إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أمر الله سبحانه وتعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك، ويوحدوا الله تعالى ويعبدوه بما شرع، عاد وأمرهم أن يقاتلوا أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وجعل إعطاءهم الجزية غاية لنهاية القتال معهم، وهي رمز دال على قبولهم الدخول تحت حماية المسلمين وحكمهم، فإذا أعطوها حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم، وأمنوا في حياتهم المادية والروحية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، وأيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: ( من أتى هذا المسجد، لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله )، وأيضاً الملائكة تصلي على من صلى المغرب، وجلس يذكر الله حتى يصلي العشاء؛ تصلي عليه بقولها: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)، وهذا الفضل فات على ملايين الناس وحرموا أجره؛ لأنهم ما جلسوا مجالس العلم، ولا عرفوا الطريق الموصل إلى رضوان الله عز وجل، فالحمد لله علمنا، ونحمد الله على ذلك.

    ها نحن مع هذه الآيات من سورة التوبة، فهيا بنا نسمع تلاوتها، ثم بعد ذلك نأخذ في دراستها، والله تعالى نسأل أن يفتح علينا، وأن ينفعنا بما ندرس.

    قال الله عز وجل: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:29-31].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة:29].. الآية، (قَاتِلُوا) أي: أمر من الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، أمرهم الله تعالى -وهو مولاهم وسيدهم، وملكهم ومربيهم- بقتال الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فلم يقل: اقتلوا، بل قال: (قَاتِلُوا)، ففرق بين (اقتلوا) وبين (قاتلوا).

    تقدم في درس سابق أن الله عز وجل وعد رسوله والمؤمنين بأن يرزقهم إن هم صبروا عن منع المشركين من الحج والعمرة، ففتح لهم باب المال.

    قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، هذا باب الغنى.

    قلت: قاتلوا ليس معناها: اقتلوا، وبينا وعلمنا أن إمام المسلمين هو الذي يرسي سفنه، أو يوقف معسكره وجنوده على حدود الدولة الكافرة، ثم يجري سفارة بينه وبينها.

    أولاً: من بنود السفارة: جئناكم لتدخلوا في الإسلام؛ لأنه دين الله الذي لا دين يقبله الله سواه؛ ولأنه دين يسعدكم ويكملكم؛ ولأنه دين يرفعكم إلى مستويات البشر الكمل، وينجيكم من ورطة الفساد والشر والظلم والخبث الذي تعيشون فيه، فإن قالوا: مرحباً وأهلاً وسهلاً، تفضلوا علمونا كف يده عن قتالهم، ونشر دعوة الله فيهم وبينهم، وإن رفضوا هذا عرض عليهم الخيار الآخر وهو أن يسمحوا للمسلمين أن يدخلوا ديارهم، وأن يعلموا أهلهم من بنين ونساء ورجال دين الله؛ ليدخلوا في دين الله، ويصبحون في حماية وذمة المسلمين. وهناك رمز يدل على هذا، وهو ما يسمى بالجزية، وهي دينار في كل سنة، فإذا قالوا: مرحباً، أصبح هذا البلد من أهل ذمة المسلمين، يدافعون عنه الأعداء ويقاتلونهم، وينشرون بينهم العدل والخير والفضيلة، يسوسونهم في أحسن سياسة وهي سياسة الإسلام، في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل متطلبات الحياة.

    وهذا الرمز المسمى بالجزية يدفعها الغني فقط دون الفقير، وقدره دينار في السنة فقط، وليس على الطفل، ولا على المرأة، ولا على العجوز الكبير أن يدفع هذا الرمز أبداً، وهو خاص بالرجال القادرين.

    فإن رفضوا هذا النور وهذا الخير لم يبق إلا قتالهم، حتى تنهزم جيوشهم، وندخل البلاد وننشر رحمة الله، ويصبح أهل البلاد أهل ذمة عندنا، فلا نلزمهم بالإسلام، ولا نحملهم بالعصا والهراوة على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ولكن فقط نضع قوانين بأن لا يتعرضوا للإسلام بسوء، ومن تكلم بكلمة سوء يقتل، ومن آذى مؤمناً أو مسلماً كذلك شأنه، ويعيشون يوماً بعد يوم فلا تمضي سنوات إلا وهم كلهم مسلمون؛ لأنهم يشاهدون الأنوار تغمرهم فكيف لا يسلمون؟ فما كانوا يسمعون بالعدل فيرونه، وما كانوا يسمعون ويشاهدون الوفاء والطهر، فكيف لا يسلمون؟! هذا هو الواجب الذي في عنق المسلمين حاكمين ومحكومين.

