إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (19)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقرر الله عز وجل في هذه الآيات كفر من اتخذ الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء والصالحين أرباباً يعبدونهم تحت ذريعة التقرب إلى الله تعالى والاستشفاع بهم لنيل مرضاة الله، كما يقرر هلاك من يعبدونه سبحانه بغير ما شرع اعتماداً على أهوائهم وما تزينه لهم أنفسهم من الدين، وأولئك جميعاً ضل سعيهم وحبطت أعمالهم وجهنم هي جزاؤهم يوم القيامة خالدين فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا * قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [الكهف:102-106].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف:102]، هذا الاستفهام للتوبيخ وللتقريع وللتهديد لأولئك المشركين الذين يعبدون الملائكة، والنصارى الذين يعبدون المسيح عليه السلام، وبعض اليهود الذين يعبدون العزير عليه السلام.

    أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الكهف:102]، أي: بالله ولقائه ورسوله، أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف:102]؟ أي: يتولونهم وينصرونهم ويدخلونهم الجنة ويخرجونهم من النار؟ وهذا خطأ فاحش والعياذ بالله تعالى.

    ثم قال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [الكهف:102]، فهؤلاء هم أهل النار، ونزل النار هي الضيافة المعدة بالطعام والشراب واللباس، ولكن طعامهم وشرابهم ولباسهم من جهنم والعياذ بالله، إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [الكهف:102]، والنزل هي الضيافة، فدار جهنم منزل وضيافة للمشركين والكافرين، وهكذا التنديد بالذين يعبدون مع الله غيره، وذلك كالمشركين في مكة، وكاليهود والنصارى ومن إليهم ممن يعبدون غير الله ويدعون أنهم يتقربون إلى الله بتلك العبادة الباطلة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ...)

    قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف:103].

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف:103]، أي: قل لهم يا رسولنا! لهؤلاء المشركين: هل أنبئكم وأخبركم بالأخسرين أعمالاً؟ الذين عملوا في الدنيا عشرات السنين، ثم بعد ذلك خسران كامل والعياذ بالله، بل والله ولا حسنة واحدة؛ لأنهم مشركون وكافرون، فهؤلاء قل لهم: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف:103]؟ فمن هم؟

    ثم قال تعالى مبيناً هؤلاء الأخسرين أعمالاً: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف:104]، أي: أخطأ سعيهم وعملهم، إذ ما عبدوا الله بما شرع ولا بما بين رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما عبدوه بالشهوات والأهواء والبدع والخرافات، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف:104]، أي: هبط وفسد، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:104]، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، وهنا عباد الله! اعلموا يرحمكم الله! أن الجنة دار النعيم المقيم في السماء السابعة فما فوق، ولا يدخلها إلا ذو النفس الطيبة الطاهرة النقية، أما الأرواح الخبيثة العفنة المنتنة التي ما زكت ولا طابت ولا طهرت، وما استعملوا أدوات التزكية وآلاتها، فهؤلاء في جهنم خالدون.

    واذكروا حكم الله في هذه القضية، فقد أقسم الله تعالى بسبعة أيمان من أجل أن نثق ونقبل ما قال لنا، فقال تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:1-4]، لمَ تحلف يا ربنا؟! يحلف من أجل أن يفهم الناس هذا الحكم الإلهي، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8]، ثم ذكر الحكم فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    قَدْ أَفْلَحَ [الشمس:9]: أي: فاز بالنجاة من النار وبدخول الجنة دار الأبرار، مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، زكى أمه؟ زوجته؟ دنياه؟ ما هذا الذي يزكيه؟ إنها النفس البشرية، ولذلك من زكى نفسه فطابت وطهرت أصبح أهلاً لولاية الله ولجواره في دار السلام، ومن عفنها وخبثها وأنتنها والعياذ بالله فقد خاب وخسر، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10]، أي: خاب وخسر كل ما عمله ولم يستفد منه شيئاً.

    واعلموا عباد الله! أن النفس البشرية التي في صدورنا لن تزكو ولن تطيب ولن تطهر أبداً إلا بالعبادات التي تعبدنا الله بها، فأنزل بها كتابه وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم وعلَّمها علماء الأمة، وهذه العبادات إن أديت أداء سليماً صحيحاً مع الإيمان الصادق فإنها تزكي النفس وتطهرها، وأما الأعمال الهابطة من الخرافات والبدعيات والشركيات، وذلك كالذي عند اليهود والنصارى والمجوس وعندنا أيضاً في هذه الأمة بعد القرون الذهبية، إذ إنهم يعبدون الأولياء ويستغيثون ويحلفون بهم، فيعبدون الله بالبدع العظيمة، فوالله لا تزكو نفوسهم ولا تطيب ولا تطهر.

    قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ [الشمس:9-10]، ما معنى خَابَ [الشمس:10]؟ أي: خسر، إذ إنه عمل في الدنيا وهو يظن أنه سيدخل الجنة، ووالله لا يدخلها؛ لأن نفسه خبيثة منتنة، مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10]، أي: دسا نفسه وخبثها ولوثها وعفنها، فهذا هو حكم الله تعالى، وإذا حكم الله بشيء فمن يرد حكمه؟ من يقضي عليه؟ لا أحد أبداً، واحفظوا هذه الكلمة: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    والسؤال هنا: بما تزكَّى النفس؟ هل تزكى النفس بالماء والصابون؟ بالعطورات والطيبات؟ تزكو النفس بالعبادات التي شرعها الله تعالى، كالصلاة والزكاة والصيام والحج والرباط وكل عمل صالح يقربنا إلى الله تعالى، بشرط أن يكون فاعل ذلك العمل مؤمناً، فآمنا بأن لا إله إلا الله، وآمنا بأن محمداً رسول الله، وآمنا بلقاء الله، وأن يوماً نلقى فيه ربنا ونقف بين يديه، ويحكم فينا بحسب ما في نفوسنا من طيب وطهر أو خبث ونتن وعفونة.

    مرة أخرى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، يعبدون الأصنام والأحجار والعباد ويدعون أنهم يحسنون صنعاً، ولهذا يا أبناء الإسلام! حققوا معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا يعبد إلا الله، ولا يعمل إلا بما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهكذا يقول تعالى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف:104]، أي: هبط وسقط سعيهم، سواء من بناء الكنائس أو فعل أي خير، ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ [الكهف:104]، في أنفسهم، أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، والله ما أحسنوا صنعاً، ولكن أساءوا العمل والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه...)

    قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105].

    أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ [الكهف:105]، هؤلاء الذين كفروا بآيات ربهم التي أنزلها على رسله، وكفروا بلقاء الله والوقوف بين يديه يوم القيامة، فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [الكهف:105]، أي: بطلت أعمالهم وسقطت فلا يثابون عليها أبداً، ولو تصدقوا بالملايين، ولو بنوا المساجد والكنائس، ولو فعلوا كل خير، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105]، هكذا يخبر تعالى أنه لا يقيم لهم يوم القيامة وزناً أبداً، إذ لا قيمة لهم، فكيف يكون لهم وزناً؟

    جاء عند البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يأتي يوم القيامة الرجل العظيم السمين لا يزن جناح بعوضة )، وهنا قال أهل العلم: يا عباد الله! لا تعملوا على تسمين وتزيين أبدانكم أبداً، وإنما أقبلوا على عبادة الله وطاعته، فكلوا واشربوا ما يسد حاجتكم، والبسوا ما يسد حاجتكم، أما الزيادة والطلب لذلك فمكروه وصاحبه لا يزن جناح بعوضة.

    أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ [الكهف:105]، ما لقاء الله تعالى؟ الوقوف بين يديه، متى؟ يوم تقوم القيامة وتنتهي هذه الحياة بما فيها، فلا سماء ولا أرض ولا شيء من ذلك أبدأ، والكل واقفون بين يدي الله تعالى، ثم حبطت أعمالهم وسقطت، فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105]، أبداً، إذ لا قيمة لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا...)

    قال تعالى: ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [الكهف:106].

    ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ [الكهف:106]، أي: ذلك الذي سمعتم جزاؤه جهنم، وجهنم دركة من دركات النار، وهي من أقواها وأشدها، بِمَا كَفَرُوا [الكهف:106]، أي: بكفرهم بالله ولقائه، وبالله وبرسوله، بالله وبشرعه وكتابه، وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [الكهف:106]، أي: اتخذوا آيات الله ورسله بالسخرية والهزء والعياذ بالله، ونبرأ إلى الله أن نكون منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير شرك من يتخذ الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء آلهة يعبدونهم تحت شعار التقرب إلى الله تعالى والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله تعالى بحبهم والتقرب إليهم ]، من هداية هذه الآيات الكريمة: أولاً: أن من عبد الله بغير ما شرع ولا بين رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك كاليهود والنصارى والمشركين والضلال الهابطين من المسلمين، إذ إنهم يتقربون إلى الله بعبادة القبور والصلاة عندها، والحلف بها، والذبح والنذر لها، باعتقاد أنها تقربهم من الله، وأنهم يتوسلون بها إلى الله، فهذا كله والعياذ بالله لا ينتج حسنة واحدة أبداً، بل يعمي ويغطي الحسنات التي سبقته، ومن هنا لا نعبد إلا الله تعالى، فلا نصلي ولا نصوم ولا نركع ولا نسجد إلا لله تعالى، ولا ندعو ولا نرفع أيدينا إلى مخلوق من خلق الله أبداً، ولا نحلف أبداً لا بأم ولا بأب ولا بنبي ولا بكتاب، وإنما نحلف بالله تعالى، والرسول الكريم يقول: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، أي: جعل هذا المحلوف به شركياً لله في عظمته وربوبيته والوهيته.

