إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقرر الله عز وجل على مسامع الكافرين وغيرهم عقيدة البعث والنشور، والجزاء والحساب، حيث يجمع الله الأولين والآخرين ويحشرهم إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم تنشر صحف العباد، وتوضع كتب المخلوقين بما فيها من دقائق الحسنات والسيئات وكبيرها، وعندئذ يعلم الظالمون أنهم بين يدي رب يحاسب على الدقيق والجليل، فيوقنون أنهم هالكون، وإلى سواء الجحيم صائرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:47-49].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! بالأمس تدارسنا قول ربنا عز جل: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46]، وكأن سائلاً يسأل: متى يحصل هذا الجزاء؟ قال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ [الكهف:47]، أي: ويوم تتفتت وتتحلل هذه الجبال، والقارعة ماذا قال تعالى عنها؟ وتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5]، أي: كالصوف إذا نفشته في الأرض، وقال: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:1-6]، أي: هذه الجبال العظام -جبال التبت وغيرها في العالم- تتحلل وتتبخر؛ لأنه لا يبقى على الأرض موجود أبداً، إذ الفناء لازمه كله.

    وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ [الكهف:47]، يا عبد الله! يا من يسمع! يا رسولنا! بَارِزَةً [الكهف:47]، أي: ظاهرة ليس عليها شجر ولا حجر ولا ماء، وإنما كالصحيفة البيضاء، وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً [الكهف:47]، وهذا البروز والظهور اعلموا أن هناك نفخة لإسرافيل، فالنفخة الأولى هي نفخة الفناء، إذ ينفخ الملك إسرافيل بأمر الله في الصور أو في البوق نفخة فيتحلل كل شيء ويفنى، ثم بعد ذلك تصبح الأرض كخبزة النقي، فينزل مطر من السماء فتنبت البشرية كما ينبت البقل والثوم في الأرض، ووالله كما تسمعون، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا [نوح:18].

    ولما تتكامل أجزاؤهم تحت الأرض ينفخ إسرافيل نفخة ثانية، وهي نفخة الخروج من الأرض أو البعث، فإذا الخليقة كلها واقفة على أرض بيضاء نقية، ليس فيها شجر ولا جبل، وإنما بارزة ظاهرة، ثم بعد ذلك يقول تعالى: وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ [الكهف:47]، أي: جمعناهم، فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:47]، والله ما يترك أحداً من ذرية آدم، وذلك من أول مولود إلى آخر إنسان، فَلَمْ نُغَادِرْ [الكهف:47]، أي: لم نترك، مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:47]، والكل واقفون حفاة عراة غرلاً كما خلقهم الله تعالى، والغرل، أي: غير مختونين، فغلفة الذكر التي قطعت في الختان ما تقطع يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ...)

    قال تعالى: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف:48].

    وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف:48]، أي: وعرضت تلك البشرية وعالم الجن معها على الله كما تعرض البضاعة للبيع والشراء، فعرضوا على ربك صفاً صفاً وهم على صعيد واحد، ثم يقول الجبار لهم تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ [الأنعام:94]، أي: لقد جئتمونا فرادى، فكل واحد بانفراده، ليس هناك أبوه ولا بنوه ولا قرابة، كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف:48]، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بأننا نبعث فلا يزيد فينا شيء ولا ينقص فينا شيء، حتى غلفة الذكر التي تقطع في الختان موجودة، فيبعث الخليقة كلها حفاة عراة غرلاً، والله يقول: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ [الكهف:48]، بأعينكم وأسماعكم وأبصاركم وأرجلكم وأيديكم، ما نقص شيء، كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف:48].

    ثم يقول لهم: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف:48]، أي: زعمتم وادعيتم وكذبتم وقلتم: ليس هناك بعث ولا نشور ولا جزاء ولا يوم القيامة، وهذه هي كلمة الكفار والمشركين من عهد آدم إلى يوم القيامة، إذ لو آمنوا بالبعث والجزاء ما أصروا على الباطل والشر والخبث والفساد، ولكن لا يؤمنون بلقاء الله والوقوف بين يديه، وهنا ألفت النظر إلى أن اعتقاد العبد بأنه سيبعث ويسأل ويحاسب ويجزى بالخير والشر، فهذا هو المعتقد الذي يقوِّم اعوجاجه، وهذا الذي يصلح نفسه، وهذا الذي يجعله آدمياً حقاً، فإن فقد هذا المعتقد فهو شر الخلق، بل والله لا يوثق فيه ولا يسند أمر إليه ويوثق فيه، وأصبح حيواناً بل شر من الحيوان، واسمع الله تعالى يقول لنا: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف:48]، فمن هؤلاء الذين زعموا؟ الذين يقولون: لا إله والحياة مادة، أو ليس هناك إلا هذه الحياة فقط، وهذا لجهلهم، فمن أوجدكم؟ فالذي أوجدكم اليوم يوجدكم غداً، ومن أعدمكم رغم أنوفكم؟ ثم العوالم كلها فوقك تشاهدها، فمن رفع السموات؟ من أوجد هذه الكواكب والأفلاك؟ من أوجد الشمس والقمر؟ من أوجد هذه الكائنات؟ ما كانت موجودة والله، ولكن أوجدها موجد لها وهو الله عز وجل، فهل يعجز على أن يعيدها؟! إنه أمر عجب!! فهل تعجب من شخص يرى شخصاً بنى مسجداً ثم هدمه وقال: يريد بناءه؟ فهل تقول: إنه لا يستطيع، إن هذا الكلام عيب، بل هذا دال على الفساد العقلي.

