إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يمتن الله عز وجل على عباده المؤمنين بنصرهم في قتالهم مع المشركين في مواطن كثيرة حين كانوا يتوكلون على ربهم، ولا يعتمدون على قوتهم الذاتية والأسباب المادية المجردة، ثم يذكرهم سبحانه بما حل بهم من النصب والضيق يوم حنين حين اتكلوا على كثرة عددهم وقوة عدتهم ناسين أن النصر من عند الله، ثم يعود ويمتن عليهم بتأييده لهم بعد ذلك بجنود من عنده، وتوبته عليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فها نحن ما زلنا مع سورة التوبة -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة- وهانحن أيضاً مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها، ويفتح الله علينا بما فيه خيرنا وسعادتنا.

    يقول الله عز وجل: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:25-28].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! يقول ربنا جل ذكره: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ [التوبة:25].. الآية. فقد تقدم معنا أن الله عز وجل أمر المؤمنين أن يقاتلوا المشركين، وأن لا يبقوا لهم وجود في هذه الديار؛ لأنها قبة الإسلام وبيضته، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب )، ومنها ينطلق الإسلام والمسلمون، فلا ينبغي أن يبقى مشرك في هذه الديار، وحذرهم من موالاة أقربائهم الكافرين وأصدقائهم في الجاهلية.

    وهنا كأنما قال: لم تخافون وترهبون العدو وقد نصركم الله في مواطن كثيرة؟ أبعد ذلك النصر يهزمكم؟! فحاشاه عز وجل.

    قوله تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ [التوبة:25]، (مواطن) جمع موطن، وهو مكان الحرب، ومنها وأولها في بدر وبعدها خيبر، ثم فتح مكة، لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ [التوبة:25]، وبالذات يوم حنين، وحنين: اسم وادٍ ما بين مكة والطائف.

    الإعجاب بالنفس والعمل ومنافاته لصدق التوكل على الله

    بعد أن فتح الله على رسوله مكة، وكان رجاله المجاهدون معه من المدينة عشرة آلاف مقاتل، ما بين أنصاري ومهاجري خرج معه صلى الله عليه وسلم ألفان من مسلمة الفتح ممن هم حديثي عهد بالإسلام؛ لأن هوازن وثقيف لما بلغهم انتصار الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: لم يبق مجال أبداً إلا أن نضرب، إما أن ننتصر وإما أن ننكسر، فجمعوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم وأموالهم حتى يموتوا، فلا خيار لهم إلا النصر أو الموت، وخرجوا وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصلوا إلى وادي حنين في الليل فدبروا مكيدتهم، فملئوا شعاب الوادي برجالهم، والنبال والسهام في أيديهم، وقالوا: إذا مر محمد ورجاله نصب عليهم مطر السهام فتكون الهزيمة مرة، والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليس عندهم هذا.

    وكان عدد رجال رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفاً، ولما توغلوا في الوادي ليجتازوه إلى ثقيف، صب عليهم أولئك المشركون سهامهم ونبالهم، والوادي ضيق، فولوا مدبرين وما عرفوا إلى أين يتجهون، ولم يبق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وابن عمه علي ، وثلاثة أو أربعة من آل البيت.

    فكان العباس ينادي: يا أهل السمرة! يا أهل السمرة! أي: يا من بايعتم رسول الله تحت الشجرة في صلح الحديبية! فقد قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، فقد ورد أن في الجاهلية شنت غارة على أهل مكة، فصعد العباس إلى الجبل ونادى بأعلى صوته: وا صباحاه! فأسقطت كم من امرأة جنينها من صوته. وقد ذكرت هذه الرواية في التفسير.

    والشاهد عندنا هو: (يا أهل السمرة!) ما إن سمعوا الصوت حتى أخذوا يتراجعون، ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب )، وأنزل الله ملائكة فأخذت تلامس قلوب المؤمنين، وتنفخ فيها روح الشجاعة والثبات والإقدام، فعادوا كالجبال، ثم أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب، وقال: ( شاهت الوجوه )، وما هي إلا جولة وإذ بأولئك المشركون كلهم بنسائهم وأطفالهم وأموالهم أسرى في أيدي الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فهذه آية من آيات الله!

    وهاهو تعالى يمن هذا عليهم وعلينا معهم: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة:25]، أي: وفي يوم حنين بالذات، إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25]؛ لأن الذين ما زالوا حديثي عهد بالإسلام منهم من قال: لن تنتهي هزيمتهم إلى البحر! مسرور بهذه الكلمة، ومنهم من قال: لن نغلب اليوم من قلة، وهذا هو الإعجاب بالنفس، فكانت الهزيمة تأديباً لهم وتربية.

    إذاً: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [التوبة:25]، اثنا عشر ألفاً: فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25]، يعني: من الإغناء، وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ [التوبة:25]، أي: ضاقت الأرض على اتساعها، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] أي: إلى الوراء، فارين هاربين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ...)

