إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (26)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله في الآيات السابقة حال المنافقين، وما هم عليه من الصفات الخبيثة، وما ينتظرهم يوم القيامة من الخزي والعذاب، ذكر هنا صفات المؤمنين الصادقين، وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤدون سائر الفرائض، ويطيعيون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي، ثم ذكر الله عز وجل ما ينتظرهم من الرحمة والنعيم المقيم، جزاء إيمانهم وإحسانهم وعملهم الصالح.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة التوبة المدنية -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة-، ومع هاتين الآيتين.. وقد شرحنا بعضهما بالأمس، ونوالي دراستهما الليلة إن شاء الله، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة الآيتين مجودة مرتلة، ونحن نتأمل ونتدبر ونتفكر، ثم بعد ذلك نتدارسهما إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:71-72]، اللهم اجعلنا منهم.

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! بالأمس عرفنا أن هناك مظهرين أو منظرين على شاشتين من كتاب الله عز وجل، المظهر أو المنظر أو الشاشة الأولى للمنافقين، فعرفنا من هم المنافقون، وعرفنا جزاءهم عند ربهم وهو العذاب المقيم.

    وعرفنا المؤمنين بحق، وسألنا الله أن نكون منهم، فالمؤمنون بحق وصدق:

    أولاً: هم الذين بعضهم أولياء بعض، فلا عداء ولا بغضاء ولا حرب، ولكن حب وولاء، فالمؤمن الأبيض كالأصفر وكالأحمر وكالأسود، وحيثما كان فكل المؤمنين والمؤمنات أولياء له، يحبهم وينصرهم وهم يحبونه وينصرونه.

    قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ [التوبة:71]، وهذه الصيغة دالة على صدق الإيمان وكماله.

    وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ [التوبة:71] أي: مؤمنون بحق، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، ومعنى الولاية: الحب والنصرة، فيجب أن تحب المؤمن ولو كان أغمش.. أعمش.. أعمى.. فكيفما كان لا بد أن تحبه ويحبك لإيمانه، وأن تواليه ويواليك، ومتى فقدت هذه فلا إيمان على الصحيح، وهذا إخبار من الله سبحانه وتعالى، وهو خبر كالأمر يجب أن يكون المؤمنون على هذه الحال.

    بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، هذه أولاً: الولاء للمؤمنين فيما بينهم، والبراء من المنافقين والكافرين، فالمؤمن لا يوالي الكافر ولا ينصره ولا يؤيده ولا يحبه، ومن أحب الكفار والفساق والفجار والمنافقين خرج عن مبدأ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، فليراجع نفسه.

    من صفات المؤمنين والمؤمنات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    ثانياً: قال تعالى: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، فالمؤمنة في بيتها إذا رأت معروفاً متروكاً من زوجها أو من أولادها أو من بناتها أو من جاراتها يجب أن لا تسكت، بل يجب أن تقول: أي فلانة! افعلي كذا! أو يا فلان! افعل كذا!

    والرجل في مقهاه.. في مطعمه.. في شارعه.. في منهجه.. في أي مكان كان إذا رأى مؤمناً ترك معروفاً بلطف وظرف يقول: أي أخي! أو بني! أو والدي إذا كان أكبر منه: افعل كذا ولا تترك كذا، وكذلك إن رأى من يترك واجباً من الواجبات الشرعية، أو يرتكب محرماً من المحرمات الشرعية كذلك لا يسكت، ولكن بالكلمة الطيبة والابتسامة على الوجه يقول: أي أخي! أو ولدي! أو أبي! لا تفعل كذا وكذا؛ هذا يغضب الله عليك ولا يرضيه.

    ومن هنا تذكرون تلك اللطيفة.. فقلنا: بناءً على هذا لسنا في حاجة إلى البوليس والشُرط؛ لأن البوليس عددهم محدود والشُرط كذلك، والمؤمنون كلهم شُرط وبوليس، وما من رجل ولا امرأة إلا وهو شرطي وبوليس لله عز وجل بين عباده، إذ ما مهمة الشرطي إلا الأمر بالمعروف إذا ترك، والنهي عن المنكر إذا فعل.

