إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (28)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المنافق إذا عاهد عهداً نكثه، وإذا وعد وعداً نقضه، وقد أخبر الله عن بعض المنافقين أنه عاهد الله إن هو رزقه مالاً فإنه سينفقه في وجوه الخير، فلما آتاه الله المال بخل به واستكثر الوفاء بما عاهد عليه الله، فجعل الله جزاءه أن امتلأ قلبه نفاقاً بسبب فعله ذاك، وأنه لا يتوب إلى الله الذي يعلم السر والنجوى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده).

    وها نحن ما زلنا مع سورة التوبة -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة-، ومع هذه الآيات التي نستمع تلاوتها مجودة مرتلة ونحن نتدبر، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:75-78].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75]، الحديث عن المنافقين وقد تقدم بيان كثير من عجائبهم وأحوالهم، وهذا أيضاً في بيان عجائب أفعالهم وصنائعهم، فيخبر تعالى فيقول: وَمِنْهُمْ [التوبة:75]، أي: من أولئك المنافقين، مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75]، أي: أعطى لله عهداً بأن قال: اللهم إن رزقتني كذا أفعل كذا، وإن وهبتني كذا فعلت كذا من أجله، فعاهدوا الله عز وجل وقالوا في عهدهم: لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة:75]، هذا الكلام سواء قالوه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه أن يدعو الله لهم بالغنى ووفرة المال، واستجاب الله كما يروى عن رجل من الصحابة، ولكن السياق يدل على أنهم منافقون وليسوا بواحد لعلهم الجد بن قيس وغيره.

    وعلى كل حال يخبر تعالى عنهم فيقول: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75]، أي: عاهدوه على شيء، وقالوا: لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:75]، أي: وفر أموالنا وأعطانا المال الكثير فإننا سننفق ذلك في سبيله، ونكون من الصالحين.

    وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75] وقال: لَئِنْ آتَانَا [التوبة:75]، أي: أعطانا الله مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:75]، المال، لَنَصَّدَّقَنَّ [التوبة:75]، أي: نخرج زكاته وننفقه في الجهاد وعلى الفقراء والمساكين، وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة:75].

    والصالحون معاشر المؤمنين والمؤمنات! هم الذين أدوا حقوق الله كاملة، وأدوا حقوق عباده كذلك كاملة، وهم أيضاً الذين أدوا حقوق الله التي أوجبها عليهم بكل صدق ووفاء، وأدوا حقوق العباد كذلك ما بخسوا شيئاً ولا نقصوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما آتاهم من فضله بخلوا به...)

    قال تعالى مخبراً عنهم: فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:76]، إذ الروايات تقول: سألوا الغنم، فأعطاهم الله غنماً سدت الوادي، والعبرة ليس بخصوص السبب بل بعموم اللفظ.

    فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ [التوبة:76]، أنكروا أنهم واعدوا الله وعاهدوه، أو أنكروا أنهم عاهدوا رسول الله وطلبوا منه أن يدعو لهم بالمال، فلما أصابهم المال انتكسوا.

    وقال تعالى: وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة:76]، (تولوا): أي: أعرضوا عما كان يعدون به ويعاهدون رسول الله عليه والمؤمنين، ولما حصل المال وامتلأت جيوبهم وكثرة أموالهم ومواشيهم أعرضوا -والعياذ بالله تعالى- وبخلوا فيما أعطاهم، وأعرضوا عائدين إلى باطلهم وكفرهم ونفاقهم، والمخبر بهذا هو علام الغيوب، وقد تم هذا بالحرف الواحد.

    فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة:76]، أي: تولوا عما عاهدوا به وادعوا أنهم يفعلونه، وهم في نفس الوقت معرضين عن الإسلام، إذاً: هم منافقون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه...)

    ثم قال تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا [التوبة:77]، أي: أن ذلك الشح والبخل، وذلك الكذب وعدم الوفاء ورثهم نفاقاً في قلوبهم، ولا شك أنهم كانوا منافقين فازداد بذلك نفاقهم، فهذا السلوك المنحرف الذي هو خلف الوعد، ونكث العهد وعدم الاستجابة لأمر الله، والإعراض عن دينه قطعاً سوف يورثهم نفاقاً؛ لأن النفاق كما علمنا: هو إبطان الكفر في النفس، وإظهار الإسلام باللسان والجوارح، فمحل النفاق القلب، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان في أوساط رجاله منافقون أعطى لأصحابه علامات يعرفون بها المنافق من غير المنافق، فالمجتمع خليط وفيه الصالح والفاسد، فلا يستطيع عمر ولا عثمان أن يعرفوا ما في قلب الجد بن قيس ، فأعطاهم الرسول صلى الله عليه وسلم علامات النفاق، فقال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة كان فيه خصلة من النفاق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)، وقال: (آية النفاق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)، من أجل أن يعرفوا المنافقين في مجتمعهم، إذ كانوا كثرة، ولكن بوصف الله وإعلانه وإنزال هذا الكلام الإلهي أخذوا يرجعون إلى الإسلام الحق، وأكثرهم عاد إلى الإسلام، وقل من مات على نفاقه.

