إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (29)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المنافقون لا تستسيغ نفوسهم فعل الخير والحض عليه، فهم يبخلون بما آتاهم الله من فضله، ولا يكتفون بذلك وإنما يؤذون المنفقين من المؤمنين، ويلمزون المطوعين منهم بالمال الكثير، متهمين لهم بالرياء، والذين لا يجدون إلا القليل مما ينفقون يسخرون من قل نفقتهم، وما ذاك إلا لعلة فيهم ولمرض في نفوسهم، فهم متوعدون يوم القيامة بالعذاب الأليم، ولن يقبل الله فيهم شفاعة ولن يغفر لهم ذنباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    والحمد لله على ما هدانا إليه ووفقنا عليه.

    وها نحن معاشر المستمعين والمستمعات! مع هاتين الآيتين من سورة التوبة -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة-، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:79-80].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زلنا مع سورة التوبة -تاب الله علينا وعليكم-، وما زال السياق مع المنافقين، وقد علمنا أن المنافقين في المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من خوفهم يجحدون الكفر جحوداً كاملاً في نفوسهم، ويعلنون عن إسلامهم بألسنتهم وبعض جوارحهم، ولم يأذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقتلهم، بل شاء الله ألا ينزل فيهم قرآناً يسميهم بأسمائه، فهم مستترون مختفون، لكن سرعان ما يظهر ما في نفوسهم من الغش والكفر والنفاق، وقد تقدمت آيات كثيرة في هذا الموضوع.

    معنى قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين ...)

    ونحن الآن مع قول ربنا تعالى عن المنافقين: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:79]، اللمز: الطعن والسخرية، لمزه: طعنه بكلمة سوء، قال فيه كلمة عيب من العيوب.

    فعندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم عن جمع المال لغزوة تبوك، -ومن الصحابة من تطوع بنصف ماله كـعمر رضي الله تعالى عنه، ومنهم من قدم أموالاً كثيرة، حتى الحمالين الضعفاء تطوعوا بأجرة حمل أمتعة الناس وقدموها للرسول صلى الله عليه وسلم- ظهر موقف هؤلاء مرضى القلوب وهم المنافقين، فإن كان المتطوع غنياً وتقدم بمال واسع وكثير، قالوا: هذا يرائي لأجل السمعة والشهرة، وإن كان فقيراً وقدم جهده، قالوا له: أنت أحوج إلى هذا الثمن، وهكذا يلمزون المطوعين.

    والمطوعين بمعنى: المتطوعين الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله بدون إلزام ولا إيجاب عليهم.

    والتطوع: ما كان دون الفريضة، فمن أدى الزكاة وأقام الصلاة لا يعتبر تطوعاً، وإذا تصدق بالمال بعد أداء الزكاة كان تطوعاً، وإذا صلى النافلة بعد الفريضة كان تطوعاً أيضاً.

    حرمة أذية المؤمن والسخرية منه

    هؤلاء المنافقون المرضى في المجتمع.. والآيات تنزل وهم يقلون أيضاً يوماً بعد يوم، إذ هذه الآيات كشفت الستار عنهم، وأظهرتهم على واقعهم، وإن لم تسمهم بأسمائهم، فإنها كانت سبيل نجاتهم، فكم وكم من تاب منهم.

    فقوله تعالى في الإخبار عنهم: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:79]، يلمزونهم فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:79]، فإن تصدق الغني، قالوا: يرائي ويحب الشهرة والسمعة، وإن تصدق الفقير، قالوا: ما هذا الفهم والذوق! أسرته جائعة وهو يتصدق؟!

    إذاً: لا يسلم منهم المؤمن الصادق، وهذا المرض موجود إلى يوم الساعة وإن لم يكن أهله منافقون، أي: كافرين، لكن اللمز والطعن والسخرية، أهلها يوجدون في كل زمان ومكان -ونعوذ بالله تعالى أن نكون مثلهم-، فلا نلمز مؤمناً ولا نطعن فيه، سواء أعطى الكثير أو القليل، أو منع وما أعطى، فلا نقول فيه: شحيح أو بخيل؛ إذ أذية المؤمن حرام، فالكلمة التي تؤذي ولي الله وعبده المؤمن محرمة على المسلمين، ولا يقولها إلا فاسق متوغل في الفسق، أو كافر ضليع في الكفر.