    الإيمان غير الصحيح لا يعتبر إيماناً منجياً ولا مسعداً

    فقوله تعالى: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:29]، قد يقول القائل: اليهود والنصارى يؤمنون بالله وباليوم الآخر، فاليهود يصفون الله بأرذل الصفات -وحاشى الله وتعالى عن تلك الصفات-، ولن يكون هو الله الذي يعنونه، والنصارى جعلوا لله ولداً، وجعلوا الولد هو الله، فأين إيمانهم بالله؟

    ومن لم يؤمن بالله حق الإيمان فكيف يؤمن باليوم الآخر؟

    فالنصارى يؤمنون باليوم الآخر، وأنه مجرد أرواح فقط تتلاقى، لا أجسام ولا سعادة، لا أكل ولا شرب ولا نكاح ولا لباس، فليس هذا هو الإيمان باليوم الآخر، وحسبنا أن ينفي الله عنهم ذلك.

    قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:29]، أولاً.

    استباحة ما حرم الله كفر

    ثم قال تعالى: وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:29]، فما حرم الله من الطعام والشراب، واللباس والنكاح والمال لا يحرمونه، أليسوا اليهود والنصارى يبيحون الخمر والزنا والربا والباطل؟

    فالذي يستحل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله كافر بالله تعالى، والذي يستحل ما حرم الله ويقول: حلال ولا أعترف بالحرمة كفر، والله! ما آمن بالله واليوم الآخر، والذي يحرم ما أحل الله، ويقول: حرام هذا، ولا يصح أن نأكل أو نفعل ونلبس كذلك كافر؛ لأنه نازع الرب تبارك وتعالى، إذ الرب هو الذي يحلل ويحرم؛ لأن المحلل والمحرم لهم عبيده، وثانياً: لأنه يعلم ما يضرهم وما ينفعهم حالاً ومستقبلاً، فالذي يحل ما حرم الله، أو يحرم ما أحل الله بأي علم يحرم ويحلل؟ فهذا يكون قد نازع الله بملكه.

    اخلق خلقاً من البشر وحلل لهم وحرم.. هذه الكلمة رددناها مئات المرات، تريد أن تقنن أنت وتشرع؟! اخلق مخلوقاً من الساج أو من العاج أو من الخشب من أي شئت، وقف كرب وحلل وحرم وأؤمر وانه.

    فالله هو الذي يخلق ويوجد ويرزق ويحيي، وهو الذي له الحق في التحليل والتحريم، فما أعظم كفر من يحلل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، والناس عن هذا غافلون.

    على سبيل المثال: الطبيب وحده دون غيره يحق له أن يقول: يا مريض! لا تشرب كذا أو لا تأكل كذا؛ لعلمه، وتأتي أنت وتقول: لا تأكل هذا الطعام أو لا تشرب هذا الشراب، وأنت لا علم لك، فتكون قد نازعت الطبيب في منصبه وعلمه، هذا من باب التمثيل فقط.

    فالله عز وجل رب الناس ومالكهم، وإليه مصيرهم، وهو المسئول عن تربيتهم وإكمالهم وإسعادهم، فهو الذي يحلل لهم ما شاء؛ لأنه نافع لهم، ويحرم عليهم ما شاء لأنه ضار بهم حالاً أو مآلاً.

    مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب والتصغير بهم

    قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:29]، وقد تكرر القول وعلمتم معشر العلماء! أن أركان الإيمان الستة أعظمها: الإيمان بالله واليوم الآخر، ومعنى أعظمها: أكثر تأثيراً في النفس البشرية، وأكثر تقويماً لاعوجاج العبد إيمانه بالله وباليوم الآخر، فإن فقد أو ضعف إيمانه بالله وباليوم الآخر ما يستطيع أن يقيم الصلاة، ولا يستقيم ولا يقوى أبداً.

