إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذين أشركوا من أهل مكة وزعموا أن لله ولداً، رد الله عليهم جهلهم وافتراءهم بأنهم لا علم لهم ولا بينة لديهم تثبت ما يقولون، إنما هم يقولون هذا الكلام الباطل بأفواههم، وبعد ذلك أرشد الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ألا يهلك نفسه بسبب إعراضهم وكفرهم؛ لأن أمرهم بيد الله الحي القيوم، الذي خلق كل ما على هذه الأرض من الجمال والزينة والنبات، وإذا شاء جعلها جرداء قاحلة لا نبات فيها ولا عشب.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الكهف

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا * أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:1-12].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! بالأمس تدارسنا أكثر هذه الآيات، وأعيد إلى أذهانكم: أن الله تعالى حمد نفسه وهو أهل الحمد، وأنه ذكر سبب هذا الحمد ألا وهو إنزاله القرآن الكريم على مصطفاه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك علمنا كيف نحمد الله عز وجل ونشكره، فالحمد لله على هذه النعمة العظيمة التي لا نظير لها، وهي إنزاله هذا القرآن الذي في صدورنا وبين أيدينا،فقد أنزله على من اصطفاه واجتباه واختاره من عباده، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولم يجعل للكتاب عوجاً، إذ والله لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا باطل ولا كذب ولا خرافة ولا ضلالة أبداً، إذ الله منزله يخبر عنه أنه فقال: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1]، فمن آمن به، وأخذ يعمل بهدايته، والله ما ينتهي مشيه إلا إلى الجنة دار السلام.

    وعلل تعالى ذلك فقال: لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا [الكهف:2]، أي: أنزل الكتاب على رسوله لم؟ ما سبب ذلك؟ ما علة ذلك؟ قال: لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف:2]، تعالى، هذا البأس العذاب الأليم قد يكون في الدنيا ينزله الله بالمشركين والمعاندين والمصرين والظالمين، وأما عذاب الآخرة فهو حتم يقيني لا ريب فيه.

    لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف:2]، أي: من لدن الله أولاً، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الكهف:2]، فعرفنا أن من آمن وعمل صالحاً فإنه يبشر بالجنة، إذ يبشره الله ورسوله والمؤمنون، وذلك أنه فقط آمن وعمل الصالحات، وبالأمس عرفتم سر ذلك: وهو أن إيمانه وصالح أعماله زكت نفسه وطيبتها وطهرتها، وأصبحت نفسه كأنفس الملائكة، فيرضى الله أن تجاروه في دار السلام.

    وعرفتم الحكم الإلهي: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فمن زكى نفسه أفلح ولو كان أسوداً أو أصفر، ولو كان أباً لكافر أو أماً لكافرة، وإنما المهم أن يزكي العبد نفسه، فبم يزكيها؟ بالماء والصابون؟ لا، فالماء والصابون للأبدان والأجسام، لكن الأرواح ما تزكى بالماء والصابون، بم تطهر إذاً؟ بم تطيب؟ بهذه العبادات التي أنزل الله بها كتابه وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء من صلاة إلى حج إلى عمرة إلى كل العبادات، فإذا أديت بإيمان وإتقان، وأحسن أدائها، والله لتزكي نفس صاحبها حتى تصبح طاهرة كأرواح الملائكة.

    ثم قال تعالى: مَاكِثِينَ [الكهف:3]، أي: في ذلك الجزاء الحسن ألا وهو الجنة، فِيهِ أَبَدًا [الكهف:3]، فأهل الجنة لا يخرجون من الجنة أبداً، إذ إنه ليس هناك إلا عالمان: عالم علوي، وعالم سفلي، فالعلوي هو الجنة دار السلام التي عرضها السموات والأرض، وأعدت للمتقين، وعالم الشقاء يكون أسفل في الدركات السفلى، ألا وهو الجحيم والعياذ بالله، فمن دخل الجنة والله لا يخرج منها أبداً، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف:3]، ومن دخل النار وهو من أهل الإيمان والتوحيد -دخل النار بخبث نفسه- فهذا يرجى له أن يخرج من النار، إذ يخرجه ربه ويدخله الجنة، وبهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان من أهل الشرك والكفر والنفاق فهو خالد في جهنم أبداً.

