إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أكثر ما يشغل الإنسان عن ربه، وأداء حقوقه وعبادته حق عبادته هو نعيم الدنيا الزائل، والذي يتمثل في غالب الأحيان في الأموال والأولاد، وهذا النعيم ضرب الله له مثلاً يقرب الإنسان من حقيقته، ويطلعه على كنهه وطبيعته، وهو أن الدنيا إنما هي كماء نزل من السماء فقابل أرضاً عطشى، فقبلته وأنبتت الزروع والأشجار، ثم ما لبثت أن يبست وصارت هشيماً تذروه الرياح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:45-46].

    معاشر المستعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:45]، قد سبق أن علمنا وعرفنا أن هناك من عارض النبي صلى الله عليه وسلم في اجتماعه مع الفقراء، كـبلال وصهيب وعمار وغيرهم من فقراء المسلمين، وأنهم طلبوا منه أن يعتزلهم أو يبعدهم عنه حتى يجلسوا إليه هم ويسمعوا منه ويأخذوا عنه، فالله عز وجل ما رضي هذا الاقتراح، فقد أبطله وواجه نبيه بقوله: وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

    كما ضرب لذلك مثلاً قد تقدم ودرسناه، وهذا مثل ثان: وَاضْرِبْ لَهُمْ [الكهف:32]، أي: اضرب يا رسول الله! للأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وأبي جهل وفلان وفلان ممن عارضوا جلوس الرسول مع الفقراء والمساكين، وطلبوا أن يكون معهم دونهم، اضرب لهم مثل الحياة الدنيا، إذ إن هذه الحياة الدنيا الدنية والتي قربت ونحن فيها لها مثل وصفة حقيقية، فما هي هذه الصفة الحقيقية؟ وما هذا المثل؟ قال: مثلها أو صفتها التي تنطبق عليها كما هي: ماء أنزله الله من السماء، إذ وجد الأرض عطشى ففتحت أفواهها ودخلت المياه في بطنها، وتحولت المياه إلى نباتات وأزهار وزروع، وفجأة وإذا بها تصاب بالجفاف واليبس وتصبح هباءً منثوراً، فهذه هي الحياة الدنيا، فهي كأرض ما بها شيء أنزل الله بها المطر فأنبتت أنواع النباتات، وازدهرت وزخرفت وفرح بها أهلها، ثم فجأة تأتيها رياح فتنسفها وتذرها ولا تبقي منها شيئاً، والله لهكذا الحياة الدنيا، قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف:45].

    وتشاهد هذا قبل مائة سنة، فأين الذين كانوا معنا؟ وأين الذين كانوا يملكون الدور والأموال؟ وأين الذين كانوا يملكون الدنيا؟ وأين السلاطين والملوك الذين ملكوا الشرق والغرب؟ لم يبقى منهم فرد واحد، وهذه هي الحياة الدنيا التي تكالب عليها المشركون وآثروها على الدار الآخرة، ورضوا بالكفر والعناد حتى لا يتخلوا عن أموالهم وشرفهم الكاذب كما يزعمون.

    ثم قال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45]، أي: لا يعجزه شيء، إذ يوجد الشيء ويفنيه، وهكذا يوجد الحياة ويفنيها، يزخرف الدنيا ويبسطها على الناس ثم يسلبها منهم ويتركهم حفاة عراة، وهنا قال أحد العلماء الحكماء: الحياة الدنيا كالماء، إذ الله تعالى قال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ [الكهف:45]، فالحياة الدنيا كماء، لكن ما وجه الشبه بين الدنيا والماء؟ قال: أولاً: الماء لا يستقر ولا يبقى في موضع واحد أبداً، والحياة كذلك ما تبقى، وثانياً: الماء يتغير إلى الملوحة إلى المرارة إلى كذا، وكذلك الدنيا لا تبقى على ما هي، وثالثاً: الماء لا يبقى والحياة الدنيا لا تبقى، ورابعاً: لا يقدر أحد أن يدخل الماء ولا يبتل، وكذلك الدنيا لا يدخلها أحد ويسلم من فتنتها وآفاتها، وخامساً: الماء إذا كان بقدر محدود كان نافعاً منبتاً، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، أي: إذا نزل الماء بمستوى وبمقدار معين ينفع، وإذا كان سيولاً فإنه يجرف كل شيء، وكذلك الدنيا، إذ الكفاف الذي يسد حاجتك منها ينفع، وفضولها الزائدة عن الحاجة تضر وتهلك، والرسول الكريم يقول: ( قد أفلح من أسلم -أي: دخل في الإسلام- ورزق كفافاً )، والكفاف هو قدر الحاجة بدون زيادة، سواءً في الطعام أو في الشراب أو في اللباس أو في السكن أو في المركوب، ( أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه )، أي: جعله الله يقتنع بما آتاه، والحديث رواه مسلم.