    غيرة الله على أوليائه المؤمنين ودفاعه عنهم

    قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة:79]، فقد كان الحمالون الذين يحملون البضائع يأخذون الأجرة ويدفعونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد.

    وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ جُهْدَهُمْ [التوبة:79]، أي: من يتصدق بما يستطيع وتصدق به، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ [التوبة:79] ويستهزئون.

    ثم قال تعالى: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79]، ومن سخر الله منه كيف ينجو، وكيف يسعد، وكيف يكمل؟! فإذا سخر الله من العبد انتهى شأنه، فتوعد الله المنافقين بقوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79]، والعذاب الأليم هو الموجع الشديد الإيجاع وهو عذاب النار، عذاب الدار الآخرة والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم...)

    لما نزلت هذه الآية جاء المنافقون يستغفرون رسول الله: استغفر لنا يا رسول الله، قلنا وأذنبنا فاستغفر لنا يا رسول الله، ويقولون هذا بألسنتهم فقط، فهم مغطون الكفر في قلوبهم؛ خوفاً من الضربة أن تصيبهم، فيقولون: استغفر لنا، فيستغفر لهم الرسول أحياناً؛ لرحمته وإحسانه ورقة قلبه، فيقول: أستغفر الله لكم، فأبى الله ذلك وأنزل قوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة:80]، أي: استغفرت أو لم تستغفر فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80].

    عدم جواز الاستغفار للكافر بعد موته وبيان نفي المغفرة له

    والشاهد: أنه عندما نزلت هذه الآية خافوا ويأتون كأنهم مؤمنون صادقون ويقولون: استغفر لنا يا رسول الله، فيستغفر لهم؛ لرحمته ورأفته وإحسانه بالخلق كلهم..، فيضطر إلى أن يستغفر للمنافقين، فأخبره تعالى بقوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة:80]، وهذا العدد دائماً ينتهون إليه، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، فهؤلاء توغلوا في الكفر، وتعمقوا في الشر والفساد والفسق، فاستغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لن ينفعهم.

    وقد جاءت آيات أخرى تعلمنا أن الكافر لا يستغفر له، وهذا إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه لما واعده أن يستغفر له، فلما تبين له كفره ترك الاستغفار عنه، قال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114]، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستغفر لأمه ولا لأبيه؛ لأن الكافر لا يغفر له، ما دام قد دخل النار وكان من أهلها بكفره وشركه، فلن ينفعه استغفار المستغفرين: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، وعلل تعالى ذلك بقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:80]، أي: لأنهم كفروا بالله ولقائه ورسوله، والكافر لا يستغفر له مطلقاً، سواء كان والداً أو والدة، أو أخاً أو عماً، فمن مات على الشرك لا تنفعه لا صلاة عليه ولا استغفار له، ولا يجوز أن نستغفر له؛ لأننا نناقض حكم الله عز وجل، فقد قضى الله بأنه من أهل النار الخالدين فيها، فكيف نطالب الله بأن يغفر لهم، ويعطل حكمه الذي صدر؟!

    فمن الأدب ألا نستغفر أبداً لغير المؤمنين والمؤمنات، والآية نص صريح، إذ قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:80]، أبعد كفرهم بالله ورسوله يستحقون المغفرة ويستوجبونها؟!

    الجواب: لا، فمصيرهم الخلود في عالم الشقاء، في النار دار البوار.

    حرمان الفاسقين من الهداية

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:80]، أي: الذين توغلوا في الفسق وتعمقوا فيه، فخرجوا عن طاعة الله ورسوله في كل ميادين الحياة، وهؤلاء هم الفاسقون كذلك لا يستغفر لهم، فإن الله لن يغفر لهم.

    وهناك أيضاً لطيفة أخرى: وهي أنهم لما توغلوا في الكفر والفساد والشر، أصبحوا غير أهل للهداية الإلهية فالله لا يهديهم، وهذه اللطيفة كررناها -معاشر المستمعين والمستمعات!-، فعلى العبد المؤمن أو المؤمنة إذا زلت قدمه وارتكب إثماً من كبائر الآثام عليه أن يعجل بالتوبة على الفور، فإذا أذنب عبد الله أو أمته بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب فواجب عليه التوبة الفورية؛ لأنه لو تتوالى ذنوبه يطبع على قلبه ويختم ولا يقبل توبة ولا يتوب.