    يقول تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا [التوبة:77]، أي: ذلك التصرف الشائن، خلف الوعد ونكثه أورثهم نفاقاً في قلوبهم إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة:77]، ومعنى هذا أن تلك المكرة التي مكروها، والكذبة التي كذبوها متعمدين وهي أنهم وعدوا إذا أعطاهم الله المال أن ينفقوه في سبيل الله، فلما أخلفوا ما وعدوا ونكثوا ما عاهدوا، أعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم.

    فقال تعالى: إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة:77]، ومعنى هؤلاء أنهم لا يتوبون ولا يفارقهم النفاق إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، أي: بسبب إخلافهم الله عز وجل ما وعدوه من أنهم إذا أعطاهم المال سينفقونه في سبيله في أوجه الإنفاق، مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، إذاً: أعقبهم النفاق في قلوبهم وسيستمر ولن ينقطع حتى الموت وإلى لقاء الله، وسبب ذلك أنهم أخلفوا الله، فقد واعدوه وما أعطوه، أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، والمنافق كذاب، فلقد قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ادع الله لنا أن يرزقنا أموالاً، فننفقها في سبيل الله، وكذا وكذا، وهذا كله أصبح كذباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم...)

    ثم قال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [التوبة:78]، وهذا توبيخ وتقريع لهم وتهديد، وهؤلاء الذين يتبجحون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: ادع الله لنا أن يعطينا مالاً ننفقه في سبيله، فهؤلاء ما يعلمون أن الله يعلم سرهم ونجواهم، ويعلم سرهم في نفوسهم ويعلم ما يتناجون به في مجالس خفية، في بيوتهم؛ لأنهم كتل، ثلاثة .. أربعة مع بعضهم البعض، فلو كانوا يعلمون أن الله يعلم سرهم ونجواهم ويؤمنون بذلك ما فعلوا هذه الفعلة الشنعاء التي ورثتهم النفاق الدائم إلى يوم القيامة.

    أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:78]، والغيوب: جمع غيب، ما غاب عن السمع والبصر، وهذا -كما علمنا- توبيخ وتقريع لهم، وليكونوا عبرة لغيرهم.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ [التوبة:75]، أي: من المنافقين، مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75]، أي: عاهد الله على أنه إذا أعطاه الأموال الكثيرة فسينفقها في سبيل الله، لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة:75]، بهذا التأكيد، واللام لام التوكيد ونونه، أي: كأنهم قالوا: والله لنصدقن بها ولنكونن من الصالحين؛ الذين يعطون حقوق الله وحقوق عباده، وكذبوا في ذلك.

    ثم يقول تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمْ [التوبة:76]، أي: الله، مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:76]، أي: آتاهم المال الذي طلبوه، بَخِلُوا بِهِ [التوبة:76]، أي: منعوا الزكاة والصدقات، ومنعوا الصرف والإنفاق في الجهاد كسائر المؤمنين، بَخِلُوا بِهِ [التوبة:76]، أي: بخلوا بذلك المال الذي سألوا الله أن يعطيهم؛ لينفقوا في سبيله.

    ولما بخلوا بهذا المال أعقبهم ذلك نفاقاً، أي: ورث لهم نفاقاً في نفوسهم، فإن كانوا منافقين زاد في نفاقهم، وإن كانوا ما نافقوا بعد ورثوا في نفوسهم هذا النفاق، فقال تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة:77]، وهذه هي الفتنة العظيمة، ومعنى هذا: أنه أغلق باب التوبة عنهم، وأنهم لن يتوبوا؛ لأنهم عاهدوا وأخلفوا كأنهم يكذبون على الله ورسوله.

    وقد علمنا من سنة الله عز وجل أن من يتعمد المعاصي ويواليها ولا يقطعها أشهر أو سنين تنتكس فطرته، وقلبه ويصبح لا يقبل إيماناً ولا تقوى، فالأمراض تورث العجز والموت، وكذلك الذنوب إذا توالت وهي كبائر الذنوب تورث هذا الانقطاع، فيصبح العبد لا يفكر أبداً في التوبة والعودة إلى الله؛ بسبب فسقه وفجوره ومواصلة ذلك.

    فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة:77]، أي: إلى يوم القيامة وبين تعالى؛ لأن الكتاب كتاب هداية فقال: بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ [التوبة:77]، أي: الله عز وجل، وثانياً: وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، أي: وبسبب كذبهم، وأنتم تعلمون أن الكذب من صفات المنافقين، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، )، وسألوه عن بعض الجرائم قال: ممكن يفعلها، فالمؤمن لا يكذب.

    ثم قال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا [التوبة:78]، وهذا الاستفهام تأديباً وتقريعاً وتوبيخاً لهم، أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [التوبة:78]، فكيف إذاً يتبجحون ويعدون، ويقولوا للرسول: ادع الله لنا، وإن رزقنا الله الأموال سنفعل ونفعل، وهم يجتمعون في بيوتهم ويفكرون في عدم الفعل بالمرة؟!

    وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:78]، ما غاب شيء إلا والله عليم به، أما غير الله من مخلوقاته يعلمون في حدود طاقتهم، أما الله فهو علام الغيوب كلها، فلا يخفى عليه شيء سواء كان في السر أو في النجوى، إذ كانوا في السر بينهم وفي النجوى كذلك.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    وهذه هداية الآيات فلنتأملها.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب الوفاء بالعهود وخاصة عهد الله ]، فيجب على المؤمن والمؤمنة أن يفي بوعده إذا وعد، وأن يفي بعهده إذا عاهد، لا سيما إذا كان عاهد الله، وما عاهد إنسان.

    [ثانياً: ذم البخل وأهله ]، فالبخل مذموم، وهو الشح.

    إذاً: الآية دلت دلالة واضحة على أن البخل مذموم وليس بمرغوب فيه ولا محبوب وصاحبه آثم.

    [ ثالثاً: تقرير مبدأ أن السيئة يتولد عنها سيئة ] وهذه سنة الله، حتى قالوا: وهل تلد الأفعى إلا أفعى، هل تلد الحية إلا حية، فهذه سنة الله: السيئة تولد سيئة، من أساء وعمل سيئةً فليبادر بالتوبة قبل أن تتولد عنها سيئة أخرى.

    فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا [التوبة:77]، بسبب: بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77].

    إذاً: (تقرير مبدأ أن السيئة يتولد عنها سيئة)، فلما فعلوا هذه الجريمة، وهي خلف الوعد ترتب على ذلك عدولهم وإعراضهم عن الله وكذبهم في قولهم.

    [ رابعاً: جواز تقريع وتأديب أهل الباطل ]، ألم يقرعهم الله وأدبهم؟

    إذاً: فيه دليل على أن صاحب الباطل يؤدب ويقرع ويلام ويعتب عليه ولا حرج، هذا الله قد عتب عليهم ولامهم في فعلهم.

    [خامساً: وجوب مراقبة الله تعالى إذ لو راقب هؤلاء المنافقون الله لما خرجوا عن طاعته]، وجوب مراقبة الله تعالى على كل مؤمن ومؤمنة أن لا يغفل على أن الله معه يراه ويسمع كلامه، فإذا فكر العبد في ذنب من الذنوب يجب أن يشعر نفسه أن الله قد عرفه، وأن الله ينظر إليه وقد علمه فيخاف حينئذٍ الله ويرهبه ولا يقدم على تلك المعصية.

    والمراقبة لها شأن عظيم إذ ذكر تعالى في سورة العنكبوت مقتضيات النجاة من النار ودخول الجنة، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، تلاوة القرآن بتأني وتدبر وخاصة في التهجد وغيره من شأنها أن تزيد قوة الإيمان وطاقته، وأن تحفظ العبد من الوقوع في الذنوب والآثام.

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]، الأمر الثاني: إقام الصلاة، وعلل ذلك بقوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، فالمقيم للصلاة المؤدي لها على شروطها وأركانها، وكما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقع في كبائر الذنوب والآثام، فصلاته تحفظه.

    ثالثاً: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]، مما يورث العصمة والحفظ للعبد أن لا يقع في زلة الذنوب؛ لأنه يراقب الله ويذكره تعالى، فعندما يريد أن يقدم على المعصية لو ذكر الله رجع، فلا يستطيع ذاكر الله أن يقع في ذنب فالله في قلبه، وعلى لسانه اسمه.

    رابعاً: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، هذه هي المراقبة، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، فمن علم أن الله عليم بصنعه الخير أو الشر يقدم على الخير ويقصر عن الشر، فوجوب مراقبة الله تعالى يورث خوف الله عز وجل وعدم الوقوع في المعاصي.

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711250621