    ولذا فهم يهربون من كلمة الدار الآخرة ويوم القيامة والحساب والجزاء من أجل فقط ألا يستقيموا في هذه الحياة، ومن أجل أن يفجروا ويقبحوا ويسيئوا ويفعلوا كل الجرائم، فيأكلون ما شاءوا وينكحون ما أرادوا؛ لأنهم إذا عرفوا أو إذا قالوا: آمنا، بأننا سنسأل ونحاسب ونجزى، لا يستمرون على باطل، إذ لا يقدرون عليه، وهذا الله جل جلاله يقول لهم كما في آية أخرى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94]، كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ [الكهف:48]، أي: ادعاء، والزعم هو الباطل والكذب، ولهذا يقال: فلان زعيم؛ لأنه يقول الباطل، فهل تعرفون الزعماء؟ الزعيم هو الذي يقول بالكذب والادعاءات، بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف:48]، وها هو الموعد قد تم، وها أنتم واقفون بين أيدينا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ...)

    قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الكهف:49]، فإن أردتم أن تعرفوا ما المراد بالكتاب فاقرءوا قول الله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12]، فكل من بلغ سن الرشد أو تكلف وكل به ملكان معه طول النهار، وملكان طول الليل، يدونان ويسجلان ويكتبان أعماله وأقواله، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ [الانفطار:10]، والله، لَحَافِظِينَ [الانفطار:10]، أي: لأقوالكم وأعمالكم، كِرَامًا [الانفطار:11]، ما هم بخلاء أو شيء آخر، وإنما هم كرام، فلا يكتبون حسنة إلا إذا فعلتها، ولا سيئة إلا إذا فعلتها، فلا يزيدون في الحسنات ولا السيئات، وذلك لكرمهم، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:12].

    قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الكهف:49]، أي كتاب؟ كتاب الأعمال، إذ الحسنات والسيئات كلها مدونة فيه، فلو عشت خمسين سنة أو مائة سنة أو مائتين سنة، فكل أقوالك وأعمالك مدونة، صالحها وفاسدها، وقد كان المؤمنون يؤمنون بقضاء الله وقدره وقدرته فيقولون: آمنا بالله، لكن الآن مكتبة كاملة تسجل في شريط، فانظر ماذا كشف الله من الغيوب؟ مكتبة كاملة في شريط، إذاً فاز الأولون بالإيمان، أما الآن فنحن نقترب يوماً بعد يوماً ما يصبح الإيمان ينفع، سواء كان الرجل مؤمناً أو غير مؤمن، وعما قريب تتجلى آيات الله في الكون، فيصبح المؤمن مؤمناً، والكافر كافر، وعند ذلك لا ينفع إيمانه؛ لأنه شاهد الغيب الذي كان مخفياً عنه.

    ولذلك إذا ظهرت علامة من علامات الساعة الكبرى أصبح المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، فلو قال: آمنت، أو قال: لا إله إلا الله لم ينفعه ذلك، وهذه الآيات منها: طلوع الشمس من مغربها، فإذا يوم غد طلعت الشمس من المغرب بقي المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، أو غداً نزل عيسى بن مريم من الجنة دار السلام إلى الأرض وشاهدوه، فالمؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، ولا يقول النصارى: الآن نؤمن؛ لأن عيسى إلهنا وربنا، لا ينفعهم إيمانهم، وهكذا عشر آيات إذا ظهرت آية ما ينفع المؤمن إلا إذا كان مؤمناً من قبل، ودليل ذلك قول الله تعالى من سورة الأنعام: هَلْ يَنظُرُونَ [الأنعام:158]، من هؤلاء الذين ما زالوا أو ما أيقنوا ولا آمنوا؟ ينتظرون ماذا؟ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام:158]، صفوفاً فيؤمنون، وحينئذ لا ينفع الإيمان، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام:158]، فيشاهدون الرب فيؤمنون، وعند ذلك لا ينفع الإيمان، أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].

