إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (12)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن عداوة إبليس لآدم وذريته من بعده مما نطق به آي القرآن الكريم، فلا ينبغي للعباد اتباعه، ولا اتخاذه وذريته أولياء من دون الله، فالله سبحانه هو خالق السماوات والأرض، وخالق الخلق أجمعين، فلا ينبغي له أن يتخذ من شياطين الإنس والجن أعواناً، وكل من يعبد هؤلاء من دون الله أو يتبعهم فإنه موقوف بين يدي الله عز وجل، متعرض لسخطه وعقابه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا * مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا * وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:50-53].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أذكركم بهذه النعمة وهي أننا نسمع كلام ربنا في بيت من بيوته، فكيف حصل هذا؟ وكيف تم لنا هذا؟ وكيف فزنا به؟ نسمع كلام ربنا ونحن في بيته، وقريبون من قبر رسوله صلى الله عليه وسلم، إنها نعمة من أجل النعم وأعظمها.

    فقول ربنا: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الكهف:50]، فمن القائل؟ الله جل جلاله، أي: اذكر يا رسولنا! اذكروا يا عبادي! ماذا نذكر؟ قولنا للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ [الكهف:50]، فآدم أبو البشر ونحن ذريته، وقد صنعه الله أو خلقه الله من طين لازب، قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]، ووضعه أربعين سنة وهو صورة فقط، ثم نفخ فيه من روحه فقال: الحمد لله، وآدم خلقه الله عز وجل في الملكوت الأعلى، وذلك قبل أن يخلق إنساناً في هذه الأرض، وخلق حواء زوجه من ضلعه الأيسر بكلمة التكوين كوني فكانت، ثم تفضل الله عز وجل وتكرَّم فأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم سجود تحية واحترام، فقال تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ [الحجر:30]، ولا يعرف عددهم إلا الله تعالى، اللهم إلا إبليس لم يسجد بسبب الكبر الذي في نفسه والحسد الذي أضمره لآدم، إذ كيف يسجد الملائكة لآدم وأنا أشرف وأكرم منه؟ فمنعه من السجود الحسد والكبر.

    وإليكم ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، وذلك في بيان قصة إبليس وعدم سجوده لآدم، قال رحمه الله تعالى: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلاً، وهذا أولاً، وكان خازناً على الجنان، أي: كان خازناً من خزان الجنة، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه -وهذا بقضاء الله- أنه رأى أن له بذلك شرفاًعلى أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم، فاستكبر وكان من الكافرين.

    أعيد عليكم الرواية فتأملوها: أخرج ابن جرير الطبري -وهو أحد أئمة التفسير، ولا أجل منه في باب تفسير كتاب الله عز وجل- أن ابن عباس قال: إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلاً، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه أن رأى أن له بذلك شرفاً على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم، فاستكبر وكان من الكافرين، فذلك قوله تعالى للملائكة: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة:33]، وما كان يكتمه إبليس في قلبه من الكبر والحسد.

    يقول تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف:50]، واختلف في كونه من الجن، هل هو من أهل الجنة أم من عالم الجن؟ على كل حال أخبر تعالى أنه كان من الجن وليس من الملائكة، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، أي: خرج عن طاعة الله، وأبى أن يسجد لآدم، والفسق هو الخروج عن الطاعة، وهو مأخوذ من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، فالفاسق الذي يترك واجباً أوجبه الله تعالى عليه، أو يفعل محرماً حرمه الله تعالى عليه، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50].

    حرص الشيطان على غواية الإنسان

    ثم قال تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي [الكهف:50]، يخاطب المشركين عبدة الأوثان والأصنام والأحجار، إذ كيف تتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو؟ فقد حسد أباكم، وكان السبب في إخراجه من الجنة، فكيف تتخذونه ولياً من دون الله وهم لكم عدو؟ بئس للظالمين بدلاً، فهذا البدل والعياذ بالله أبأس بدل، فبدل أن نعبد الله وحده نعبد معه إبليس وذريته؟! أي عوض هذا؟ أي بديل هذا؟ الله الذي أكرمنا بعد ما خلقنا، وأكرم أبانا آدم وأسجد له ملائكته، نعرض عنه ونعبد الشهوات التي تزينها الشياطين؟ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50]، أن يُعبد الشيطان بدل أن يعبد الرحمن، إن الذي يعبد هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، أما الذي يزين الشهوات ويحسن القبائح ويدعو إلى الكفر والشرك فكيف يطاع؟ وكيف يعبد؟ وكيف يمشى وراءه أو يتبع؟ فالذين اتبعوا هذا البديل بئس البديل لهم عن الله عز وجل.