    يقول تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17]، أي: حق لله تعالى، وتكرم بهذا الواجب: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17] أولاً، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:17].

    فلاحظوا -رحمكم الله- كلمة: يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] لا من بعيد، القرب والبعد هنا زمني، فالذي توغل في فاحشة من الفواحش لمدة عشرين أو ثلاثين سنة لن يتوب منها، والذي توغل في أي معصية تصبح من أخلاقه ومن طباعه فلا يتأتى له التخلي عنه أبداً، فلهذا أجمع أهل الإسلام على أن التوبة تجب على الفور، ولا تؤجل إلى العام المقبل أو إلى الساعة الفلانية، فإذا زلت القدم وسقطت: أستغفر الله مع دموعي أذرفها وأتوب إلى الله، ينمحي ذلك الأثر، أما مواصلة الذنب، فإنه بعد فترة من الزمن ما يقبل التوبة ولن يتوب، وقد قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، وشرح النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة وبينها لأمته، فقال: ( إذا أذنب العبد ذنباً وقعت نكتة سوداء على قلبه، فإن تاب صقلت ومسحت، وإن زاد ذنباً آخر وقعت نكتة إلى جنب الأولى، وزاد الثالثة والرابعة والخامسة، فتغطى القلب وتغشى بالذنب فيحرم التوبة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).

    فهو هنا عز وجل أعلن عن حرمانهم من الهداية، فلن يهديهم لأن يدخلوا في رحمة الله ويسلموا؛ لتوغلهم في الفسق والخروج عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    فتأملوا الآية -رحمكم الله- يقول تعالى في أولئك المنافقين الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79]، أي: أن المنافقين إذا رأوا الغني يتصدق قالوا: يرائي، وإذا رأوا الفقير يتصدق، قالوا: ما حمله على هذا وهو في حاجة إليه، فاللمز والطعن في الجانبين، في الأغنياء والفقراء؛ لأنهم يتصيدون الثغرة التي يطعنون فيها المسلمين.

    ثم لما جاءوا يطلبون الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى له: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ [التوبة:80]، أي: يا رسولنا، أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ [التوبة:80]؛ فما العلة وما السبب، وما الحكم؟

    قال في بيان العلة والسبب: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:80]، والله يقول في نفس السورة: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:113-114]، وأوضح من هذا مرور النبي صلى الله عليه وسلم بقبر والدته في طريق مكة المدينة، فبكى طويلاً فسألوه لِمَ تبكي يا رسول الله؟! فأجابهم: ( أن الله أذن لي بزيارة أمي، ولم يأذن لي في الاستغفار لها )، فإذا قضى الله حكمه على عبده وأصبح من أهل النار، فلا يجوز طلب المغفرة له؛ لأن الله لن يغفر الله له، وفي نفس الوقت تأديب للكافرين ليعرفوا موقفهم، أنه لا يستغفر لهم؛ لأنهم كالأموات.

    وهكذا يقول تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80] لماذا؟

    أولاً: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:80]، (كَفَرُوا بِاللَّهِ): أي: ما آمنوا بوحدانيته، وإن آمنوا بربوبيته كفروا بالله؛ لأنهم ما صدقوا رسله ولا كتبه التي أنزلها، ولا قالوا بشرعه الذي يسعد عليه المؤمنون والمؤمنات.

    وثانياً أنهم فاسقون، قال تعالى: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:80].

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! نكرر هذا القول: إذا زلت قدم العبد وسقط في جريمة من الجرائم ولو كذبة، فعليه أن يستعجل التوبة، ولا يقول: غداً أتوب، أو حتى أحج، أو حتى أتزوج، أو حتى أتوظف، فلا يحل تأخير التوبة عن ساعتها، وهذا من باب الرحمة بالمؤمنين؛ لأن من أذنب وواصل الذنب يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام قد يمنع ويحرم من التوبة، والله يقول: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17] أي: ليس تعمداً، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:17-18]، أي: ليست له توبة، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )، والغرغرة هي صوت الروح عند خروجها.