    وقوله: وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [الكهف:4]، أي: من علة نزول هذا القرآن أيضاً: أن ينذر رسول الله بكلام الله المشركين الذين اتخذوا لله ولداً ونسبوه إليه، وقد عرفتم من قبل أن قبائل من العرب كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، ومن أراد أن يقف على الحقيقة فليقرأ أواخر سورة الصافات، وأما اليهود فهم يقولون إلى الآن: عزير ابن الله، والنصارى يقولون: عيسى ابن الله، فهؤلاء جاء القرآن ليبين خطأهم وكذبهم وافتراءهم، إذ تعالى الله أن يكون له ولد وهو خالق الأولاد وأمهاتهم وبناتهم وآبائهم، فكيف يتخذ ولداً؟! وهذه وسيلة إبليسيه شيطانية ليصرف الناس عن ربهم ليعبدوا الشيطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما لهم به من علم ولا لآبائهم ...)

    ثم قال تعالى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [الكهف:5]، وذلك لما قالوا: اتخذ الله ولداً، من أين؟ من علمهم؟ من أوحى إليهم؟ كيف أتاهم هذا العلم؟ يقولون بالكذب افتراء على الله تعالى، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ [الكهف:5]، أيضاً من قبل، واستكبر تعالى هذه الجريمة فقال: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف:5].

    وهنا اعلموا معاشر المستمعين والمستمعات! أنه لا ذنب أعظم بعد الشرك من الكذب على الله تعالى، فالذي ينسب إلى الله شيء والله بريء منه فقد افترى على الله الكذب، والذي ينتزع من صفات الله وأسمائه ويجحدها ويفتري الكذب على الله، كأن يقول: بأن الله ليست له هذه الصفة، فقد افترى على الله الكذب، والذي يحل شيئاً حرمه الله، أو يحرم شيئاً أحله الله فقد افترى على الله الكذب، والذي يشرع بدعة للناس ويقول: اعبدوا بها الله، فقد افترى على الكذب.

    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام:21]، فلنحذر طول حياتنا ألا نقول على الله إلا بعلم، فما أحله الله نقول: حلال، وما حرمه نقول: حرام، وما أخبر به تعالى صدقنا الله وآمنا بما قال، ونؤمن بذلك، سواء أدركناه أو عجزنا عن إدراكه، ونقول: آمنا بالله، أما أن نكذب فنقول: أحل وهو ما أحل، أو حرم وهو ما حرم، أو شرع وهو ما شرع، أو وصفه كذا وكذا على خلاف صفاته، فنبرأ إلى الله من هذه الجريمة العظمى، وحسبنا قول ربنا في كثير من الآيات: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأنعام:21].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم...)

    ثم قال تعالى موجهاً خطابه لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، أي: لا تحزن يا رسول الله ولا تغتم ولا تكرب، لعلك تريد أن تنتحر أو تقتل نفسك لأنهم ما آمنوا بك، لأنهم ما اتبعوك، ما مشوا وراءك، فلا تفعل هذا.

    فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف:6]، أي: قاتلها، لماذا؟ عَلَى آثَارِهِمْ [الكهف:6]؛ لأنهم رفضوا دعوتك وما استجابوا لك وكفروا بك، فلا يحملك هذا على أن ترتكب ما لا ينبغي أن ترتكبه من قتل النفس والعياذ بالله.

    وتأملوا قوله تعالى وهو يوجه خطابه لرسوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف:6]، على آثار قومك المشركين، إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ [الكهف:6]، فما هو هذا الحديث؟ إنه القرآن الكريم، وما حوى من أخبار الغيب والشهادة، وما حوى من الأحكام وما إلى ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها...)

    ثم اسمعوا هذا الخبر، يقول الله الخالق: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا [الكهف:7]، لماذا يا رب؟ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7]، فكل إنسان وحيوان ونباتات وبحار وأشجار وغيرها من المخلوقات جعلناها: زِينَةً لَهَا [الكهف:7]، أي: للحياة الدنيا.