    وهنا لتعرفوا ذرية إبليس، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحد الأصحاب: ( لا تكن أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ )، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ينهى أحد أصحابه أن يكون أول من يدخل السوق، أي: سوق البيع والشراء، ولا يكن آخر من يخرج منها، إذ فيها باض الشيطان وفرخ، فهل تعرفون الدجاج؟ إنه يبيض ويفرخ، وكذلك كثير من الطير، فإبليس والله باض وفرخ في السوق، ولهذا لا يستحب للصالحين أن يكونوا أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها؛ لأنها موطن إبليس وفيها المعصية، ثم قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: في هذا دليل على أن الشيطان له ذرية من صلبه.

    وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه -جنده من ذريته- فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة -والعياذ بالله- يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه أو يلتزمه ويقول: نعم أنت )، أي: هذا الذي فرق بين الرجل وامرأته.

    مرة أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان يضع عرشه على الماء -ماء البحر- ثم يبعث سراياه -جنوده من ذريته قطعاً- فأدناهم منه منزلة وأقربهم أعظمهم فتنة -الذي يحدث الفتنة العظيمة هذا الذي يقربه ويدنيه منه- ثم يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا -من إشاعة للذنوب والباطل- فيقول: ما صنعت شيئاً -ليس هذا بشيء- ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته -أي: الرجل المسلم- حتى فرقت بينه وبين زوجته -فهذا ما الذي يقول له؟- يلتزمه ويدنيه ويقول: نعم أنت ).

    وفي مسلم أيضاً: ( أن للصلاة شيطاناً )، أي: للصلاة التي نصليها شيطاناً معداً لها، وذلك ليفتن المصلي فيها، ( إن للصلاة شيطاناً خاصاً بها يسمى: خنزب )، خنزب بدون (ال)، ومهمته هي الوسوسة في الصلاة، وأنتم تشاهدون هذا وتشعرون بذلك، ( إن للصلاة شيطاناً خاصاً بها يسمى الخنزب، مهمته الوسوسة فيها ).

    وروي أن للوضوء شيطاناً يسمى: الولهان، ومهمته الوسوسة حتى تغسل يديك مرتين أو أربعاً، أو تمسح رأسك مرتين وتشك، وهو من ذرية إبليس.

    وروي أيضاً أن للشيطان ذرية أخرى، أولهم يقال له: زلنبور، وهو صاحب الأسواق، وشيطان آخر اسمه: ثبْر، وهو صاحب المصائب التي يقود إليها، وآخر اسمه: الأعور، وهو صاحب الزنا، ومهمته إشاعة الفاحشة -الزنا واللواط- في الأرض، وآخر اسمه: مِسوط، ومهمته أن يأتي بالأخبار فيلقيها في أفواه الناس فيشغلهم بالحديث، وقع كذا وتم كذا وكذا، وذلك كما تشاهدون في الإذاعات والإعلام، وآخر اسمه: داسم، وهو إبليس صغير من ذرية إبليس اللعين، وداسم هو الذي يدخل مع الرجل بيته إذا لم يسم الله أو لم يذكر الله تعالى، فإذا أكل ولم يذكر اسم الله عز وجل أكل معه، وإذا دخل الدار وما قال: باسم الله، دخل معه وحسن له ما شاء، هؤلاء ذرية إبليس، فمن أين لنا هذا؟ من قول ربنا تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي [الكهف:50]، أي: تطيعونهم وتمشون وراءهم وتعبدونهم وتعصون الله عز وجل؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ...)

