إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (35)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأعراب هم سكان البادية من العرب، وقد ذكر الله حال الأعراب الساكنين حول المدينة، وقسمهم إلى أقسام ثلاثة، فقسم منافقون كفار، وهم أشد الناس نفاقاً وكفراً؛ وذلك لجهلهم وبعدهم عن المعرفة، وقسم ثالث يجاهد في سبيل الله وينفق في سبيله بإخلاص تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا القسم هو المستحق لرحمة الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة التوبة -تاب الله علينا أجمعين-، فهيا بنا نصغي إلى هذه الآيات الثلاث مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:97-99].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا [التوبة:97].. نذكركم بأن سورة التوبة سورة مدنية وتسمى: الفاضحة؛ إذ فضحت المنافقين أشد فضيحة، وكشفت الستار عنهم، وأظهرتهم على ما هم عليه، إما ليتوبوا أو ليذوقوا مر العذاب، وتقدم السياق الكريم وعرفنا من هم المنافقون.

    فالمنافق هو إنسان ذكراً كان أو أنثى يبطن الكفر ويظهر الإيمان، فلا يؤمن بالله ولا بلقائه، ولا يؤمن بالله ولا برسوله، وينطق بالشهادتين ويحضر الصلاة مع المصلين، بل ويخرج إلى الجهاد مع المجاهدين ولكنه ما آمن، وما صدق رسول الله في ما جاء به، والنبي صلى الله عليه وسلم أعطى لأصحابه علامات النفاق؛ ليعرفوا بها المنافقين، فقال: ( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان ) فبهذه الصفات يعرفون المنافقين من المؤمنين الصادقين، وقال أيضاً: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منها كان فيه خصلة من النفاق، وزاد: وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر )، فنبرأ إلى الله تعالى من النفاق والمنافقين، ونسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا، ويزكي أنفسنا، وأن يرزقنا اليقين حتى يتوفانا ونحن مسلمون. آمين.

    تعريف الأعراب والفرق بينهم وبين العرب

    فقوله جل ذكره: الأَعْرَابُ [التوبة:97] (الأعراب) واحدها أعرابي، والأعراب هم سكان البادية من العرب، فمن سكن البادية فهو أعرابي، وأما العربي فهو منسوب إلى العرب، والعرب منهم الأصوليون أبناء قحطان وهؤلاء أهل اليمن فهم عرب خلص، ومنهم العرب المستعربون كأولاد إسماعيل، أبوهم سرياني ودخلوا في العرب وأصبحوا عرباً مستعربين، والمراد من الأعراب هنا: سكان البادية الذين كانوا يسكنون حول المدينة، فمنهم منافقون يظهرون الإيمان للرسول وأصحابه وهم مبطنون للكفر، فلا يؤمنون بالله ولا بلقائه.

    أعراب البادية أشد كفراً ونفاقاً

    فيخبر تعالى عنهم فيقول: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا [التوبة:97] أي: أشد كفراً ونفاقاً من أهل المدن والحواضر والأمصار، فمنافق الأعراب أشد نفاقاً من منافق المدينة، وكافر الأعراب أشد كفراً من كافر الأمصار والمدن، وذلك لجهلهم وبعدهم عن المعرفة، فهذا خبر الله الصادق: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا [التوبة:97] أي: من كفار المدينة ومنافقيها.

    وَأَجْدَرُ [التوبة:97] أي: وأحق، أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [التوبة:97] والعلة واضحة، فلو كانوا مختلطين بالمؤمنين يسمعون وينقلون وينقل إليهم كانوا يعلمون، لكن سكناهم في البادية وحدهم قطعاً من أين سيأتيهم العلم؟

    فهذا جدير بهم ألا يعلموا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [التوبة:97] أي: من الشرائع والأحكام الإلهية التي حواها الكتاب والسنة، وهذا إلى اليوم الأعراب سكان البادية أجهل بكثير من سكان الحضر، ولهذا ينبغي أن يهجروا وأن تفسح لهم الفرصة ليدخلوا إلى المدن، ولعل السلطان عبد العزيز تغمده الله برحمته لما حكم هجر أهل البادية إلى المدن، ومعروف مذهب مالك أن الأعرابي لا يصلي إماماً بأهل الحضر؛ لنقصان علمه ومعرفته وإيمانه.

    إذاً: فلا يستحب البقاء في البادية مع الأعراب إلا في حال الفتنة، فإذا كانت هناك فتنة عارمة فيكون خير مال الرجال فيها شويهات يتبع بها شعاف الجبال فراراً بدينه، أما إذا الفتن ما عمت المدن والأمصار فسكان البادية مفرطون وضائعون، يعيشون على الجهل، فيستحب ترغيبهم والعمل على إدخالهم المدن والحواضر، ويكفي فيهم هذا الخبر الإلهي الصادق: الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [التوبة:97] فأنتم تعرفون الحلال والحرام، والواجب والمكروه، وهم لا يدرسون ولا يسمعون، فهم مع غنمهم في البادية.