    أما قال تعالى: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59] فلا تفعلوا كذا، حتى النساء، قال: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228]، ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:232]، عقيدة الإيمان بأن الله لا إله إلا هو، وهو رب كل شيء ومليكه، وعقيدة الحياة الثانية والبعث والجزاء والحساب والعقاب والنعيم و.. و.. هذا المعتقد طاقة دافعة، إذا امتلأ به قلب العبد رجل أو امرأة استطاع أن يعيش خمسين سنة والله! وهو أعزب ولا يزني، يستطيع أن يعيش خمسين سنة وهو حافي القدمين، ولا يمد يده لنعل يسرقها؛ لإيمانه بالله ولقائه، فالله معه فلا يستطيع أن يعصيه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، ويذكر الجزاء المقبل عليه، كيف يفوت السعادة في الدار الآخرة بأوساخ الدنيا وأوضارها؟!

    الإيمان بالله واليوم الآخر طاقة إذا احتلت قلب العبد وجهته إلى رضا الله عز وجل.

    فلهذا قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة:29] أي: من المطاعم، ومن المشارب، ومن الملابس، ومن العبادات الوثنية والباطلة، ومن الأكاذيب.. من كل ما حرم الله، حتى النظرة إلى ما لا يحل لك.

    وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة:29] فاليهود والنصارى هم أهل الكتاب، ويدينون ولكن بدين الباطل، فلا دين حق إلا الإسلام؛ وذلك لقول الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وأبطل كل دين، وقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ [آل عمران:85] أي: يطلب غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، إذاً: فلا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية ولا صابئة ولا غيرها.

    إذاً: وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة:29]، أي: لا يدينون بالإسلام، وبين الله عز وجل من هم، فقال: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [التوبة:29]، أي: الذين أعطوا الكتاب واليهود والنصارى، فالإنجيل عند النصارى، وأنزله الله على عيسى عليه السلام، وأنزل الله على موسى عليه السلام التوراة، فالتوراة عند اليهود والإنجيل عند النصارى، فهم أهل كتاب، فلم ينتفعوا بهذه الكتب، فقد حرفوها وزادوا ونقصوا فيها، وقدموا وأخروا، حتى كفروا وخرجوا من ملة الإسلام بالتحريف والزيادة والتبديل والتغيير.

    قاتلوهم والحرب معلنة حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، الجزية أدناها دينار، وقد يرفعها إمام المسلمين إلى دينارين أو عشرة دنانير بحسب مستويات البلاد المستعمرة، فإذا كانت بلاد غنى وأهلها أموالهم كثيرة، فلإمام المسلمين أن يرفع الجزية إلى خمسة دنانير ؛ لأنه يتصرف بالحكمة، لكن الحد الأدنى دينار، ما فوق بحسب الأوضاع والظروف.

    عَنْ يَدٍ [التوبة:29]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اليد العليا خير من اليد السفلى )، فهنا (عن يدٍ) لها معنيان صحيحان:

    الأول نقول مثلاً: أعطني دينار من عندك.. هذا دينارك أنت أمسك، هذا كتابي، كيف تعطيني؟ أمد يدي وآخذه، لا أضع يدي أنا وتكون يدك هي العليا وتضع فيها، فهكذا يأخذ الأمير أو المسئول الدينار، أما أن يضعه هو في يده لا يجوز.

    عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] أي: أذلاء، والصغار: الذل والهون والدون، لا وهم يتعالون، فهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين. هذا تفسير: عَنْ يَدٍ [التوبة:29].

    والوجه الثاني مشرق عَنْ يَدٍ [التوبة:29]، أي: عن غنى، فالفقير ما يؤخذ منه الجزية، وأن الشيخ الهرم والمرأة والولد ما يطالبون بجزية، عَنْ يَدٍ [التوبة:29]، يعني: عن قدرة، واليد القدرة، والمعنى صحيح وبه العمل.

    حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ [التوبة:29]، يفتح يده وأنت تأخذ من يده؛ لأن ( اليد العليا خير من اليد السفلى )، لا يصلح يهين المسلم ويضع له في يده، بل يؤخذ من يده.

    ثانياً: كذلك الجزية ما تؤخذ إلا على الرجال القادرين، فاليد: القدرة على أن يعطوا هذه الجزية، أما الفقير اللاصق بالأرض، وأما المرأة وأما المسكين وأما الشيخ الهرم فلا جزية عليهم، هذا معنى قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] أي: ذليلون، فالصغار الذل والمهانة، فلابد وأن يأتي ذليلاً ويتمسكن، وأنت تأخذها من أعلى.

    وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، والحال: أنهم أذلة، أي: لا يعطونها وهم مرتفعون معتزون عالون؛ لأنهم أعداء الله، كفروا بالله، خصوم الله، فكيف يسمح لهم بأن يتعالوا ويتكبروا؟

    وهذه حال تسوقهم يوماً بعد يوم إلى أن يدخلوا في الإسلام. نظيرها: إذا ماشيناهم في الطريق نلجئهم إلى ضيقه، فلا نفتح لهم الطريق يتوسعون فيه، والمسلمون إلى جانب الطريق، بل نلجئهم إلى ضيق الطريق؛ ليشعروا بالهون والدون، وبالذل والصغار، وسبب هذا الذل والصغار هو الكفر.

    فهذه هي التعاليم الإلهية النبوية، فندعوهم إلى الإسلام ليلاً ونهاراً، لكن هذه المعاملات تلجئهم وتضطرهم إلى أن يدخلوا في رحمة الله فيكملوا ويسعدوا.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    نعيد الآية مرة ثانية:

    قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، ارفعوا حينئذ القتال، لا يقاتلون.

    وهنا معنا المجوس، فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب )، أي: نعاملهم معاملة أهل الكتاب؛ لأنه كان لهم كتاب وانقرض ومضى، وأذن الرسول للمؤمنين أن يسنوا بهم سنة أهل الكتاب، أي: في أخذ الجزية وعدم قتالهم، إذ هم أدوا الجزية ودخلوا في رحمة الله، في ظل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    ثالثاً: خلاف أئمة الإسلام على أخذ الجزية من الكفار والمشركون في الشرق والغرب، ونقدم ما هو أقرب إلى الحق والصواب بعد الاطلاع.

    أولاً: كافر مشرك في الجزيرة لا تقبل منه جزية، إلا أن يقتل أو يسلم أو يخرج، فهذه إجماعية، فقد تقدم هذا: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]، لم يقل: قاتلوهم، بل قال: (فاقتلوهم)؛ لأن الدار دار إسلام وبيضة الإسلام وقبته، فيجب أن لا يبقى فيها مشرك، والمشرك كافر.

    إذاً: الجزيرة بيضة الإسلام يقاتل فيها المشرك، بل يقتل ولا تؤخذ منه جزية حتى يبقى، فمن ارتد وجب قتله، ومن كان خارج بيضة الإسلام والجزيرة أحسن ما يقال: يوكل الأمر إلى إمام المسلمين، ينظر في هذه الدولة الكافرة المشركة، مثلاً كالصين أو اليابان أو كذا، ينظر في حالهم، إذا كان يستطيع أن يقاتلهم حتى يسلموا فعل، وإلا فيجري بينه وبينهم معاهدة صلح، فإن قبلوا ذلك اشترط عليهم دفع الجزية، وهي ضريبة سنوية، وهم وإن كانوا مشركين، لكن يصح أن يعاملوا معاملة أهل الكتاب؛ لعجزنا عليهم وعدم قدرتنا على قتالهم.

    وهذا الطريق سليم أيضاً، ووافق عليه أكثر الأئمة، وهو موكول -كما قلت- إلى إمام المسلمين، فهو الذي ينظر فيه، أما اليهود، أما النصارى، أما المجوس، فلا خلاف بين أمة الإسلام في أنها تؤخذ منهم الجزية، لكن الكفار المشركون الوثنيون الملاحدة، فهؤلاء يوكل الأمر إلى إمام المسلمين، إما أن يأخذ عليهم الجزية أو يقاتلهم حتى يقتلهم.

    هذا ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [التوبة:29].

    فدين الحق هو الإسلام، والله! الذي لا إله غيره لا دين حق إلا هو، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [التوبة:29]، فالذين أعطوا الكتاب هم اليهود والنصارى، فكتاب اليهود التوراة، وكتاب النصارى الإنجيل.

    فنقاتلهم حتى يعطوا الجزية، ومقدار الجزية أقلها دينار، ثم إمام المسلمين ينظر إلى أحوال الأمة والشعب، إذا وجدهم في خير وغنى يزيد من مقدار الجزية، وإذا وجدهم ضعفاء يكفي الدينار.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآية الكريمة:

    لما أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين؛ حتى يتوبوا من الشرك، ويوحدوا ويعبدوا الله تعالى بما شرع، هنا أمر رسوله في هذه الآية والمؤمنين بقتال أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] ومعنى صاغرون: ذليلون.