    قال تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ [التوبة:26]، وهو في الميدان، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: ( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [التوبة:26]، أي: الملائكة، فلا يقاتلون بالسيوف والرماح، ولكن يلامسون القلوب، وينفخون فيها روح الثبات والصبر، فثبت المؤمنون وصبروا، وعادوا إلى المعركة من جديد.

    وقال تعالى: وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة:26]، فأي عذاب أكبر من أن يسبوا نسائهم وأطفالهم وأموالهم، وتقتل رجالهم ونساؤهم؟ والمرأة إذا قاتلت تُقتل.

    وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [التوبة:26] أي: إلى يوم القيامة، فجزاؤهم النار والخزي والعذاب، وهذا جزاء أعلنه الله تعالى، فالهزائم تصيب الكافرين ولا تصيب المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ...)

    قال تعالى: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [التوبة:27]، وقد تاب الله على رجالات من ثقيف، وعلى رأسهم من كانوا يقودون المعركة كـمالك بن عوف وغيره فقد دخلوا في الإسلام، والذين أسروا دخلوا في الإسلام أيضاً وتاب الله عليهم، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:27]، أي: غفر لهم ذنوبهم الماضية التي ارتكبوها من شن الحرب على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، ومن قتل المؤمنين، ومن الشرك والكفر، ومن الفسق والفجور.. كل ذلك غفره الله عز وجل؛ لأنه غفور رحيم، ورحمهم برضاه وأدخلهم جنته مع المؤمنين.

    إذاً: فلا عجب أن يتوب الله على هؤلاء الكافرين الذين شنوا الحرب على رسول الله والمؤمنين ويغفر لهم؛ لأن من صفاته أنه غفور رحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ...)

    ثم نادى الله المؤمنين، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:28]؛ ليخبرهم: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28]، أي: نجاسة معنوية؛ فقلوبهم عفنة ونفوسهم منتنة، أوضار الشرك والكفر والفسق والفجور.. كل هذه نجاسة وأوساخ.

    ثم قال تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، ففي السنة التاسعة التي حج فيها أبو بكر بالمؤمنين، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ومن معه؛ ليعلن هذا الإعلان في منى وعرفات ومكة: ( ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بعد العام عريان )، إذ كانوا يطوفون بالبيت عراة، فإذا لم يجدوا ثياب الحمس والأشراف يطوفون بها خلعوا ثيابهم وطافوا عراة.

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:28]، لبيك اللهم لبيك! يخبرنا: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28]، أي: كافة المشركين، سواء مشركي مكة أو مشركي قريش وثقيف، فالمشرك: هو الكافر بالله، الذي يعبد مع الله سواه، أو المنكر لوجود الله كالملاحدة، فكل الكفار نجس.

    فبناءً على هذا لا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، فهذا خبر ولكن معناه الأمر، يجب أن يمنعوا وأن يصدوا ويردوا عن المسجد الحرام، وأن يوقف في وجوههم ولا يسمح لكافر أبداً أن يدخل مكة والحرم.

    والحمد لله! فقد مضى ألف وأربعمائة سنة وما دخل كافر مكة، فهذه آيات الله؛ لأن الله أودع هذا السر لعباده المسلمين أن لا يسمحوا أبداً لمشرك كافر أن يدخل الحرم المكي، وأما غير الحرم المكي فيجوز لهم أن يدخلوه وبإذن المسلمين إذا كان لأمر ما، لكن ليسوا قاهرين ولا غالبين، فمثلاً لو كانوا يريدون دخول المدينة ويشهادونها فيجوز ويؤذن لهم بذلك، أما باقي المساجد فكذلك، يدخل المسجد الأقصى يشاهد بإذن المؤمنين وتحت إمرتهم ومشاهدتهم.

    فقوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [التوبة:28]، خاص بهذا المكان، أي: مكة والمسجد الحرام وما حولها.

    وعد الله لعباده المؤمنين بسعة الرزق

    قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة:28]، والعيلة: الفاقة والفقر؛ لأن الشيطان وسوس، فقالوا: إذا منعنا المشركين وهم يأتون في الحج من كل عام بالتجارة والمال، وأنواع الطعام والثياب..، إذاً تكسد تجارتنا ونفتقر، قالوا: بالفعل، فهذه أمة تعددت.

    ثم قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28]، وبالفعل ما إن فتح الله مكة وانتصر الإسلام حتى جاء الحجاج من الشرق والغرب والشمال والجنوب بتجاراتهم وأموالهم، وأغنى الله تلك الديار غنى لا نظير له، وهذا وعد الله عز وجل: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28]، وهذا الاستثناء وهذه لطيفة في قوله: (إِنْ شَاءَ)، فلولا قوله: (إِنْ شَاءَ) لأصبحت القلوب مطمئنة لا تعمل ولا تسعى، فإن شاء الله يغنيكم وإن شاء يفقركم، أي: إن عملتم بأسباب الغنى أغناكم، وإن عملتم بأسباب الفقر أفقركم؛ لأن لله سنناً، وفي الحديث: ( تغدو الطير خماصاً وتروح بطاناً ).