    معشر المستمعين! عجلوا قبل فوات الوقت، وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الكهف:49]، وزع الكتاب، واقرءوا: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24]، أي: في هذه الأيام، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32]، إذ يدخلون السلسة من فمه وتخرج من دبره، وطولها سبعون ذراعاً لا من أذرعتنا هذه، فوالله لكما تسمعون، وقال تعالى في سورة الانشقاق: و فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق:7-10]، فلا يعطى كتابه مباشرة من أمامه، وإنما من وراء، فيمد يده فتؤخذ فيأخذ كتابه، وهذا إهانة له، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق:10-11]، يا ويلاه! يا حسرتاه! وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق:12].

    وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [الكهف:49]، أي: خائفين مما فيه، إذ هم في فتنة وفي هم وفي كرب عظيم مما في ذلك الكتاب، إذ فيه سيئاتهم صغيرها وكبيرها، وسوف يجزون بتلك السيئات التي في الكتاب، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ [إبراهيم:49]، من هم المجرمون؟ الذين أجرموا على أنفسهم، فقد كانت النفس نقية بيضاء نورانية كنور المصباح الكهربائي، فصبوا فوقها وأصبغوا عليها الذنوب والآثام، فتعفنت ونتنت وأصبحت مظلمة، فهم الذين أجرموا عليها فأفسدوها، ولذلك النفس لما ينفخها الملك في الجسم أو في الرحم تكون أكثر إشراقاً من هذا النور الذي نراه، وتبقى كذلك مع الأطفال، لكن لما يبلغ الطفل حينئذ تزداد ظلمة بعد ظلمة، أو نور بعد نور، وكل ذلك بحسب العمل الصالح.

    وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ [الكهف:49]، أي: خائفين مما في الكتاب، ويقولون: يَا وَيْلَتَنَا [الكهف:49]، فما الويلة؟ يَا وَيْلَتَنَا [الكهف:49]، فما الويل؟ يَا وَيْلَتَنَا [الكهف:49]، يا هلكتنا! إذ الويل والويلة هو الهلاك، فيصرخون يا هلكتنا! ياويلتاه! وهذا معنى: ويَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا [الانشقاق:11-12]، يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً [الكهف:49]، أي: ما له؟ ما المراد بالكتاب؟ كتاب أعمالهم، والصحف التي تطايرت بينهم وأعطيها كل مؤمن وكافر، يا ويلتاه! يا هلاكنا! احضر فهذا أوان حضورك، مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ [الكهف:49]، لا يترك، صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً [الكهف:49]، أي: من الذنوب، إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49]، أي: عدها وجمعها.

    إحصاء الكتاب لصغير الذنوب وكبيرها

    والذنوب نوعان: صغيرة وكبيرة، فالصغيرة فسرت بالضحك، وبالنظرة الغير متعمدة، فالصغيرة سيئة صغيرة، والكبيرة سيئة كبيرة، والتدوين يشمل الصغيرة والكبيرة، ولكن المؤمنين الأتقياء الصالحين إذا فعلوا صغيرة وتابوا بعدها واستغفروا فإنها تمحى، ولا تبقى مسجلة في ديوانهم، وحتى الكبيرة، فمن تاب توبة نصوحاً، فبكى وذرف الدموع، وصحح ما أفسد، وصوب ما أخطأ ورجع إلى الله، فقد وعدنا الله بمغفرتها، لكن غير المؤمنين، كل ما عملوه وأحصي لهم فالصغير كالكبير بكامله يشاهدونه، وإذا قلت: نريد أن نعرف الذنب الصغير من الكبير؟ أهل العلم يقولون: الكبائر هي تبرك الواجبات، فمن ترك واجباً فقد ارتكب كبيرة، أو من غشي محرماً وفعله فقد ارتكب كبيرة، والذي لا يترك الواجب ولا يرتكب محرماً، قد تكون هناك صغائر الذنوب وتمحى ما بين الحسنة والحسنة، وقاعدة أخرى في ذلك: كل ما لعن الله صاحبه فهو كبيره، أو كل ذنب ورد فيه اللعن فهو كبيرة من كبائر الذنوب، أو كل ما توعد الله فاعله بالعذاب فهو كبيرة من كبائر الذنوب، أو كل ما كان له حد يقام على صاحبه، كحد الزنا والسرقة والقتل وقذف المؤمنات فهو كبيرة.