    [وجعل إعطاء الجزية غاية لنهاية القتال ]، فإذا أعطوا الجزية انتهى قتالهم.

    [ غاية لنهاية القتال لا الإسلام ]، أي: قد ما يدخلون في الإسلام، لكن حسبنا أن يعترفوا بدخولنا بينهم ننشر دعوة الله، وأن يؤدوا هذه الجزية.

    قال: [ لأن الإسلام يعرض أولاً على أهل الكتاب فإن قبلوه فذاك، وإن رفضوه يطلب منهم الدخول في ذمة المسلمين وحمايتهم تحت شعار الجزية، وهي رمز دال على قبولهم حماية المسلمين وحكمهم بشرع الله تعالى، فإذا أعطوها حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم، وأمنوا في حياتهم المادية والروحية ]، وهذا سبق أن بيناه.

    [هذا ما تضمنته الآية الكريمة: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وإن قيل: اليهود والنصارى يؤمنون بالله وباليوم الآخر، فكيف نفت الآية عنهم ذلك؟!

    والجواب: أن اليهود في إيمانهم بالله مشبهة مجسمة، يصفون الله تعالى بصفات تعالى الله عنها علواً كبيراً ]، فكيف نقول: يؤمنون بالله؟! يؤمنون بالخيال الذي في أذهانهم لا بالله تعالى.

    قال: [ والنصارى يعتقدون أن الله حلّ في المسيح، وأن الله ثالث ثلاثة، والله ليس كذلك، فهم إذاً لا يؤمنون بالله تعالى كما هو الله الإله الحق، فلذا إيمانهم باطل وليس بإيمان؛ يضاف إلى ذلك أنهم لو آمنوا بالله لآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولو آمنوا باليوم الآخر لأطاعوا الله ورسوله؛ لينجوا من عذاب اليوم الآخر وليسعدوا فيه بدخول الجنة، فلما لم يؤمنوا ولم يعملوا كانوا حقاً كافرين غير مؤمنين، وصدق الله العظيم حيث نفى عنهم الإيمان به وباليوم الآخر، والله أعلم بخلقه من أنفسهم ].

    هداية الآيات

    هداية الآيات.

    قال: [ من هداية الآية الكريمة:

    أولاً: وجوب قتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يدخلوا في حكم الإسلام؛ وذلك من أجل إعدادهم للإسلام ليكملوا عليه ويسعدوا به ]. هذه هي الغاية من هذا القتال.

    [ ثانياً: الإيمان غير الصحيح لا يعتبر إيماناً منجياً ولا مسعداً]. الإيمان غير الصحيح لا يعد إيمان ينجي ويسعد صاحبه أبداً، لقوله تعالى: وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة:29].

    إذاً: الإيمان غير الصحيح الذي فيه الباطل والمنكر لا يعتبر إيماناً منجياً مسعداً؛ بدليل هذه الآية.

    [ثالثاً: استباحة ما حرم الله من المطاعم والمشارب والمناكح كفر صريح]. معنى استباحة، استباح الشيء: قال: هذا مباح أي: جعله مباحاً.

    استباحة ما حرم الله من المطاعم والمشارب والمناكح كفر صريح، فالذين سنوا قانون، وقالوا: لا يصح أن يتزوج الرجل اثنتين كفروا؛ لأنهم حرموا ما أحل الله، والذين يقولون: من القانون أن البنت ترث مثل أخيها النصف، هم كافرون، والذين قالوا: الربا.. لا نقبل من يقول: حرام، حلال مباح، ولابد الدولة تقوم عليه، يكون كافراً، وعلى هذا فقيسوا، الزنا.. دور البغاء يفتحونها، مستبيحين الزنا كفار.

    فلا ننسى هذا: استباحة ما حرم الله من المطاعم والمشارب والمناكح كفر صريح؛ بدليل هذه الآية الكريمة.

    [ مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب]، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى.

    [ وهي مقدّرة في كتب الفقه ومبينة في كتب الفقه، وهي بحسب غنى المرء وفقره وسعته وضيقه] كما بينا، الحد الأدنى دينار، والزيادة ممكنة بحسب الحال.

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711250318