    أتعرفون الزينة؟ لما تدخل بيتك تجد شيئاً معلقاً، وآخر منصوب، فهذه هي الزينة، وكذلك لما تدخل بساتين منظمة، فتجد فيها المجالس والأشجار وغيرها، فهذه هي الزينة أيضاً.

    إذاً: قول ربنا تعالى: إِنَّا [الكهف:7]، أي: رب العزة والجلال والكمال، جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ [الكهف:7]، أي: كل ما على الأرض من إنسان وحيوان ونبات وبحار وأنهار وجبال وما إلى ذلك، زِينَةً [الكهف:7]، للحياة الدنيا، فلو يمحى تبقى عمياء بشعة لا زينة فيها.

    وما علة ذلك؟ لم فعلت هذا يا رب؟ فالجواب منه تعالى، إذ قال: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7]، أي: لنمتحنهم ولنختبرهم لنرى ولنعلم أيهم كان أحسن عملاً، ومعنى هذا أننا ممتحنون ومبتلون ومختبرون بهذه المظاهر في هذه الدنيا، فمن غرته هذه الزخارف وما أصبح يذكر الدار الآخرة ولا يفكر فيها، وأصبح همه على هذه الحياة الدنيا، ماذا يلبس؟ ماذا ينكح؟ ماذا يأكل؟ ماذا يشرب؟ ماذا يركب؟ وكل الحياة على هذه الاستفهامات، وأعرض عن ذكر الله وعبادته، فهذا ممتحن وقد خرب وخاب وخسر.

    ومرة أخرى: من غرته هذه الحياة الدنيا، وأحبها ودخلت قلبه وأكب عليها، وانقطع إلى فعلها وترك الله وعباداته وما طلبه منه، هلك والعياذ بالله، ومن عرف أنها مجرد زينة، لم يعول عليها ولم يحزم عليها ولم يبع نفسه ولا دينه من أجلها واستقام على منهج الله، ويكتفي بما أعطاه الله من الطعام والشراب واللباس، فهذا قد نجا وفاز.

    وتأملوا مرة أخرى يرحمكم الله! إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا [الكهف:7]، لماذا يا رب؟ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف:7]، فمن هم الذين أحسنوا العمل؟ الذين أقبلوا على الله والدار الآخرة، وما أعطوا همهم وكربهم وحزنهم كله لهذه الأوساخ العارضة التي تفنى وتزول، وذاك الذي يكون عمله أحسن وهو المؤمن التقي، المؤمن التقي هو الذي أحسن عملاً، أما كافر فاجر، أو مؤمن فاجر ليس بمتق لله تعالى، فليس بولي لله تعالى، وهذا هو الخبر الأول.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً)

    قال تعالى: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8].

    وهذا هو الخبر الثاني، يقول: وَإِنَّا [الكهف:8]، أي: رب العزة والجلال والكمال، لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا [الكهف:8]، أي: ما على الأرض، صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8]، أي: ما على الأرض كله سوف يصبح تراباً لا نبات فيه ولا عشب، فكل هذه الجبال والأنهار والأودية والبشر والحيوانات تصبح والله قاعاً صفصفاً، لا شجر ولا نبت ولا ماء ولا مطر ولا إنسان ولا حيوان، وهذا هو المصير، وهو والله لحتم.

    واسمع ما يقول تعالى: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا [الكهف:8]، أي: الذي عليها مما علمنا من إنس وجن وحيوانات ونباتات وأشجار، جاعلوه ماذا؟ صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8]، أي: أرضاً لا نبت فيها، والجرز هو الذي خلى من النبات، فمتى يتم هذا؟ عما قريب، فالذي أوجده يعجز عن إعدامه؟ ما هي إلا أيام أو ساعات.