    معاشر المستمعين! أعيد إليكم هذه الحكمة لتتأكدوا من صحة أن الدنيا كالماء، قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45]، يقول الحكيم: ويُشبِّه الله الحياة الدنيا بالماء، ووجه الشبه من وجوه: أولاً: الماء لا يستقر في موضع معين أبداً، وكذلك الحياة لا تبقى أبداً، وثانياً: الماء يتغير بطول المكث، وكذلك الحياة تتغير فلا تبقى كما هي، وثالثاً: لا يقدر أحد أن يدخل الماء ولا يبتل به، وكذلك الدنيا لا يدخلها أحد ويسلم من فتنتها وآفاتها، ورابعاً: إذا كان الماء بقدر أو بكمية محدودة كان نافعاً ومنبتاً للنبات، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع، وفضولها الزائد عن الحاجة يضر، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرنا فيقول: ( قد أفلح -أي: فاز بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار- عبد أسلم وجهه لله، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه ).

    فهل عرفتم قيمة الحياة الدنيا؟ إذاً كيف نتكالب عليها ويقتل بعضنا بعضاً من أجلها؟ كيف نتساب ونتشاتم ونتضارب ونتقاتل من أجل أوساخها؟ بل كيف نحتال ونكذب ونمكر ونتعاطى المحرمات من أجل دنيا وسخة زائلة فانية؟ كيف نطلب الزيادة وقد كفاك الله؟ ولماذا تطلب الزيادة فتهلك بها؟ إن حسبك منها ما سد حاجتك وقنعك الله به، أما التكالب على الكثرة منها فلا يسلم العبد أبداً، اللهم نجنا يا منجي المؤمنين، وقنا هذه الفتنة يا رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا...)

    ثم قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]، إذ المال تحبه القلوب وتتعلق به النفوس؛ لأنه نافع، وكذلك البنون عدة وقدرة يدفع بها عن نفسه، ولكن مثل هذا كالزينة، فهل الزينة تبقى؟ تغسل ثوبك أسبوعين أو أسبوعاً وينتهي، أو تطيب جسمك وفي ساعات ينتهي، فالزينة دائماً تزول وتنتهي، إذ ليس هي بأصل فتبقى أبداً، وصدق الله العظيم: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]، فلا نغتر بها، ولا نطلبها بدون رضا مولانا، ولا نعشقها ونتكالب عليها؛ لأنها فانية زائلة، وما هي إلا كالزينة، والزينة ليست أصلاً، ولا تبقى لأحد أبداً، وكذلك الدنيا، فهل أرباب المال يبقى لهم أموالهم؟ وهل السلاطين والحكام يبقون لهم حكمهم وسلاطينهم؟ أبداً.

    ومعنى هذا: يا أولياء الله! أقبلوا على الآخرة واستدبروا الدنيا، فإن الآخرة باقية خالدة، والدنيا فانية زائلة، فلا تتكالبوا على الفاني وتتناسوا الباقي وتتجاهلوه، بل لو عرف المؤمنون هذا والله لما أصبح يوجد بينهم من يمد يده ويسأل أبداً، إذ ماذا يفعلون بهذه الأوساخ؟ يبحثون عمن يأخذ عنهم، وقد مرت على الصحابة والتابعين حال والله يخرجوا بالصدقة فلا يجدوا من يأخذها أبداً، وإذا بنا نجد السرقة والتلصص والخيانة والربا والباطل، وكله من أجل المال، والله يقول: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46].

    ثم قال تعالى مقابل هذه الزينة الفانية: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46]، معاشر المستمعين والمستمعات! لفظ (الباقيات الصالحات) لفظ عام يشمل كل ما تسمعون، فمثلاً: الصلوات الخمس من الباقيات الصالحات، وقولك: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، من الباقيات الصالحات، فاحفظوا هذا الذكر واتخذوه ورداً لكم في الصباح أو المساء، فإنه من الباقيات الصالحات، والله لمن الباقيات الصالحات، وقد جاء هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله )، وقد أخرج هذا مالك في موطئه، فاتخذوه ورداً لكم إما في الصباح أو المساء، فترده نفوسكم فتطمئن وتسكن وتعرضون عن أوساخ الدنيا وأوضارها، فالقلب الذي يتقلب واللسان ينطق: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه الباقيات الصالحات.