    فلابد من السعي ولابد من العمل، حتى لا يقال: ليس هناك الآن حاجة للعمل، فقد وعدنا الله بالإغناء.

    فقوله تعالى: (إِنْ شَاءَ)؛ لتبقى قلوبهم متصلة بالله عز وجل فيسألونه ويتضرعون إليه أن يغنيهم ولا يفقرهم، وإن شئت قلت: لم؟ قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:28] فهذا تعليل لقوله: إِنْ شَاءَ [التوبة:28]، فإنه عليم بالطباع والأخلاق والأعمال، وحكيم فيما يشرع ويقنن، فلهذا قال: (إِنْ شَاءَ)، فلو لم يقل: (إِنْ شَاءَ)؛ لاطمأنوا إلى الغنى المطلق بدون عمل، ولكن لابد من الجهاد والكسب والعمل.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ [التوبة:25]، وهذه المواطن الكثيرة هي: بدر، وخيبر، وفتح مكة، وقريظة، وبني النظير، وحنين وثقيف.

    وقوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [التوبة:25]، أي: ما أصابكم يوم حنين، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] أي: منهزمين راجعين إلى الوراء.

    ثم قال تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [التوبة:26] إلى يوم الدين. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:27]، وقد تاب الله بعد نصر أوليائه على أولئك الأسرى ودخلوا في الإسلام وعلى رأسهم أمراؤهم وساداتهم؛ وذلك لأن الله غفور رحيم.

    ثم ناداهم نداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28]، أي: وسخ معنوي، ونجس حسي في المشركين، لا يغتسلون من الجنابة، لا يستنجون بالماء ولا يتطهرون، لكن المراد بالنجس المعنوي: هو كفرهم وشركهم وظلمة قلوبهم.

    إذاً: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، وهذا في السنة التاسعة، وحج الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة، ولم يحج مشرك قط.

    قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة:28] فالمراد من العيلة: الفقر، عالَ يعيلُ عيلةً إذا افتقر، وأعال يُعيلُ إذا أغنى الفقير وأزال عيلته.

    ثم قال: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28]، وهذا الاستثناء؛ حتى لا يعملون ويقولون: وعدنا الله بالإغناء. فلابد من العمل بمقتضى سنن الله تعالى.

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:28]، هذا التعليل لقوله: إِنْ شَاءَ [التوبة:28]، فإنه لا يغني لا ويفقر إلا بعلم وحكمة تقتضي ذلك.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات.

    أولاً: حرمة العجب بالنفس والعمل]، وزد: بالشرف والأصل.. وما إلى ذلك؛ لقوله تعالى: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [التوبة:25] فضربكم الله عز وجل.

    [حرمة العجب بالنفس والعمل، إذ هو -أي: العجب- من العوائق الكبيرة عن النجاح]، مما يعوق عن النجاح؛ لأنه ينتفش وينتفخ ويترك العمل، ينكسر.

    [ثانياً: بيان إفضال الله تعالى وإكرامه لعباده المؤمنين]؛ لقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28].

    [ثالثاً: بيان الحكمة من القتال في سبيل الله تعالى]؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، أي: قاتلوهم وردوهم؛ لتبقى للإسلام طهارته، ويبقى له نقاؤه وعزته، وما تختلط به الأنجاس.

    [رابعاً: تقرير نجاسة الكافر المعنوية]؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28].

    [خامساً: منع دخول المشرك الحرم المكي كائناً من كان، بخلاف باقي المساجد فقد يؤذن للكافر لمصلحة أن يدخل بإذن المسلمين].

    (منع دخول المشرك الحرم المكي)، مكة والحرم حولها والمسجد الحرام، (كائناً من كان) أبيض أو أسود، (بخلاف باقي المساجد) فإن لهم أن يدخلوا بإذن المسلمين لمصلحة تقتضي ذلك الدخول.

    [سادساً: لا يمنع المؤمن من امتثال أمر ربه الخوف من الفاقة والفقر]؛ لقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28]، أي: امنعوا الكافرين من دخول الحرم، وإن خفتم فقراً فالله يغنيكم.

    إذاً: فمن هنا قلنا: لا يمنع المؤمن من امتثال أمر ربه الخوف، فكونه يخاف فلا يصلي، ويخاف فلا يقول كلمة الحق، ويخاف فلا يعطي ما وجب، فهذا الخوف باطل، ولا يمنع المؤمن الخوف من أن يفعل الخير أو يدعو إليه.

    [سادساً: لا يمنع المؤمن من امتثال أمر ربه] في واجب من الواجبات أو في منهي من المنهيات، لا يمنع الخوف من الفاقة والفقر ذلك، فإن الله تعالى تعهد بالإغناء إن شاء، أي: افعلوا ما أمر الله واجتنبوا ما نهى الله ولا تخافوا الفقر.

    [فإن الله وعدكم الغنى إن شاء]، والله عليم حكيم.

    والله تعالى نسأل أن يتوب علينا وعلى سائر المؤمنين.