    ثم قال تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ [الكهف:51]، من هؤلاء؟ الذين يعبدون غير الله، فيعبدون الأصنام والأحجار والأوثان حتى الفروج، وقد عبدوا الملائكة والإنس والجن، فهؤلاء يقول تعالى لهم: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف:51]، أي: لما كنت أخلق كانوا حاضرين؟! أعلمتهم بهذا؟ الجواب: لا، وكذلك لما خلقتهم أشهدتهم على خلقهم كانوا حاضرين؟! إذاً فمن الخالق؟ الله، إذاً فلا إله إلا الله، وبالتالي فلمَ يعبد غير الله؟

    وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:51]، أي: وليس من شأني أبداً أن أتخذ المضلين -والعياذ بالله- الذين يضلون البشرية عن صراط الله المستقيم، وعن الطريق المسعد، وذلك بالشرك والكفر، سواء من شياطين الإنس أو من شياطين الجن، وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:51]، أعول عليهم وأستعين بهم، وحاش لله وهو العلي الكبير، فكيف إذاً يعبدونهم؟! عبادة غير الله لا تعقل أبداً، فالذي خلقك هو الذي تعبده، أما المخلوق مثلك كيف تعبده؟ وقد عبدت البشرية الملائكة والأنبياء والأولياء، بل عبدوا التماثيل لتلك الآلهة، وما زالت البشرية إلى الآن ولم ينجو منها إلا بعض المؤمنين، والباقي كلهم يعبدون غير الله تعالى، وذلك من اليابان إلى الأمريكان، فمن علمهم هذا؟ الشياطين، إذ هي التي تزين وتحسن لهم ذلك.

    وهذا كلام الله عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف:50]، فكيف يصح هذا؟! وقد تم بالفعل، فقد اتخذوا الشياطين أولياء وعبدوهم من دون الله، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50]، فمن هم الظالمون؟ المشركون، فبئس البدل أن كان الشيطان بدلاً لهم، فبدل أن يعبدوا الله عز وجل ويتقربوا إليه ويكملهم ويسعدهم، عبدوا لشيطان وتقربوا إليه، فأفسدهم وأشقاهم وأضلهم.

    ويقول تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ [الكهف:51]، أي: أولئك المعبودين من الأصنام والأحجار وغيرهم، خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ [الكهف:51]، أيضاً، فكيف إذاً عبدوا غيري وأنا خالقهم؟! وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:51]، أي: أستعين بهم والعياذ بالله، والله قوي متين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم...)

    قال تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [الكهف:52].

    وَيَوْمَ يَقُولُ [الكهف:52]، أي: اذكروا يوم القيامة، اذكروا يوم يقول الله عز وجل، نَادُوا شُرَكَائِيَ [الكهف:52]، أي: يقول الرب تبارك وتعالى في عرصات القيامة للمشركين: نادوا شركائي الذين كنتم تعبدونهم معي، وتشركونهم في عبادتي، نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [الكهف:52]، أنهم أرباباً وآلهة وعبدتموهم، وأنهم ينفعونكم ويضرون، قال تعالى: فَدَعَوْهُمْ [الكهف:52]، نادوهم بأعلى أصواتهم فلم يستجيبوا لهم، إذ لن يستطيع من عبد مع الله، سواء كان ملكاً أو نبياً أو عبداً صالحاً أو كائناً ما كان أن يعترف أنه كان يعبد مع الله؟ فلم يجيبوهم، فمن يقوى أن يقول: أنا عبدتموني؟ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، أي: ما أجابوهم، فقد نادوا وصرخوا بأعلى أصواتهم، لكن ما استجاب لهم أحد، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [الكهف:52]، وهو وادٍ في جهنم لا يقدر على وصفه، وقد جُعِل فاصلاً بنهم، وهو موبق بمعنى: مهلك، فبين هؤلاء وبين آلهتهم هذا الفاصل العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها...)

    قال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:53].

    وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ [الكهف:53]، أي: في عرصات القيامة، إذ يؤتى بالنار تُجر بسبعين ألف زمام، فيشاهدونها أمامهم وقد وقفت أمامهم، ويوم أن يرى المجرمون النَّارَ فَظَنُّوا [الكهف:53]، فـ(ظنوا) هنا والله بمعنى: أيقنوا، وكثيراً ما يطلق الظن على اليقين، فهم أيقنوا أنهم مواقعوها، أي: نازلون وداخلون فيها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:53]، أبداً، إلى أين؟ الجنة لأهل الإيمان وصالح الأعمال، ولأصحاب الأرواح الطيبة والنفوس الزكية، والجنة شاهدوها أيضاً وحوض الرسول أمامهم، وهؤلاء شاهدوا النار والعياذ بالله تجر بسبعين ألف زمام.

