصلى ويصوم ويحب أن يثنى عليه بذلك ]، ونبرأ إلى الله من ذلك ونعوذ بالله.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله.