إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنزل الله عز وجل القرآن فيه آيات محكمات، يهدي به عباده إلى طريق الخير والصلاح، ولكن الذين يؤمنون ويذعنون هم القليل، بينما الكثير من الناس جبلوا على الجدل والمراء الذي يحملهم على رد الحق، والسخرية والاستهزاء بما يأتيهم من الوعيد، فأولئك يعاقبهم الله سبحانه وتعالى بأن يضرب على قلوبهم وأسماعهم فلا يستطيعون سمعاً ولا يهتدون سبيلاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف:54-59].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا عز ذكره: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الكهف:54]، من المخبر؟ إنه الله جل جلاله، يقول: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ [الكهف:54]، العظيم، والذي سمعنا بعض آياته، هذا القرآن الذي أوحاه الله، وأنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: صرفنا فيه للناس، أبيضهم وأسودهم، كافرهم ومؤمنهم، صرفنا فيه من كل مثل، أي: بينا فيه ما يحتاجون إليه في كلتا حياتيهم الدنيا والأخرى، فضربنا لهم الأمثال، وعرضنا عليهم صوراً، وقصصنا عليهم قصصاً، وبينا لهم أحكاماً، وبينا لهم شرائع، فما ترك شيئاً إلا بينه في هذا القرآن الكريم، لكن ما استجابوا، بل أصروا على الكفر والشرك والظلم، لم؟ قال: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54]، فالقرآن ينزل والرسول يتلوه صلى الله عليه وسلم في مكة، والمشركون يجادلون ويعاندون ويدعون دعاوى باطلة، وينسبون إلى رسول الله نسباً لا حق لها ولا وجود لها، وهذا هو شأن الإنسان، هذا الإنسان الكافر المظلم النفس، الميت القلب، والذي لا نور في قلبه ولا حياة له، حقاً والله لقد صرف الله في هذا القرآن، وبين وضرب الأمثال، وعرض أحداث الدنيا كلها، ولكن يجادلون بالباطل ويردون كلام الله ولا يؤمنون به، وعلة ذلك: أن الإنسان مطبوع على الجدل، قال تعالى: أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54].

    وهنا حادثة قد رواها الإمام مسلم وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم طرق بيت علي وفاطمة ليلاً فوجدهما نائمين، فقال: ( ألا تصلون؟ )، فقال علي: نفوسنا بيد الله، إن شاء بعثها وصلينا، ثم قال علي: فخرج النبي فأدبر عائداً إلى بيته وهو يضرب على فخذه ويقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54].

    مرة أخرى: يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم صهره علياً وابنته فاطمة بالليل، إذ بيتهم كان مجاوراً لبيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك ليوقظهما لصلاة التهجد، فقال: ( ألا تصلون؟ )، فقالوا: إن نفوسنا بيد الله، إذا بعثها صلينا، وما دام ما بعثها فكيف نصلي؟! فماذا يصنع الرسول صلى الله عليه وسلم؟ رجع وهو يضرب بيده في فخذه ويقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54]، وهو كذلك، إذ إن هذا هو طبع الإنسان وفطرته، أي: أنه يكثر من الجدل، فلا يذعن للحق ولا يقبله إلا إذا استنار القلب وحيت النفس بالإيمان وصالح الأعمال.

    يقول تعالى مخبراً: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ [الكهف:54]، العظيم، والذي بين أيدينا، لِلنَّاسِ [الكهف:54]، كلهم، مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [الكهف:54]، أي: من كل صفة عجيبة وغريبة تهدي الناس إلى الحق والهدى، ولكن ما آمن إلا القليل؛ لأن أكثر الناس طباعهم هو الجدل، وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلاً)

    وفي خبر آخر يقول تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [الكهف:55]، ويصدقوا ويشهدوا أن لا إله إلا الله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويدخلوا في الإسلام، إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى [الكهف:55]، والهدى هو القرآن الكريم، والرسول يبينه، وهو هدى يهدي المؤمنين إلى دار السلام، ويهديهم إلى الصدق والوفاء والطهر والصفاء في الحياة الدنيا، وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ [الكهف:55]؛ لأنهم مشركون كافرون ظالمون مجرمون، وقد جاءهم الهدى وعرفوا أنهم ظلمة كفرة مشركون، إذ المفروض أن يستغفروا ربهم، فما منعهم أن يؤمنوا ويستغفروا؟ قال: ما منعهم إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ [الكهف:55]، أي: ينتظرون العذاب الذي ينزل بهم كما نزل بالسابقين كعاد وثمود وما إلى ذلك.

    وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى [الكهف:55]، أي شيء منعهم؟ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ [الكهف:55]، اللهم إلا أنهم مهيئون للعذاب في الدنيا والآخرة، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ [الكهف:55]، فكان الله عز وجل يبعث الرسول، فإذا رفض الناس الإيمان وأصروا على الكفر والشرك عاماً بعد عام، ينزل بهم نقمته وعذاب الإبادة والاستئصال، وكذلك هؤلاء الذين في مكة ماذا ينتظرون سوى هذا؟ وبالفعل ما آمنوا حتى أتاهم العذاب في بدر وهلكوا عن آخرهم، وكانوا سبعين مشركاً من الطغاة المعاندين المعنيين بهذه الآية.

    هكذا يقول تعالى مخبراً ومعلماً: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ [الكهف:55]، أي: ما المانع عن الإيمان واستغفار الله ليغفر ذنوبهم الماضية، اللهم إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا [الكهف:55]، وجهاً لوجه وعلناً، فحينئذٍ يؤمنون ولا ينفعهم الإيمان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين...)

    ثم قال تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، فالرسول ليس ملزماً بأن يهتدي الناس على يديه، وليس بملزم بأن يدخل الناس بالقوة في الإيمان والإسلام، إذ لا يملك هذا، وليس بمكلف بهذا، وهذا هو شأن كل رسل الله، إذ ما كلف الله رسولاً وألزمه بهداية أهل القرية أو المدينة أو الإقليم أبداً، وإنما عليه البيان فقط، فمن آمن نجا، ومن كفر هلك، وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، فهذه مهمتهم، فيبشرون المؤمنين العاملين للصالحات بسعادة الدنيا والآخرة، وينذرون الكافرين والمشركين والظالمين بخزي الدنيا وعذاب الآخرة، وهذا خبر الله، وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، لا نرسلهم من أجل أن يهدوا الناس ويدخلوهم في الإسلام، فهذا ما يملكونه، إنما يملكه الله عز وجل فقط، وقد وضع له سنناً إذا اتبعت اهتدى من اهتدى وضل من ضل.

    هكذا يقول تعالى معلماً لنا: وَمَا نُرْسِلُ [الكهف:56]، أي: نحن رب العزة والجلال الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، وعدد الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، وذلك على عدة قوم طالوت الذين قاتلوا جالوت وانتصروا عليه، وعلى عدة أصحاب بدر من المؤمنين، إذ كان عدد أصحاب بدر ورسول الله عليهم ثلاثمائة وأربعة عشر مجاهداً، وسبحان الله فهذا اتفاق إلهي، والرسول هو الذي يرسله الله برسالة إلى قوم من الأقوام، فيقال له: اذهب إلى بني فلان تحمل رسالة الهدى والنور إليهم، وأما الأنبياء فعددهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي، كذا يقول أهل العلم، واعلموا أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول، فكونه نبي نبأه الله، فإذا أرسله إلى قوم كان رسولاً، إذا لم يرسله وإنما نبأه في نفسه فهو نبي وليس برسول، ويُجمع النبي على أنبياء، والرسول على رسل، أو على مرسلين وهو جمع مذكر السالم.

    وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، لا لشيء آخر، لا ليقيموا دولة، ولا ليبنوا أرضاً، وإنما رسالتهم: مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، فيبشرون المؤمنين بالعاقبة الحسنى، وينذرون الكافرين بالعاقبة السوء، ثم قال تعالى: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [الكهف:56]، وهؤلاء هم الطغاة أبو جهل وعقبة بن أبي معيط والأخنس بن شريق.