    فالمؤمنون والمؤمنات كلهم جيش الله، وهذا غير متعذراً وليس صعباً، فلقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمدة عشر سنوات وليس عنده بوليس ولا شرطي، وخلفه من بعده في أمته أبو بكر الصديق ثلاث سنوات ولم يكن لهم شرطياً ولا بوليس؛ كلهم شُرط وبوليس، ثم من بعده خلفه عمر لمدة ثلاث عشرة سنة، هل كان له شُرطاً أو بوليس؟ ثم خلفه عثمان ثم خلفه علي وهكذا، فكل الأمة كانت شُرط وبوليس.

    ولما عرضنا وأصبحنا في حاجة إلى من يعلمنا ويؤدبنا، ويضرب على أيدينا اتخذ الناس شُرطاً وبوليس؛ لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    أرجو أن يكون المستمعون والمستمعات على وعي، فلا نبقى في نزاع: لِمَ يوجد أو لا يوجد؟ بل يجب أن يكون كل واحد منا شُرطياً في دولته وبوليساً بين إخوانه يحبهم ويحبونه، وإنما قد يغفل العبد فينبهه لما ترك من معروف، أو يجهل فينبهه لما ارتكب من منكر مع المودة والولاء، إذ الأصل هو الولاء الحب والنصرة والموالاة.

    وقد قلنا: آه! لو أن أهل قرية في العالم الإسلامي، أو مدينة من مدن المسلمين عرفوا هذه الحقيقة ولبسوها كالثوب الأبيض والله! لزرناهم؛ لنشاهد آيات الله فيهم، فالحب والولاء يفرض التعاون المطلق على كل خير.

    وعلى كلٍ الأمر لله قبل كل شيء وما علينا إلا البيان، وما علينا إلا أن نجتهد في أن نرضي ربنا عز وجل، فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر بعدما نوالي كل المؤمنين والمؤمنات.

    من صفات المؤمنين والمؤمنات إقامة الصلاة

    ثالثاً: قال تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [التوبة:71]، وإقام الصلاة على الحقيقة: إذا قال المؤذن: حي على الصلاة! وقف العمل ولم يبق مصنع تدور آلاته، ولا متجر أبوابه مفتوحة

    ولا مزرعة ويضع الفلاح المسحاة من يده، بل يقف كل شيء؛ إذ لهذا خلقوا، المصنع والمتجر والمزرعة من أجل التغذية؛ ليقيموا الصلاة، فالعلة إقام الصلاة.

    فإذا كان أهل البلد حال سماعهم لأذان المؤذن يؤذن أوقفوا العمل وأقبلوا على الله، فنسبة الشر أو الخبث أو الفساد لن تزيد على (5%)، وتأمن البلاد وتصحو وتصفو، وإن شئتم حلفت لكم بالله.

    وقد قلت لكم: اذهبوا إلى بيوت الشُرط والمسئولين واسألوهم عن الجرائم التي وقعت في هذا الأسبوع؟

    يقولون: مائة جريمة، نقول: والله! لن يوجد بينهم أكثر من (5%) من مقيمي الصلاة، و(95%) من تاركي الصلاة أو المصلين غير المقيمين للصلاة، وذلكم مصداق قول ربنا تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، فكيف تتخلف عن الصلاة؟ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

    من صفات المؤمنين والمؤمنات إيتاء الزكاة

    ثالثاً: قال تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [التوبة:71]، فمن وجبت عليه زكاة في ماله الصامت كالذهب والفضة والعُمل التي تقوم مقامهما أو كالشعير والبر، أو في المال الناطق كالإبل والبقر والغنم.. فمن وجبت عليه زكاة من المؤمنين يخرجها في وقتها، ويسلمها لمن وكله إمام المسلمين بتسلمها وتوزيعها، وإن لم يجد من يستلمها منه يقوم هو بنفسه ويوزعها على المصارف الثمانية التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وبينها مصرفاً بعد مصرف.