    أبناء الإسلام! انتبهوا إلى ما عليه الخرافيون والضلال، إذ إنهم يعبدون الله بما لم يشرع ولم يبينه رسوله صلى الله عليه وسلم، فهل ينفعهم ذلك؟ والله ما ينفعهم أبداً، وكما علمتم أنه لا تزكو النفس البشرية إلا بالإيمان والعمل الصالح كما بينه الله ورسوله، مع البعد عن الشرك والخرافات والضلالات والباطل والمنكر، فاذكروا هذا ولا تنسوه أبداً.

    قال: [ ثانياً: تقرير هلاك أصحاب الأهواء الذين يعبدون الله تعالى بغير ما شرع، ويتوسلون إليه بغير ما جعله وسيلة لرضاه وجنته، كالخوارج والرهبان من النصارى والمبتدعة والروافض والإسماعيلية، والنصيرية والدروز ومن إليهم من غلاة المبتدعة في العقائد والعبادات والأحكام الشرعية ]، والأمر كما علمتم يرحمكم الله! أن الذين يعبدون الله بالبدع والخرافات ولم يعبدوه بما شرع وبين رسوله في كتابه مع مراعاة الزمان والمكان والكيفية التي هي أداء لهذه العبادة، فهذه أرواحهم لا تطيب ولا تطهر أبداً، وإن ادعوا أنهم مسلمون، ولذلك الذين خرجوا عن الإسلام كهذه الأمم الكثيرة كالخوارج والروافض والزيدية كلهم ضلوا الطريق والعياذ بالله، أي: ما عبدوا الله بما شرع، ولا اعتقدوا ما أمر الله أن يعتقدوا، فأعمالهم كلها باطلة لا تزكي أنفسهم ولا تطيبها ولا تطهرها أبداً.

    فلهذا علموا إخوانكم أن النفس البشرية لا تطيب ولا تطهر حتى يرضى الله عنها ويقبلها في السماء إلا إذا كانت زكية نقية طيبة طاهرة، ولا تطهر بالماء والصابون أو بالعطورات، وإنما بالإيمان الحق بأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله، والإيمان بلقاء الله تعالى، ثم بالعمل الصالح الذي أنزل الله في كتابه وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وتأديته كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم، فمثلاً هذه الصلاة، لو أنك تصلي الظهر قبل وقتها لا تعتبر صلاة ولا تثاب عليها، بل والله لا يقبل منك شيئاً، وكذلك لو صليت الآن الصبح قبل وقتها، لا ينفعك ذلك ولا تزكو نفسك، وأيضاً لو قلت: نزيد ركعتين في الصبح! ثم صليت الصبح أربع ركعات، فوالله لا تزكو نفسك بذلك أبداً، إذ لا تزكو النفس إلا بما شرع الله وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، مع النية الصادقة، فهذا الذي تزكو عليه النفس وتطيب وتطهر، فاللهم ارزقنا نفوساً طيبة طاهرة.

    قال: [ ثالثاً: لا قيمة ولا ثقل ولا وزن لعمل لا يوافق رضا الله تعالى وقبوله له، كما لا وزن عند الله تعالى لصاحبه، وإن مات خوفا من الله أو شوقاً إليه ]، من كان له أعمال كثيرة عملها، كبناء الكنائس والمساجد، وإعطاء الأموال للمحتاجين، وهو لم يعرف الله ولم يؤمن به، فهذه الأعمال كلها لا تزن عند الله شيئاً أبداً، بل لو أن مسيحياً بنى ألف مسجد فإنه لا يدخل الجنة وهو كافر.