    يقول تعالى: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ [الكهف:56]، لو جادلوا بالحق قبل منهم، ولو جادل بالصدق قبل، لكن بالباطل والكذب يجادلون! لماذا؟ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56]، أي: من أجل أن يدفعوا الحق ويبطلوه، وإلى الآن والله ما يجادلون إلا بالباطل، والآن الكفار لا علم لهم ولا معرفة، إذ لا يعرفون الحق أبداً، ولكن لو تأملوا وتفكروا وتذكروا لعرفوا الحق، وعرفوا أنه لا يستحق أن يعبد إلا خالق هذه الأكوان ومدبر هذه الأمور، ولكن معرضون لا يعرفون ولا يعلمون، ومصيبتهم هو الكفر الذي في قلوبهم، إذ هو الحاجز لهم عن هذا.

    ثم قال تعالى: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي [الكهف:56]، القرآنية، وَمَا أُنْذِرُوا [الكهف:56]، به وخوِّفوه من العذاب في الدنيا وعذاب الآخرة، اتخذوا ذلك هُزُوًا [الكهف:56] وسخرية وضحكاً ولعباً، وهذا هو الواقع، ولو أن رسولاً اليوم وقف يدعو أو داعياً، والله ليواجه هذه الأحداث بكاملها، ولا تقل: إن البشرية ترقت وارتفعت، وإنما يجادلونه بالباطل ليدحضوا الحق، وقد عرفتم الاشتراكيين والشيوعيون ماذا كانوا يقولون؟ إلى الآن لا يعترفون بأن الإسلام دين الله، وأنه لا سعادة إلا به، ولا نجاة إلا به، وأن ما عداه كفر وباطل وظلم وشر وخبث وفساد، وإذا دعوتهم يجادلونك بالباطل ليدحضوا هذا الحق ولا يقبلوه، فهذه أخبار الله وكلها صدق، وَاتَّخَذُوا آيَاتِي [الكهف:56]، القرآنية، وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [الكهف:56] وسخرية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ...)

    قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57]، والله لا أظلم من هذا على الأرض! وَمَنْ أَظْلَمُ [الكهف:57]، هل هناك أظلم من هذا؟ مِمَّنْ [الكهف:57]، من عبد، ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ [الكهف:57]، القرآنية أو الكونية، فارفع رأسك إلى السماء واسأل من رفعها؟ وضع رأسك إلى الأرض واسأل من أوجدها؟ وانظر إلى نفسك واسأل من أوجدك؟ وانظر إلى بصرك، إلى سمعك، إلى إخوانك، إلى هذا المجلس المبارك، من اوجد كل هذا؟ آمنا بالله، وَمِنْ آيَاتِهِ [الروم:22]، الدالة على وجوده وعظمته وقدرته، خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم:22]، فهذه الآية ما رأينا أعظم منها.

    معشر المستمعين! عددكم يقارب الألف أو الألفين، لكن لا يوجد اثنان لا يميز بينهما، إذ كيف يتم هذا؟ لو جمعت أهل إقليم بكامله، بل والله لو جمعت أهل الأرض كلهم على صعيد واحد ما وجدت اثنين لا يميز بينهما، فأية قدرة أعظم من هذه؟ وأي علم أعظم من هذا العلم؟ وهل الناس يخلقون أنفسهم؟! من خالقهم؟ الله جل جلاله، حتى لا يدخل هذا بيت هذا، ويطأ هذا امرأة هذا ويقول: أنا زوجها! سبحان الله العظيم! أو ما فهمتم هذه العبارة؟ وَمِنْ آيَاتِهِ [الروم:22]، الدالة على وجوده وعلمه وحكمته وعظمته جل جلاله وعظم سلطانه، خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الروم:22]، من خلق السموات والأرض؟ آباؤنا أم أجدادنا؟! السحرة أم الدجالون؟! الطيارون أم الكاذبون؟! ليس هناك إلا أن نقول: الله فقط، وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ [الروم:22]، هذه اللغات المختلفة العجبيبة في العالم، وأعظم من ذلك الألوان، فلا تجد اثنين لا يميز بينهما بحيث هذا يدعي هذا وهذا يدعي هذا، ولو وجد هذا في قرية ضاعت البلاد، إذ كل واحد يدخل على الثاني ويقول: هذا بيتي وهذه امرأتي! فمن يقدر على هذا سوى الله؟ لم لا يفكرون في هذا حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويبتعدوا عما حرم الله من الغش والخداع والخبث والظلم والشر والفساد؟!

