إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (38)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت سورة التوبة لتفضح المنافقين وأفعالهم، ومن ذلك ما قاموا به من بناء مسجد الضرار، يكون مركزاً لتجمعهم بعيداً عن عيون النبي وسائر المؤمنين، حتى يعملوا فيه على النيل من الإسلام والتآمر على المسلمين، وما إن انتهوا من بنائه حتى طلبوا إلى النبي أن يصلي لهم فيه، فأنزل الله هذه الايات لفضح حالهم وبيان مقصدهم، فامتنع النبي من الصلاة فيه، وبعث رجلين من المسلمين لتهديمه وإحراقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً ...)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم! لنا هذا الفضل إنك وليه وولي المؤمنين.

    وها نحن ما زلنا مع سورة التوبة المدنية -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة-، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات الأربع، ثم بعد ذلك نتدارسها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:107-110].

    معنى قوله تعالى: (اتخذوا مسجداً ضراراً..)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:107]، اعلموا أن هناك شخصية هابطة وهي: أبو عامر الراهب من بني عامر بن سليم من جنوب المدينة، هذا الراهب تنصر وأصبح نصرانياً يعبد عيسى كما يعبده النصارى، وكان يرغب في أن ينصر أهل المدينة من أجل أن يسودهم ويعلو فوقهم، ويأكل أموالهم ويفتك حتى بعوارهم، ولهذه الشخصية نظير آخر وهي شخصية عبد الله بن أبي رئيس المنافقين وقد عرفتم عنه، فـابن أبي اغتاظ لوجود الإسلام؛ لأنه كان يأمل أن يصبح ملكاً على الأوس والخزرج، بل أعدوا أنفسهم لبيعته، فلما طلعت أنوار الإسلام انطفأ ذلك الأمل، فمن هنا اغتاظ وتألم وأصبح يكيد للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والإسلام.

    فهاتان شخصيتان: أبو عامر الراهب وابن أبي ، ذاك أن يسودهم دينياً؛ ليأكل أموالهم ويفتك بنسائهم، وهذا يريد أن يسودهم ويحكمهم ويتسلط عليهم، فلما لاحت الأنوار المحمدية وشمس الإسلام ذهب أملهم، وهذه إلى الآن أصحابها ممن يريدون الملك والسيادة يمكرون بالإسلام، والذين يريدون أن يسودوا باسم الدين ليأكلوا أموال الناس ويستغلوا وجودهم كذلك يدافعون -كما علمتم- ويكيدون للإسلام، ولن تنتهي هذه.

    فقول ربنا جل ذكره: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا [التوبة:107].. هذا الراهب أوحى إلى رجاله من المنافقين بأن يبنوا مسجداً مقابل مسجد قباء من الجهة الغربية، على أن يكون مركزاً للتجمع؛ حتى يتمكنوا من أن يخططوا ويعلنوا عن خططهم، أما إن صلوا في مسجد قباء مع المؤمنين الصادقين فلن يقوى أحد منهم على أن يقول كلمة سوء، فضاق بهم الحال، فقال لهم: أسسوا مسجداً، وليكن مركزاً للتجمع.

    وهذا الراهب واجه الرسول صلى الله عليه وسلم مرة، وقال: والله لا تقاتل قوماً إلا قاتلتك معهم، وما كانت حرب إلا كان يخوضها ضد رسول الله والمؤمنين، حتى انهزمت هوازن في الطائف وأيس فهرب إلى الشام، ومات هناك -والعياذ بالله وإلى جهنم-، وأراد أن يأتي بالروم إلى المدينة، فهو الذي كاد مكيدة حرب الشام، وأراد أن يأتي برجال من الروم لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة.

    ولما فرغوا من بناء هذا المسجد وكان الحبيب صلى الله عليه وسلم مسافراً إلى تبوك اعترضوه قبل أن يركب راحلته، وقالوا: يا رسول الله! قد بنينا مسجداً فتعال صلِّ بنا فيه، من باب التدشين وفتح المسجد من جديد، فاعتذر لهم الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنه مسافر، وإذا عاد إن شاء الله تعالى يأتي ويصلي بهم في مسجدهم.

    إذاً: ومشى صلى الله عليه وسلم برجاله لقتال الروم؛ حيث علم أنهم تجمعوا لقتاله بواسطة هذه المكائد وعلى رأسها أبو عامر الراهب ، فلما هزم الله الروم بدون قتال وأعلنوا عن فشلهم وخيبتهم، وأعلنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) ما إن بلغهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج وانتهى إلى أرض الشام باثني عشر ألف حتى انهزموا وهم ثلاثمائة ألف.