    هكذا يقول تعالى وقوله الحق: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا [الكهف:7]، فلا تخدعنكم، ولا تغتروا بها، وإنما جعلها ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، فهيا نعمل على أن يكون عملنا أحسن الأعمال، فمتى يكون أحسن الأعمال؟ إذا وافقنا به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذا صمنا كما هو الصيام، وحججنا كما هو الحج، وزكينا كما هي الزكاة، وصلينا كما هي الصلاة، وكل ذلك على الوجه المطلوب، كان والله عملنا حسناً، ومن أقبل على الدنيا وهي زخرف، وهي كما قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا ما على الأرض زِينَةً لَهَا [الكهف:7]، أي: ما على الأرض زينة للأرض، ولكن يوماً سيأتي يجعله: صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف:8].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً)

    ثم قال تعالى يواجه رسوله صلى الله عليه وسلم بالخطاب: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9]، آيات الله أعظم من كونه يميت جماعة ويحييهم، بل البشرية كلها أحياها ويميتها، فليس هناك عجب، وأصحاب الكهف سبعة من الشبان المؤمنين، وجدوا في بلد حاكمها مشرك، واتبعه قومه، وعرف هؤلاء الشبان أن الشرك يهلك ويدخل النار، فماذا فعلوا؟ فروا وهربوا من تلك المدينة، فآواهم المبيت إلى كهف في جبل، آووا إليه هاربين من الظلمة والظالمين من إخوانهم المشركين الذين أرادوا أن يفرضوا عليهم الباطل والشر والفساد.

    فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: أَمْ حَسِبْتَ [الكهف:9]، أي: بل حسبت، أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ [الكهف:9]، والكهف معروف، وهو الغار في الجبل، والرقيم لوحة من حجارة مكتوب عليها أسماء السبعة وحياتهم وما كانوا عليه وقومهم، وبكتابه واضحة، وهي على باب الجبل، وهي موجودة إلى الآن، والرقيم من رقم يرقم إذا كتب.

    أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ [الكهف:9]، أي: ذلكم الجبل الذي فيه غار الذي دخل فيه الشبان هاربين، وَالرَّقِيمِ [الكهف:9]، هو اللوح المكتوب عند باب الجبل أو على سفحه، فماذا يقول تعالى؟ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف:9]، إنها حقيقة عجيبة، فيخرجون من بلدهم فارين هاربين من الكفر والشرك والظلم والشر والفساد، فيأوون إلى غار في جبل، فما الذي يحصل؟ يسلب الله أسماعهم وينيمهم نومة واحدة، والله ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فلا يسمعون صوتاً حتى يتحركوا أو يفطنوا أبداً، وإنما ختم على أسماعهم ثلاثمائة وتسع سنين ثم أيقظهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف...)

    قال تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [الكهف:10]، يقال: أوى يأوي إذا دخل، والفتية: جمع فتى، وقد كانوا سبعة شبان، فَقَالُوا [الكهف:10]، أي: لما وصلوا إلى ذلك الغار في الجبل ودخلوه، رَبَّنَا [الكهف:10]، أي: يا ربنا، آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً [الكهف:10]، سألوا ربهم ضارعين: أعطنا رحمة من فضلك، ارحمنا يا رب العالمين، وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف:10]، فنحن هربنا من الكفر والشرك، فكن ولينا وارشدنا إلى ما فيه خيرنا وسعادتنا، فهذا هو الدعاء الصالح، رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف:10]، بمعنى: سدد خطانا، وصوبنا فيما نريد أن نصل إليه من نجاتنا، وذلك لنعبدك وحدك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً)

    قال تعالى: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [الكهف:11].

    ثم بعدما سألوه وضرعوا ودعوا استجاب الله لهم فقال: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [الكهف:11]، أي: ثلاثمائة وتسع سنين، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ [الكهف:11]، وذلك حتى لا يسمعوا؛ لأن السماع هو الذي يوقظ النائم، إذ إذا لم يسمع ما يستيقظ، وقد ناموا ثلاثمائة سنة وهم لا يبولون ولا يتغوطون ولا يأكلون ولا يشربون ولا يجلسون ولا يتحركون، إلا التقلب فيتقلبون من جنب إلى جنب؛ حتى لا يلصق الجنب في الأرض، أو ينبت فيه نبات، وهذا من أعجب عجائب تدبير الله في خلقه.

    فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا [الكهف:11]، وبيناها في الآيات الآتية وهي ثلاثمائة وتسع سنين، ولعلها بحساب القمر، أما بحساب الشمس فهي فقط ثلاثمائة سنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً)

    قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:12]، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ [الكهف:12]، أي: أحياء، إذ ما ماتوا ولكن ناموا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ [الكهف:12]، لماذا يا رب فعلت هذا؟ قال: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:12]، إذ اختلف أقوامهم، فمنهم من قال كذا سنة، ومنهم من قال كذا سنة، وهم يشاهدونهم نائمين، فبعثهم الله ليعلم، أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف:12]، أي: مدة وزمنا، وقد بين تعالى هذا وسيأتي في الآيات الآتية بيان هذه القصة بالتفصيل، لكن هذا موجز ومجمل لها ومفصلة.

    من أين للنبي الأمي في مكة المكرمة أن يقص هذا القصص؟ مستحيل، لولا أن الله أوحاه إليه، وقد عرفتم أن المشركين بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى اليهود في المدينة وقالوا لهم: ما تقولون في هذا الرجل ما يدعيه من النبوة والرسالة؟ قالوا لهم: اسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عنها فهو نبي ورسول، وإن عجز عنها فانظروا رأيكم فيه، وليس هو ببني ولا رسول.

    وبالفعل عاد الوفد إلى مكة وقالوا: نسألك عن فتية كانوا في الزمن، فما شأنهم؟ ونسألك عن من ملك الأرض وساد الشرق والغرب، فمن هو؟ ونسألك عن الروح فما هي؟ وشاء الله أن يعلمنا، إذ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: غداً إن شاء الله، وإنما قال: ( غداً أجيبكم )؛ رجاء أن يوحي الله إليه، لكن ما قال: إن شاء الله، وهذا من أجلنا نحن، أي: عوقب نبينا صلى الله عليه وسلم بانقطاع الوحي خمسة عشر يوماً، حتى أصبحت أم جميل تقول: مذمماً أبينا ودينه قلينا، وبعد نصف الشهر نزلت هذه السورة، وفيها قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين الملك الذي ملك الشرق والغرب، إذ ملك الأرض ثلاثة: ذو القرنين ، وسليمان، والنمرود، كافر ومسلمان.

    والشاهد عندنا: أنهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ( غداً أجيبكم )، وما قال: إن شاء الله، فأدبه ربه وعلمه أنه لا يقول شيئاً إلا أن يقول: إن شاء الله، وقد قلت لكم: إننا تتبعنا سنته وأحاديثه عليه السلام ما يقول في شيء مستقبل إلا ويقول: إن شاء الله، أو إذا وجدت سأفعل أو سأقول أو سيكون إلا وكلمة إن شاء الله، وينبغي أن نأتسي به، إذ جعله الله أسوة لنا، فقال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، اللهم إلا إذا نسينا أو غفلنا، فإذا قلنا: غداً نقول: إن شاء الله، أو سنقول كذا نقول: إن شاء الله، أو سأفعل كذا نقول: إن شاء الله، إذ لا تستطيع أن تقول وتفعل إلا إذا شاء الله ذلك منك، فإن لم يشأه والله ما تقوله ولا تفعله.

    قال: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ [الكهف:12]، أو الطائفتين الذين اختلفوا في كونهم كم سنة لبثوا؟ قال: أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا [الكهف:12]، وناموا في الكهف عدداً، والله تعالى أسأل أن ينفعني وإياكم بما ندرس ونسمع.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    بما أن لكل آية هداية، فلنستمع إلى هدايات هذه الآيات.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: وجوب حمد الله تعالى على آلائه وعظيم نعمه ]، وهذا الذي عرفناه ونعيش عليه، فإذا شربت فقل: الحمد لله، أو لبست: الحمد لله، أو ركبت: الحمد لله، أو سلمت: الحمد لله، فلا يفارقنا هذا اللفظ أبداً، أو كيف حالكم؟ الحمد لله بخير؛ لأن الله يحب الحمد، فكيف وقد حمد نفسه بنفسه، فنحمده سبحانه وتعالى، وويل للغافلين المعرضين.