    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف:57]، أعطاها عرضه فلم يقبل عليها، ويسمعون الموعظة والذكر فينسون، وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57]، من الظلم والشر والكفر والفساد، وما سينتج عن هذا الظلم والشر والكفر والفساد.

    ثم قال تعالى معللناً مبيناً لماذا هذا الإعراض وهذا النسيان؟ فقال: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف:57]، أي: أغطية، أَنْ يَفْقَهُوهُ [الكهف:57]، أي: هذا القرآن، فنحن الآن ما قرأناه على اليهود والنصارى في مجالس وبينا لهم؛ لأننا لا نعرف، لكن الرسول يقرؤه على أبي جهل وعقبة بن أبي معيط والأخنس وفلان وفلان، ويسمعونه ويفهمونه، فسبحان الله! لماذا؟ قال: إِنَّا جَعَلْنَا [الكهف:57]، حسب سنتنا في خلقنا، عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الكهف:57]، ويفهموه، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57]، وثقلاً، فلا يقدرون على السماع، بل ولا يستطيعون أن يسمعوا، وقد عرفتم هذا وبيناه غير ما مرة، فإذا كنت تكره شخص معيناً لا تقوى على أن تسمع كلامه، وهذا والله بالتجربة.

    إذاً: وكانوا لا يستطيعون السمع أو لا يقدرون على السماع؛ لأنه يتعارض مع ما في قلوبهم وما هم عليه من الشر والباطل، إذ إنهم لا يريدون أن يسمعوا، وكم وكم من واحد يجلس في حلقة علم، بعد يقوم لما ما يساعده، ما يتفضل أن يسمعه.

    إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف:57]، أي: أغطية، وهي ظلمهم وشركهم وكفرهم، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57]، وثقلاً، وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى [الكهف:57]، يا رسولنا! فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57]، فالذين وقفوا في وجه الدعوة وحاربوها وجادلوا بالباطل ليدحضوا به حق هؤلاء، ما يهديهم إلا الله، وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57]، فسنة الله أن الطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، إذاً فالكفر والظلم والذنوب تعمي القلب وتصمه، فلا يسمع ولا يفهم ولا يهتدي أبداً، وهذه هي سنة الله تعالى، فالذي يعاند ويكابر ويجادل بالباطل ليدحض به الحق، فهذا لا يفهم ولا يسمع أبداً، ولن يهتدي، وَإِنْ تَدْعُهُمْ [الكهف:57]، يا رسولنا! إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:57]، لماذا؟ لما على قلوبهم من أكنة، وفي آذانهم من ثقل، فلا يستطيعون السماع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة...)

    قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58]، أي: وربك يا رسول الله! صاحب المغفرة والرحمة، وهما صفتان عظيمتان، إذ يغفر الذنوب ويرحم الإنسان، فهذه الصفة من يحصل عليها؟ وإن كانت في بعض المؤمنين صفة تكون كصفة الله عز وجل؟ حاشا وكلا، وَرَبُّكَ الْغَفُورُ [الكهف:58]، لذنوب عباده، فيعيش المرء سبعين سنة وهو في الشرك والكفر والظلم والخبث والنتن والعفن فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويغتسل ويصلي فيمحى ذلك كله، ولا يطالب به أبداً، ولا يسأل عنه، وهذا هو الغفور، لكن غير الغفور يحاسب على ما مضى كاملاً ليجزيه به، ولكن الله هو الغفور ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، فيرحم أولياءه ويدخلهم في جنته، ويكرمهم ويعزهم في دنياهم وينصرهم ويعلي شأنهم؛ لأنه ذو الرحمة.

    ثم قال: لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا [الكهف:58]، فلولا أنه غفور رحيم لكان كل من قال كلمة الكفر أحرقه، أو قال كلمة الباطل أهلكه، لكنه ذو المغفرة والرحمة، لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا [الكهف:58]، أي: بكسبهم الظلم والشر والكفر والفساد، لعجل لهم العذاب، فلا يتركهم عشر سنين وهم يقاتلون الرسول وأصحابه، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ [الكهف:58]، ولكن، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف:58]، ولا منجاة ولا مهرباً، وهذا كما قلت لكم: يتناول مشركي مكة الذين هلكوا في بدر، إذ قد هلك منهم سبعون صنديداً منهم، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ [الكهف:58]، مهرباً ولا ملاذاً أبداً، بل لابد وأن يحق ما حق بهم، وكان ذلك، والكافرون اليوم والمشركون ما لهم موعد؟ والله إن لهم لموعداً، وينزل بهم العذاب ولا يستطيعون رده ولا الخلاص منه أبداً.

    وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ [الكهف:58]، أي: هؤلاء المشركين الظلمة المعاندين الكافرين، لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ [الكهف:58]، بكسبهم الظلم والشر والكفر، لعجل لهم العذاب، ولكن لا يؤاخذهم به؛ لأنه الغفور الرحيم، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ [الكهف:58]، معيناً محدداً ينزل بهم العذاب، ثم لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف:58]، أي: يئولون إليه وينجون به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا...)

    وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف:59].

    ثم قال تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى [الكهف:59]، والقرى في القرآن الكريم المراد بها العواصم والحواضر، وليس المراد بذلك ما هو في اصطلاح الجغرافيين المعاصرين، فالقرية الجامعة الحاضرة هي المدينة، فإذا سمعت كلمة: قرية في القرآن فمعناها المدينة، ويكفيك قول الله تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى:7]، فمن هي أم القرى هذه؟ أم العواصم، إنها مكة المكرمة، أول مكان بنيت فيها الكعبة والبيت وذلك قبل أن توجد البشرية.

    والشاهد عندنا قوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59]، يعني: مدن عاد وثمود وشعيب وفرعون، وأمم أهلكهم الله بظلمهم، فمائة ألف جندي من جنود فرعون على خيل أُغرقوا في البحر بكاملهم، ومدائن صالح كلها بالصيحة خرجت قلوبهم ووقعوا على الأرض، وعاد أرسل عليهم سبع ليال وثمانية أيام حجارة فأهلكوا عن آخرهم، ولولا أن الله عز وجل تعهد لنبيه أنه لا يهلك أمته بعذاب الاستئصال والإبادة لأهلك البشرية كلها، لكنه سماه الرحمة، فهو رحيم بالمؤمنين، ولهذا أمة الإسلام أمتان: أمة إجابة، وأمة دعوة، فأمة الإجابة هي المسلمون، فقد أجابوا وأسلموا، وأمة الدعوة هي جميع الكفار والمشركين في الأرض، أي: يجب أن يدعو إلى أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وذلك في كل زمان ومكان، وقد دعاهم المسلمون إلى ذلك، فقد كان الإسلام في هذه الجزيرة فقط، ثم بعد ذلك انتشر إلى الأندلس وإلى ما وراء نهر السند، والآن لو يعود للمسلمين دولتهم وسلطانهم والله لدعوا ولدخل الناس في دين الله أفواجاً.

    وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59]، أي: حينما ظلموا وتم ظلمهم، وبعد أن أمهلهم الله وأجلهم فأصروا، أهلكهم وأبادهم عن آخرهم واستأصل وجودهم، لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59]، إذاً: الظلم مهلك، فوالله لا سبب للهلاك إلا الظلم، ومن أفظع أنواع الظلم: أن تعبد مخلوقاً وتترك الخالق، فأي ظلم أعظم من هذا؟ أن يعبدوا صليباً في أعناقهم ويتركون عبادة الرحمن، أن يعبدوا القبور والأشجار والأحجار ولا يعبدون الله تعالى، أي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    وَجَعَلْنَا [الكهف:59]، (لمُهلَكم) وهي قراءة أخرى، لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف:59]، فنوح جلس مع قومه حتى أهلكهم الله ألف سنة وخمسين سنة وهو يدعو، وليس كل ما يجئ رسول يستجيب الناس أو لا يستجيبون ويهلكون، وإنما ألف سنة إلا خمسين عاماً، وموسى مع فرعون مكث أكثر من أربعين سنة، وهكذا صالح مع ثمود، وهود مع عاد، فإذا استمروا على كفرهم فإنه ينزل بهم العذاب، وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59]، اسمعوا، لَمَّا [الكهف:59]، أي: حينما، وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف:59]، فلا يتخلف أبداً ولا يتقدم، وإنما بالدقيقة الواحدة، فهذه آيات الله عز وجل، فلمَ لا يجتمع المسلمون نساءً ورجالاً على دراسة هذه الآيات هكذا؟ ما المانع؟ من صرفهم عن هذا؟ إنه العدو، فقد صرفونا ومنعونا عن ذلك، وقالوا: تفسير القرآن صوابه خطأه وخطأه كفر والعياذ بالله، وهذا الكلام وللأسف موجود في حاشية الحطاب على خليل، فتفسير القرآن صوابه خطأه، فمن يقوى على أن يفسر؟ وخطأه كفر، أي: إذا أخطأ في تفسير آية فقد كفر والعياذ بالله، فهذا قانون إجرام وضعوه ليصرفوا المؤمنين والمؤمنات عن كلام الله عز وجل، فلا يتدبرونه ولا يتفكرون فيه ولا يتأملوه.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    واسمعوا للآيات مرة أخرى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ [الكهف:54-55]، اللهم، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:55-56]، فما كلفناهم بهداية الناس، إذ لا يقدرون على ذلك، وإنما فقط يبشرون المؤمنين وينذرون الكافرين، وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ [الكهف:56]، فهل الكافر يجادل بالحق؟ لا، إذ من أين له الحق وما عرفه؟! بِالْبَاطِلِ [الكهف:56]؛ ليبقى على كفره والعياذ بالله، وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ [الكهف:56]، لماذا؟ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56]، أي: حتى يبقى لهم كفرهم وشركهم وخبثهم وفسادهم، وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا [الكهف:56]، فقد أخبر تعالى بالواقع، إذ إنهم اتخذوا آيات الله وما أنذروا به من العذاب هزواً وسخرية، وهذا على عهد رسول الله وإلى اليوم وإلى يوم القيامة.

    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف:57]، فهل هناك من هو أظلم من هذا؟ والله لا أظلم من هذا، فقد أعرض عن آيات ربه، مع أنه قد ذكر بها ليعبد الله وحده ويؤمن به وبرسالاته، لكنه يعرض وينسى ما فعله من الخبث والشر والفساد.

    وعلة هذا الإعراض بعد التذكير: قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ [الكهف:57]، جعلنا أيضاً، وَقْرًا [الكهف:57]، أي: ثقلاً، فأذنه ثقيلة، والآن ثقيل الأذن لا يسمع؛ لأن به ثقل في أذنه، ولهذا هم ما استجابوا، وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا [الكهف:57]، مع هذا، أَبَدًا [الكهف:57]، مع أن قلوبهم مغطاة وآذانهم ثقيلة، فلو تدعوهم ما يستجيبون أبداً وما يهدوا.

    وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58]، وإلا كان سينزل بهم عذابه وسخطه فيبيدهم ويدمرهم، ولكنه الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا [الكهف:58]، من الظلم والشرك والفساد والشر، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ [الكهف:58]، لكن، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف:58]، أي: مصرفاً أبداً.

    وَتِلْكَ الْقُرَى [الكهف:59]، في الأمم الماضية، أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59]، ولماذا لا يهلكون هؤلاء وقد ظلموا؟ فلينتظروا العذاب والهلاك، وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف:59]، فهذا الكفر والخبث الذي انتشر في العالم، لابد له من موعد ينزل بهم عذاب الله عز وجل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: لقد أعذر الله تعالى إلى الناس بما يبين في كتابه من الحجج وما ضرب فيه من الأمثال ]، لقد أعذر الله إلى الناس، أي: قطع العذر عنهم بسبب ما نزل من القرآن وما بين في القرآن من أحكام وقصص وعجائب وغرائب من شأنها أن تهدي الناس إلى الله عز وجل، ولهذا لا عذر لهم فقد انتهى العذر، فلا يظن إنسان أنه معذور يوم القيامة فيقول: ربي! أنا ما علمت، فالقرآن يحمل كل النور والهداية، فاقرأه واجتمع عليه مع إخوانك تعلم وتفهم.