    ولهذا نقول لإخواننا وأخواتنا: اعبدوا الله بما شرع في كتابه وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وأدعوكم إلى كتاب منهاج المسلم، فإنه حاوي العقيدة والآداب والأخلاق والعبادات والأحكام، وهو جامع للشريعة الإسلامية، ووالله ما خرج عن الأئمة الأربعة، ولا عن السنة والجماعة من عهد رسول الله إلى اليوم، فلا خرافة ولا بدعة ولا ضلالة فيه، وإن لم تستطع أن تقرأ فاسأل أهل العلم يعلمونك: متى تصلي؟ ماذا تقول؟ كيف تفعل؟

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة أخرى: نسمع الآيات مجودة مرتلة ونتأمل ما فهمناه منها، قال تعالى: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا [الكهف:102]، أعد الله جهنم للكافرين به وبلقائه وبكتابه وشرعه، وهي منزلاً ينزلونه والعياذ بالله، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف:103]، فمن هم؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، وهؤلاء هم الجهال والضلال، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا [الكهف:105-106].

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! الذي أنصح به إخواننا وأخواتنا هو أننا نجتمع في مسجد قريتنا أو حينا بنسائنا وأطفالنا ورجالنا، فنصلي المغرب كما صلينا، ونجلس لطلب العلم والهدى كما جلسنا، ثم نصلي العشاء ونعود إلى بيوتنا ذاكرين شاكرين، ويوماً آية من كتاب الله فنرددها عشر مرات فيحفظها الأبناء والأطفال، رجالاً ونساء، وتشرح لهم هكذا، والليلة الثانية حديثاً من أحاديث رسول الله، مثل حديث: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )، فيحفظونه ويبين لهم، فوالله ما تمضي سنة على أهل القرية إلا وكلهم أولياء الله تعالى، فلا فاسق ولا فاجر ولا سارق أبداً؛ لأنهم تعلموا قال الله وقال رسوله.

    فهذا الطريق لو جمع الله المسلمين عليه لكان خيراً عظيماً، فيا أهل القرية الفلانية! ويا أهي الحي الفلاني! اجتمعوا في مساء كل يوم، وذلك إذا دقت الساعة السادسة وما بقي أي عمل، فأغلق دكانك يا عبد الله! وألق مسحاتك يا نجار ويا فلاح! واجتمعوا بنسائكم وأطفالكم واصلوا المغرب والعشاء في بيت ربكم، وتلقوا الكتاب والحكمة.

    واعلموا أن الله تعالى يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فمن هم الذين يخشون الله فيعبدونه ولا يخرجون عن طاعته؟ والله إنهم العارفون بالله تعالى، العالمون بمحاب الله ومكارهه، أما الجهال فالفسق والفجور لا يخرج عنهم أبداً، فهذه هي الحقيقة فلا ننساها، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ [فاطر:28]، من؟ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فهذا كلام الله تعالى، وما هناك طريق أبداً إلا ما ذكرته لكم، وذلك كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إن أصحابه والله ما كانوا يقرؤون ولا يكتبون، ولكن بالجلوس بين يدي رسول الله وتعليمهم علموا وفازوا، بل وكانوا أفضل الخلق، ولذا لا بد وأن نجتمع في مسجد القرية أو في مسجد الحي وذلك كل ليلة وطول العام، ونطلب عالماً بالكتاب والسنة، فإن لم نجده في قريتنا فنطلبه من أي مكان آخر، وذلك ليقوم بهذا الواجب.

    ومن هنا فإن كتاب منهاج المسلم سهل وميسر والحمد لله، ووالله لقد جمع الشريعة بكاملها عقائد وآداباً وأخلاقاً وعبادات وأحكاماً، وما خرج عن المذاهب الأربعة أبداً، ولا خرج عن السنة بحال من الأحوال، فأهل القرية يجتمعون عليه، ولا تمضي سنة إلا وقد حفظوه وأصبحوا والله علماء وإن كانوا لا يكتبون ولا يقرءون.

    معاشر المستمعين والمستمعات! تعلمون أن صيام يوم عاشوراء يكفر به ذنوب سنة ماضية، فإن قلت: كيف ذلك؟ قلت لك: إن ذلك جائزة من الله تعالى، فهو الذي يمحو ويغفر، وإن شئت أن تفهم نقول لك أيضاً: يلهمك الله التوبة في هذا العم فتتوب، والتوبة تجب ما قبلها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد صام يوم عاشوراء، وذلك أنه لما جاء المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسألهم: لم تصومون؟ فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق، فقال: ( نحن أحق بموسى إذاً )، فصامه، ثم قال: ( ولئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع )، حتى لا نتفق معهم في صيام يوم واحد.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.