    من صفات المؤمنين والمؤمنات طاعة الله وطاعة رسوله

    رابعاً: قال تعالى: وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]؛ لأن الآمر عليم حكيم، فإذا قال: صم. لا تسأل، والله! لن يخرج صيامك عن مصلحة وفائدة وخير لك، ولا تتعب نفسك، وإذا قال: الخمر ممنوعة. اعلم أن فيها من الضرر ما لا تعلمه أنت ولا غيرك، ما حرمها إلا لضرر فيها.

    وهذه حقيقة.. فبالله الذي لا إله غيره! ما أمر الله تعالى ورسوله بشيء إلا لأنه نافع صالح محقق لسعادة صاحبه، ووالله! ما نهيا عن شيء وحرماه من قول أو اعتقاد أو عمل إلا لأنه ضار مفسد موقع صاحبه في الشقاء والخسران الأبدي؛ لأن هذا المشرع ليس بإنسان يعرف ويجهل، أو يذكر وينسى، بل هذا خالق القلوب وطابع الطباع وغارز الغرائز، العليم بكل شيء، كتب في كتاب المقادير الكون كله خطواته ومشيه وكل ما فيه قبل أن يخلق السموات والأرض، فهذا الجبار العظيم.

    من صفات المؤمنين والمؤمنات طاعة أولي الأمر

    قال تعالى: وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]، وأضفنا إلى ذلك (أولي الأمر)؛ لقول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]؛ لأنني أنبه أن الخروج عن الحاكم مآله ومصيره الخراب.. الدمار.. الأرواح تزهق.. الأعراض تنتهك، فلا يحل للمؤمنين أن يخرجوا عن إمامهم وإن كان فاسقاً، ما لم يعلن عن ردته، فيضع البرنيطة على رأسه والصليب في عنقه، ويقول: لا أؤمن بالله ولا بدينكم، ففي هذه الحال يجب أن يغضبوا كلهم، فليست جماعة ولا منظمة، وعلى الأمة أن تخرج.. الله أكبر يسقط هذا الحاكم الكافر ويستبدلونه في أربعة وعشرين ساعة بغيره.

    أما التكتلات والجمعيات والأنظمة السرية على غرار المجوسية، وعلى غرار الماسونية، فهذا لن يجيزه الإسلام إلى يوم القيامة، وقد عرفنا نتائجه ويكفينا.

    فطاعة أولي الأمر واجبة وحتمية في المعروف، فإذا قال لك إمام المسلمين: اشرب الخمر. لا تشربه، قل له: سامحني أنا مؤمن لا أشرب، قال: افجر! قل: لا نفجر، قال: اقتل فلان! قل: لا نقتله، ( إنما الطاعة في المعروف )، فإذا كان ما أمر به من المعروف لا من المنكر يجب أن يطاع بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    سعة رحمة الله تعالى بأهل الإيمان

    وهؤلاء المؤمنين قال تعالى فيهم: أُوْلَئِكَ [التوبة:71]، أي: السامون.. الأعلون الأطهار الأصفياء الذين صفاتهم كما علمتم: أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71]، هنيئاً لهم.

    (سَيَرْحَمُهُمُ) السين للتأكيد، سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71]، ورحمة الله هي في الدنيا طمأنينة النفس وطيب الخاطر وانشراح الصدر، وأنت لا تخاف ولا تحزن، فإذا جعت أو عطشت، لبست أو اعتريت، لا خوف ولا حزن في الدنيا، وفي الآخرة أن تبعد عن دار البوار النار وتدخل الجنة دار السلام.

    سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71]، وهذا وعد ولن يخلف الله وعده وحاشاه؛ لأنه عزيز حكيم، لا يمانع فيما يريد ويضع الشيء في موضعه.

    سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ [التوبة:71]، (عزيز): أي: غالب قاهر، إذا أراد شيئاً لا يمانع فيه، حَكِيمٌ [التوبة:71]، يضع الشيء في موضعه، صاحب النفس الزكية الطيبة الطاهرة ينزلهم منزل الأطهار، وصاحب النفس الخبيثة المنتنة ينزلهم منازل المجرمين والأخباث، ما يخلط ولا يخبط فحاشاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار...)

    ثم ذكر تعالى بشرى أخرى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [التوبة:72]، أي: المؤمنين السابق صفاتهم الخمس، وهذا وعد آخر: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التوبة:72]، جنات: جمع جنة، والجنة: البستان الذي أشجاره تضللك وتسترك.

    (جنات) من وصفها: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التوبة:72]، (الأنهار): جمع نهر، وعرفنا الله بهم وأخبرنا عنهم، فقال: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد:15]، يعني: غير متغير ولا متعفن، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد:15]، بالحموضة ولا بالمرارة، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، أي: من الشمع، وهي أربعة أنهار، وهناك نهرٌ خاص بأبي القاسم وهو نهر الكوثر: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، وقد مر صلى الله عليه وسلم به في دار السلام هو وجبريل، وقال جبريل: هكذا في هذا النهر، فخرج طيناً أطيب والله! من ريح المسك، من شرب منه شربة لا يظمأ، فبياضه أشد بياضاً من الثلج، وأبرد من الثلج.

    قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التوبة:72]، أي: خلال قصورها.

    خَالِدِينَ فِيهَا [التوبة:72]، أي: لا يخرجون منها، ولا يبرحون أبداً.

    وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً [التوبة:72]، أي: جمع مسكن طيب، طيب طاهر جميل لا تتصوره، فهي قصور الجنة.

    فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [التوبة:72]، أي: إقامة لا رحيل منها ولا تحول أبداً.

    قال تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ [التوبة:72]، اسمعوا هذا الخبر عن سيد البشر في الرضوان: روى الشيخان البخاري ومسلم ومالك في الموطأ رووا رحمهم الله: عن أبي سعيد الخدري -الصاحب الجليل رضي الله عنه- قال أبو سعيد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة )، أي: لما يستقرون فيها وينزلون يتجلى لهم الرب تعالى ويناديهم: ( يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! )، اللهم اجعلنا منهم ووالدينا والمؤمنين!

    ( يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير بين يديك، فيقول: هل رضيتم؟ ) أي: هل رضيتم بهذا النعيم؟ ( فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول الله: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ )، أي: ألا أعطيكم أفضل من ذلك النعيم الذي عرفتم؟ ( فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا الذي أعطيتنا؟ فيقول: أحل عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبداً

    وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72]، أي: أكبر من النعيم كله.

    قال تعالى: ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:72].

    معاشر المؤمنين والمؤمنات! هذا هو الفوز العظيم فكونوا من أهله، أو هيا نعمل على أن نكون من أهله:

    أولاً: نؤمن الإيمان الصحيح الذي يجعلنا مع المؤمنين أحباء أولياء ينصر بعضنا بعضاً.

    ثانياً: نأمر بالمعروف ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وننهى عن المنكر كذلك.

    نقيم الصلاة على الوجه الذي أمر الله ورسوله في أوقاتها على أركانها وأسسها وشرائطها كما هي مبينة.

    ونؤتي الزكاة عندما يحل وقتها إن أعطانا الله المال.

    ثم نعمل على طاعة الله والرسول حتى في الأكل باليمين، وحتى في تقديم الرجل اليمنى على اليسرى عند دخول المسجد، وفي كل صغيرة وكبيرة، وحينئذ نصبح أهلاً لرحمة الله فيرحمنا الله، فرحمته عز وجل تتجلى في هذا الوعد الصادق: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ... [التوبة:72]، الآية، وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72]، أي: أكبر من كل نعيم، اللهم اجعلنا من أهله يا رب العالمين.