    قال: [ ثانياً: بيان غريزة الجدل في الإنسان والمخاصمة ]، وهذه طبيعة الإنسان في الجدل والخصومة، قال تعالى: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف:54]، فطبع الإنسان وغريزته الجدل والخصومة، إلا إذا أنار الله قلبه وملأه بالإيمان وعرف الطريق إلى الرحمن، وعند ذلك لا جدال ولا خصومة أبداً.

    قال: [ ثالثاً: بيان مهمة الرسل وهي البشارة والنذارة وليست إكراه الناس على الإيمان ]، بيان مهمة الرسل التي أسندت إليهم وكلفوا بها، وهي البشارة والنذارة وليست الهداية، فأنت عندما تدخل قرية أو في حي وتدعو الناس إلى الله تعالى، فقد يستقيم من يستقيم، ويبقى معوجاً من اعوج، فما أنت بمسئول، وإنما يكفي أنك بشرت المستقيمين ونذرت وحذرت المعوجين المنحرفين، فمهمة الرسل من أول رسول وهو نوح عليه السلام إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم هي البشارة والنذارة، فالبشارة اسم من بشروه بشارة، وأنذرهم نذارة، فيبشر المؤمنين الصالحين وينذر الفاسقين والكافرين.

    قال: [ رابعاً: بيان عظم ظلم من يذكر بالقرآن فيعرض ويواصل جرائمه ناسياً ما قدمت يداه ]، فالآن لو تتصل بأصحاب البنوك في العالم الإسلامي وتذكرهم وتحذرهم وتنذرهم فإنهم يعرضون ويعطونك عرضهم ولا ينظرون إليك، وكذلك الذين يصنعون الخمر ويبيعونها وينشرونها لو تواجههم وتوعظهم وتذكرهم، والله لأعرضوا عنك ولم يلتفتوا إليك، وقد جربنا ذلك حتى الذين يدعون الأولياء ويعبدونهم من دون الله، فلما نذكرهم يعرضون ولا يسمعون، فهذا أحد الأبناء كان راكباً سيارة، ومعه راكب إلى جنبه في طريقه إلى منزله، فشغل الإذاعة فسمع صوت داعي التوحيد، فقال: صوت من هذا؟ فلان؟ والله نهبط، لا نسمعه، فعرفنا معنى قوله الله تعالى: وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف:101]، أي: لا يقدرون، كما حدث لي حادث ما بين ليبيا ومصر في سيارة في آخر الليل، وذلك أننا سمعنا إذاعة صوت العرب في تلك الليلة تقول أمراً عجيباً: أن الملك سعود مرت به امرأة بدوية على حمار فقال لمن معه: أوقفوها وجروها إلي! فوالله كدت أن أتمزق، ومن ثم والله ما أستطيع أن أسمع صوت العرب، إذ ما عندي قدرة على سماعه، ومن ثم فهمت قول الله تعالى، وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا [الكهف:101]، وقد كنا طلاباً نقرأ هذه الآية فنقول: كيف لا يستطيع السمع؟! أليس عنده أذنان يسمع بهما؟ لكن عرفنا أن أهل الباطل والشر والخبث ما يسمعون الحق ولا يستطيعونه.

    قال: [ خامساً: بيان سنة الله في أن العبد إذا واصل الشر والفساد يحجب عن الإيمان والخير، ويحرم الهداية أبداً حتى يهلك كافراً ظالماً ]، وهذه سنة الله تعالى، فإذا واصل العبد الشرك أو الكفر أو الظلم أو الفسق أو الفجور يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، يجيء يوم لا يقبل الهداية أبداً، فيضرب على قلبه، وهذا مجرب ومشاهد، فإذا أذنب المؤمن ذنباً يستطيع أن يتوب منه بسهولة، لكن إذا استمر على الذنب خمسين عاماً كيف يرجع؟ ما يستطيعوا، فلهاذ معاشر المستمعين والمستمعات! التوبة تجب على الفور، لذا لا يجوز تأخير التوبة إلى غدٍ أو حتى تتزوج أو حتى تتوظف، فإذا زلت القدم وفعلت الإثم فعلى الفور: أستغفر الله وأتوب إليه، أستغفر الله وأتوب إليه، والذين يستمرون على الذنب رجاء أن يتوبوا بعد كذا وكذا، سيأتي وقت ما يستطيعون التوبة بسبب: أننا ضربنا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف:57].