    ولما عاد صلى الله عليه وسلم وبلغ مكان أو بئر يقال له: ذروان على ساعة من المدينة، نزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:107-108]، فبعث رجلين من رجال القبيلة: مالك بن الدخشم وآخر على أن يأتوا المسجد فيحرقوه ويهدموه، ومشى الرجلان وانتهوا إلى ديار بني عامر بقباء، وأوجدوا الحطب وأشعلوا النار في المسجد وهرب أهله، ثم أحرقوه ودمروه تدميراً، فهذا المسجد أعدوه وكراً للتآمر والخديعة للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فاسمعوا السياق الكريم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا [التوبة:107] أي: للإضرار ولتقرير الكفر، ولأنهم كفار وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:107] فهذه لا ننساها، فكل عمل من شأنه أن يفرق بين المسلمين فهو حرام، آه لو يعرف المسلمون هذا! كل عمل من شأنه أن يفرق وإنه باسم الدين، يفرق بين المسلمين يجب أن يلغى وأن يترك ولا يقبل عليه؛ إذ تفرقة المسلمين إنهاء وجودهم، وتفرقتهم محرمة، وتفرقتهم هدف من أهداف اليهود والنصارى والمجوس، فلا يحل أي عمل في القرية أو في المدينة أو في الحي من شأنه أن يفرق كلمة المسلمين.

    معنى قوله تعالى: (وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل...)

    قال تعالى: وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ [التوبة:107] والذي حارب الله ورسوله هو الراهب أبو عامر الراهب وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى [التوبة:107] يكذبون والله! حلفوا للرسول ما أردنا إلا الخير، وقالوا: ما بنينا المسجد إلا بسبب الليالي المطيرة والرياح والمكان بعيد على الشيوخ والعجزة، فما لنا هدف ولا فكرة إلا هذه، وكذبهم الله، فقال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107] فمن هنا يستنبط أن المنافق لا يوثق فيه، إذا ضبط منافق لا يوثق في كلامه دائماً كذاب، هذه شهادة الله عز وجل، والمنافق إذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر، فهذه بيانات رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ..)

    ثم قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108] فمن هنا أمر الرسول بهدمه وإحراقه، فشرد المنافقون وهربوا.

    لا تَقُمْ فِيهِ أي: للصلاة أَبَدًا .

    ثم قال له: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، المسجد الذي أسس من أول يوم على تقوى الله؛ ليعبد ويطاع فيه ألا وهو مسجد قباء، ويصح قبى مقصورة وقباء ممدودة، فمسجد قباء في بني عامر بن عوف.

    أي: لمسجد أسس من أول يوم على تقوى الله عز وجل خير من أن تقوم في مسجد أسس على الباطل والشر.

    لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108] أي: للصلاة.

    معنى قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا...)

    ثم قال تعالى: فِيهِ رِجَالٌ [التوبة:108] هذا التنكير للتفخيم وللتعظيم.. رجال مؤمنون صادقون، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة:108] ليس منافقون أنجاس كفرة يريدون التنجس بالشرك والمعاصي والذنوب والآثام والحيل والمكر، بل يريدون أن يتطهروا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] أي: المتطهرين.

    وهذه الآية نزلت في أهل مسجد قباء، فقد سئلوا: لِمَ نزلت فيكم هذه الآية؟

    فقالوا: يا رسول الله! كنا إذا تغوطنا أو تبولنا استجمرنا بالحجارة والتراب ثم نستنجي بالماء، أي: جمعوا بين التراب والماء، فالاستنجاء بالماء، والاستجمار بالحجارة، أيهما فعلت يجزئ، فإن استجمرت بالحجارة أجزأك، أو استنجيت بالماء أجزأك أيضاً، لكن هم جمعوا بين الاستجمار وبين الاستنجاء، فامتدحهم الله وأثنى عليهم، فقال: يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108]، وهذه في أهل قباء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان...)

    ثم قال تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة:109] أي: أيهما خير؟

    أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ [التوبة:109] أي: بنيان مسجده عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ [التوبة:109] أي: وطلب لرضوان الله خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ [التوبة:109] أي: بنيان مسجده عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة:109]؟

    الجواب: الذي أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ممن أسس بنيانه على شفا جرف هار.

    (شفا الجرف): الأرض المحفورة من أسفل، فإذا جاء المطر تسقط في البئر.

    عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109] أي: الظالمون الذين توغلوا في الظلم والشر والفساد فيحرمون من هداية الله.. الذين توغلوا في الظلم والخبث والشر والفساد عام بعد عام، يصلون إلى حد لا يقبلون الهداية أبداً، بل يحرمهم الله الهداية، فالله يخبر بهذا بقول: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109] الذين توغلوا في الفساد، وضربوا مسافات كبيرة في الشر والخبث، هؤلاء يحرمون هداية الله.

    وقد بينا كثيراً هذه القضية، فالشخص الذي اعتاد على الكذب عام أو عامين أو ثلاثة، أو عشرة أو عشرين سنة وهو يكذب يصعب عليه أن يتوب منه، كالذي يشرب الحشيش عامين، ثلاثة، أربعة، عشر سنوات، عشرين عاماً، فلا يستطيع.. بل يقول لك: نموت ولا نتركها، والذي تعود على الكذب ومشى عليه زمناً طويلاً لا يستطيع أن يرجع، كالجسم إذا استشرى فيه الداء وانتشر المرض فيه كله لا يقبله الأطباء ولا يعالجونه هلك، وهذا من باب سنة الله تعالى في الخلق.

    وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109] الذين توغلوا في الظلم، ما هو كل ظالم ما يقبله الله وما يهديه إذا طلب الهداية! ولكن الذين عملوا مسافات بعيدة في الشر والفساد والظلم هم أنفسهم لا يقبلون أن يتراجعوا، والله يحرمهم هدايته فيموتون إلى جهنم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ...)

    ثم قال تعالى: لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً [التوبة:110] أي: شك فِي قُلُوبِهِمْ [التوبة:110] وكفر إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ [التوبة:110] إذا تمزقت القلوب ممكن يخرج من الكفر والنفاق، أما ما دامت هذه القلوب سليمة محشوة بالنفاق والكفر ما يخرج منها ذلك أبداً إلا إذا تمزقت إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ [التوبة:110] بخلقه حَكِيمٌ [التوبة:110] في شرعه، فحكمته اقتضت ألا يهديهم، أي: اقتضت أن الذي يتوغل في الفساد ويظل فيه زمناً طويلاً ما يرجع إلى الهداية، ما يقبل التوبة أبداً، فلهذا أجمع المسلمون على أن التوبة تجب على الفور، لا يحل أبداً أن تقول: العام الآتي أتوب، أو حتى أتزوج، أو حتى أوظف، أو حتى أعود إلى بلادي.. حتى أصبح.. فوالله! ما يجوز، فالتوبة تجب على الفور، فإن زلت القدم ووقعت في المعصية فمن ثم قل: أستغفر الله وأتوب إليه، والدموع تجري من عينيك، وكلك هم وكرب من معصية الله.

    أما: (سنتوب) فلا وجود لها.

    إذا أصبت بمرض عالجه على الفور لا تقل: خله، عام بعد عام يستشري في جسمك ما تعالج ولا تقبل العلاج أبداً، وهذه سنن الله عز وجل؛ لأنه عليم بأحوال خلقه وأقوالهم، حكيم أيضاً في تصرفه وتدبيره لأمورهم.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية نسمعكم الآيات.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:107] وهم أهل مسجد الضرار، ويوجد هذا المسجد في قباء قريب من مسجد قباء، وبنوه وأقاموه للمكر والخديعة؛ ليكون وكر للمؤامرات، وللاتصال بالخارج؛ حتى يدبروا فيه الباطل والشر ضد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

    أعيد القول: إذا في القرية مسجد ويتسع لأهل القرية لا يجوز أن يبنوا مسجد آخر لينقسموا ويتفرقوا، إلا إذا كانت المسافة بينهما بعيدة وكان المسجد ضيق بهم ولا يتسع لهم، أما فقط نبني مسجد نضاد به المسجد الفلاني! لا يصح هذا أبداً، وهو منشأ الفرقة والخلاف.

    وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ [التوبة:107] والذي حارب من قبل هو أبو عامر الراهب وهو الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم: لأقاتلنك مع كل من يقاتلك، وقاتله في الحروب كلها حتى هوازن ثم انهزم وذهب إلى بلاد الروم بالشام، ومات نصرانياً إلى جهنم.

    وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى [التوبة:107] أي: حلفوا لما انكشفت عورتهم وأمر الله بهدم المسجد فهدمه الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءوا يعتذرون ويحلفون بالله ما أردنا إلا الخير في بناء هذا المسجد، والله ما أرادوا إلا الشر.

    وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107] فمن هنا استنبطنا: أن المنافق لا تصح شهادته، لا يقبل قوله؛ إذ مطبوع على الكذب وقول الباطل، فلا يوثق أبداً في غير المؤمن الصادق.