    ثم كل عمل صالح من ذكر أو دعاء أو تسبيح أو صدقة أو صلة رحم أو معروف أو إحسان، بل كل الأعمال الصالحة باقيات صالحات، فيشملها هذا اللفظ، أي: كل عمل صالح هو باقي أجره لصاحبه يوم القيامة، وهو خير عند ربك ثواباً وخير أملاً.

    وورد أيضاً أن الذي ينجب بنات صالحات يبقون بعده هن الباقيات الصالحات، إذ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أُخذ رجل بين يدي الله إلى النار، فتعلق بناته الصالحات وقلن: يا ربنا! يا ربنا! هذا والدنا كان وكان، فاستجاب الله للصالحات وأنجى والدهن من النار )، ولا حرج، ألسن الباقيات الصالحات؟

    وهكذا نبدأ بالصلوات الخمس، ثم نثني بالتسبيح الوارد، ونثلث بالعبادات والصالحات مطلقاً، حتى السلام عليكم، والابتسامة في وجه المؤمن، إذ هي باقية وصالحة، إلى أن نربي بناتنا تربية إسلامية ربانية ليكن صالحات ويشفعهن الله فينا.

    فهكذا يقول تعالى وقوله الحق وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ [الكهف:46]، مقابل ماذا؟ و الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]، أما الباقيات الصالحات فخير عند ربك ثواب وجزاء وعطاء، وخير أملاً يأمله العبد ويرجوه ويطلبه، وليست الباقيات الصالحات الأموال وأوساخها، ولا الحكم والسلطان والدولة وما إلى ذلك من أوضار الدنيا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معاشر المستمعين! أسمعكم شرح هذه الآيات من الكتاب لتزدادوا بصيرة.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: هذا مثل -وسبقه مثلان- مضروب، أي: مجعول للحياة الدنيا حيث اغتر بها الناس وخدعتهم فصرفتهم عن الله تعالى ربهم، فلم يذكروه ولم يشكروه، فاستوجبوا غضبه وعقابه ] والعياذ بالله.

    قال: [ قال تعالى في خطاب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وَاضْرِبْ لَهُمْ [الكهف:32]، أي: لأولئك المغرورين بالمال والسلطان، مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:45]، في صفتها الحقيقية التي لا تختلف عنها بحال، كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ [الكهف:45]، فَزَهَا وازدهر واخضرّ وأنظَر، فأعجب أصحابه وأفرحهم وسرهم ما يأملون منه، وفجأة أتاه أمر الله برياح لاحِفَة محرقة، فَأَصْبَحَ هَشِيمًا [الكهف:45]، أي: يابساً متهشماً متكسراً، تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف:45]، هنا وهناك، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45]، أي: قادراً كامل القدرة، فأصبح أهل الدنيا مبلسين آيسين من كل خير.

    وقوله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46]، إنه بعد أن ضرب المثل للحياة الدنيا التي غرت وخدعت أبناءها فأوردتهم موارد الهلاك، أخبر بحقيقة أخرى يُعلِّم فيها عباده لينتفعوا بها، وهي أن: الْمَالُ وَالْبَنُونَ [الكهف:46]، أو الأولاد، زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28]، لا غير، أي: يتجمل بهما ساعة ثم يبيدان ويذهبان، فلا يجوز الاغترار بهما، أي: بالمال والولد، بحيث يصبحان همَّ الإنسان في هذه الحياة، فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإيمان وصالح الأعمال.

    هذا جزء الحقيقة في هذه الآية، والجزء الثاني هو أن: الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ [الكهف:46]، والمراد بها أفعال البر وضروب العبادات، ومنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، أي: هذه خَيْرٌ ثَوَابًا [الكهف:44]، أي: جزاءً وثماراً يجنيه العبد من الكدح المتواصل في طلب الدنيا مع الإعراض عن طلب الآخرة، وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46]، يأمله الإنسان من الخير ويرجوه ويرغب في تحصيله ]، اللهم حققه لنا، واجعلنا من أهله يا رب العالمين.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان حقارة الدنيا وسوء عاقبتها ]، وأخذنا هذا من قوله تعالى: مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ [الكهف:45] الآية.

    قال: [ ثانياً: تقرير أن المال والبنين لا يعدوان كونهما زينة، والزينة سريعة الزوال وهما كذلك، فلا يجوز الاغترار بهما، وعلى العبد أن يطلب ما يبقى على ما يفنى، وهو الباقيات الصالحات من أنواع البر والعبادات من صلاة وذكر وتسبيح وجهاد ورباط وصيام وزكاة ]، اللهم حقق لنا ذلك يا رب العالمين.