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ [التوبة:97] أي: بخلقه، حَكِيمٌ [التوبة:97] أي: في شرعه وتقنينه، فهو الذي قرر هذا وأخبر به لعلمه وحكمته، صفتان من صفات الرب عز وجل: العلم بكل شيء والحكمة في كل شيء.

    أقول: علم الله أحاط بكل ذرات الكون، والله! لا توجد ذرة خفية عن الله، وحكمته تجلت في كل الكون، فلا يوجد كائن وجد بدون حكمة لوجوده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر ...)

    ثم قال تعالى: وَمِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:98] أي: أناس مجموعة أخرى، وهذا كشف الستار وفضحهم.

    وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا [التوبة:98] أي: من الأعراب أعراب ينفقون في الجهاد إذا طلب منهم ذلك ودعوا إلى المساهمة والمشاركة، ولكن يعتبرون ما ينفقونه غرامة ألزموا بها، إذ لا إيمان لهم ولا رغبة في الآخرة ولا ما عند الله، فيدفعون ما يدفعون من المال لما يطالبون به من قبل رسول الله ورجاله يعتبرون ذلك غرامة، لا يرجون ثواباً ولا مغفرة ولا رحمة وذلك لكفرهم.

    وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا [التوبة:98] أولاً، وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ [التوبة:98] ينتظر متى تصابون بهزيمة أو يموت نبيكم أو يفعل الله بكم كذا وكذا، وعند ذلك يفرحون ويستبشرون، ينتظرون الدوائر المصائب والنكبات التي تصيب المؤمنين فيسرون بذلك ويفرحون وتنتهي مشكلتهم ويعلنون عن كفرهم الذي جحدوه من الخوف وأسروه في بطونهم.

    هكذا يقول تعالى: وَمِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:98] أي: أفراد وأناس، من يتخذ ما ينفقه مغرماً.

    وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ [التوبة:98] الدوائر: جمع دائرة، أي: أن تدور الحال على اللسان بالسوء والمكروه.

    معنى قوله تعالى: (عليهم دائرة السوء...)

    قال تعالى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة:98] قولوها أنتم، ادعوا الله عز وجل.

    عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة:98] دعا الله تعالى بهذه الجملة: (عليهم دائرة السُّوء)، والسُّوء والسَّوء في القرآن مطلقاً لغتان فصيحتان: ما يسوء، اللهم إلا ما كان من قوله تعالى: مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم:28] فهو مفتوح دائماً السين، ما عدا ذلك السُّوء والسَّوء بالفتح والضم قراءات سبعية.

    عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة:98] هذه جملة دعائية دعا عليهم الله سبحانه، فلا ينجوا إذا كان الله يدعو عليهم ويعلمنا كيف ندعو عليهم.

    عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:98] أي: سميع لأقوال المنافقين وما يتسارون به، وما يقولونه في مجالسهم، وما يعزمون على فعله، عليم بأقوالهم وأحوالهم، سميع لأقوالهم، فلهذا آمنوا بما أخبر به فقد أخبر بالواقع؛ لأنه يسمع أقوالهم ويعلم أحوالهم، وكيف لا وهو السميع العليم؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر...)

    ثم قال تعالى: وَمِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:99] صنف آخر، جماعات أخرى جعلنا الله منهم مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:99] حق الإيمان.

    وَمِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:99] أيضاً.

    وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة:99] أي: يجعل الذي ينفقه في الجهاد في سبيل الله قربات يتقرب بها إلى الله، فلا يحسبها غرامة على كتفه يدفعها كالمنافقين، فهؤلاء بررة صالحون.

    وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:99] وهذا كما علمتم أصل الإيمان، فلا إيمان إلا بالله أولاً واليوم الآخر ثانياً، فأركان الإيمان ستة لكن أعظمها: الإيمان بالله؛ لأن من لا يؤمن بالله هبط وانتهى وتمزق.

    الإيمان باليوم الآخر، فالذي لا يؤمن بيوم القيامة وما يجري فيه من جزاء وحساب في النعيم المقيم أو العذاب الأليم لا يستطيع والله أن يستقيم، ولا يقوى على أن يبقى بين الحق والباطل ولا يميل إلى باطل، فاذكروا دائماً هذه ولهذا كثيراً ما يقول تعالى: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، فإذا ضعف هذا المعتقد في الإنسان هلك، والإيمان بالله والإيمان بالبعث الآخر والدار الآخرة، وهؤلاء من العرب من يؤمن بالله واليوم الآخر.

    فضل النفقة في سبيل الله والإخلاص فيها لله تعالى

    قال تعالى: وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ [التوبة:99] أي: ما ينفقه من مال في سبيل الله؛ قُرُبَاتٍ [التوبة:99] جمع قربة يتقرب بها عند الله.