    ثم قال تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108] أي: في ذلك المسجد الذي بنوه للإضرار.

    لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108] أي: مسجد قباء، فلا يصح هذا في مسجد رسول الله، فلقد أسس على التقوى من أول يوم، لكن فقط السياق بالنسبة لمسجد الضرار ويقابل مسجد قباء.

    أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ [التوبة:108] (رجال) وهذه من اللطائف، وقال تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [القصص:20]، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة:108] فكلمة رجل معناها متفوق في الكمال البشري.

    رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] فكونوا منهم، وقولوا: اللهم اجعلنا منهم! فكل من يحب طهارة قلبه من الشرك، والنفاق، والكفر، والحسد، والغل، والغش، والنفاق.. ويريد طهارة جسمه من الأوساخ والقاذورات يحب الله عز وجل.

    ثم قال تعالى لرسوله: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة:109]، فأيهما خير هذا أم ذاك؟

    الجواب: الأول خير.

    لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً [التوبة:110] كفراً وشركاً ونفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ [التوبة:110]، ما دام القلب لم يتمزق يبقى الشك والكفر والنفاق؛ لأنهم توغلوا في الظلم فحرمهم الله هدايته، فلن يهديهم؛ إذاً فلا يزالون كذلك حتى الموت.

    وَاللَّهُ عَلِيمٌ [التوبة:110] أي: بخلقه وأحوالهم، حَكِيمٌ [التوبة:110] أي: في شرعه وتقنينه، يعز من يشاء بعز ويذل من يشاء بذل.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    ممكن نكتفي بهداية الآيات، تأملوها ترجع بكم إلى الآيات.

    قال: [ هداية الآيات:

    أولاً: بيان أكبر مؤامرة ضد الإسلام قام بها المنافقون بإرشاد الفاسق أبي عامر الراهب ]؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا (إرصاداً): أي: مرصد للعدو حتى ينزل فيه ويكيد ويمكر.

    [ ثانياً: بيان أن تنازع الشرف هو سبب البلاء كل البلاء فـابن أبي حارب الإسلام؛ لأنه كان يؤمل في السلطة على أهل المدينة فحرمها بالإسلام، وأبو عامر الراهب ترهَّب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحي؛ فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال له مواجهة: ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم، بل ذهب إلى الروم يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود ما حاربوا الإسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في مملكة إسرائيل ].

    الحروب سببها الملك أو الرياسة والسلطة، فالذي يرغب أن يسود أهل القرية، ويأكل أموالهم، ويفجر بنسائهم بشعار الدين ينصب نفسه ولي من أولياء الله قطب، وهكذا فعلوا، انتبهتم؟ ويخلو بامرأة الرجل والله العظيم، وأبو عامر الراهب يكفينا في هذا الباب.

    فـابن أبي حارب الإسلام؛ لأنه كان يريد الدولة، فلما انتزعت منه سخط، واليهود إلى الآن يحاربون الدنيا؛ لأن مملكتهم ما تمت لهم وهم يريدونها.

    قال: [ ثالثاً: لا يصح الاغترار بأقوال أهل النفاق فإنها كذب كلها ] تلك الأقوال -وبينا هذا- المنافق لا يوثق في كلامه ولا يصدق أبداً، كن على حذر، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107] مع أنهم يحلفون للرسول: ما أردنا إلا الحسنى فقط، والخير ببناء هذا المسجد، ولكن الله علم أنهم أرادوا الكيد والمكر للرسول والمؤمنين.

    [ رابعاً: أيما مسجد بني للإضرار والتفرقة بين المسلمين إلا ويجب هدمه وتحرم الصلاة فيه.

    خامساً: فضل التطهر والمبالغة في الطهارتين الروحية والبدنية ]، فطهر روحك من الشك ومن الشرك ومن النفاق ومن الحسد، ومن أمراض القلوب، وطهارة البدن أي: طهارة الثياب والبدن من الأبوال والأوساخ؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] فيه رجال يحبوا أن يطهروا، هذا ثناء على أهل قباء، فقد كانوا يجمعون بين الاستجمار والاستنجاء؛ يستجمرون أولاً عندما يتبولون ويتغوطون، ثم يأتون بالماء ويستنجون، مع أن الماء كافٍ بدون استجمار، والاستجمار كافٍ بدون استنجاء.

    [سادساً: التحذير من الظلم والإسراف فيه فإنه يحرم صاحبه هداية الله فيهلك وهو ظالم فيخسر دنيا وأخرى ]، التحذير من الظلم والإسراف والمبالغة والتوغل فيها.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.