    والله تعالى نسأل أن يتوب علينا، إذ ليس بيننا معصوم، ولكن التوبة بابها مفتوح، وإنما فقط أصدق في توبتك، واعزم على ألا تعود لذلك الذنب، والرسول صلى الله عليه وسلم قد حذر من صغائر الذنوب، إذ إنها تتكاثر وتتحول إلى كبائر، وقد ضرب لذلك مثلاً كجماعة مسافرون في بر، فأرادوا أن يطعموا أنفسهم ويطبخوا طعامهم، فأخذوا يجمعون الحطب، فهذا عود وهذا عود وهذا عود، وأججوا النار في ذلك فكان ناراً عظيمة، فكذلك السيئات تتجمع وتصبح كبيرة من كبائر الذنوب، وأيضاً الصغائر قد تتكاثر فتطمس نور الإيمان وينسى العبد الإيمان الحق والعمل الصالح، ويصبح في الهاوية بسبب صغائر ذنوبه، ولهذا لا نحتقر ذنباً صغيراً كان أو كبيراً.

    قال تعالى: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49]، أي: أعدها وجمعها، وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف:49]، ووجدوا ما عملوا في الدنيا حاضراً بين أيديهم في ذلك الكتاب، فأيما ذنب غشيه العبد يجده، وأيما عمل عمله يجده حاضراً بين يديه، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وحاشى الله تعالى أن يظلم وهو غني عما سواه، إذ ليس هو في حاجة إلى أن يظلم أبداً، والملك له وهو على كل شيء قدير، ومعنى هذا: لا تفهم أن الله في الإمكان أن يزيدك حسنة أو ينقصك سيئة من سيئاتك، إذ هو لا يظلمك بنقص حسنة من حسناتك، ولا بزيادة سيئة من سيئاتك، فلا يظلم الله أحداً بمعنى: لا يضيف إلى سيئاته سيئة ما عملها، ولا يبخسه حسنة من حسناته قد فعلها، لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فحاشا لله تعالى أن يحاسبك على سيئة ما فعلتها، أو يكرمك على حسنة ما فعلتها، وهذا هو العدل الإلهي.

    وقد أخرج الحافظ أبو القاسم في كتاب التوحيد له عن معاذ بن جبل رضي الله عنه الحديث التالي، وهو شرح لهذه الآيات: يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع، فيقول: يا عبادي! أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، يا عبادي! لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجتكم، ويسروا جوابكم فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتي! أقيموا عبادي صفوفاً على أنامل أقدامهم للحساب )، وهذا الموقف وحده كاف، فلمَ هذا الموقف؟ للحساب والجزاء.

    1.   

    الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى سبيل الفلاح

    معاشر المستمعين! هيا بنا نرجع إلى ربنا في صدق، والطريق كما قلت لكم هو المعرفة والعلم، إذ كل ذنب سببه جهل، وكل هبوط وسقوط سببه الجهل، فهيا نتعلم، وأسألكم بالله! لو كنا كل ليلة نجلس هذا المجلس طول العام من المغرب إلى العشاء في قرانا ومدننا، فنتعلم كتاب الله ونتدارسه، فهل يبقى فينا جاهل؟ هل يبقى فينا من يستمر على اللواط والزنا والخيانة والربا؟ والله لا يمكن، وهل يبقى فينا فقير لا يجد طعاماً ولا شراباً ونحن نأكل ونشرب؟ والله ما يبقى.

    وقد عرف العدو هذا فأبعدونا عن بيوت ربنا وعن كتاب ربنا، فانتقلنا إلى الملاهي والمقاهي والمقاصف والملاعب، فكيف نعلم؟ من لا يعلم كيف يعبد الله؟ من لم يعرف الله كيف يحبه؟ كيف يخافه؟ من لم يعرف محاب الله كيف يفعلها؟ من لم يعرف مساخط الله كيف يتجنبها؟ لا بد من العلم، وهذه هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يجمع أصحابه في الروضة فيعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، قال تعالى في منته علينا: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ [الجمعة:2]، في الأميين لا في العلماء، ماذا بعث فيهم؟ رسولاً منهم يعلمهم الكتاب -القرآن- والحكمة -السنة- ويزكيهم، ومعنى يزكيهم: يشكرهم ويحمدهم؟ لا، وإنما معناه: يزكي نفوسهم ويطيبها ويهذب أخلاقهم ويصلح آدابهم ويقيض قلوبهم ويطهرها، وكل ذلك بالعمل، فماذا كان يفعل عليه السلام سوى هذا العمل؟ عرف والله العدو هذا فحرموا هذه الأمة من بيوت الله وكتاب الله، فالقرآن يقرءونه على الموتى، فلا يجتمع اثنان عليه أبداً فيتدارسان آية أو سورة منه لا في البيت ولا في المنزل ولا في المسجد، ولا زلنا كما كنا.

    مرة أخرى: أسألكم بالله يا عقلاء! لو في كل ليلة إذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف العمل، فالفلاح يلقي المسحاة، والنجار يلقي المنجرة، والكاتب يلقي القلم، والدكان يغلق بابه، والقهوة تغلق بابها، ونحمل أطفالنا ونساءنا إلى بيت ربنا، إذ كل قرية فيها مسجد، وكل حي فيه مسجد، وإذا ضاق المسجد نوسعه، فنصلي المغرب ثم نصف النساء صفوفاً وراء الستائر، والأطفال كذلك صفوفاً كالملائكة، والفحول أمامهم، ويجلس لنا عالم بالكتاب والسنة، وليلة آية من كتاب الله كهذه الآية، فنتغنى بها ونرددها حتى تحفظ، ثم تشرح ويبين لنا مراد الله منها، ثم نؤمر بفعل المأمور وترك المنهي، فكيف سنصبح؟ لعلكم ما فعلتم.

    اسمعوا إلى الله وهو يقول: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فحصر خشيته والخوف منه في العلماء، أما الجهلاء فلا يخافون الله ولا يخشونه أبداً، فهل فيكم من يشك في هذا؟ والدليل على ذلك: ادخل قرية أو عاصمة أو حاضرة واسأل عن أعلمهم تجده والله أتقاهم، وأقسم لكم بالله على ذلك، فأعلم أهل القرية أتقاهم لله تعالى، وأجهلهم أفجرهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى.

    وقد عرف اليهود والنصارى والمجوس هذا وصرفونا عن كتاب الله وعن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن يقرءونه على الموتى منذ ثمانمائة سنة أو سبعمائة سنة، والسنة يتلونها في رمضان للبركة فقط، فكيف إذن نعلم؟ وإذا لم نعلم كيف نعبد؟ وإذا لم نعبد كيف نركع؟ وكيف نسجد؟ فبلغوا هذه الدعوة يا عباد الله! وأقسم لكم بالله الذي لا إله غيره! لن نكمل ولن نسعد في أي مكان إلا على هذا المنهج المحمدي فقط، وإلا فالمدارس والكليات والجامعات قد امتلأت بها بلادكم وخمت بها الدنيا، فماذا أنتجت؟ إننا لا نطلب العلم لهذه العبادة وإنما نطلبه للوظيفة، فهكذا علموكم، أما كتاب الله وهدي رسوله فيطلب لله في بيت الله، فنخرج ونفوسنا مشرقة زكية طاهرة، ونترفع عن الدنايا وعن كل باطل وسوء.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن هيا بنا نستمع إلى هداية هذه الآيات.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرضها على مسامع المنكرين لها ]، أول هداية من هذه الآيات التي اهتدينا بها: تقرير عقيدة البعث والجزاء، فلا بد من بعث الناس بعد موتهم ومجازاتهم على أعمالهم.

    قال: [ ثانياً: يبعث الإنسان كما خلقه الله ليس معه شيء، حافياً عارياً لم يقطع منه غفلة الذكر ]، وهذه معلومة ثانية دلت عليها هذه الآية وهي: أننا نبعث حفاة عراة غرلاً، لا ثوب ولا قميص ولا عمامة ولا شيء من ذلك، فالذي مات مكسور الرجل يبعث ورجلاه كاملة، وذلك كما خلقنا يبعثنا.

    قال: [ ثالثاً: تقرير عقيدة كتاب الأعمال في الدنيا وإعطائها أصحابها في الآخرة تحقيقاً للعدالة الإلهية ]، تقرير كتابة الأعمال وتدوينها لنجزى ونحاسب بها يوم القيامة، فما من كلمة تقولها ولا نظرة إلا وتدون عليك، فأعمالنا كلها مكتوبة محصية، ثم تُجمع لنا وتقدم لنا في كتاب في ساحة فصل القضاء.

    قال: [ رابعاً: نفي الظلم عن الله تعالى، وهو غير جائز عليه لغناه المطلق وعدم حاجته إلى شيء ]، من هداية هذه الآية: أن الظلم محرم على الله، فحاشا لله تعالى أن يظلم أحداً؛ لأنه غني والغني لا يظلم، فليس هو في حاجة إلى الناس حتى يظلمهم، فظلم الله مستحيل، فحاشا لله تعالى أن يظلم أحداً، وهو القائل: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.