    ثانياً: وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ [التوبة:99] ينفق المال ليتخذ به قربة ومنزلة عالية عند الله وليدعو له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير الدعاء وأشرفه وأفضله، فكان إذا جاء الرجل بالمال يقول: ( اللهم صل على آل أبي أوفى )، فكانوا ينفقونها في سبيل الله من أجل الجهاد، ومن أجل أن يتخذوا ذلك قربة عند الله ينزلهم منازل الأبرار، ويتخذون بذلك واسطة للحصول على دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذ كان من قدم له صدقته يصلي عليه، ومعنى يصلي عليه أي: يدعو له، فالصلاة هي الدعاء. فالله سبحانه وتعالى صلى على أولئك عندما دعا عليهم: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة:98]، فالصلاة الدعاء.

    ثم قال تعالى: أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ [التوبة:99] وهذا تقرير عجيب! أي: إلا إن أموالهم التي أنفقوها في سبيل الله يريدونها قرباً يتقربون بها إلى الله ويريدون أن يحصلوا على الصلاة من رسول الله، أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ [التوبة:99] عند ملك الملوك، عند ذي الجلال والإكرام.

    سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ [التوبة:99] يا بشراهم! إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:99] الأعراب صنفان وأهل الحاضرة صنفان، ولكن ما إن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق في هذه الديار كافر ولا منافق، وإنما هذا كان أيام حياته صلى الله عليه وسلم، فقد انتهى النفاق والمنافقون مع وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ هذه الآيات التي كانت تخرج الضغائن وتصفي القلوب والنفوس، وعليها آمنوا وأسلموا ودخلوا في رحمة الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    شرح الآيات من الكتاب.

    قال: [ما زال السياق الكريم في الكشف عن المنافقين وإعدادهم للتوبة أو للقضاء عليهم ] فالآيات تكشف الستار من أجل أن يتوبوا أو من أجل أن يستوجبوا الهلاك فيهلكوا.

    [ ففي الآية الأولى يخبر تعالى أن الأعراب -وهم سكان البادية من العرب- أشد كفراً ونفاقاً من كفار الحضر ومنافقيهم. وإنهم أجدر أي: أخلق وأحق بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أي من الأحكام والسنن، وذلك لبعدهم عن الاتصال بأهل الحاضرة.

    وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:97] أي: عليم بخلقه حكيم في شرعه، فما أخبر به هو الحق الواقع، وما قضى به هو العدل الواجب.

    وقوله تعالى في الآية الثانية: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا [التوبة:98] أي: من بعض الأعراب من يجعل ما ينفقه في الجهاد غرامة لزمته وخسارة لحقته في ماله؛ وذلك لأنه لا يؤمن بالثواب والعقاب الأخروي، لأنه كافر بالله ولقاء الله تعالى.

    وقوله عز وجل: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ [التوبة:98] أي: وينتظر بكم أيها المسلمون الدوائر متى تنزل بكم فيتخلص منكم ومن الإنفاق لكم، والدوائر جمع دائرة المصيبة والنازلة من الأحداث.

    وقوله تعالى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [التوبة:98] هذه الجملة دعاء عليهم جزاء ما يتربصون بالمؤمنين.

    وقوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:98] أي: سميع لأقوالهم عليم بنيانهم فلذا دعا عليهم بما يستحقون.

    وقوله تعالى في الآية الثالثة: وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ [التوبة:99] إخبار منه تعالى بأن الأعراب ليسوا سواء، بل منهم من يؤمن بالله واليوم الأخر، فلذا هو يتخذ ما ينفق من نفقة في الجهاد قربات عند الله، أي: قرباً يتقرب بها إلى الله تعالى، ووسيلة للحصول على دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه المؤمن بزكاته أو بصدقته يدعو له بخير، كقوله لـعبد الله بن أبي أوفى : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ).

    وقوله تعالى: أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ [التوبة:99] إخبار منه تعالى بأنه تقبلها منهم وصارت قربة لهم عنده تعالى.

    وقوله تعالى: سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ [التوبة:99] بشرى لهم بدخول الجنة.

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:99] يؤكد وعد الله تعالى لهم بإدخالهم في رحمته التي هي الجنة فإنه يغفر ذنوبهم أولاً، ويدخلهم الجنة ثانياً. هذه سنته تعالى في أوليائه، يطهرهم ثم ينعم عليهم ] بخلودهم في دار السلام.

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين! لكل آية هداية، فهيا نستنبط بعض الهدايات ونتأملها.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: بيان أن سكان البادية يحرمون من كثير من الآداب والمعارف، فلذا سكن البادية غير محمود إلا إذا كان فراراً من الفتن ].

    (بيان أن سكان البادية يحرمون من كثير من الآداب والمعارف -وإلا لا؟- فلذا -كان- سكن البادية غير محمود) ولا يرغب فيه العقلاء، اللهم (إلا إذا كان فراراً من الفتن) إذ أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم.

    [ ثانياً: من الأعراب المؤمن والكافر، والبر والتقي، والعاصي والفاجر، كسكان المدن، إلا أن كفار البادية ومنافقيها أشد كفراً ونفاقاً؛ لتأثير البيئة ] فيهم.

    [ ثالثاً: فضل النفقة في سبيل الله والإخلاص فيها لله تعالى ].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.