    ومن اللطائف: وجدنا آلة الكهرباء إذا نفذت الطاقة منها لها غرغرة، فسبحان الله العظيم! البطارية إذا استنفذت طاقتها الكهربائية في آخر حالها تسمع لها غرغرة.

    ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )، فإن حشرجت النفس في الصدر انتهى أمره.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين والمستمعات! إليكم بيان هداية هذه الآيات وتأملوا:

    [ أولاً: حرمة لمز المؤمن والطعن فيه ]، اللمز للمؤمن والطعن فيه مما حرم الله ورسوله، فلا يحل لك يا عبد الله! أن تطعن في مؤمن أو تلمزه أو تقول فيه كلمة سوء؛ لأنه ولي الله، ومن آذى أولياء الله أعلن الله الحرب عليه، إذ قال تعالى في حديث قدسي شريف: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، ومن أعلن الله عليه الحرب فلن ينتصر، ولو كانت معه الجن والشياطين.

    إذاً: دلت هذه الآية الكريمة على حرمة لمز المؤمن والطعن فيه بالكلمة فقط، وليس الطعن بالسيف أو الرمح، ولكن طعنه بكلمة سوء، سواء عيره أو قبح سلوكه، فلا يحل لأحدنا أبداً طول الحياة أن يطعن في مؤمن أو يلمزه.

    [ ثانياً: حرمة السخرية بالمؤمن ]، والسخرية كالاستهزاء محرمة أيضاً على المؤمن أو المؤمنة، مهما كان المؤمن فقيراً أو غنياً صالحاً أو فاسداً، إذ قال تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ [التوبة:79].

    [ ثالثاً: غيرة الله على أوليائه، حيث سخر الله ممن سخر من المطوعين ].

    (غيرة الله -الله يغار لأوليائه وعبيده- على أوليائه حيث سخر الله ممن سخر من المطوعين)، إذ قال تعالى: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التوبة:79]، وسخر الله منهم؛ لأنهم آذوا أوليائه وآذوا عباده المؤمنين، فسخروا منهم.

    إذاً: فكافأهم الله وجازاهم على سخريتهم بأن سخر منهم، فأنت سخريتك ما لها أثر كبير، لكن الله إذا سخر من عبد مسخه ولن يبقى له قيمة في الوجود.

    [ رابعاً: من مات على الكفر لا ينفعه الاستغفار له ]، فلهذا لا يصلى عليه صلاة الجنازة، ولا يستغفر له في المقبرة؛ لأنه ميئوس من رحمة الله له، وذلك لعلم الله، وإعلام عباده بأنه لن يغفر لهم.

    [ بل ولا يجوز الاستغفار له ]، وحسبنا ويكفينا قول ربنا عز وجل: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:114]، وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من أمه آمنة وهو في طريقه إلى مكة أو إلى المدينة بكى وهو على قبرها؛ لأنها ماتت في الطريق، فقد كانت عند أخوالها ثم توفيت في الطريق، فسئل، فقال: ( أذن لي ربي في زيارة قبرها، ولم يأذن لي في الاستغفار لها )، وما استغفر رسول الله لأبيه أبداً ولا ثبت أنه أفاد في كلمة، ولا حتى لجده، وما كان للمؤمنين أن يستغفروا.. مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113].

    [خامساً: التوغل في الفسق أو الكفر أو الظلم يحرم صاحبه الهداية ]، فالكثرة في الفسق والفجور أو الظلم أو الشر أو الفساد، من شأنها أن صاحبها يحرم الهداية فيصبح غير قابل للتوبة والهداية، ولهذا نبهنا إخواننا وضربنا لهم المثل: فالذي عاش أربعين سنة أو خمسين سنة يشرب الخمر فلن يستطيع أن يتركها، والذي اعتاد على السجائر عشرين .. ثلاثين سنة فلن يقوى على تركها وهذه هي الحقيقة، فلهذا يجب علينا أن نتوب على الفور، زلت القدم فقلت كلمة باطلة، نظرت نظرة سيئة، تحركت حركة غير صالحة، استغفر الله وتب إليه، واعزم على ألا تعود، فيمحى ذلك الأثر بإذن الله ويزول، وهذه هي هداية الرب لعباده المؤمنين.

    نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم، وأن يتوب علينا وعليكم.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010991707

    عدد مرات الحفظ

    722059691