    قال: [ ثانياً: لا يحمد إلاّ من له ما يقتضي حمده، وإلاّ كان المدح كذباً وزوراً ]، وقد بينت لكم فقلت: إن الله ما حمد نفسه إلا وذكر علة الحمد وسببه في خمس سور من القرآن: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام:1]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف:1]، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [سبأ:1]، الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:1].

    ومعنى هذا: لا نحمد شخصاً بدون ما يستوجب الحمد أبداً، فإذا كان يستوجب الحمد حمدناه، أما أن نزور ونقول الباطل: نشكر فلاناً ونحمد فلاناً، فهذا ليس من شأن أهل الإيمان والإسلام، إذ لا يحمد إلا صاحب الحمد الذي يستحق المدح، لا نحمد المزورين والمبطلين والصانعين للشر والباطل.

    قال: [ ثالثاً: عظم شأن القرآن الكريم وسلامته من الإفراط والتفريط والانحراف في كل ما جاء به ]، القرآن الكريم كما أخبر تعالى ما فيه باطل ولا كذب ولا زور، وإنما كله حق ونور وهداية، وأوامر وتكاليف وشرائع وأخبار وقصص، وخال من شيء اسمه عوج.

    قال: [ رابعاً: بيان مهمة القرآن وهي البشارة لأهل الإيمان والإنذار لأهل الشرك والكفران ]، ما مهمة القرآن التي نزل من أجلها؟ قال: هي بشارة أهل الإيمان بالجنة دار السلام، ونذارة أهل الشرك والكفر بالعذاب الأليم في دار البوار.

    قال: [ خامساً: التنديد بالكذب على الله ونسبة ما لا يليق بجلاله وكماله إليه كالولد ونحوه ]، وقد بينا هذا فقلنا: يا عبد الله! ويا أمة الله! لا تقل عن الله ما لا تعلم، وويل لمن يكذبون على الله، فينسبون إليه عبادة ما شرعها، أو يحللون أو يحرمون والله ما أحل ولا حرم، أو ينسبون لله صفاتاً وهو بريء منها غير متصف بها، ودليل هذا توعد الذين نسبوا إليه الولد فقالوا: هذا ولد الله، كذب وباطل وزوراً، فلا يحل أبداً أن يرانا الله نكذب عليه كذبة واحدة، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام:21].

    قال: [ سادساً: تحريم الانتحار وقتل النفس من الحزن أو الخوف ونحوه من الغضب والحرمان ]، وأخذنا هذا من قول الله تعالى لرسوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ .. [الكهف:6].

    فلو قيل لنا: لما خلق الله هذه الأرض وأوجد فيها هذه المخلوقات؟ زينها بها وجملها وحسنها، انظر إلى الأنهار والمياه والجبال والبشر والحيوانات والمخلوقات والطيور والأسماك، فهذه الزينة كلها ما سببها؟ ما علة ذلك؟ فالجواب: ليمتحن الله بها الناس، فمن عرف أنها فانية وزائلة استقام على طريق الله فنجح، ومن أقبل عليها وتكالب عليها وعبدها وفرغ كل شيء لها فهو من الخاسرين والعياذ بالله.

    قال: [ سابعاً: تقرير فناء كل ما على الأرض حتى تبقى صعيداً جرزاً وقاعاً صفصفاً لا يرى فيها عوج ولا أمتاً ] قرر الله تعالى أن هذا الجمال وهذه الزينة كلها سيأتي يوم والأرض كلها صفحة بيضاء، لا فيها تل ولا جبل ولا ماء ولا إنسان ولا حيوان، وإنما كرقعة من القماش، وبعد ذلك كما علمنا ينزل ماء من السماء كمني الرجال، فتنبت الخليقة كما ينبت البقل والبصل والثوم، وذلك لما يكتمل خلقها تحت الأرض ينفخ إسرافيل الأرواح التي هي في مستودع في الملكوت الأعلى والأسفل، وإذا بكل روح تدخل في جسمها، ونفخة أخرى وإذا هم قيام ينظرون.