    إذاً: هكذا يقول تعالى: واذكر يا رسولنا! واذكروا أنتم أيها المؤمنون! يوم يقول تعالى للمشركين: نادوا آلهتكم، وادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة تدعونهم من دون الله، فيدعونهم وينادونهم بالفعل ينادونهم فلم يستجيبوا لهم، وقد عرفتم ما أخبر به أهل العلم: ليس لأحد أن يقول: أنا كنت أُعبد من دون الله! إذ لا يقوى أحد على هذا أبداً، فعيسى عبد من دون الله بالملايين، لكن لا يستطيع أن يقول أبداً: أنا عبدتموني من دون الله إذاً سوف استجيب لكم! لا يمكن ذلك أبداً.

    وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [الكهف:52]، أي: مهلكاً عظيماً، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ [الكهف:53]، بأعينهم، النَّارَ فَظَنُّوا [الكهف:53]، أي: أيقنوا أنهم مواقعوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:53]، فأين ينصرفون؟ إلى الجنة؟! مستحيل، إذ ليست من حقهم ولا لهم، بسبب ماذا؟ ما العلة؟ قال: الإجرام، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ [الكهف:53]، ولم يقل: المشركون أو الظالمون أو الكافرون، وإنما قال: المجرمون؛ ليعم اللفظ كل البشرة والجن معهم، إذ كل من أجرم على نفسه وخبثها ودنسها ودساها فهو من هذا النوع، ومن هنا قرر تعالى حكمه فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فعلى المؤمن والمؤمنة أن يعمل الليل والنهار بل طول العمر على تزكية نفسه وتطهيرها، فبماذا تزكوا النفس؟ بالماء والصابون؟! لا، وإنما بالإيمان وصالح الأعمال، وبم تتدسى النفس وتخبث؟ بالحمأة والطين والعذرة؟ لا، ولكن بمعصية الله ورسوله.

    إذاً: النفس تزكو بالإيمان وصالح الأعمال، وصالح الأعمال هي عبادات تعبدنا الله بها، من الصلاة إلى الصيام، فهذه العبادات المزكية للنفس المطهرة لها، وأما المدسيات للنفس فهي الشرك والمعاصي، والذي يهمل نفسه ويصب عليها أطنان الذنوب والآثام فقد أجرم عليها، وهو والله مجرم، أي: على نفسه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    أسمعكم شرح الآيات من الكتاب لتزدادوا معرفة.

    معنى الآيات

    قال: [ مازال السياق الكريم في إرشاد بني آدم وتوجيههم إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحقق لهم السعادة في الدارين ]، أي: في الدنيا والآخرة.

    قال: [ قال تعالى في خطاب رسوله: واذكر لهم: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ [الكهف:50]، وهم عبادنا المكرمون، اسْجُدُوا لِآدَمَ [الكهف:50]، فامتثلوا أمرنا وسجدوا إلا إبليس، لكن إبليس الذي يطيعه الناس اليوم كان من الجن وليس من الملائكة لم يسجد -وقد عرفتم أصله- ففسق بذلك عن أمرنا، وخرج عن طاعتنا، أَفَتَتَّخِذُونَهُ [الكهف:50]، أي: أيصح منكم يا بني آدم! أن تتخذوا عدو أبيكم وعدو ربكم وعدوكم أيضاً ولياً توالونه وذريته بالطاعة لهم والاستجابة لما يطلبون منكم من أنواع الكفر والفسق -والشرك والعياذ بالله- بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50]، أنفسهم، بَدَلًا [الكهف:50]، أي: طاعة الشيطان وذريته وولايتهم عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وولايتهما.

    وقوله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:51]، يخبر تعالى بأنه المنفرد بالخلق وبالتدبير ليس له وزير معين، فكيف يعبد الشيطان وذريته، وأنا الذي خلقتهم، وخلقت السموات والأرض، وخلقت هؤلاء الذين يعبدون الشيطان، ولم أكن مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ [الكهف:51]، وهم الشياطين من الجن والإنس الذين يضلون عبادنا عن طريقنا الموصل إلى رضانا وجنتنا، أي: لم أكن لأجعل منهم معيناً لي يعضدني ويقوي أمري. وخلاصة: ما في الآية أن الله تعالى ينكر على الناس عبادة الشياطين وهي طاعتهم، وهم مخلوقون وهو خالقهم وخالق كل شيء.

    وقوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [الكهف:52]، أي: اذكر يا رسولنا! لهؤلاء المشركين المعرضين عن عبادة الله إلى عبادة عدوه الشيطان، اذكر لهم يوم يقال لهم في عرصات القيامة: نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ [الكهف:52]، أشركتموهم في عبادتي، زاعمين أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم، فيخلصونكم من عذابنا، قال تعالى: فَدَعَوْهُمْ [الكهف:52]، يا فلان! يا فلان! يا فلان! فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، إذ لا يجرؤ أحد ممن عبد من دون الله أن يقول: رب! هؤلاء كانوا يعبدونني، قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [الكهف:52]، أي: حاجزاً وفاصلاً من عداوتهم لبعضهم، وحتى لا يتصل بعضهم ببعض في عرصات القيامة.

    وقوله تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ [الكهف:53]، أي: يؤتى بها تُجر بالسلاسل حتى تبرز لأهل الموقف فيشاهدونها، وعندئذ يظن المجرمون، أي: يوقنوا، أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53]، أي: داخلون فيها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:53]، أي: مكاناً ينصرفون إليه؛ لأنهم محاطون بالزبانية والعياذ بالله تعالى ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير عداوة إبليس وذريته لبني آدم ]، من فائدة هذه الآية الأولى: تقرير عداوة إبليس لآدم وذريته، فاعرفوا عدوكم، وكل من يعبد إبليس فهو عدوكم، وكل من يطيع إبليس ويمشي وراءه ويمتثل أمره فوالله لهو عدوكم، وليس لكم ولي إلا الله والمؤمنون المتقون.

    قال: [ ثانياً: العجب من بني آدم كيف يطيعون عدوهم ويعصون ربهم؟! ] عجب من بني آدم! والله عجب، إذ كيف يطيعون عدوهم ويعصون ربهم وراحمهم؟! فالذي خلقك ورزقك وكلأك وحفظك وأكرمك لا تعبده ولا تطيعه وتطيع العدو الذي يريد أن يهلكك! إنه عجب والله عجب، وهذا واقع، فهل الله أمر بالزنا والربا والجرائم والموبقات وترك الصلاة والإعراض عن ذكر الله تعالى؟ الجواب: لا، إذاً انظر كم المتورطين في ذلك؟ بلا حساب، فقد أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن.

    قال: [ ثالثاً: لا يستحق العبادة أحد سوى الله عز وجل؛ لأنه الخالق لكل معبود مما يعبد من سائر المخلوقات ]، من هداية الآيات: اعلموا أنه لا يستحق العبادة أحد إلا الله؛ لأن الله خلق ورزق وبيده كل شيء وإليه مصير كل شيء، فهذا هو الذي نعبده بقلوبنا ووجوهنا وأجسامنا، والذي ما خلق ولا رزق كيف يُعبد؟ وهنا ألفت النظر يا معشر المستمعين والمستمعات! إن الذبح للأولياء من الشرك بالله، وإن الحلف بغير الله من الشرك بالله، وإن النذور والعداة لغير الله من الشرك بالله، فحذروا هذا عباد الله!

    قال: [ رابعاً: بيان خزي المشركين يوم القيامة حيث يطلب إليهم أن يدعوا شركاءهم لإغاثتهم فيدعونهم فلا يستجيبون لهم ]، في الآية بيان خزي المشركين يوم القيامة، إذ قد أخزاهم الله وأذلهم لما قال: ادعوا من كنتم تعبدونهم فما استطاعوا وما استجابوا لهم، أو ادعوهم ينفعوكم أو يخلصوكم من النار، فدعوهم وما استجابوا لهم، فكان الذل على رءوسهم.

    قال: [ خامساً: جمع الله تعالى المشركين وما كانوا يعبدون من الشياطين في موبقٍ واحد في جهنم، وهو وادي من شر أودية جهنم وأسوأها ]، أي: جمع الله المشركين الكافرين المجرمين أهل الأرواح الخبيثة كلهم في وادٍ في جهنم، نسأل الله أن ينجينا والمؤمنين من ذلك، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب النار، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب النار، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب النار، اللهم توفنا مع الأبرار وأدخلنا الجنة معهم يا عزيز يا جبار.