    قال: [ ثامناً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بإجابة السائلين عن أصحاب الكهف بالإيجاز والتفصيل ] والله إنه لنبي الله ورسوله، فما الدليل على هذا؟ سأله اليهود أهل العلم وأهل الكتب السابقة عن ثلاثة أشياء، والله لو لم يكن نبياً ما عرف، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، وبعد ذلك بينها لهم، ثم بعد نصف شهر نزلت سورة الكهف بما فيها، ونزل قوله تعالى في الإسراء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85]، فدل هذا على أن محمداً نبي الله ورسوله علماً يقيناً، ولهذا ويل لمن ينكر هذه النبوة أو يكفر بها.

    قال: [ تاسعاً: تقرير التوحيد ضِمْنَ قصة أصحاب الكهف، إذ فروا بدينهم خوفاً من الشرك والكفر ] وقد بينا هذا غير مرة مئات المرات فقلت: يا عبد الله! إن وجدت نفسك في قرية لا تستطيع أن تعبد الله فيها فارحل، واهجرها واخرج منها، وإن وجدت نفسك في مدينة من المدن لا يمكنك أن تعبد الله فيها، وإنما تنغمس في معاصي الله، فيجب أن تهجر هذه المدينة، أو وجدت نفسك في بيت أو في عمارة لا تستطيع أن تستقيم فيها على منهج الله، وإنما تقع في الفجور والباطل، والله لوجب عليك أن تهجر هذا المكان.

    وسر ذلك أننا خلقنا لدار السلام، لنعبد الله فتزكو أنفسنا وتطيب وتطهر ويرفعنا الله إلى الجنة دار السلام، وأخذنا هذه الهداية من حال هؤلاء الفتية السبعة الشبان، إذ ما أطاقوا أن يشركوا بربهم، وأن يعيشوا على الخرافة والضلالة، فهربوا وخرجوا من بلادهم، وآووا إلى غار في جبل فدخلوه، وشاء الله أن يجعلها آية من آياته، فألقى عليهم النوم ثلاثمائة وتسع سنين، فهذه آية من آيات الله العظمى.

    قال: [ عاشراً: استجابة الله لدعاء عباده المؤمنين الموحدين ]، فما زال الله يستجيب لنا فيما ندعوه ونسأله، فلا تكلوا ولا تملوا، وواصلوا الدعاء، وإياك أن تقول: دعوت ولم يستجب لي! فاحذر من هذه الكلمة! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ادعوا ربكم ولا تستعجلوه، فمن استعجله في الدعاء حرمه الإجابة )، فلا تقل: دعوت كذا سنة وما استجاب لي، وإنما واصل دعاك.

    وأخذنا هذه الهداية من حال هؤلاء الفتية، إذ سألوا ربهم وهم هاربون، فحقق لهم مطلبهم، فمن ثم عرفنا أن على كل مؤمن ومؤمنة أن يسأل الله حاجته بالليل والنهار وهو ساجد وهو قائم وهو ماشي، ولا يغفل يدعو الله، إذ الدعاء هو العبادة، وقد قال هذا الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وإليكم هذه الصورة: ها أنا ذا أرفع يدي إلى الله، وسأقرأ نفسي فأقول: إن هذا العبد الذي رفع كفيه فقير ومحتاج إلى ربه، ولولا احتياجه وفقره لم يرفع كفيه، وثانياً: هذا الذي يرفع إليه كفيه هل هو في أسفل أو عن يمينه أو عن شماله؟ فوق، إذ الله فوق الملكوت كله، فوق عرشه بائن من خلقه، ولو كان أسفل لنكس العبد يديه إلى الأرض، ولو كان عن اليمين أو الشمال لوجه يديه إلى جهة اليمين أو الشمال، وثالثاً: أن هذا الذي يقول: يا رب! يا رب! علم وأيقن أنه يسمع كلامه، ويسمع صوته الخافت الذي خفضه، والله يسمع كل صوت، ورابعاً: لو عرف هذا العبد أن غير الله يقضي حاجته ويعطيه مسألته لقال لمد يديه إليه، لكنه عرف ألا يوجد على الأرض من يقضي حاجته ويعطيه سؤله إلا الله، فرفع إليه أكفه، ومن ثم كان الدعاء هو العبادة.